عن الاغتراب واللغة والكتابة.. حوار مع هيثم الورداني
كان أول ما لفت انتباهي وأنا أقرأ لهيثم الورداني بعد لغته القريبة من الشعر؛ الكتابة التي تبدأ عن طريق عملية تأمل طويلة، ومحاكاة العالم بداية من الذات. يترك هيثم كتابته لقوة عالم الحلم، وفيها يشتبك عن طريق ذاته مع اللغة والفقد والثورة والإحباط.
تزامنت قراءتي لهيثم، والتي بدأتها بمجموعته القصصية الأخيرة «ما لا يمكن إصلاحه» (2020)، مع الفترة التي تلت تخرجي من الكلية وبدايات محاولات النجاة من القلق والاكتئاب. كانت هذه فترة انتشار فيروس كورونا وقلقي من انتقالي من مرحلة الطالب إلى مرحلة الباحث عن عمل، وقلقي من خطر إصابة أمي بالفيروس. في هذا الوقت لم أكن أفعل شيئًا إلا القراءة والنوم.
أخبرت أصدقائي أن «ما لا يمكن إصلاحه» بدلت حياتي. لم أعد الشخص نفسه الذي كنته قبل القراءة، ربما يرجع هذا إلى توقيت قراءتها، وكونها جاءت في مرحلة حرجة من حياتي. رأيتُ نفسي في بطلي «غداء» و«مياه جوفية». تماهيت مع صلاح بطل «غداء»، الذي لم يعد يربطه بعالمه القديم سوى شيئًا محايدًا يشبه صلة الرحم ويخشى انهيار البيت، لأني كنت أفكر أن كورونا ستطال أمي مهما فعلت من إجراءات احترازية، وهذا يعني انهيار البيت. ولم أتوقف عن القراءة إلا والدموع تنهمر من عيني في المشهد الذي يسير فيه بطل «مياه جوفية» بدراجته يفكر في أبيه الذي علمه ركوب الدراجة، وفجأة أخذ ينادي عليه وانتبه إلى أنه في عالم آخر. كنت أنا أيضًا في عالم آخر أنادي على أبي في عالمه، لعله يجعلني آمن من موت أمي.

بعدها، وعندما قرأت «كتاب النوم» (2017) شعرت أن جزءًا من النصوص مكتوب بصوت أبناء جيلي (مواليد التسعينيات)، الذي يعانون الإحباط من كل شيء حولهم، المجال العام، الثورة، الأمل.
في ما كتب هيثم تكون اللغة والكتابة في محل شك عنده أو هي ورطة بمعنى ما. في أولى مجموعاته «جماعة الأدب الناقص» (2003) يقول: «الأعمال المكتملة تخفي النقص الضارب في أعماقها عن طريق وحدة مصطنعة. وحدة هدفها إنقاذ ذات كاتبها. أما الأعمال الناقصة فلا تتحرج من ذلك النقص بل تمده إلى آخره».
في هذا الحوار أحادثه بشكل أساسي عن الهواجس التي راودتني وأنا أقرأ أعماله، عن الاغتراب والنجاة واللغة والكتابة والفردية.
الاغتراب
يتكرر تصوير مفهوم الاغتراب في أعمالك، ربما بدأ ذلك من قصة «حوارات» في مجموعة «حلم يقظة» (2011)، هل لهذا التكرار صلة بتجربتك الذاتية؟
كنت أعمل على مشروع حوارات مع بعض المهاجرين العرب حول خبرة هجرتهم، وبدأت بالفعل التسجيل مع بعضهم، ثم توقف المشروع لأسباب مختلفة. ربما حاولت في ذلك النص الذي ذكرتَه أن ألتقط الخيط الذي سقط، وأعود إلى الحوارات من باب التأليف. كان ذلك مطلع الألفينيات. وإذا كنا نتحدث الآن عن اغتراب السفر فإن من الصعب اليوم الحديث عن غربة حقيقية. الأوطان أصبحت مطوية داخل موبايلات الناس. أينما ذهبتَ حملتَ معك شبكة تواصلك الاجتماعي. وأينما استخدمتَ تطبيقات موبايلك رأيتَ الرموز والأيقونات المألوفة نفسها. بإمكانك معظم الوقت الاتصال بأحبابك صوتًا وصورة. لا أدري حقًا ما الذي تعنيه الغربة اليوم. ربما علينا أن نفكر أكثر في تلك الألفة المريبة التي تُوحّد خبراتنا أينما كنّا وأينما ذهبنا.

في قصة «مياه جوفية» من «ما لا يمكن إصلاحه» ظهر بطلها مضطربًا في المدينة، هذا ما يدفعني لسؤالك ماذا تعني لك المدينة؟
أنا ابن مدينة. نشأت في مدينة كبيرة هي القاهرة. وجسدي مضبوط على إيقاعات المدينة. لكني أصبحت الآن أرى الجانب الكابوسي والمظلم من ذلك الفضاء العمراني المسمى المدينة. هذا الفضاء أصبح نمطيًا، والاختلافات بين المدن الكبرى أضحت تتضاءل شيئًا فشيئًا
. خبرة الحياة أو المرور بالمدن الكبرى أصبحت مُهندسة سلفًا، ومؤطّرة تقنيًا واجتماعيًا. المدينة أصبحت طبقات مُجَمّلة من العنف، وفضاءات تُجسّد السياسات الليبرالية الجديدة بمختلف مذاقاتها وتنويعاتها. لم تعد المدينة المكان الذي يمكن لك أن تتعرف فيه على أنماط حياتية مختلفة ومثيرة، كما كانت عليه، وإنما أصبحت المكان الذي سرعان ما يصبح فيه أي نمط مغاير نمطًا تقليديًا. ربما حلّ الفضاء الإليكتروني محل الفضاء المديني في ما يخصّ التعرف على أنماط مغاير وجذرية، وممارستها. وربما لا. فقد تحول الفضاء السيبري بمرور الوقت من فضاء طوباوي إلى فضاء للمراقبة والضبط الإداري والاقتصادي. لا أدري في الحقيقة. نحن عالقون في ورطة في ما يبدو. لكن ما أصبحت أشعر به حيال المدينة هو قدر متزايد من الملل والزهق وقلّة الإلهام.
النوم والنجاة
سبق وظهرت ثيمة الاختفاء في قصة «مسلسل النائمون» في مجموعة «حلم يقظة»، هل يمكن اعتبار هذا الخيط بداية اختمار كتابيك «كيف تختفي» و«كتاب النوم»؟
أعتقد أنه لم يكن مقصودًا، أو لم يكن بداية لذلك، تحديدًا في كتاب «حلم يقظة» كنت قد وصلت إلى ما يشبه الطريق المسدود مع الكتابة، وصلت إلى مأزق جعلني أقف في مكاني. وأعتقد أن كتاب «كيف تختفي» ساهم في تحريك هذا الجمود. كان كتابًا تجريبيًا صغيرًا، لكنه سمح لي بإعادة التفكير في علاقتي بالأدب. أعتقد أيضًا أن كتابي «كيف تختفي» و«كتاب النوم» ساهما في ظهور مجموعة «ما لا يمكن إصلاحه»، ومن دونهما لم يكن لهذه المجموعة أن تظهر. والسبب هو أن كلا الكتابين جعلاني أجد لأسئلتي النظرية شكلًا كتابيًا مختلفًا عن السرد القصصي، مما جعلني أتحرر من أفكاري المسبقة، وجعلني أيضًا أذهب إلى مناطق في كتابة القصة لم تخطر لي من قبل.

في نصوص متفرقة من «كتاب النوم» تذكر أسامة الدناصوري وهاني درويش ووائل رجب، كأنها محاولة لتأطير فعل مقاومة الفقد واليأس بالكتابة. هل فعل الكتابة بالنسبة لك مرتبط بمحاولة النجاة؟
أعتقد إنني كتبت «كتاب النوم» في محاولة للتعامل والنجاة من جنون ويأس الفترة التالية لسنوات الثورة. وفي محاولة للتعامل مع سلسلة من الفقد الإنساني لأصدقاء رحلوا مثل أسامة الدناصوري أو هاني درويش أو نادين شمس أو غيرهم. كما كانت أيضًا محاولة للتجريب في الكتابة. كتبتُ عددًا من الشذرات أو المقاطع، وعندما زاد عددها أدركت أن الأمر يتعلق ربما بكتاب. وخلال كتابة الكتاب كنت أفكر في أن الأدب ربما يكون طريقة في التفكير مختلفة عن العلم أو الفلسفة. الأدب، على الأقل الأدب الذي أحبه، لا يسير في طريق العلم ويشرح الظواهر. ولا يستطيع الوصول إلى نظرية متكاملة تخصّ ما يهتم به على طريقة الفلسفة. الأدب يغرق في موضوعه. لكنه لا يبقى هناك، بل يعود من بعد غرقه. يعود بنصّ، بفضله يتزحزح كلٌّ من الأدب وموضوعه عن نفسيهما قليلًا.
في نص «رقة الراديكالية» من «كتاب النوم»، تتحدث عن النوم كفعل جماعي ليس فردي فقط، لماذا تصفه بأنه جماعي؟
هناك ملمح جماعي لخبرَتَي النوم والاستيقاظ. من ينام ليس بالضرورة فردًا فحسب. هناك سبات جماعي، تدخله جماعة مضطرةً أحيانًا أو باختيارها أحيانًا أخرى، ثم تستيقظ منه. هناك مثلًا أهل الكهف الذين ناموا سنوات حتى مرّت الكارثة. وهناك مثلا مراكز القرن التاسع عشر التجارية التي تُسمى البَواكي، والتي رأى بنيامين في مشروعه الشهير أنها كانت المكان الذي سارت في طرقاته ذوات ذلك القرن وهي مُسرنمة. أماكن عرض السلع، وأماكن القمار والجنس والمتعة، كلها كانت تُدخِلُ من يسير فيها في مشهد حلمي.
تتحدث عن النوم، في نص «تدريب طويل» في «كتاب النوم» كمرادف لموت موريس بلانشو، وهو موت يعيد للحياة نضارتها، وأن النوم يشبه ذلك، وأنهما لا يقعان تحت توصيف «فعل»، وكأنك تُحمل الكلمة تضادها، كيف ترى هذا؟
بلانشو كتب كثيرًا عن الموت والغياب. وعندما مات صديقه جورج باتاي كتب نصًا طويلًا أسماه صداقة. في هذا النص لا يسعى بلانشو إلى تأبين صديقه الراحل، أو استعادة أهم محطات حياته، بل يسعى لفهم الغياب الذي كان دائمًا ما يكتنف حضوره. يمكن القول إن بلانشو في هذا النص كان يرفض اعتبار أن صديقه قد انتقل من حضور الحياة إلى غياب الموت، وعوضًا عن ذلك يقول إن قراءة كتب باتاي -لكن أيضًا قراءة الكتب عمومًا، أيا كان أصحابها، وسواءً أكانوا أحياء أم أموات- تفتح دائمًا من يقرؤونها على الغياب الذي انسحبت إليه هذه الكتب. من يكتب كتبًا يغيب فيها، وباتاي كان يعيش داخل غياب كتبه، حتى وهو حيّ. أفكار بلانشو غامضة ووعرة في كثير من الأحيان، لكن ما أفهمه هنا هو أن الكتابة لا تنفي الصمت والغياب، وإنما تمنحه شكلًا. في المقطع الذي ذكرتَه من كتاب النوم كنتُ أفكر في أشكال الحياة التي أصبحت هي نفسها نوعًا من الموت. تلك الحياة الرتيبة التي يُعاد استنساخها كل يوم في دهاليز المدن الكبرى. هذه الحياة المقتولة ضبطًا وتنظيمًا هي والموت سواء. أمام أشكال هذه الحياة البائسة قد يساعدنا تذكر الموت المكبوت والكامن داخلها. الموت لا يعني الانتحار أو الانسحاب أو الاكتئاب، ولا حتى الموت الفيزيقي. الموت هو طاقة النفي الكامنة. هذا هو الموت عند بلانشو كما أفهمه. وما يقترحه هذا المقطع هو أنه ربما أمكن تلمس العون من النوم لكي تحدث انقطاعة داخل رتابة تلك الحياة الميتة. بهذا المعنى يكون النوم هو فعل غريب، لأنه يفعل عبر امتناعه عن الفعل، مثله مثل التردد أو الانتظار أو الملل أو المرض. جميعها أفعال خاملة أو سلبية، تحمل معها عكسها، أو تحمل معها نقدًا لفكرة الفعل، وتعيد تعريضنا للغياب والموت والنفي والغرابة وغياب المعنى. تعيد تعريضنا لكل ما ترغب الحياة الرتيبة في إخفائه لكي يستمر وضعها الراهن.
وصفت لحظة الوصول إلى الحقيقة بعد سبات طويل بـ«الاستيقاظ الديني»، لماذا ربطت بين الوصول إلى الحقيقة والدين؟
هناك مقطع في «كتاب النوم» بعنوان المدينة الفاضلة، ووصفت فيه نوعًا معينًا من الاستيقاظ، وأسميته استيقاظًا دينيًا. ما كنت أفكر فيه بذلك المقطع هو الاستيقاظ الذي يحدث مرة واحدة، ثم يوصد الباب من خلفه في وجه أي استيقاظ تال. هذا الاستيقاظ يُفيقُ صاحبه من الحياة الخاطئة الآثمة الفانية، ويُدخلُه إلى حياة أخرى صالحة خيّرة. تمامًا مثلما يفعل الدين عادةً. إنه استيقاظ من يرى النور مرة واحدة وإلى الأبد. وحاولت أن أرى في فيلم «ماتركس» الشهير الذي أُنتج في أواخر القرن العشرين، وفي بطله نيو، مثالًا على ذلك الاستيقاظ. في هذا الفيلم استيقظ نيو من الحياة الزائفة التي يعيشها، وانفتحت عيناه على الحياة الحقيقية. ونتيجةً لذلك حاول هو وجماعته الوصول إلى المدينة الفاضلة، من أجل النجاة من المدينة الخاطئة التي يعيشون فيها. استيقاظ نيو هذا هو مثال على استيقاظ كنت أحاول انتقاده في الكتاب. استيقاظ لا يعرف صيرورة التاريخ، استيقاظ يحدث مرة واحدة فحسب، وينتهي بعدها التاريخ.

اللغة
في مجموعتي «حلم يقظة» و«ما لا يمكن إصلاحه» تتحدث عن طمأنينة اللغة الأم، كيف ترى مفهوم الطمأنينة؟
أقصد الطمأنينة بمعناها البسيط والمباشر. طمأنينة أن تسمع جملًا تفهمها حرفيًا، وليس فقط من السياق. طمأنينة أن تقع عينك على حروف وكلمات لا تحتاج إلى فتح القاموس لمعرفة معناها. طمأنينة عدم الحاجة إلى التفكير كثيرًا وأنت تتحدث، كما تفعل عادة عندما تتحدث لغة تعلمتها وأنت كبير. وأعتقد أن هذه الطمأنينة لا يمكن اختبارها سوى بعد الحياة في لغة أخرى، أو الاحتكاك اليومي بلغة أخرى. هذه الطمأنينة إذاً نتيجة لتجربة الحياة وسط تعددية لغوية، لكنها في الوقت نفسه لا تعني الأمان، ولا تعني العودة إلى حالة الأصل. لا توجد حالة أصل بعد التعرض للغات أخرى. فاللغة فيروس كما قال وليام بوروز، تنتقل إليك عدواه من الآخرين. والإصابة به تعني أن ينمو لك رأس جديد. كل لغة جديدة تتعلمها هي رأس جديد. تَعلّم لغات أخرى يظل يعمل داخلك كما تعمل الفيروسات، حتى بعد رحيلك عن مكان العدوى. والفيروسات كما نعرف اليوم في عصر «الكوفيد» تنتشر وتنتشر، ولا يمكن حتى للُقاح أن يقف في طريقها. الفيروسات اللغوية تنتشر داخلك فتُغير لغتك، لتصبح أكثر تعقيدًا وشفافية في الوقت نفسه. لكنها يمكن أيضًا، إذا كان حظك سيئًا، أن تشوهها وتقضي عليها. طمأنينة اللغة الأم لا تُوقف عمل الفيروسات اللغوية داخلها، ولا تُعيد اللغة إلى حالة الأصل، وإنما تجعلنا فقط نلاحظ العدوى اللغوية التي نعيش وسطها جميعًا. عدوى لغوية حتى داخل اللغة الواحدة. فنحن نحمل معنا دائمًا عدوى كلام الآخرين، ولا يوجد لقاح يحصننا ضد ذلك، لحسن الحظ.
في نص «فيتيشية» من «كتاب النوم» تقول: «وعندما تترك الكتابة نفسها للقوة التي تعمل في عالم الحلم، تبتعد شيئًا فشيئًا عن المشهدية، وتقترب شيئًا فشيئًا من نفسها، تقترب شيئًا فشيئًا من الشعر. فالشعر هو كل ما تبقى من الأدب في عالم اليوم، هو منتجه الأقل فيتيشية والأكثر صدقًا، بعد أن أصبحت الرواية قانون السوق الأدبي وعُملته. من يحتاج القصيدة اليوم؟ لا يوجد ما هو أقل نجاحًا ومنفعة وتسلية اليوم من قصيدة. فالقصيدة هي الطرف الأبعد من طيف الأدب، والمنتج الأدبي الوحيد الذي لا يزال مطمئنًا إلى غرابته». هل يمكن أن تحدثنا عن علاقتك بالشعر؟
جزء كبير من تكويني الأدبي يعود إلى الشعر. فقد نشأت أدبيًا في فترة التسعينيات، وهي المدة التي شهدت صراعًا حاميًا حول شكل قصيدة النثر. لم يكن صراعًا أدبيًا فحسب، بل كان ككل الصراعات الأدبية صراعًا ثقافيًا واجتماعيًا أيضًا. هذه النشأة أثّرت في، وجعلتني مدينًا للشعر بالكثير، بالرغم من أني لم أكتب قصيدة واحدة.
أعتقد أن الشعر ليس هو فقط القصيدة، وليس جنسًا من أجناس الأدب، بل العكس قد يكون صحيحًا. قد يكون الأدب بأكمله جنسًا من أجناس الشعر. من الصعب تعريف الطاقة الشعرية، لكني أحاول أن أفهمها بوصفها الطاقة التي يمكن أن تساعدنا على الخروج من ورطة ما. ربما يمكن القول إن ما هو شعري ليس ما يندرج في شكل معين، قصيدة مثلًا، وإنما هو إيجاد شكل للخروج عن الاندراج والتكرار السائدين. الشعر يظهر في اللحظات التي يلوح فيها فجأة أفق غير متوقع أو غير ممكن. الثورة بذلك المعنى كانت لحظة شعرية. الشعر بإمكانه أن يساعد الكتابة على التحرر من أسر الثنائيات المتضادة، ورؤية أفق غير متوقع فيما تفعله.
في نص «الكتابة» من الكتاب نفسه تصف أن اللغة صمت بينك وبين الآخر، رغم أنك تستخدمها في الحديث مع وائل رجب، أليست اللغة وسيلة تواصل منطوقة بين اثنين، وضد معنى الصمت؟
يتحدث هذا المقطع عن لقاءات مع صديق عزيز كان قد رحل منذ مدة عن عالمنا، هو الكاتب وائل رجب (1970 - 1997). في هذه اللقاءات لا يستطيع الراوي أن يتحدث مع صديقه مباشرة، لأن الصديق يظهر فيها منهمكًا دائمًا في حوارات جانبية مع آخرين. لذلك يفكر الراوي أن الكتابة هي ما تبقى من لغة بينهما. رحل وائل رجب كما قد يعرف كثيرون في بداية حياته الأدبية، وجمعته بالراوي صداقة عميقة، والكثير من النقاشات الطويلة حول الكتابة والأدب. الآخر هنا إذن هو آخر ميّت، أو بالأحرى ميّت حيّ. والكتابة في هذا المقطع أشبه بأن تكون لغة الكلام مع الموتى، أو باختصار لغة الموتى. الراوي الذي يفتقد صديقه، ويبحث عن تواصل معه، يتعلم أن «صمت» الكتابة هو الوسيلة الوحيدة من أجل «الكلام» مع الموتى. هنا نكون قد وصلنا إلى نقطة تختلط فيها أشياء كثيرة. الموتى يتكلمون ويقرؤون. الأحياء عليهم أن يتعلموا الصمت عبر الكتابة. والكتابة هي ذلك الخيط المستحيل والضروري بين الأحياء والموتى. «كتاب النوم»، في كثير من النواحي، هو محاولة لإشراك الموتى والراحلين في الكلام. ولماذا من المهم فعل ذلك؟ لأن ما زال لديهم الكثير ليخبرونا به بخصوص عالمنا. قد تبدو اللغة عبر ما أقوله الآن شيئًا متناقضًا، إذ كيف تكون وسيلة تواصل من ناحية، ووسيلة للصمت من ناحية أخرى؟ كيف تكون الكتابة كلامًا وصمتًا معًا، إظهارًا وإخفاءً، اتصالًا وانقطاعًا؟ لكن هذه هي طبيعة اللغة فيما أعتقد. اللغة متناقضة بطبيعتها لأنها لا تخص الأحياء فحسب. اللغة متناقضة لأنها مشروع يخص جماعة من المتناقضين: موتى وأحياء، بشر وحيوانات، سماوات وأراضين، حاضر وماضٍ، طبيعة وتاريخ.. إلخ. وعلى هذه الجماعة المتناقضة مع نفسها أن تجد طريقة للعيش سويًا، عبر اللغة.
في نصك «للموتى لمن لم يولدوا بعد»، المنشور في موقع «المنصة»، ترى أن الكتابة الحقيقية هي ما يحدث من وراء ظهر الكتابة، وهذا الفائض هو ما تنتجه وهي تظن أنها تحقق ما تصبو إليه، فيما في الحقيقة تقع في تناقضات غايتها، ماذا تقصد بوقوعها في تناقضات غايتها؟
أقصد شيئين. أقصد أولًا أن من طبيعة الكتابة أن تتناقض مع نفسها، فتؤدي إلى طريق مسدود. أي كتابة هي تدريب طويل على التعامل مع الطرق المسدودة التي تؤدي إليها عملية الكتابة، وكيفية التعامل معها. أي مشروع كتابة هو تاريخ من الأزمات التي تُنتجها الكتابة. هذه الأزمات لا تعود إلى قصور في الكتابة، وإنما إلى أن الكتابة تكشف عن قصور أو مشاكل أو تناقضات داخلية داخل المشروع نفسه الذي تعمل عليه. مثلًا في قصة «مياه جوفية» في مجموعة «ما لا يمكن إصلاحه» وصلت الكتابة إلى طريق مسدود عشرات المرات، فكنت أتركها أحيانًا جانبًا لفترات طويلة، أحيانًا أكثر من سنة، ثم أعود إليها. وبالرغم من أنها قد تبدو قصة متناغمة وسلسة، فإنها تحمل داخلها الكثير من حطام المشاريع التي كانت القصة تنتمي إليها، والتي اُضطررت إلى تعديلها بعد أن كشفت الكتابة عن مشاكل تلك المشاريع.
من ناحية ثانية، تسعى الكتابة لإيجاد شكل للتناقضات التي تراها حولها. فالقصة المذكورة مثلًا تدور حول أسرة صغيرة انتقلت للعيش في برلين، في بدايات القرن الحادي والعشرين، وتتحدث ضمن ما تتحدث عن التباين بين فهم الزوج والزوجة لوضعهم الجديد، وتتحدث عن التناقض الكامن داخل علاقة الحب تلك. وتتحدث أيضًا عن التناقض الكامن في علاقة المهاجرين الأقدم بالمهاجرين الأحدث. إذ يسعى المهاجر الأقدم أحيانًا لنقل «خبرة نجاحه» إلى المهاجر الأحدث، ولا يدرك أن هذا النوع من النجاح تحديدًا هو ما لا يريده المهاجر الأحدث.
مر تعريف «الحلم» في «كتاب النوم» عندك بأطوار مختلفة، أهذا هو التناقض الذي تسببه الكتابة؟
كتاب النوم يعتمد كثيرًا على التكرار. الحلم، اليقظة، الشعر، الذات، العمل، الموت، كلها موضوعات يتكرر ظهورها في الكتاب، لكني غير متأكد من أنها مرّت بأطوار. بمعنى أني لست متأكدًا من أن معناها تقدّم إلى الأمام عبر المرور من طور لآخر. أظن أنها في كل مرة تظهر فيها، كانت تُقدّم تنويعًا جديدًا على نغمة سابقة. التنويعات الجديدة ليست تقدّمًا إلى الأمام، وإنما هي إعادة ضبط النغمة من جديد، لاستخراج ما زال كامنًا فيها. التكرار هو حركة دائرية لا تتطور بقدر ما تعود إلى ما لم ينتهِ بعد. حركة من يعود إلى مسرح الجريمة. هذه الحركة بدت لي هي الحركة السائدة في العالم الذي يحاول الكتاب الاقتراب منه. فحركة النوم هي حركة تصنع انقطاعًا في مسار اليوم، أو في مسار ما هو متكرر. هذه الانقطاعة نفسها تتكرر كل ليلة. النوم بذلك هو تناقض، لأنه تواصلٌ من الانقطاعات المتكررة. أي أنه يصل ما هو قطعٌ للاتصال. الشذرات في تكرارها، في انقطاعها وعودتها، بدت لي شكلًا أدبيًا مناسبًا لهذا التناقض.
الكتابة
في النص نفسه تقول إن الكتابة الحقيقية بالنسبة لك هي ما تترك نفسها تغرق في تفاصيل ما تسرده، وإنك لا تعمل في جهة اسمها الأدب، بل إنك غارق في ورطة، والكتابة هي محاولة للخروج من تلك الورطة، ماذا تقصد بذلك؟
أنا أتفهم رغبة كاتب أو كاتبة في كتابة عمل أدبي جميل، لكني لا أكتب لكي أُنتج عملًا جميلًا، فأنا أكره تَحوّل العمل الأدبي إلى «فيتش». كتابة عمل جميل ليست نقطة البداية بالنسبة لي. نقطة البداية هي عادةً أني وقعت في ورطة. والورطات كثيرة. وليست كلها شخصية فحسب. وطريقتي في التعامل مع الورطات هي الكتابة. ربما هناك طرق أخرى أفضل للخروج من الورطات. لكن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها. أقول أعرفها ولا أقول أجيدها. وبالرغم من كل ذلك فإن العمل الأدبي الذي أشتغل عليه يجب أن يخرج جميلًا، أي يجب أن يكون مُثيرًا وقادرًا على الكلام مع الآخرين. فأنا أيضًا لا أطيق الأعمال النصف مكتملة أو النصف ناضجة، أو تلك التي تستسهل الطريق ولا تسير فيه حتى آخره. الأعمال التي أُحبها هي أعمال وَجدَت الشكل المناسب (وبالتالي الجميل) لرحلتها الوعرة ومحطاتها الضرورية، مهما كانت هذه الرحلة مظلمة وبشعة.

كيف ترى رؤية البعض للكتابة بأنها مرتبطة بإصدار منتج أدبي؟
الكتابة لا تقدم منتجات أدبية فحسب، بل تقدم مقترحات بشأن عملية الإنتاج نفسها. المُنتج، كما تعرّفه الرأسمالية التي هي أحد أسماء الورطة الكبيرة التي نعيش فيها جميعًا، هو رأس مال كامن في انتظار تدويره. وبمجرد أن يظهر المنتج كثمرة لعملية الإنتاج تنتهي علاقة العمل به، ويصبح المنتج شيئًا في حد ذاته، تعود ملكيته إلى صاحب رأس المال وحده. الكتابة التي تكتفي بتقديم منتجات لسوق الأدب هي كتابة مملّة لأنها تعيد إنتاج هذه الدورة. هناك كتابة أكثر إثارة. تلك الكتابة تسمي منتجاتها الأدبية أعمالًا أدبية، لأنها لا تقطع الصلة بين العمل والمُنتج. الأعمال الأدبية تعمل كما يقول اسمها، وعملها هو مراجعة عملية الإنتاج العالقة فيها، وطرح إمكانية إنتاج أدبي لا يخلق رأسماليين صغار على شكل كُتّاب، أو أوثان صغيرة «فيتش» على شكل مُنتجات أدبية. كتابة تعيد تعريف مفهوم المُنتَج بحيث لا يقتصر على كونه سلعة فحسب. هذه الكتابة ليست مملّة، بل هي مليئة بمفاجآت غير متوقعة.
هناك ميل لتصنيف الكتابة تبعًا إلى أي جنس أدبي تنتمي من الشعر والرواية والقصة، كيف ترى ذلك؟
التصنيفات الأدبية، أو لنقل الأجناس الأدبية مثل الرواية والشعر والقصة والمقالة، هي كائنات سحرية. فكلنا مثلًا نعرف ما هي الرواية، ونستطيع الحكم على ما نقرأه إذا ما كان رواية أو كتابًا تاريخيًا مثلًا، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أبدا أن نُعرّف الرواية إذا طلب منا أحد ذلك. بل أن تقديرنا يزداد للأعمال التي نقرأها كلما استطاعت أن تخرج عن الأشكال التقليدية للرواية. لذلك يمكن القول إن التصنيفات أو الأجناس الأدبية تتحقق أكثر ما تتحقق في الأعمال التي تخرج عن تيارها السائد. أو لنقل هي لا تتجسد بقوّة سوى في الأعمال التي تتجاوزها. حتى الأعمال الأدبية التي تعمل في إطار «تقليدي» لجنسها فإنها تكتسب أهمية وقيمة عندما تستخرج شيئًا غير متوقع من داخل هذا الإطار الذي ظننا أنه لم يعد يُقدّم أي شيء راهن. وهذا هو الشيء الساحر في الأجناس الأدبية، فهي تتحقق أكثر كلما تناقضت مع نفسها أكثر، ومن ثمَّ تجاوزت نفسها. اللحظة التي تظهر فيها بوضوح هي اللحظة التي تكون فيها خلّفت نفسها وراءها. وأعتقد أن من الخطأ إطلاق حكم قيمة على الأجناس الأدبية من قبيل أنها تقليدية أو أقل أهمية من الأعمال التي تُصنّف بأنها عابرة للجنس الأدبي. لا الجنس الأدبي، ولا عبور الجنس الأدبي، يكفيان في حد ذاتهما لإنتاج كتابة جيدة. الكتابة الجيدة هي كتابة تجعلنا دائما نراجع ونعيد تعريف ما كنا ظننا أننا نعرفه عن الكتابة وإمكانياتها، من خلال الشكل أو الجنس الذي تختاره هي.
تنتمي إلى جيل التسعينيات، التي يتم تصنيف كتابته بأنها كتابة ذاتية أو فردية، وفي نص «للموتى لمن لم يولدوا بعد» كتبت أن هناك فرقًا بين الذاتية والفردية في القراءة، كيف نفرق بينهما إذا؟
يجب التفكير في الفردية والذاتية بوصفهما مفاهيم تاريخية. الفردية والذاتية لا تعنيان الشيء نفسه في كل الأوقات. هناك لحظات تكون الفردية هي الَمخرج، ولحظات أخرى تكون فيها هي الأزمة. سؤالي في الفقرة التي أشرتَ إليها كان يتعلق بسؤال القراءة تحديدًا، وما إذا كان فعل القراءة هو فعل فردي أم غير ذلك. وأقصد هنا القراءة بمعناها الواسع، وليس قراءة الكتب فقط. هناك قراءة أسميتُها قراءة فردية، تنطلق من الأسئلة الفردية، أو تبحث عنها. هذه القراءة مهمة في لحظة يسود فيها التعميم، لأنها تحاول مقاومة التوحيد القياسي. القراءة الباحثة عن الفرد هي قراءة ضرورية في لحظة سيادة الأيديولوجيا، مثل لحظة الثمانينيات والتسعينيات. لكن هذه القراءة في لحظة أخرى يمكن أن تصبح نفسها هي الأيديولوجيا السائدة التي ينبغي مراجعتها، مثل لحظة تفشي الأيديولوجيات الليبرالية الحالية. لا يعني هذا بالطبع التخلص من الفرد وأسئلته، وإنما مراجعة دوره.
ما هي الذاتية؟ الذاتية تشير إلى الذات. لكن هل هذه الذات سابقة لعملية القراءة، أم أنها تتشكل عبرها؟ إجابتي هي أن الذات لا يمكن أن تكون سابقة للقراءة، لأن الذات ليست شيئًا تام التكوين. الذات هي الانفتاح الدائم على إعادة التشكل. لذلك فإن القراءة بالنسبة لي هي عملية ذاتية بمعنى أنها عملية تشكّل وإعادة تشكّل، وليست تلك العملية التي تنتج عن وعي ذات مكتملة التكوين، وسابقة على عملية القراءة. هذه الذاتية التي أقصدها وصفتُها بأنها لا هي فردية ولا هي جماعية، ولا إنسانية أيضًا. لماذا؟ لإن تلك الذاتية لا تخص كينونة عاقلة اسمها الإنسان تقرأ العالم، وإنما تخصّ عملية إنتاج في الأساس. تمرّ هذه العملية بلحظات مختلفة، وتتشكل عبر تصدعاتها. الذات ليست حكرًا على البشر. ولا ينبغي أنسنة عملية الإنتاج، فهي أكثر تعقيدًا واتساعًا من كونها فعل الإنسان فحسب. إذ لا يشكل الإنسان سوى أحد عناصرها.
هل ترى أن فكرة «الجيل» انتهت، أو بتعبير آخر «وجود جماعة من الكُتّاب تنتمى إلى فكرة ما»؟
لا أدري إذا كانت فكرة الجيل قد انتهت بالفعل أم لا. كنت قد قلت في مكان آخر أنني أنتمي إلى آخر جيل في القرن العشرين. وربما كان ذلك الجيل هو آخر جيل أيضًا يُؤرّخ له بالعقود والسنوات. فالأجيال التي تلت أُرِّخ لها من خلال وسائط جديدة لجأت إليها الكتابة مثل المدونات، أو شبكات التواصل الاجتماعية. بشكل عام هناك ما هو مفيد في فكرة الجيل، لأني أعتقد أن تاريخ الأدب لا يجب أن ينفصل عن الأدب. بمعنى أن أي كتابة هي بنت محددات لحظتها، والجيل هو الوصف الذي نطلقه على الاشتراك في هذه المحددات. لكن من ناحية أخرى، هناك ما هو بليد واستسهالي في استخدام فكرة الجيل من أجل صنع صناديق يُؤرشف داخلها الكُتاب. اختلاف الأجيال يقول لنا شيئا عن صيرورة الأدب وحركته، لكنه لا يقول لنا أي شيء عن إمكانيات الكتابة الكامنة في كل جيل، والتي تحتاج إلى وقت لكي تظهر. وقت قد يطول أحيانًا ليتجاوز حياة الجيل نفسه.
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن