تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب

يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب

هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»

كتابة: دنيا سليمان 6 دقيقة قراءة

منذ نحو 15 عامًا انطلقت الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي عابرة لبلدان المغرب العربي ومشرقه وخليجه محملة بشعارات المطالبة بإنهاء الدكتاتورية المُتسببة في القهر والفقر وتحقيق الديمقراطية كأمل في تحقيق العدالة. جرت مياه كثيرة في تونس ومصر، ودماء أكثر في ليبيا فاليمن والبحرين ثم سوريا، وشهدنا موجة ثورات ثانية: السودان ولبنان والعراق والجزائر. لكننا هنا نقلّب كتبًا اشتبكت مع هذا الحدث الكبير في أوله، وكتاب أخير أقدم، لكنه مُتصل.

لا يرى كتاب حميد دباشي، الأكاديمي الأمريكي- الإيراني، «الربيع العربي»، هذه الثورات كلحظات كانت أو انتفاضات أُجهضت، بل ما جرى أعمق بكثير من غضب تأجج بعد إشعال محمد البوعزيزي النار في جسده، بل يعتبره إعلانَ نهاية النظام السياسي المُستقر في المنطقة بما فيها إيران وليس الدول العربية فقط، أو بداية نهاية الأنظمة التي صيغت في السنوات التالية لمرحلة الاستعمار الكولونيالي، وهي الصياغة التي يراها دباشي تشبه قمع وسيطرة المنظومة الاستعمارية.

يكتب دباشي أن عبارات مثل «تنحى» و«ارحل» و«الشعب يريد إسقاط النظام» لم يكن المقصود منها عزل الحاكم فقط، بل رفض لكل ما يمثله الحاكم من سياسات الإفقار وتغييب العدل، كما يرفض النص المكتوب في 2012 والمترجم في 2014، القول السائد بأن الربيع العربي تشكّل من ثورات نخبوية أطلقتها مجاميع من المثقفين وصفوة الطبقة المتوسطة خاصة في بلدي ضربة البداية: تونس ومصر. بل يصر على أن قلب هذه الثورات لم يكن نخبويًا بل شعبيًا ويمكن وصفه باللا-ايديولوجي في طهران كما القاهرة وتونس والمنامة وغيرها. 

يقول إن هذه الثورات ترفض الواقع المستقر منذ نهاية الاستعمار الكولونيالي وترفض الأنظمة القائمة، بل والأنظمة السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية المؤطرة لهذه النظم الحاكمة، سواء في ثورات اليمن وسوريا ومصر وتونس، أو ثورة البحرين التي تدخل الخليج العربي بسرعة لإسكاتها، وقبل هذا كله في إيران مع مظاهرات الحركة الخضراء في 2009.

يرفض دباشي تقييم هذه الثورات تقييمًا آنيًا بل يقول إن من ينتظر ثورة شاملة وفقًا لمفهوم «المركزية الأوروبية عن الثورة» ستخيب آماله عندما يشاهد بدايات هذه الانتفاضات لأنها كانت كاسرة لليأس، وسلسلة من التمرد تتراجع هنا وتنشط هناك، تقع ثم تقوم، ويتجاوز صداها واقعها المحلي حيث تحول ميدان التحرير مثلًا لمصدر إلهام لكثير من الحراك السياسي في المنطقة، بل أصاب أنظمة المنطقة برهاب الميادين، بل أدى تنحي مبارك إلى تحرك الحكم في المغرب والجزائر لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية كما تحرك الحكم في عمان والسعودية لدعم الخدمات الاجتماعية.

يكتب دباشي أن «هذه الثورات أقرب للرواية منها إلى الملحمة» فهي فعل متصاعد الفصول وكاشف بصورة متوالية لضحالة كل ما كان قائمًا، من حيث الحكم والمعارضة، بل كل ما هو قائم من أُطر سياسية واقتصادية وايدلوجيات مستقرة من اليمين الى اليسار. ويقول إن اقتران هذه الثورات بما عرف بـ«يوم الغضب» كان إعلانًا لا لبس فيه عن غضب الناس في عمومهم على كل ما هو قائم، وهو تحديدًا ما دعا إلى تجمع المتظاهرين في إيران في 14 فبراير (2011).

ينفي دباشي الزعم بأن الغرب كان المحرك والمدبر أو حتى الداعم لهذه الثورات لأن الأنظمة التي قامت ضدها هذه الثورات كانت مدعومة من الغرب ومسهلة لمصالحه ومنفذة لسياسته، بل لم تكن الأنظمة التي ثرنا ضدها مزعجة بأي شكل لحليف الغرب الأول في المنطقة؛ إسرائيل التي لم تفرح بقيام ثورات تزيح أنظمة استقرت تل أبيب على أساليب التعامل معها سواء في إطار مساقات التطبيع السلمي أو غيرها. ويقول إن إسرائيل التي اعتادت التعامل مع أصحاب السلطة المطلقة يصعب عليها أن تجد نفسها مُضطرة للتعامل مع أي أنظمة ديمقراطية في بلدان المنطقة ومع سياق سياسي جامع للشعوب ومتجاوز بكثير من المعاني للتأويلات والتقسيمات الإثنية والعرقية والدينية.

عندما انهى دباشي كتابه، لم تكن الأمور استقرت في بلدان الربيع العربي، وهو لم يكن بغافل عما يمكن أن يواجه ثورات الربيع العربي من هجمات لأنه يعلم أن لكل ثورة ثورة مضادة، فيقول إن شباب الثورات أطلق طاقة جعلت الأنظمة العربية ترتجف وسيبقى سببًا للتحسب والخوف لدى كل الأنظمة اللاديمقراطية من تلك اللحظة الآتية حتما «عندما يبلغ السيل الزبى». 

حين أضرم محمد البوعزيزي النيران في جسده لتكون نهايته الحزينة هي الشرارة المُطلقة لثورة تونس وغيرها من البلدان العربية التي كان السيل فيها بلغ الزبى، وعن هذه الشرارة جاء كتاب المغربي، الطاهر بن جلون، الذي حمل العنوان نفسه، فهو يرى الربيع العربي نفيًا لما سبق قوله حول حتمية سكون الشعوب العربية، وعدم تحرك المثقف العربي لرفض ما يجب رفضه، ومن ألا سياسة في العالم العربي لغير التيار الأصولي. بل يرى بن جلون أن ثورات الربيع العربي كانت حتمية بسبب اكتمال حالة الغضب والرفض، فأصبحت الثورة يانعة كما الثمرة اليانعة. ويصر بن جلون على أن الأمر لم يكن مجرد عدوى سريعة الانتشار لأن أسباب الغضب كانت كامنة في كل بلد على حدة، وفي انتظار لحظة الانفجار، وسقوط الثمر اليانع. بل أوضحت أن هناك جيلًا جديدًا من الشباب يتمتع بإدراكات مختلفة وقدرات على استخدام وسائل جديدة للتعبير والحشد في تجاوز حاسم لكل الصيغ المستقرة سواء التي اتبعها لسنوات اليسار الراديكالي أو الإسلاميين الأصوليين.

يمزج بن جلون بين الكتابة الأدبية والتقريرية في كتابه المترجم في 2012، ليضع القارئ في مواجهة أفكار ربما تكون قد جالت بخاطر بن علي أو مبارك أو البوعزيزي أو سيد بلال، الشاب السكندري الذي قتله تعذيب الشرطة، ليطلق الغضب في مصر. 

لا يحسم بن جلون توقعات بشأن مآلات الثورات التي كانت فصولها تتوالى، فيما هو ينتهي من مسودة كتابه، لكنه يراهن على الفعل الثوري حتى إن كانت هناك لحظات للوثوب وأخرى للتراجع، نفس عميق، وندخل في ثالث كتبنا الصادر في 2015 لعرفان نظام الدين، «ربيع الدم والأمل» وهو كاتب لبناني صاحب تاريخ طويل من الكتابة في جريدتي «الحياة» و«الشرق الأوسط» المملوكتين للسعودية في لندن، وتقديم الدم على الأمل هو التصور الحاكم لكتابه والمعنى الأكثر دلالة فيه، والذي يكرره مرارًا عن الذين استبشروا خيرًا بالربيع، وتحلوا بأمل أن تسير الأمور إلى الأفضل قبل أن يستيقظوا من سهاد الحلم على حقيقة الواقع التي استحال فيها «أحمر الورد الجوري دمًا» وقبل أن تطغي «رائحة البارود الكريهة على أريج الأزهار العطرة» لتسود مشاهد القتل والدم والميليشيات.. حتى بدأت الشعوب المتحلية بالأمل تقف في مفاضلة حتمية بين نظام حكم غير ديمقراطي ومستقبل مجهول. وكما يكتب «كان المأمول أن ينجح الربيع العربي في انتشال الأمة من الهوة التي رمت نفسها فيها لكن الأحداث أثبتت أن الأزمات تعمقت».

ومع إقرار نظام الدين بـ«حسن نيات» المتظاهرين وفساد الأنظمة، فإنه يدعو لحلول تقوم على الحوار وإنهاء الاقتتال وإبداء المرونة وتقديم التنازلات في سياق من «تفهم مطالب المتظاهرين» وعدم اعتماد الأنظمة لسياسات وحلول «كسر العظم» التي تؤجج الغضب حتمًا. بل يفصح نظام الدين عن رأي أوضح حول الربيع العربي عبر تساؤل عنوانه «إسقاط أنظمة ام إسقاط أوطان»، وهو الطرح الذي يجعلنا نقلّب صفحات رابع كتابنا وهو «عن أمل لا شفاء منه» لفواز طرابلسي الذي يقول إن الأنظمة وحدها هي التي أسقطت الأوطان، وذلك من خلال تحالفات بالغة البراجماتية، شملت إسرائيل وغيرها. وهذه الأنظمة هي التي تفتح الأبواب أمام الاحتراب الأهلي كما هو جليًا في الحالة اللبنانية.

كتاب طرابلسي الصادر قبل إرهاصات الربيع العربي وبالتزامن مع اجتياح إسرائيل لبيروت 1982، يوثق لعجز الأنظمة البادي أمام الويلات التي تحل بالشعوب فلا تملك الأنظمة الكثير من الفعل بخلاف بيانات الشجب والإدانة التي تُصاغ بجسارة لغوية أو بتحسب بليغ.

فتبدو كلمات طرابلسي عاكسة لما نشعر به الآن بعد انقضاء زهوة الربيع العربي، «تجدك كمَن يخرج من حلم أو من اكتشف فجأة أنه في طريقه إلى فقط النظر. الوطن؟ أين هو؟.. ويرنو عن بُعد إلى هذا الأمل المطمور.. هذا الأمل بالوطن والتغيير».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن