على رصيف الكتب.. حيث المضروب هو المطلوب
عن خطوات التزوير وتاريخه
فوق رصيف مزدحم بالمارة والباعة، في أحد شوارع وسط القاهرة، يقف «جيكا» متكئًا بمرفقه على ستاند حديدي كبير، يبيع عليه كتبًا بالعربية والإنجليزية. روايات وتنمية بشرية وقواميس وأدلة للسياح على أغلفتها أبي الهول والأهرامات. لا يروج جيكا لبضاعته مثل باقي باعة الرصيف بجواره الذين يبيعون الملابس ولعب الأطفال وغيرها من المنتجات.
يراقب الشارع بعين خوفًا من حملات مباحث المصنفات الفنية على ما لديه من كتب مزورة، وعينه الأخرى على فرشته، يعاين الواقفين الناظرين إلى عناوين كتبها، ومنهم فتاة عشرينية سمراء تمسك كتاب «فن اللامبالاة» وتسأل عن سعره، وتضعه في مكانه. رجل أربعيني يرتدي نظارة يسأل عن رواية «الشوك والقرنفل» ولا يجدها.
بعد استشهاد الزعيم السياسي لحركة حماس، يحيى السنوار، في أكتوبر الفائت، ظهرت طبعات شعبية مزورة من روايته الوحيدة «الشوك والقرنفل» على أرصفة الكتب في شوارع القاهرة والإسكندرية. طبعات الأرصفة، مدون عليها أسماء دور نشر مختلفة، إحداها جزائرية وهي دار الوعي، وأخرى مصرية؛ «مجاز»، والأخيرة فلسطينية، «الحضارة الإسلامية»، الرواية نفسها كتبها السنوار وهو يقضي أربع عقوبات بالسجن المؤبد في بئر السبع في صحراء النقب، وهُربت من سجون إسرائيل مثل أغلب كتاب الأسرى، ونُشرت كاملة عام 2004، لكننا لم نستدل على الدار صاحبة حق نشرها، وهو أمر طبيعي بالنسبة لأغلب مؤلفات أدب الأسرى.
«كل طبعة من طبعات الشوك والقرنفل بغلاف وسعر مختلف، ما بين مئة، ومئة وخمسين جنيهًا للنسخة الواحدة. والطلب عليها كان كتير. وبِعت منها نسخ كتير. لكن مانزلتهاش تاني بعد ما خلصت علشان اللي باعوا لي النسخ ما عدوش عليا تاني. والطلب قلّ عليها برضه» يقول جيكا، بينما لا تزال الرواية تُباع على الأرصفة بمئة جنيه للنسخة عند باعة آخرين.
النسخ المزورة صارت تضاهي الأخرى الأصلية في مستوى الطباعة والتغليف، لم تعد «طبعات شعبية» كما كان يُطلق عليها قبل ربع قرن، وكانت رديئة على مستوى الطباعة والغلاف، وقتها كانت تُباع الكتب العربية والترجمات على أرصفة بيع الكتب بأسعار مناسبة، تتراص إصدارات الهلال جوار نظيرتها من هيئة الكتاب وقصور الثقافة، بجانب مشروع القراءة للجميع، الكتب في متناول الجميع، والمجلات الثقافية تتسابق على توزيع كتب مجانية أو بأسعار زهيدة لقرائها، مؤسسة الأهرام تتعاون مع اليونسكو لإصدار مشروع المؤسسة الأممية الثقافي «كتاب في جريدة» وتوزعه مع صحفها، وجريدة «القاهرة» التابعة لوزارة الثقافة توزع واحدًا من إصدارات الوزارة مع نسخها، وكتب أخرى توزع مع نسخ مجلات غير مصرية مثل دبي والدوحة. وتعوض الطبعات الشعبية غياب الكتب القليلة الممنوعة لأسباب سياسية أو دينية، وعلى رأسها أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، حتى نشرتها دار الشروق في العام 2006، أما باقي العناوين فيعرفها كل المثقفين، فهي لا تتغير، وتضم آيات سلمان رشدي الشيطانية وهذه الرواية لم تُطبع في مصر سوى نسخ شعبية مع وليمة السوري حيدر حيدر لأعشاب البحر، بعد مصادرة طبعتها المصرية الصادرة عن «قصور الثقافة» عام 2000، ومن الطبعات الشعبية أيضًا كتاب نوال السعداوي «سقوط الإمام» المكتوب 1987، والممنوع بيعه في مصر.

لكن الأرصفة لم تعد وجهة مشتري الكتب، مع ظهور «البوك ستورز»، وهي المكتبات الخاصة الجديدة لبيع الكتب بعدة فروع، بداية من افتتاح مكتبة ديوان في الزمالك عام 2002، ثم تبعتها مكتبات أخرى مثل الكتب خان قبل توجهها للنشر، والبلد التابعة لدار المحروسة، وتوسع «ديوان» كسلسلة، وإقدام دار الشروق على تأسيس مكتبات أكثر. هذه الأماكن لم تعد تبيع الكتب فحسب، بل جذبت الجمهور بتنظيم حفلات توقيع، وتقديم مشروبات وإمكانية الجلوس داخل المكتبة والقراءة. وبسبب البوكستورز، خفت حضور الرصيف وكتبه، بل «بدأت دور النشر تتعالى على باعة الرصيف، ولا يتعاملوا معهم، بسبب الفواتير والبيع بالآجل» يقول محمد أحمد (اسم مستعار)، وهو أحد تجار الكتب المزورة في القاهرة الكبرى، عمره 50 عامًا ويعمل في سوق الكتب منذ 30 عامًا تقريبًا. فصار هناك عالمان للكتب كلاهما له زبائنه؛ شرعي يتمثل في منافذ وزارة الثقافة والبوك ستورز، وآخر غير شرعي، على أرصفة وسط البلد والأزبكية والنبي دانيال السكندري، الذي يعتمد على كتب مزورة «إحنا بنرمي كتبنا ونصبر ع البياع، دور النشر ماتقدرش تعمل كده، بتبقى عايزة فلوسها فورًا، وده ماينفعش مع البياعين. وفي المحافظات سوق متعطش للكتب ومش بيلاقي قُدامه غير كتبنا»، بحسب محمد أحمد.
هكذا تشكلت سوق موازية للكتاب المزور الذي يُباع على الأرصفة، لكن ما الذي نعرفه عنها؟ كمثال رواية «عمارة يعقوبيان» واحدة من أكثر الكتب العربية تزويرًا وقتها، فقد خرجت طبعتها الأولى من دار ميريت 2002، ثم اشترتها مكتبة مدبولي -بعد أسابيع قليلة- وأصدرت منها ثماني طبعات، ثم استقرت في دار الشروق ناشرها الحالي، وخلال رحلة عمارة الأسواني من ناشر إلى آخر لم تتوقف طبعاتها المزورة، بل كانت «التوب»، خاصة بعد تحوّلها إلى الفيلم الشهير، كما يقول أحد باعة الكتب المزورة. على القمة بجوار يعقوبيان، زاد الطلب على كتب التنمية البشرية وعلم النفس المبسط المترجمة منها والعربية التي جذبت قطاع كبير من الشباب الباحث عن قصص التحفيز والنجاح وبث الأمل في المستقبل، تحوّلت هذه النوعية إلى الأكثر مبيعًا لعدة سنوات لاحقة.
«من أكتر من 20 سنة بشتغل في كتب التنمية البشرية المترجمة الـ ’هاي كوبي’. ودي اللي ماشية أكتر على الفِرش. ومالهاش صاحب زي ما بيقولوا»، يقول محمد أحمد والذي طبع أكثر من 50 ألف نسخة من كتاب روندا بايرن «السر» 2006، والذي صدرت ترجمته العربية عن مكتبة جرير السعودية، «فيه ناس عملت فلوس حلوة من الكتب دي وعدوا الفقر»، وغير تزوير «السر»، زاحمت صورة الراحل إبراهيم الفقي أغلفة كتب الرصيف، أشهرها وأكثرها مبيعًا «المفاتيح العشرة للنجاح». لكن كيف يعمل مزوّر الكتب؟
يخبرنا محمد أحمد بسرّ الصنعة، «أي حد في شغلانتنا دي لازم يكون قارئ جيد، يحب الكتب» حتى نعرف أولًا بأول «اللي هانشتغل عليه من أول ما يُترجم» وخلال أسبوع من إصدار النسخة الأصلية تكون المزورة معروضة على الرصيف. «طبعًا معاك فريق زي أي دار نشر، لكن إحنا فاهمين السوق أكثر منهم، ونعرف نوصل للقارئ في كل مكان في مصر.» يوضح محمد أحمد كيف يحدث التزوير في أسبوع، والخطوات كالآتي:
«نشتري النسخة الأصلية ونطبع الغلاف بعدد النسخ اللي ها نطبعها، ونطبع الكتاب ورقة ورقة ونعيد تجميعه وتغليفه. إذا كان الكتاب الأصلي بـ 50 أبيع نسختي بـ 15 أو 20 بس. النسخة تكلفني تلات جنيهات بالكتير، يعني مكسبي أكتر من عشرة جنيهات بعد خصم نسبة البياع.»
ويفصّل المراحل بدقة أكثر، فأول مرحلة تصوير الكتاب ورقة بورقة، ثم الطباعة، وثالثًا التجليد، «ودي كذا خطوة، جمع ملازم الكتاب، ثم تطبيقها، بعدها سلفنة الغلاف، فبَشر الكتاب اللي هو تركيب الغلاف على الملازم، وتعريشه اللي هي قصه.» لكن أحيانًا يحدث تداخل بين عملية تزوير وأخرى، ويوضح محمد أحمد ذلك قائلًا: «لو مطبعة سخرّت نفسها للشغل الكتاب ياخد يومين تلاتة بالكتير، لكن في أي مطبعة بيبقى كذا كتاب شغالين مع بعض.» والطباعة لا تقل عن 5 آلاف نسخة للعنوان الواحد، «طبع كميات قليلة مكلف ويخسر اللي بيطبع». وعلى سيرة الخسارة، يشير إلى ما هو أكبر منها، «لازم تحط في حساباتك عنصر المخاطرة في الموضوع، يعني حملة مصنفات واحدة في السنة على المكان تصادر آلاف النسخ وما بترجعش تاني. يعني لو حسبتها في الآخر هتلاقي الموضوع مش مربح بالشكل اللي أنت متخيلُه.»
من سجل أعماله، يستعيد محمد أحمد سجل حكاياته مع أعمال الأسواني «ضربت رواية شيكاغو في 2007 اللي باعت على حس عمارة يعقوبيان، وبعدها رواية نادي السيارات، لكن مافيش رواية للأسواني حققت اللي عملته عمارته اللي تُعتبر الفرخة اللي بتبيض دهب للباعة في الفترة دي.»
على رصيف الكتب حدث الأمر نفسه مع راوية تحولت إلى فيلم أيضًا، لكنها مترجمة والفيلم بطولة توم هانكس، وهي «شيفرة دافنشي» لدان براون. «كتبه زي ملائكة وشياطين والرمز المفقود وغيرها، باعت على حس دافنشي، عشان سمّعت عند الجمهور لأنها ممنوعة هي والفيلم، وكان عليها طلب وقتها، واللي عملنا منه فلوس حلوة كمان عزازيل بتاعة يوسف زيدان في 2008».
زوّر محمد أحمد كتب أحمد مراد كذلك، وتوالت طبعات أعماله من أول «فيرتيجو» (ميريت، 2007)، «لكن الأكثر مبيعًا على الأرصفة كانت الفيل الأزرق أول ما نزلت، وزاد الطلب عليها بعد تحولها إلى فيلم في 2014». وكذلك رواية «ربع جرام» لعصام يوسف في 2007، ويوضح أن «فيه جيل طالع بيحب يقرأ روايات الرعب والخيال العلمي، ولهم كُتّابهم المشهورين على الرصيف أكتر من المكتبات نفسها، أولهم أحمد خالد توفيق، الله يرحمه، ومن الجيل الجديد عمرو عبد الحميد، وأشهر أعماله «أرض زيكولا» (عصير الكتب، 2010) و«قواعد جارتين» سنة 2019، وحسن الجندي برضه. وغير الرعب فيه شغل محمد صادق، الحاجات دي لغاية دلوقتي بتبيع كويس مع كتب الدكتور محمد طه خصوصًا كتابه الأشهر، «علاقات خطرة»، في 2016.» لكن ما يُزور أو يُضرب لم يعد الكتب الأكثر مبيعًا فحسب، بل اتسع ليشمل أعمال كلاسيكية مثل مؤلفات شكسبير وتولستوي ودستويفسكي، وكذلك أعمال فكرية مثل كتب ميشيل فوكو ونيتشه، «بس دلوقتي الكتب مابتكسبش زي زمان، لا الأصلي ولا المضروب، وقليل لمّا كتاب يفرقع، زي "فن اللامبالاة" اللي بقى اسمه كتاب محمد صلاح لمجرد ظهوره في يده عام 2018» والذي نُشرت نسخته الأصلية المترجمة إلى العربية عن «التنوير» في 2016، ليكون الأكثر مبيعًا على أرصفة بائعي الكتب في مصر لفترة طويلة. يؤثر غلاء الأسعار، والورق تحديدًا، على عمل محمد أحمد «أقل كتاب النسخة تكلفني 15 جنيه جملة، ويتباع بـ 75 جنيه على الفرش، ومكسبي هو هو تقريبًا لو حسبت فرق الأسعار دلوقتي عن زمان. وكمان الزبون عايز أعلى جودة. وده اللي موجود دلوقتي، تقريبًا مافيش فرق بين النسخة الأصلية والهاي كوبي. المحترف فقط هو مَن يمكنه ملاحظة الفارق، صفحة مكررة أو سطور مش مضبوطة.»
كما تسلل المضروب إلى سور الأزبكية المعروف بكونه قِبلة الباحثين عن الكتب القديمة والنادرة، «لا يمكن الاعتماد على مكسب الكتب القديمة، مما اضطر أغلب البائعين للعمل في النسخ المزورة، بل بعضهم يبيعونها بنفس سعر النسخة الأصلية ويخدعون القارئ الذي لا يمكنه اليوم التفرقة بين الأصلي والمزيف»، بحسب أحد باعة «الأزبكية» المخضرمين.
أين يحدث التزوير؟ تتواجد مطابع تزوير الكتب في كل المحافظات حسب المصدر، فهي موجودة في قليوب وعابدين والمرج وضواحي الجيزة وأبو النمرس وغيرها. لكن الخطر الذي يهدد نشاطها يأتي في مواسم محددة، قبل الأعياد وآخر العام قبل معرض الكتاب الذي يُقام كل يناير «المطبعة اللي يتشم مكانها مرة واتنين صاحبها لازم يغيّر المكان، وإلا بيته هيتخرب ويبقى تسلية كل حملة شرطة المصنفات.» كما يحكي أن «فيه ناس مظبطة نفسها مع المصنفات يعرفوا موعد الحملة وقبلها يقفلوا المكان، لكن اللي بيخسروا كتير بياعين الشوارع اللي على الله، دول الكتب بتتصادر منهم أكتر من المطابع وطول الوقت شغالين علشان يعوضوا خسارة الكتب اللي اتصادرت.»
بحسب محمد أحمد، مكسب مطبعجي الكتب المزورة الحقيقي يتمثل في الكتب الدراسية الخارجية لمدارس اعدادي وثانوي، ومناهج رياض الأطفال في المدارس الدولية، حيث يصل سعر أحد المناهج إلى عشرة آلاف جنيه للعام الدراسي الواحد، بينما تُباع على الأرصفة بـ500 جنيه فقط.
لكن كيف يتصرف المتضرر؟
لا يُنفذ القانون في قضايا النشر إلا بعد شكوى رسمية من المؤلف أو دار النشر صاحبة الحق في الكتاب.
حسب مدير عام دار الشروق، أحمد بدير، فإن هناك جهود مضنية من مباحث المصنفات الفنية صاحبة حق الضبط في مجال حقوق ملكية الطباعة والنشر، بالتنسيق المستمر مع اتحاد الناشرين وأعضائه، تتمثل في حملات مداهمة أماكن بيع الكتب المزورة والمطابع غير المرخصة.
يطالب بدير بوجوب الحبس في تزوير الكتب، ويشرح ذلك بأن «التعدي على حقوق المؤلفين» تخضع للمادة 181 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، التي تنص عقوبتها على «الحبس مدة لا تقل عن شهر، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين»، موضحًا أن «القاضي دائمًا ما يحكم بالغرامة فقط. ولا تتعدى خمسة آلاف جنيه. وهو ما يجب تعديله ليكون الحبس موجبًا في قضايا النشر.»
تقارير ذات صلة
الدولة المصرية كـ«ماكينة للإنجازات»: عن كتاب شهاب الخشاب الجديد
«الجمهورية الجديدة» هي الوريث الشرعي لماكينة الإنجاز الناصرية
يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
البحث عن الأدب في الحدث الكبير أو العكس
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن