تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«سيبها تعفن».. مقاطعة الأسماك بين التاجر والدولة

«سيبها تعفن».. مقاطعة الأسماك بين التاجر والدولة

كتابة: سارة سيف الدين 5 دقيقة قراءة

بدأت حملة لمقاطعة شراء الأسماك، مطلع الأسبوع الجاري، بمحافظة بورسعيد، تحت شعار «سيبها تعفن» بهدف الضغط على التجار لخفض الأسعار، وحظيت بتغطية إعلامية أشادت بها ووصفتها بـ«العبقرية».

مُنسق الحملة، وسام الصفطي، قال لـ«مدى مصر» إن الحملة بدأت، منذ الأحد الماضي، وكان مخططًا لها أن تستمر لمدة أسبوع، لكن نجاحها الكبير والذي تمثل في انخفاض الأسعار 50%، حسب رأيه، دفعهم إلى تمديدها لأسبوع آخر إلى ما قبل أعياد شمّ النسيم.

فكرة المقاطعة مدعومة من الدولة، وفقًا للصفطي، وذلك في إطار توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدم شراء أي سلعة ترتفع أسعارها، فضلًا عن دعم محافظ بورسعيد، اللواء عادل الغضبان للحملة حين رفض دخول سوق السمك، خلال جولة له، قبل أيام، مؤكدًا «مش هدخل إلا لما الأسعار تنزل».

«منذ بدء الحملة لم تدخل بورسعيد سمكة واحدة من المزارع وغيرها»، بحسب الصفطي، الذي أكد أنه تواصل مع التجار، قُبيل الحملة، طالبًا منهم خفض الأسعار، لكنهم أشاروا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، فضلًا عن والمديونيات المُتراكمة على التجار بقيم تصل إلى 300 ألف جنيه لأصحاب المزارع.

رغم ذلك، يعتبر الصفطي أن ارتفاع الأسعار سببه جشع التجار، واعتبر أن الانخفاض الذي قدّره بنسبة 50% في الأسعار، هو تراجع في هامش الربح وليس خسارة، مُطالبًا الحكومة بتطبيق تسعيرة جبرية.

ووصل مستوى التضخم في بند الأسماك والمأكولات البحرية إلى نحو 180%، خلال العامين الماضيين، بحسب بيانات التضخم الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

على الجانب الآخر، تواصل «مدى مصر» مع عدد من التجار والبائعين وأصحاب مزارع سمكية، أوضحوا أن حملة المقاطعة لا تحدث على أرض الواقع مثلما يُروّج لها المُنسق. على العكس، وطبقًا لهم، يعد الوقت الحالي «موسم بيع السمك» نتيجة زيادة استهلاك المسيحيين، خلال فترة الأعياد المقبلة، معتبرين أن خفض الأسعار بشكل حقيقي يتطلب النظر في تكاليف الإنتاج والتشغيل، التي ارتفعت إلى مستويات قياسية، خلال الأشهر الماضية.

محمد الزيات، صاحب مزرعة سمكية، ،أوضح لـ«مدى مصر» أن هناك قائمة طويلة من مدخلات الإنتاج ارتفع سعرها، مثل كيلو الغزل (شباك الصيد) الذي ارتفع من 200 جنيه إلى 800 جنيه، والسولار الذي وصل سعره إلى 2000 جنيه للبرميل (200 لتر) بعدما كان يُباع بألف جنيه، منذ عام، مُشيرًا إلى أن السولار أو الجاز يُستخدم في ماكينة طرد وتجديد المياه من المزارع، وكذلك عربات النقل التي وصلت تكلفتها للحمولة الواحدة إلى ثلاثة آلاف جنيه، بعدما كانت أقل من 500 جنيه، وألواح الثلج التي تبلغ تكلفتها يوميًا أكثر من ألف جنيه، والتي يُرجع صنّاعها ارتفاع أسعارها إلى زيادة أسعار الكهرباء. 

هناك الأعلاف أيضًا، والتي تعتمد أسماك المزارع عليها، ووصل سعر الطن منها إلى 60 ألف جنيه للجمبري، على سبيل المثال، ولم تشهد أي انخفاض في أسعارها الفترة الماضية. هذا إلى جانب أن دورة إنتاج الأسماك تتراوح ما بين ثمانية شهور وأكثر من عام، وبالتالي فإنه على افتراض تراجع سعر العلف، فإن ما يُباع حاليًا من الأسماك تغذّى على أعلاف تم شراؤها بأسعار خيالية.

وبلغ حجم الإنتاج السمكي مليوني طن، في 2021، بحسب بيانات «التعبئة والإحصاء»، بينما لم تتوافر البيانات عن العامين الماضيين. وتشكل المزارع السمكية المصدر الرئيسي للأسماك بنسبة 78% من إجمالي ما يتناوله المصريين، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تليها البحيرات بنسبة 12%، وإنتاج البحرين الأحمر والأبيض بنسبة أقل من 5%.

إضافة لمدخلات الإنتاج، زادت أجور العمال. أحد المصادر، الذين تحدثوا لـ«مدى مصر»، وهو تاجر يبيع في سوق السمك ببورسعيد، يقول إن أصغر محل يعمل لديه «اتنين صنايعية» ارتفعت يوميتهم من 100 جنيه، قبل شهور، إلى مابين 200-300 جنيه حاليًا، كما ارتفع مقابل ما يحصل عليه عامل تنظيف السمك من خمسة جنيهات للكيلو إلى 15 جنيهًا حاليًا، وعامل التوصيل الذي ارتفع مقابل ما يحصل عليه في التوصيلة من 10 إلى 20 جنيهًا.

يضيف المصدر أن هامش الربح في كل كيلو يتراوح بين خمسة إلى عشر جنيهات. «الحرامي أوي بيكسب 20 جنيه»، بحسب تعبيره، مُضيفًا أنه يضطر إلى زيادة هامش ما يحصل عليه كي يتمكن من تحمل نفقات التشغيل من عمالة ونقل، إلى جانب الإيجارات التي تتراوح بين 5-15 ألف جنيه، حاليًا.

وتختلف أسعار الأسماك بحسب نوعها، وحتى في النوع الواحد، بحسب المصادر. هذا الاختلاف يستند إلى عدة عوامل، منها أن الأسماك القادمة من بحيرة المنزلة على سبيل المثال سيئة الجودة بسبب تلوث المياه، ولهذا تُباع بأسعار أقل. كذلك، على سبيل المثال، كيلو سمك البوري كبير الحجم والذي يُباع بسعر أعلى من الأسماك الصغيرة، وأيضًا «الأسماك المُبطرخة» وغيرها.

فيما تُشير المصادر إلى انخفاض الإنتاج السمكي بمرور الوقت، سواء القادم من المزارع أو البحيرات وغيرها، وكذلك حجم مبيعات المَتاجر التي تبيع للمستهلك مباشرة، وذلك نتيجة لتراجع الطلب على الأسماك بشكل عام. «اللي كان بيشتغل بـ25 كيلو في اليوم دلوقتي بيشتغل بعشرة بس»، يقول أحد المصادر.

ويتفق التجار والبائعون ببورسعيد على أنه في حال وَجَد مختلف أطراف الصناعة أنفسهم مضطرين لشراء الأسماك بأسعار تكبدهم خسائر، فإن أصحاب المزارع والصيادين قد يضطرون للتوقف عن العمل.

من جانبه، يقول رئيس قطاع المراقبة والجودة بجهاز حماية المستهلك، أمير الكومي، لـ«مدى مصر» إن حملات المقاطعة الشعبية للسلع وبالأخص الغذائية ليس حلًا مستدامًا وجذريًا لمشكلة الغلاء، معتبرًا أن الحكومة هي الجهة المنوط بها مواجهة مشكلات السوق وخلق مناخ تنخفض فيه الأسعار تلقائيًا.

«نحن لسنا بصدد اختراع العجلة»، يقول الكومي، الذي أضاف أن خلق مناخ تنخفض فيه الأسعار يجب أن يتضمن عنصرين، هما المنافسة والوفرة في إنتاج السلعة، وهو ما سيهوى بالأسعار ويُخفض من هوامش الربح طبيعيًا.

على العكس من ذلك، تتسبب مثل تلك الحملات «العشوائية»، حسب وصفه، أضرار وخسائر للبعض على مدار سلسلة القيمة، والتي ستضطر إلى مضاعفة الأسعار بمجرد انتهاء الحملة لتعويض تلك الخسائر.

يُشير الكومي إلى أن سياسات حكومية خاطئة تسببت في قابلية القطاع الغذائي بأكمله للاستجابة لأي أزمة اقتصادية تتعلق بالدولار، نتيجة اعتماد القطاع بدرجة كبيرة على الاستيراد، لافتًا إلى أن الأسر اضطرت إلى ممارسة مقاطعة تلقائية بغض النظر عن أي حملات، ولجأت إلى سلع غذائية أرخص لسد الحاجة للتغذية فقط.

تؤكد على ذلك أرقام دراسة «التعبئة والإحصاء» بعنوان «أثر الأزمة الأوكرانية على الأسرة»، والتي أشارت إلى أن أكثر من 92% من الأسر، قررت تقليل استهلاكها من الأسماك فضلًا عن اللحوم والطيور بسبب تدني الدخول وارتفاعات الأسعار.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن