تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن المدينة كعالم والكتابة كشرخ للواقع| حوار مع محمد فرج

عن المدينة كعالم والكتابة كشرخ للواقع| حوار مع محمد فرج

كتابة: مهند عبد العظيم 16 دقيقة قراءة

لا يتعامل محمد فرج مع المدينة بالتعامل الأدبي المعتاد معها، ألفنا عندما ينتقل كاتب من مدينته الأولى إلى مدينة أخرى يحيا بها، أن يتمركز أدبه كله حول الاغتراب والشعور بالغربة. 

ما يبدو مختلفًا في كتابة محمد فرج أن المدينة تظهر كأنها العالم، لذا لا يهم اسمها أو علاقتنا السابقة بها، عبر قصصه سنكتشف أبطالًا تائهين في مدن النشأة، لذا يأتي تفرده ككاتب من قدرته على خلق مساحة جديدة لعالم كتابته، وعبر الكتابة يشق بطن هذه المدينة/ العالم، ومن خلال هذا الشق الذي فعلته الكتابة، يعيد تعريف «النوم»، «العطب»، «الخلل»، «الكابوس» وأشياء أخرى في العالم باعتباره مدينة كبيرة.

مؤخرًا صدرت مجموعته القصصية «شيء ما أصابه الخلل» (المرايا)، وقبلها في العام 2019، خرجت مجموعته القصصية الأولى «خطط طويلة الأجل» (دار العين) التي فازت بجائزة ساويرس كأفضل مجموعة قصصية للأدباء الشباب، في 2020، وتلاها كتابه السردي «مياومة..هايكو عامل معاصر» (دار المحروسة) الذي يصعب تصنيفه ضمن جنس أدبي تقليدي.

 كان الهدوء هو الانطباع الأول الذي أحسستُ به عندما قابلته للمرة الأولى، لكنه هدوء يبعث على الخشية كما شعرت وأخبرته فيما بعد، بعد قراءة أعماله ستكتشف خلف الهدوء كتابة منفجرة جارحة، تجرح كل من يقرأها وتلفت انتباهه إلى ما يغفل عنه.

هنا نناقش فرج حول أعماله الثلاثة، وعمله الأحدث الذي يهديه إلى «الكازين على أسنانهم خلال النوم» وينهيه بـ«استيقظتُ بذهنٍ صاف» لعل وعسى نستيقظ جميعًا بذهنٍ صاف.

- في قصة «أثر المنديل» التي تبدأ بها مجموعتك الأولى «خطط طويلة الأجل» توجد علاقة بين فكرة «الاكتشاف» و«الزوال».. تقريبًا يزول الدافع الرئيسي لبطل القصة ويتغير في النقطة التي تحدث فيها لحظة اكتشاف.. بينما يمكن أن نفترض أن الاكتشاف يعني مزيدًا من الحضور.. كيف ترى العلاقة بين المسألتين وأين تقع الكتابة بينهما؟

بداية دعنا نتفق على أن الحديث عن عمل أدبي صدر منذ فترة أمر صعب، ويمكن أن أستعير هنا تعبير من هيثم الورداني حول أن حديث الكاتب عن كتابة ماضية يشبه التحدث عن صديق راحل، يمكن تذكُّر أصداء لكن من الصعب استعادة الزمن مرة أخرى.

تحدث أحيانًا لحظة نكتشف فيها قيمة ما لشيء ظننا طوال الوقت أنه تافه، هي لحظة تُزيل الغطاء عن تلك القيمة التي لم ننتبه لها من قبل، في تلك القصة ثمة شخص يقدم على الانتحار وفي أثناء ذلك يتذكر نكتة قديمة لأبيه وتبدو النكتة التي كان لا يشك في سماجتها وكأنها نبوءة لما سيقع بعدها.

لحظة الاكتشاف تلك، أو دعنا نسميها لحظة إعادة القراءة لما كان، هي لحظة مزدوجة بمعنى أن ثمة فهم جديد يولد فيما بعدها، وبالتالي تأخذ آلية التعاطي القديمة طريقها للزوال.

caption

أعتقد إن الكتابة على مستوى من المستويات ليست مجرد إعادة حكي لأحداث الماضي، بل محاولة اكتشاف اللحظات المفصلية في هذا الزمن، تلك اللحظات التي تعيد تشكيل الماضي، وبالتالي تقوم بإعادة تعريف الزمن.. ماضيه ومستقبله. 

هنا تأخذ الأفعال التي تبدو اعتيادية صورة شديدة الاختلاف، فارتداء النظارة وخلعها، هذا الفعل البسيط يذّكر بطل القصة لحظة إقدامه على الانتحار وإنهاء الحياة بأكملها بنكتة الأب، ويعيد قراءة حياته كلها من خلاله.

- يرتبط الحنين بالعنف في بعض القصص بالمجموعة الأولى، لماذا تربط بين الإثنين؟

في السياق الزمني والجغرافي الذي نعيشه الآن، نتلقى فيه العنف في كل لحظة، كل لحظةٍ تمر أنت كآدمي أو حتى لا آدمي عُرضة لذلك، ومساحة الرد أو الدفاع أقل من الصفر. 

أحيانًا تبدو مساحة الرد المتاحة على ذلك متوافرة فقط في الانفجارات الفردية كالحوادث العنيفة التي نسمع عنها تقريبًا بشكل يومي. 

الحياة اليومية مليئة بالعنف، وعبر الأدب نستطيع اختبار حالة العنف وتأملها، وتأمل إذا أتيح للفرد القدرة على رد الفعل، سواء في مواجهة الآخر، أو حتى على الذات فكيف سيكون الرد؟ مثلًا في إحدى القصص هناك شخص يمارس القتل باستمرار، وبعد كل حالة قتل يتذكر شكل طفولته المليئة بالعنف. 

وفي الكتابة ربما يستطيع الواحد تأمل هذا العنف وعاديته وأثره المتروك علينا كآدميين، الآن نعيش حرب إبادة فعلية تقع في غزة، بدأت تصبح أمرًا عاديًا، بينما في يومنا العادي نعيش في مدن تشبه تلك التي انتهكتها الحروب، فالحركة على الطريق الدائري داخل القاهرة تعرضك لمشاهدة بقايا بيوت مهدمة كأنها خارجة من قصف، مشاهدة هذا الهدم وتلك الأنقاض أمر ثقيل على أي نفس بشرية، لأنه ببساطة ليس ثمة حرب هنا، أو هناك حرب غير معلنة ضدك كفرد. 

المفارقة بالنسبة لي هو اندهاش الناس من عنف الفرد وعدم الاندهاش إذا تم ممارسة العنف تحت مسميات مثل «التطوير»، «التقدم» إلخ، وما كتبته في القصص كان محاولة للتفكير في العنف، سواء الذي يمارس من الخارج، أو في عنف الزمن نفسه، وقدرتنا على التعامل معهم.

- في «خطط طويلة الأجل» وأيضًا في «شيء ما أصابه الخلل» هناك وجود قوي للمكان، بشكل أكثر دقة للمدينة.. لكن لا يمكن القول أنها كتابة مكانية عن مدينة بعينها رغم الحديث المتواتر عن التغيرات، ماذا تقصد بالحديث عن تلك المدينة المموهة؟

تجتذبني دائمًا مسألة إمكانية إقامة علاقة مع المكان وكيفيتها، ربما لا أقصد مدينة بعينها، لكن نمطًا من المدن يتحرك فيه ملايين البشر حاليًا.

دعنا نحاول الإشارة إلى بعض سمات هذا النمط، مثلًا في المدن المصرية كالقاهرة والإسكندرية، لدى الجميع سؤال حول المكان.. ما هو المألوف؟ وإلى متى سيبقى مألوفًا؟ نظرًا للتغيرات العنيفة والسريعة التي تطرأ عليه باستمرارٍ في كل لحظة، بالإضافة إلى عدم استشارة أو مشاركة ساكنيها أو مواطنيها بأي شكل من الأشكال فيما سيؤول إليه شكل المدينة بعد ذلك. 

من ناحية أخرى لا تستطيع فصل هذه اللحظة الزمنية عن سياقها عالميًا، لأن مغادرة مكان النشأة، وتغيير محل الإقامة، أو ما نسميه الهجرة ومعدلاتها سواء عبر البلاد أو داخل البلد الواحد هي سمة أساسية في العالم. وهي مرتبطة بمعدلات تغير الأماكن بسرعة شديدة. إذن تغادر مدينة تظن إنك تعرفها أو لديك معها علاقة وتاريخ ما، إلى مكان جديد لا تعرف عنه شيئًا ويجب أن تصنع علاقة معه، إذا رجعت إلى مدينتك الأولى ستجدها مدينة أخرى. أو تبقى في نفس المكان «القديم» وتشاهد تغيره القسري المستمر فلا تعرف ما الذي بقى من ما كنت تعرفه أو تألفه.

هذا ما يجعلني أتساءل ربما عن المكان، مكاني أنا من/ في العالم، هذا المكان المرتبط بكل طبقة من طبقات هذا التغير، ومع عدم توافر فرصة في اللحظة الآنية لا لفهم ولا لإمكانية استيعاب هذا التغير المستمر للمدينة الحالية، وربما لهذا تظهر بين المجموعتين فكرة الاضطراب/ التيه، التيه في مكان من المفترض أننا نعرف خباياه لكن نكتشف أننا لا نعرفه.

- المكان المتغير الزائل، يرتبط في «خطط طويلة الأجل» و«شيء ما أصابه الخلل» بعدم الثقة في الزمن نفسه، وينعكس عدم الوثوق والضبابية تلك حتى على مستوى العلاقات بين الأشخاص فنجد مثلًا رجلًا يحمل طفلة ولكنه غير متأكد إن كانت شقيقته أم ابنته.. أو شخص غير قادر على القطع بأن من يرافقه صديقه أم لا.. لماذا تهتم بذلك على مستويات مختلفة؟

دعنا نفكر مرة أخرى في «اللحظة» التي نعيشها جميعًا، إحدى سماتها البارزة كونها «مؤقتة» على جميع المستويات، مثلًا أنت تمارس الآن هذه المهنة في انتظار الانتقال لمهنة أو مؤسسة أفضل، تعيش في بيت لمدة محددة وغالبًا يجب عليك الانتقال لبيت آخر، تعيش في مدينة ما وتنتظر الذهاب لمدينة أخرى، وهكذا. 

هذا الوضع يمنعك من تكوين أي علاقة مع الزمن، وبالتالي ما أقصده أنها لحظة سريعة المرور ومتكررة الزوال، الأمر الذي يُفقد الثقة في الزمن، فلبناء علاقة تحتاج إلى وقت، والوقت الآن سريع التفتت.

 ودعنا نقول أن سرعة التغير ووتيرتها أكبر بكثير من قدر الإنسان على الاستيعاب، وبالتالي هناك صعوبة دائمة في التعرف، ثم التكيف على اللحظة المتغيرة ومواجهة عنفها أيضًا.

وبالتالي أنت أمام أشخاص منعدمي العلاقات سواء مع المكان الذي يعيشون فيه، ومع الزمن الذي يخلقون فيه علاقة مع الأشياء، ومع الأشخاص الذين يفترض أن علاقة تربطهم معًا، في وسط كل هذا التيه والضباب ليس مستهجنًا تمامًا أن يشك أحدهم في الطفلة التي يحملها إن كانت ابنته أم شقيقته الصغرى، ولا يدرك بالضبط العلاقة التي تربطه مع شخص ما بجواره. 

- ما هو دور الكتابة.. الأدب، مع هذه التغيرات العنيفة في المدينة؟

ربما يكون دور من أدوار الأدب بالنسبة لي على الأقل، قدرته على التكثيف، تكثيف هذه الفوضى، بحيث يخلق للقارئ مجال رؤية جديد، ولا يقتصر دوره على خلق هذا المجال، لأنه إذا توقف عند ذلك فقط سيتحول إلى صحيفة أحوال أو إلى بيان حالة. 

على مستوى آخر، يخلق الأدب علاقة جديدة بالواقع أو مستوى آخر في رؤية الواقع، بدرجة من الدرجات الأدب هو انعكاس للواقع ولكن ليس على طريقة الكليشيه الصحفي المعتاد «تعكس الرواية تدهور أوضاع الطبقة المتوسطة»، هذا الانعكاس يمر عبر العديد من المرايا.

أثناء حديثنا قبل الحوار قلت: «أنك لا تستطيع تصنيف خطط طويلة الأجل، كأدب ذاتي» أتصور أن الأدب كله به جزء ما ذاتي، مثلًا عند قراءة أدب كافكا والنصوص التي تتوازى مع ذلك الأدب مثل رسائله ويومياته ستجد أن إحدى طرق رؤية أدب كافكا هي كونه أدبًا ذاتيًا، في محاولة منه لتأمل علاقته مع أبيه تحديدًا ثم مع النساء اللواتي دخلن في حياته وظل الأب الجاثم على تلك العلاقات. 

يمكن ربط ذلك بفكرة التكثيف والانعكاس، فالأدب ليس فقط انعكاسًا وتكثيفًا ميكانيكي الطابع، يعكس الصورة كما هي، بل محاولة لجرح أو شق هذا الواقع، ليمنح فرصة لإعادة النظر والرؤية بشكلٍ مغاير لما اعتدناه، أو على الأقل هذا الأدب الذي أحبه، وأفضله على اختلاف أشكاله وأجناسه وزمن كتابته، أدب يغربل أفكارك المسبقة.

ماذا تقصد بالأدب الذي تميل له أو تحبه، هل تقصد أو تفضل جنس أدبي معين؟

أقصد الأدب الذي يصنع هزة وحركة عنيفة، الأدب القادر على دفعك من مكانك لمنطقة أخرى بمنظور مختلف عن ما كنت تعرفه أو كنت تظنه، أدب قادر على جعلك تكتشف إيقاع آخر للزمن، وهذا الأدب ليس له جنس أدبي محدد ولا زمن محدد أيضًا، لكن عندما يتصور الواحد خريطة للتجارب الكتابية التي يحبها يكتشف أن أهم رابط بينهم هي قدرتهم على الحفر في أعماق النفس، وربما يكون هذا الحفر ذاتي الطابع فيكشف ويعري الذات وتركيبها أكثر، أو ينتج عن هذا الحفر كشف وتعري لعلاقتك بالزمن والمجتمع.

- هل من الممكن أن يخلق الأدب التئام ما للكاتب؟ بشكل آخر أن تصبح الكتابة وسيلة للتعافي؟

أن تكون الكتابة وسيلة للعلاج النفسي فتلك مسألة شخصية، ولا يمكن الحكم على نتاج هذه العملية وعلاقتها بـ«الأدب»، ولكني أفترض أن الكاتب في حالة حركة دائمة وتلك الحركة تخلق أسئلة أو زوايا نظر ربما تخرج في عمل أدبي وربما لا، ولكن حتى إذا خرجت بطريقة ما في عمل أدبي فهذا لا يعني انتهاء أسئلة الكاتب ولكن تنتقل الأسئلة إلى مستوى أخر أو تتولد أسئلة أخرى نتيجة تلك الحركة القلقة للكاتب في علاقته بالكتابة وبالعالم واسئلته.

ومن هنا لا أتصور الأدب كطريق للالتئام الشخصي لمنتجه، لأنه لو وصل الكاتب للنيرفانا.. فلماذا سيكتب؟

الكتابة لا تأتي من الثبات بل من الحركة، الكتابة ربما تكون وسيلة لاستيعاب ما مضى وإعادة تركيبه، وهذه الحركة لا تنتهي فقط بإجابة الأسئلة، بل بخلق أسئلة أخرى، بمعنى أدق كأنها تعيد ترتيب الأسئلة حسب الأولوية.

- توجد ثيمات تتكرر عبر الأعمال الثلاثة، منها العنف مثلًا كما تحدثنا، لكن في «هايكو عامل معاصر» هناك عالم يخص تلك الشخصية التي لم نعرف لها اسمًا على طول العمل، عرفنا فقط صفتها «العامل».. لماذا كان هذا الاهتمام؟ وهل كانت مسألة عدم تصنيف تلك الكتابة إلى شكل متعارف عليه كقصة أو شعر مقلقة بالنسبة لك؟

caption

تشغلني كثيرًا مسألة أننا كأفراد نحيا في تلك اللحظة من العالم ليس لدينا أي فكاك من سوق العمل، هذه ليست مسألة جديدة، ربما الجديد هو المزيد من الرعب والضغط الاقتصادي والنفسي، ومع الفكرة القديمة الحقيقية إن البشرية قد بلغت ذلك القدر من التطور العلمي والتكنولوجي الذي يمكنها من تحقيق الاكتفاء المادي من الخيرات المنتجة لكل البشر، وبالتالي هي لا تحتاج إلى تلك الأشكال التي نعرفها من «العمل العبودي»، كي تبدأ حياة الإنسان الحقيقية كإنسان وليس العبد في سوق العمل، لكن ما يحدث هو مزيد من العبودية مع كل درجة تقدم

من هنا يأتي انشغالي بفكرة العمل والإنسان المنظور إليه فقط كـ«عامل»، وما الممكن أن يضيفه هذا العمل إلى الذات، وهذا الانشغال يأتي على المستوى الذاتي، عبر تأمل العمل الذهني الحالي من خلال الزمن والمكان، وأثر تشابك هذا كله على طبيعة أجسادنا، فأنت تبيع قوة عملك الذهني عبر جسدك، وهذا يسبب أمراضًا لهذا الجسد، أحيانًا أفكر في مثلًا في العلاقة بين تغير طبيعة أمراض العظام خلال آخر خمسين عامًا وسوق العمل وتحولاته، أظن سنجد تشابكًا كبيرًا. 

من خلال الكتابة ربما أستطيع اختبار المشهد ككل وأحاول عبرها إعادة تركيبه، وربما هذا نابع من مما قلته عن عملية «التكثيف» أو «الشق» التي تحدثنا عنها.

أما مسألة التصنيف فلم تشغلني، أحسست أن هذا الشكل هو الأنسب للتعبير عن هذا التأمل وإعادة التركيب تلك.

- في حديث سابق لك أشرت إلى رغبتك أن يكون «مياومة.. هايكو عامل معاصر» أشبه بلعبة دومينو مغلقة حول العامل، ولا تريد أن تقدم حلًا، وهذا عكس ربما ما انتجه هايكو فهو لا يقدم حلًا لكنه يلفت الانتباه إلى وجود خلل ما، كيف ترى ذلك؟

مرة أخرى دعنا نؤكد ليس دور الأدب تقديم حلول، إذا كانت قراءة عمل تدفع إلى لفت الانتباه إلى عطب أو خلل ما فهذا يعني أن العمل قد نجح في أن يدفع قارئه إلى منطقة أخرى لم يكن بها من قبل. أتصور أن دور الأدب هو هذه الدفعة أو الهزة لمنطقة أخرى أكثر ارتباكًا، أكثر برودة، أكثر قربًا من أشياء وعوالم لم تعرفها من قبل، وبالتالي أكثر قربًا من نفسك التي لم تعرفها من قبل.

- أعمالك تظهر السلطة بأكثر من شكل، لكن يمكن القول أنها سُلطة مطلقة ليست مُحددة أو لها مُسمى بعينه.. كيف ترى الاشتباك الأدبي مع السُلطة؟

من وجهة نظري لا توجد كتابة «حقيقية» لا تشتبك مع السُلطة أو مع مستوى من مستوياتها، كل كتابة تشتبك مع السُلطة بدرجات متباينة، ولا يجب أن تختزل فكرة الاشتباك مع السُلطة أنها الاشتباك والحديث عن شخص الحاكم أو طريقة إدارة البلاد أو الاشتباك السياسي المباشر. 

يمكن القول في «خطط طويلة الأجل» إن القصص تتحرك في الدوائر المحيطة بنا كأفراد، مثل الأسرة والعمل والمكان والذكريات وأيضًا عنف السُلطة السياسية المباشر على شخص بعينه، على مستوى قصة «عشاء خاص» في «خطط طويلة الأجل» هناك بلد منهارة تمامًا، نتيجة عنف فائق، لدرجة إن الفروقات بين الحياة والموت تضطرب.

الأدب يتيح مساحة للمصارعة والقتال مع الأعداء، لكن من خلال حلبة يسيطر عليها الكاتب ويفرض عليها قوانينه، وأعتقد أنها مساحة شديدة الحساسية لأن القارئ الجاد لا يحب المباشرة، لا يود قراءة بيان سياسي عبر قصة، أو هذا ما أميل وأحبه له سواء في قراءة الأدب، أو انتاجه، بعيدًا عن فكرة الأدب الرديء أو الرفيع.

- «كتابة قصة هي محاولة للمشي في العدم» هكذا تقول في قصة «خطط طويلة الأجل» فما العدم الذي تقصده وما علاقة الأدب به؟

ثمة مساحات واسعة يتحرك فيها الأدب، أيضًا الأدب قادر على إعادة تسمية الأشياء مرة أخرى، لن أقول الوصول إلى أسمائها الحقيقية، ولكن إعادة تسمية تلك هي التي تخلق ما تحدثنا عن من قبل عن إحداث جرح أو شرخ في الواقع، وبالتالي الأدب قادر على أن يشير إلى أن هذا ليس «تطويرًا» وليس «تقدمًا» وهكذا. من هنا يمكن القول أن «العدم» هو ذلك الثبات وذلك الاعتياد الذي يحاول الأدب والفن بشكل عام قلقلته أو جرحه، والأعمال التي نسميها أدبًا رفيعًا أو التي لديها القدرة على الحياة عبر السنين هي التي تمتلك تلك القدرة المتجددة على إحداث تلك الهزة أو القلقة التي تخرجنا من «عدم العادي» إلى «قلق إعادة التسمية» إذا جاز التعبير.

- في إحدى قصص «شيء ما أصابه الخلل» توجد جملة لها علاقة بالموسيقى التي تشير إلى «هذا الآخر الذي لم يعد موجودًا» إذا سحبنا الجملة إلى عالم الأدب.. هل يمكن أن يخلق الأدب إنسانًا جديدًا؟

دعنا نأخذ الأمور بشكل أبسط، لا يخلق الأدب بشرًا جدد، الأدب يخلق أسئلة، يعمق حساسيات، يرفع الغطاء عن عوالم مخفية هذا من جانب، من ناحية أخرى إذا تذكرنا «إن الإنسان لا ينزل نفس النهر مرتين» وبالتالي أنت كإنسان قاريء بالأساس قبل أن تكون كاتبًا -ودعنا نفترض أن الكاتب ليس قارئًا يبحث عن ملء وقت فراغه ولكنه قارئ جاد- في حالة حركة مستمرة وطرح لأسئلة ومحاولة للإجابة على هذه الأسئلة، ربما تبقى بعض الأسئلة مستمرة معك لفترة طويلة ولكن مع التقدم العمر وتراكم الخبرة المفترض يأخذ السؤال أشكالًا مختلفة ويفتح مستويات أكثر تعقيدًا وتركيبًا.

ثمة فكرة أخرى دعنا نضعها بجانب الأفكار السابقة، والتي مؤداها أن الكاتب يظل يكتب كتابه الأول في أعماله التالية، ليس المقصود أنه ينتج نسخًا متتالية من عمله الأول، ولكن كما أفهم الفكرة أن هناك أسئلة وانشغالات تبقى مع الكاتب ويحاول مع كل عمل مقاربتها ومحاولة طرحها بشكل مختلف، ربما من هنا يمكن الحديث عن «عالم الكاتب» لذا نتحدث عن عالم «زيبالد» أو عالم «أجوتا كريستوف» وهكذا.

وعلى مستوى القراءة دعنا نفترض أن هناك عملًا قرأته للمرة الأولى في المراهقة وعدت لقراءته مرة أخرى -أو مرات- على مدار فترات زمنية أكبر، بالتأكيد الأسئلة والانطباعات التي سيخلقها العمل لن تبقى كما هي -إذا كنا نتحدث عن عمل أدبي غني- مع كل قراءة جديدة هناك انطباع ورأي وذكرى من القراءة السابقة ولكن أيضًا هناك عين جديدة تقرأ لأول مرة  وتكتشف أعماقًا لم ترها من قبل.

- قراءة أعمالك تدفع للتساؤل أحيانًا حول كون الأحداث والشخصيات تتحرك في عالم الصحو/ الواقع أم في عالم الأحلام.. الأمر الذي ربما يدفع القاريء للتساؤل مرة أخرى حول ما تعنيه اليقظة هنا أو ما يعنيه الحلم/ الكابوس؟

بنفس نمط التفكير في العنف واللحظة الآنية، هذا دفعني للتفكير فيما تعنيه كلمة الواقع نفسها، هل ما نحياه الآن فعلًا هو الواقع؟ وبالتبعية أفكر في معانٍ كالنوم واليقظة والكابوس، وأيضًا في رد فعلي على ذلك كله، ومرة أخرى في المساحة المتروكة لنا، لذواتنا لممارسة الإنسانية في هذا العالم، ومن هنا من الممكن التفكير في معنى اليقظة، اليقظة التي أحيانًا تشبه الصدمة، وأحيانًا لا تحدث من الأساس. الأمر الذي يشعرني أحيانًا بأننا نحتاج إلى إعادة تعريف لما تعنيه كلمات مثل «الواقع»، «الخيال»، «الكابوس».

- في قصة «دوران» في المجموعة الثالثة نحن أمام شخصية تشعر بالخواء، ولا تقدم على أي فعل.. كأن العنف الذي كانت تمارسه شخصيات المجموعة الأولى قد اتخذ شكلًا عكسيًا؟

ربما تتشابه عوالم شخصيات القصص في بعض النقاط، لكن أحاول أن تكون أفعال الشخصيات متسقة مع سياق القصة أو دعنا نقول المحيط الذي تتحرك فيه الشخصية، لذا قد يكون الفعل العنيف سواء كان صادرًا من الشخصية أو واقعًا عليها هو الفعل الأنسب للسياق الذي تحدث فيه القصة، في «دوران» نحن أمام شخص يكتشف فجوة ضخمة في داخله، وهذا الاكتشاف يحدث أمام إحدى العبارات الأتوماتيكية التي تظهر عند العمل على الكومبيوتر، انطلاقًا من العبارة التي يحاول أن يراها أو يطبقها على حياته يكتشف ذلك الفراغ الذي يحيط بتاريخه السابق وأيضًا بمستقبله، هنا لا مكان لفعل عنيف، ربما الشعور الأنسب هو الخوف من ذلك الفراغ. 

الاكتشاف الأول تقوده إلى مزيد من الاكتشافات التي تتعلق بكونه غير قادر على التأثير في المحيط من حوله، غير قادر حتى على إثارة خوف طيور في الشارع. 

اكتشاف عدم القدرة على التأثير هو اكتشاف مرعب، ربما يمكنني القول أن مساحات الفعل بين شخصيات «خطط طويلة الأجل» و «شيء ما أصابه الخلل» قد تقلصت لحد إثارة الفزع.

- تحضر الذكريات ضبابية الطابع في «شيءٌ ما أصابه الخلل» هل قصدت تصوير احتمالية أن تصاب الذكرى بخللٍ ما؟

شخصيات المجموعة تقف على هامش الحياة، يهربون أحيانًا من ماضيهم، من ذكرياتهم، يودون لو تمحى تلك الذكريات بإرادتهم، وأحيانًا أخرى هم مصابون بتلف في الذاكرة فتتآكل بالقوة.

بينما في الواقع نحن نعيش من سنين محاولات لا تتوقف من إعادة تشكيل ذكرياتنا الجماعية، نحن نعيش مع سلطة تحاول طول الوقت محو وتكذيب والتشكيك في حدث صنعه آلاف وعاشه ملايين، وبالتالي بالتأكيد سيغلف الضباب الذكريات ويبقى الرهان على شحذ الذاكرة، ليس فقط بإعادة حكي الحكاية مرة أخرى، ولكن بنقدها ومحاولات صنع حكايات أخرى تخلق ذاكرة لا يمكن إخفائها أو طمسها. 

- في المجموعة الأولى كانت كتابة قصة هي تحويل العدم إلى جزء من العالم، بينما في المجموعة الثالثة تتحدث عن بؤس العيش على أمل لا يتحقق.. ما الأمل الذي تقصده؟ وهل ما تسميه «أمل» يخلقه الأدب؟ وهل يعد ذلك نقيض العدم؟

دعنا لا ننسى أن هناك فرق بين صوت الشخصية وصوت الكاتب الذي يخلق الشخصيات، صوت الشخصية يجب أن يكون مخلصًا للسياق الذي يتحرك فيه، من ناحية أخرى دعنا نتذكر حديثنا السابق حول اللحظة المؤقتة التي يعيش فيها الجميع، اللحظة التي ننتظر جميعًا انقضائها، كي تأتي اللحظة الأفضل، هذه اللحظة التي ستبدأ فيها «الحياة» وبالتالي «الآن» في حياتنا المعاصرة هو غير موثوق منه.. غير مرغوب لأنه قاسي. الأمل هنا غير موجود، الموجود مرة أخرى هو «عدم العادي» الرتابة، التكرار.

ومرة أخرى هل يخلق الأدب في هذا الوضع أملًا؟ الأدب الجيد/ الحقيقي -لا أعرف أي صفة هي الأنسب- يخلق حساسية، يهدم مشاعر متكلسة، ربما يساعد هذا في تعميق إحساسنا برفض العالم الحالي.. هل يخلق هذا أملًا؟ ربما ولكن هذا حديث آخر لا يتعلق بالأدب.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن