تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
البحث عن الأدب في الحدث الكبير أو العكس

البحث عن الأدب في الحدث الكبير أو العكس

هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»

كتابة: مينا مبارك 7 دقيقة قراءة
تصميم مهُرة شرارة

في اللحظة التي يقف فيها العالم على أعتاب نهايته، يجد الكُتّاب أنفسهم في مأزق؛ إما الحاجة المُلِحّة لتوثيق الواقع في قالبٍ يسعى كي لا يكون مُجرّد صحافة تسجيليّة، أو مذكرات تدوينيّة، وإما الصمت المُطبق المُصاحب لشللٍ تفاعليّ أو هشاشة أدبيّة، أو -ببساطة- خوفٍ من مستقبل مجهول نؤثر معه السلامة في الانتظار المُتأني لحين وقوع الأسوأ أو زوال الغمّة عن الأمّة، أو الوقوع في فخ التسجيل اليومي الأولى بمنشورات فيسبوك أو بالمدونات الإلكترونيّة. 

وهنا؛ يُطرح سؤال عن مدى دقة تعبير الأدب عن الواقع، أو حاجته إلى هذا التعبير، فناهيكَ عن لحظة الصمت تلك، أو البلبلة التي يتراقص عليها الأدباء أمام الوقائع التي تحدث توًّا و«طازة» على العالم، يبرز سؤال عن مدى قدرة الأدب على رواية أيّ حدث؛ لا تاريخيًا، بل شعوريًا، وإذا ما كانت الشهادات الحية أو تسجيل اليوميات تنتصر على الأدب في هذا السياق، أم يحمل الأدب -مهما جاء مُتأخرًا- طبقات أكثر تعقيدًا من الوعي والصدق، أو قدرة على مقاومة السلطة، أو النسيان، على وصف آذر نفيسي في كتابها «القراءات الخطرة».

فوقتَما نفكر في آخِر الأخبار العظمى، تتجلى -عالميًّا- الحرب العالمية الجارية، ومحورية مضيق هرمز، وحرب الإبادة على غزة، والاختطاف الهوليوودي لفنزويلا، والمناوشات الطفولية بين دول لا تدرك حجم تأثير انفجار الذرة النووي، والقفزات غير الحميدة لأسعار النفط ومشتقاته، وغيرها من المانشيتات التي تقتحم حياتنا لوقت قد لا يزيد عن أيام أو لا ينقص عن سنين. لكننا بالتركيز على أحداث فارقة -محليًّا- تصلح لعنوان درسٍ في كتاب الدراسات الإجتماعيّة للصف الأول الإعداديّ، مجاورة لاكتشاف النار والزراعة واختراع الكتابة، وآثار وحروب الملوك العظام، وإنجازات أُسر السلالات الإسلامية المتلاحقة، ودرس الحضارة القبطيّة الوحيد في تاريخ مصر الحديث، لا ينتصب لوحده شامخًا دون مُنافس، سواء اتفقت الجماهير أو تجمهروا حول معارضتها، إلا ثورة يناير 2011 وما لحقها من سنوات سادتها بلوت تويستات وتخبّطات في حبكة الزمن ومسار الأحداث؛ فهي حدثٌ تاريخيّ بارز نقدر من خلاله رؤية قدرة الأدب على الاشتباك مع الحدث الكبير.

يفضل البعض الكتابة عن الحدث في أوجّه؛ إما رغبةً في التسجيل الدقيق لتفاصيله التاريخيّة أو لتأصيل المشاعر المُصاحبة قبل أن تختمر أو يُعاد استيعابها في المستقبل، فيما يُحاجج آخرون أن الكتابة الحقّة -بل والدقيقة- عن واقعة لا تكتمل دون الاختمار الكافي للأحداث والأفكار والمُناقشات الـ«مع» والـ«ضد»، بل وما قد يترتب على الواقعة سلبًا وإيجابًا، حتى تتشكل حكاية تليق بالروايات الجيّدة التي لا تقع في فخ مهاترات اليوميّات «الرغّاية»، أو تنمسخ إلى «دقة قديمة» في عالمنا المتسارع وغير المُتوقع خلال أشهر التقديم والتحرير والطباعة والنشر. لذا أحبوا أن يجعلوا الحديث المُقارب للحدث أصلح للمذكرات الشخصية أو المدونات أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعيّ، فيما يحتفظ الأدب بتجليده الفاخر، وقيمته الشاملة العالية.

بعيدًا عن أصالة التأريخ الأدبيّ، أو مكانة الأدب نفسه وطرق التعبير عنه، لا تقل أهمية الدقة الشعوريّة للتسجيل في ذات الحدث قبل خفوت المشاعر أو «حكمنتها» اللاحقة. وفي هذا السياق أجد هبة عبد العليم قد جمعت وحررت في أبريل 2012 شهادات ويوميات 17 كاتبًا وكاتبة من محافظات مصريّة مختلفة سجلوها عن تفاعلاتهم مع حشود الشارع، سواء بتسجيل يومٍ بيوم، أو من خلال نصوص عامة عن الأيام القليلة التي سبقت وتلت 25 يناير. وعلى الرغم من كون بعض النصوص مُفرِط المثالية وجيّاش بالعواطف والأمل -وهو مُبرر للغاية وفقًا للروح السائدة والطموحات اللانهائية التي غزت وعي أغلب الواعيين في الميادين وقتها- إلا أن وجود تسجيلات التاريخ الشعبيّ الأنثروبولوجية أمرٌ لا بد منه، إذ «تعيد بعض الحق لنصابه» على حد تعبير رضوى عاشور في تقديمها لـ«يوميات الغضب»، أو كتأكيد هبة نفسها في مقدمتها حين استشهدت بثورة 1919 وتساءلت لماذا «لم يحك لي أحد عن أحداث يومهم أو الصعوبات التي واجهوها» فهي لا تريد للثورة التي عاشت كل لحظاتها «أن تصبح مجرد سطر جاف في كتاب تاريخ. فلم لا نوثق شهاداتنا في كتاب يخلد مشاعر الثوار وأحلامهم وأحداث يومهم؟» 

                                                                 ـــــــــــــــــــ

وبعد بحثٍ طويلٍ عن أدبٍ جاد أرّخ لتلك الفترة كحدثٍ رئيس أو كمسرح للتفاعلات الداخليّة للشخصيات المُحكى عنها، والذي نستطيع من خلاله الحكم على جَدّة هذه الأطروحة، عثرتُ على كتابين يستحقان التأمُّل؛ واحدهما كُتب في ذروة الأحداث، والآخر اختمر بعد ثماني سنوات.

في أغسطس 2012، نُشرت لمحمد ربيع «عام التنين»، وهي رواية تناولت الثورة بطريقة متوارية، وبحس فكاهيّ سوداويّ يتنبأ بدستوبيا حزينة لا تنهزم فيها الثورة بخفوت أو انقلابٍ أو عودة ناعمة للنظام القديم، بل تنخسف نحو قاع التوقعات إذ يتوّج المُثار عليه إلهًا أبديًا، من ذات الميدان الذي دعى لتحطيم وثنه، مُباركًا بالسلطتين الدينيتين المقدستين للشعب، وبتأييد الله ورُسله والملائكة والمؤمنين. وهو ما كان ثوريًا -بشكلٍ أدبيّ- في وقت نشره، فبالإضافة إلى الفصول مُفرطة العبقرية التي يحلل فيها ربيع السياق الجماهيريّ للتفكير الشعبي وكيفية سيطرة الحكومة عليه من خلال الرسائل التي يتبادلها أحد أبطال الرواية مع صاحب منصب مُخضرم في أمن الدولة يسدي له دروسًا في كيفية السيطرة على الشعب وتدجينه بمخدرات معنوية، وكيفية الحفاظ على الصورة الإلهيّة للسيّد الرئيس، لا يأتي ربيع على ذكر الثورة بشكلٍ صريح مُطلقًا خلال ما يقرب من ثلاثة أرباع الرواية، بل يجعلها خلفية خافتة للحدث الأهم -وهو المُفضل لربيع على الأغلب، إذ يظهر بجلاء في مؤلفاته الأخرى- أي السخرية الذكية من الوضع الاجتماعيّ المصريّ، والبيروقراطيّة التي يحاول «تهكيرها» عن طريق خدعة يلعبها بطل الرواية؛ إذ يُعلن موته قبل أن يموت، ويمشي بنفسه في طريق آلامه؛ يصلي مع المعزيين صلاةً على المرحوم، يسبق حاملي نعشه للقبور، يدخل إلى القبر على رجليه حيًّا، ثم يخرج ليفرّق المتجمهرين مُعلنًا أنّه مات رسميًّا على الورق، ثم يعود إلى بيته كي يبدأ مع ولده التفكير في كيفية صرف بوليصة التأمين على حياته. 

يفلح ربيع في تحقيق ما يُجمّل الأدب، إذ يتحدث عن الحدث، دون أن يتحدث عن الحدث، بل يوظّف حكايته الغرائبيّة الذكيّة لخدمة سرده، ويترك للقاريء متعة -أو ألم، في هذه الحالة- قراءة رواية جيّدة، ربما قد نُظر إليها وقتها باعتبارها تشاؤمًا مُبالغًا فيه أو سوادًا يزدري روحَ الأمل والرغبة في التغيير، وربما قد يُنظر إليها الآن باعتبارها تنبؤًا أدبيًا عبقريًا لم يعبر فقط عن روح المصريين قبل وخلال 2011، بل تنبأ بحدس الأدباء العميق بالمستقبل، وأرّخ -أدبيًا وفانتازيًا- لفترة مُلِحّة وحَرِجة.

على الضفة الأخرى من «عام التنين»؛ ضفة الكتابة اللاحقة، قدم أحمد عوني الثورة بعد ثمانية أعوام من حدوثها في «جوائز للأبطال» بعد اختلاف الأوضاع بشكلٍ جذريّ، وتبلور رؤية جديدة، سواء حدثَت بمفردها بنعومة أو سُيّسَ لها، فيسترجع بعد لأي الوقائع الخاصة بالثورة بوضعها خلفيةً لحكاية جديدة -مثل ربيع- فيجعل بطلها أرستقراطيّ يجد نفسه ثائرًا بالصدفة، وبطلًا شهيدًا حين يرحل عنه بإرادته. يضفّر عوني شخصياته العديدة في نسيج النظرة الجديدة المُكتملة لتلك الفترة التاريخيّة بما تلاها من سنواتٍ مُختلفةِ القرارات والمصائر، سواء عاد بطريقة بدت أقرب إلى نوستالجيا حميميّة، عنها مِن كونها مُغرِقة في الشاعريّة والمثاليّة، أو وعظيّة على نهج «قلت لكم ولم تسمعوا كلامي»، فيأتي التأريخ الأدبي لثورة يناير مرآةً لقصة علاقة البطل مع والده، وآماله -الشخصيّة والشعبيّة- في الحب والحريّة والثورة والمستقبل، فيفكك حالة السلطة الأبويّة -التي عنى بها السلطة بشكلٍ عام- من خلال الغوص في طبيعة العلاقة بين رامي وأبيه مصطفى، وكيف تحلل الزمن -معنويًا- بين الرجلين كي يصلا للعمر ذاته فيتلاقيا مثل صديقين متقاربين في العمر؛ رامي شاب قبل أوانه، ومصطفى شبّ كأنما تقابلا في الأربعين، وكيف يرى الابن نفسه من خلال أبيه وعلاقته بزوجته. مع سردٍ -أكثر نسبيًا، مقارنةً بـ«عام التنين»- ليوميات الثوار وعلاقاتهم المُتضاربة، دون مُبالغة أو إخلال أو تأليه يجعل الرواية تقريرًا إخباريًا أو مناحة كربلائيّة، بقدر كونها تعبيرًا شاملًا للنظرة الحاليّة لشباب الثورة وقتها، بعدما أنضجتهم السنوات وتركت الحكومات فيهم علامات. فيتخلى عن ملائكيّة حدث الثورة أو شيطنته، وهو ما يجعل الرواية فريدة في طريقتها المغايرة في تناول الحدث التاريخيّ المهيمن، مُفضلًا التركيز على المعاناة الذاتيّة لشخصيّاته من خلال السعي الميئوس منه لرامي كي يصير بطلًا على كافة الأصعدة الممكنة، كذكرٍ بطبيعته التنافسيّة من جهة، وكابنٍ أراد أن يحظى بحب واحترام والده وأصدقائه والمرأة التي أحبها.

                                                                 ـــــــــــــــــــ

بخلاف إعادة قراءة «عام التنين» و«جوائز للأبطال»، يجدر بنا التنويه بأن الإنتاج  الأدبي الجيّد عن الثورة لم يتوقف عندهما، بلّ قلبتُ كتبًا كثيرة؛ روايات وشهادات وأبيات حساسة بافراط، قد نختلف أو نتفق في جودتها (أو دقتها)، لكني ارتأيت الركون للكتابين الذين قرأتهما مُسبقًا وشكّل الحديث عنهما شجنًا وشجّع رغبة في التذكير بأعمال جيدة قد ننساها بمرور الوقت واختلاف ذائقة ورواج الكتب المقروءة. على أن ذلك لا يعد تصنيفًا لأفضل الروايات التي تتحدث عن واقعةٍ ما، إذ أن التفكير بهذه الطريقة يُعد تصرفًا طفوليًّا صرفًا؛ فالماضي وحكيه وموقفنا منه ما زالت ملكية عامة لا يحق لأحدٍ لاحتكاره -إلا بسلطة الأمر الواقع. وما توقفت تبعات الماضي عن التأثير في حياتنا الحاضرة أو المستقبلية، لذا لا يُستبعد أن يكون هناك كاتب آخر يعصف ذهنه الآن عن رواية ربما تُنشر بعد دهر وربما لا تُنشر أصلًا، قد يتم اعتبارها أفضل -من ناحية الجودة والتعبير والصدق والاشتباك- من روايات أخرى سبقتها ودُشِّنت كلاسيكيات في رحاب الموضوع، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها قمة جبل الروعة الأدبية التعبيريّة، فالمستقبل المجهول يمنح للأدب أملًا للمزيد من الأعمال التي يجدر بها أن تُقرأ، وتُحلل، وتُناقش، وتُحب.

عن الكاتب

مينا مبارك

كاتب مصري، مولود عام 1999 في قنا البلد. أنهى دراسة الطب في جامعة القاهرة وينتظر الأقدار لتقرر له تخصصًا يمنحه وقتًا كافيًا بعيدًا عن ردهات المشافي. يعمل مرمطونًا بدوام شبه…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن