سابع مدى| لقاءٌ على أرضية مجهولة في جغرافيا الصداقة
قصة قصيرة
يجلسان على الرصيف ويشعران أن هناك خطأ ما.
حمدي يعاني فقدًا لم يع عمق تأثيره بعد، تسلل إلى جذور روحه في السر مثل نَّسيرةُ اللحم الصغيرة المحشورة في ضرسه منذ وجبة الغذاء، ستتعفن قريبًا وتفوح رائحتها في فمه. ومروان، لا يدري ماذا يفعل بحياته: حياته ككل، وليس مرحلة معينة، كانت تبدو له كتلة لا تتشكل، كلما حاول إعمال يده فيها، ترتد مثل كرة مطاطية وتقذفه بعيدًا عنها. كانت حياته، لكنها تتسامى عليه، كأنها ليست جزءًا منه أصلًا.
يجلسان ولا يعرفان إذا كانا صديقين بما يكفي أم أنهما سيظلان هكذا دائمًا، يحكيان حكايات مجتزئة تكشف جزءًا بسيطًا من المشاعر مثل فلقة طيز مروان السمينة التي تَظهر من الجينز الآن، وفتحة قميص حمدي، التي تُظهر رقعة رقيقة من جلده، تكشف عن عظام صدره.
هرش حمدي صدره، في موضع الفقد تحديدًا، ومروان أمسك ركبتيه بيديه ليوازن حياته، حتى لا تميل منه وتسقط. اخترق الشارع بوكس شرطة، تخرج من فتحاته الأسلحة والشوارب الكثيفة، فارتفع نبض مروان وارتجف جفن حمدي. كانا يجلسان في شارع جانبي في محيط كلية الفنون الجميلة بالزمالك، آخر المناطق في القاهرة التي لم يطوقها الحضور الأمني الكثيف بشكل كامل، مثلما حدث في وسط البلد، فهرب إليها المراهقون والشباب بحثًا عن هوامش صغيرة ينتزعون فيها حقهم في الوجود كما يريدون.
شعرا بالشوارب الأمنية تحك في روحهما، ولم يكن لديهما ما يخفياه عن الأنظار إلا وجودهما. مروان كان خربانًا قليلًا بعد تناول قطعة متوسطة من حلوى الكوكيز المخبوزة مع الحشيش منذ ساعتين، لذلك لسعه القلق سريعًا في فَم معدته، انكمش بجوار حمدي، ضغط جسده الضخم قدر الإمكان حتى صغر حجمه قليلًا، وعندما مرت العربة، تنفس مرتاحًا، فعاد جسده إلى حجمه الطبيعي.

حمدي يريد الكلام، لكن بعد تشذيب حكايته قليلًا وتقليم أظافر التفاصيل. لم يكن يريد الكلام مع مروان تحديدًا، لكنه يشعر أنه إذا لم يتكلم ويحكي، سيخبط رأسه في حائط غرفته عند عودته للمنزل، وهذا ما حدث. ومروان لم يكن يعرف إذا كان يريد الكلام أم لا. وهنٌ عام في الإرادة تضاعف اليوم مع الحشيش، جعله أبعد ما يكون عن إرادة الاختيار والقدرة على الحُكم، فجلس مكانه ينظر لحمدي مثلما ينظر لحياته: بعيدة وحميمة، يشعر تجاهها بالألفة لكنه لا يعرفها جيدًا.
تراكم الملل على الملل، فدارت عجلة الكلام، بلا رغبة حقيقية من أحد. استمرت جلستهما مثلما اعتادا دائمًا، بين تدخين السجائر وحكايات تنتمي لهامش تاريخهما الشخصي لكنها لا تقول شيئًا عن واقعهما الحالي وتعقيداته. استدعوا ذكريات عشوائية لحشو الفراغ ودغدغة الصمت، وتذكير بعضهما أنهما لا يوجد بينهما ذكريات تستحق الحكي، ولم يهتما أيضًا بتكوينها، رغم أن عُمر صداقتهما يمتد لـثلاث سنوات الآن.
التقيا منذ ساعتين بالصدفة عند سور كلية الفنون، حوالي الحادية عشر مساء. كانا يومهما قد انتهى وقررا دفع حدوده قليلًا لما بعد منتصف الليل: تذكرا فجأة أنهما لم يلتقيا منذ نهاية الفصل الدراسي الثاني، وبداية إجازة الصيف.
يلعب حمدي مباراة ملاكمة مع البؤس في كلية الحقوق ومروان يركب العبث في كلية الآثار، كلاهما في جامعة القاهرة وكلاهما لا يعرف ماذا يدرس بالضبط ولماذا يدرسه وماذا يعني المستقبل؟ لا يذهبان للجامعة إلا يوم أو يومين في الأسبوع، ولا يحضران معظم المحاضرات، فالقاعات مكدسة بجثث طلبة لا يسمعون صوت دَكاترة تخرج الكلمات من أجوافهم أشبه بأطفال موتى. يصلان للجامعة في أوقات مختلفة قبل الظهر، يعثر كل منهما على الآخر دون الحاجة لرسالة أو اتصال، يجلسان مع أشخاص تتغير وجوههم كل فترة، يأكلان ساندوتشات البطاطس السوري الغارقة في الزيت والدهن مع زجاجات الكولا، يتكلمان في أي شيء يخطر على بالهما، ثم يتركان الجامعة ويركبان المترو إلى محطة الأوبرا، يتمشيان إلى الزمالك بجوار النيل، يتخذان استراحة قصيرة أمامه ليدخنا سيجارتين ثم يستكملان طريقهما. يدخلان شارع 26 يوليو ويبدأ وجههما في الالتفات يمينًا ويسارًا للبحث عن الأصدقاء الآخرين، إذا وجدوا. يجلسان على مقهى بالقرب من شارع البرازيل لساعات، يشربان كوبين من الشاي فقط توفيرًا للمصاريف، أو ينزويان في شارع جانبي لتدخين الحشيش. لكنهما ينسيان بعضهما في إجازة الصيف الطويلة، لا يعرفان لماذا؟ كان أحدهما يرسل للآخر على الماسنجر أحيانًا «قهوة على الساعة 8؟»، والآخر يرى الرسالة ويرد في اليوم التالي: «معلش يا زميلي مشوفتش المسدج، ايه رأيك نخليها الخميس؟» وتستمر سلسلة العبط غير المبررة حتى يحين موعد الفصل الدراسي القادم.
كانا يجمعهما درجة معينة من عدم القدرة على فهم الواقع، وموقع طبقي محدد في قعر كَنيفُ الطبقة الوسطي ولغة في الهزار لا تحتاج للشرح والتوضيح. لكن كان هناك استحالة ما تمنع هذه الصداقة من الاستمرار أكثر من شهور الفصول الدراسية المعدودة، كان يعرفان أيضًا أنهما لن يريا بعضهما إلا صدفة عند التخرج من الكلية. كانا يعرفان أشياء كثيرة عن مستقبل هذه الصداقة، ويجهلان الكثير عن حاضرها. لكنهما لا يتكلمان عن ما يعرفانه أو يجهلانه، كأن صداقتهما شيء لا يخصهما. يقضيان ساعات على المقهى ويجوبان الزمالك من أولها لآخرها، ولم يفعل أحدهما أكثر من كشط الكلام من على سطح نفسه.
واليوم، التقيا على أرضية مجهولة في جغرافيا صداقتهما، جعلتهما يدركان أنهما كانا يتحركان في صحراء منذ ثلاث سنوات، يدوران في نفس المكان مع كل لقاء. كانا يقطعان مسافات على أقدامهما، يدحرجان الكلام والحكايات والهزار، لكن صداقتهما ظلت هناك، في الصحراء، تضل طريقها باستمرار، ولا تجد من يسأل عنها.
اليوم، حياة مروان متضخمة قليلًا عن المعتاد، هناك مشكلة ما تحدث داخلها، تبدو مثل دمل بين الفخذين، يشعر الواحد بألمه على مدار اليوم ويتجاهله، وعندما يعود لمنزله ويخلع بنطاله الجينز، يجده ينظر له برأسه الحمراء كأنه استولى على هذه الرقعة من الفخذ إلى الأبد. سمع صوت بوكس الشرطة يحوم في المنطقة، فتضاءل جسده قليلًا دون أن يعي ذلك. كان المخدر ما زال يضرب في عروقه ويافوخه، والدماغ تصعد بمفردها سلمًا خلفيًا نحو سطوح العالم، فقرر أن يرقص، أن يبصق على هذا اليوم وهذه الأجواء كلها، ليعيد ربط جسده بدماغه، ويصعدا سويا إلى فوق.
هما الآن في 2019، لذلك كان هناك مروان بابلو، وموسيقى التراب التي يصعد نجمها سريعًا في مصر وتقترب من نقطة احتراقها، وشباب يبحثون عن شيء يمنحهم حماسًا وانفعالًا وجرأة ليلتفوا حوله، أي شيء، فالواقع كان تجلط تمامًا، والسلطة ما زالت تضرب من فوق ومن تحت منذ 2013. هما الآن في أغسطس أيضًا، وبعد أسابيع قليلة، قرب نهاية سبتمبر، سيخرج مئات الناس في احتجاجات عشوائية وغاضبة، يطالبون بإسقاط النظام، سيكون مروان يومها في أتوبيس نقل عام بالقرب من رمسيس، وعندما يرى الناس تجري في الشوارع، سيتأكد وقتها أن المفهوم انطبق على الواقع أخيرًا، وهو الآن يشهد لحظة تحققه القصوى وخلاصه، سيقفز من الأتوبيس ويجري في الشوارع وهو يسب الدين للدولة والبوليس، سيقبض عليه يومها ليلًا بالقرب من ميدان طلعت حرب، ويقضي سنة في السجن على ذمة الحبس الاحتياطي، وحمدي لن يعرف ذلك إلا عندما يبدأ العام الدراسي القادم، وينتشر الخبر في الجامعة، بعد إعداد قوائم بأسماء الطلاب المقبوض عليهم. حمدي، سيكون مشغولًا طوال الوقت المتبقي من إجازة الصيف في محاولات تَشبيط مستحيلة ليرقع فقده، كان على قناعة أن واحدًا قويًا وعنيفًا بإمكانه إصلاح كل شيء. ولم يكن قد مارس الجنس من قبل والأهم أنه لا يمتلك مكانًا لكل هذه الخيالات الجامحة، فقضى الإجازة كلها يعيش في دماغه ويستمني، وتتسع رقعة فقده حتى تصل لمعدته.
أمسك مروان موبايله وشغل «الجميزة» التي صدرت منذ أيام قليلة، وقف مكانه وبدأ يؤرجح وسطه بانفعال زائد، بلا رغبة في التماشي مع منطق الأغنية، الذي أفضل ما يمكن فعله معها هو أن يطوح الواحد جسمه ببطء في حركات متكررة تُعيد إنتاج نفسها أو يُشكل بيده في معركة هادئة لا تطمح للتصعيد، إنما تحافظ على أدبيات المراوغة. كان على أمل أن ينضم له حمدي في الرقصة، ولما لم يحدث ذلك شعر أنه عريان بدرجة ما، وأن كل شيء مبتذل، وذاق في فمه طعم خيانة غريب لم يفهمه، لكنه كان يعرف أن هناك خطأ ما منذ البداية، فجلس مكانه ثانية، ونظر له حمدي نظرة فيها من الاستهزاء المُبطن ما جعله لا يحتمل نفسه أكثر.
تحدث كل منهما طويلًا مع نفسه.
صداقتهما الآن زُهرية رخيصة على حافة الرف، ستسقط مع أي كلمة أو فعل. ستسقط إذا امتد زمن جلوسهما أكثر من ذلك.
قال حمدي لحمدي: عايز أروح البيت.
ومروان سأل مروان: إيه الكلام؟ إحنا قاعدين بنعمل إيه؟
قال حمدي لمروان في خياله: يا ريت تختفي من حياتي.
سمع مروان كلام حمدي دون أن ينطقه، فتضاءل جسده أكثر. وانغمس إصبع حمدي قليلًا في موضع الفقد وهو يحك صدره.
بعد سنة، سيتخرج حمدي من الجامعة، ومروان من السجن، وعندما يتفقد الماسنجر سيجد رسالة من حمدي يطمأن عليه، فيترك له قلبًا وابتسامة صفراء. ستضيع ذكرياتهم الهشة وأسئلتهم المعلقة ومشاعرهم المبهمة في النيل الذي طالما وقفوا أمامه في طريقهما من الأوبرا للزمالك، يحرقون سجائر إل إم أزرق.
نظرا الاثنان لبعضهما وقال حمدي: يلا بينا ولا إيه؟
تمشى الاثنان لشارع 26 يوليو، أحدهما يتقدم الآخر قليلًا، وكل بضع خطوات يتبادلان مواقعهما من الأمام للخلف والعكس، تخترق نسمات هواء صيفية حارة جسد حمدي وتنفذ من صدره، ومروان يشعر أنه مضغوط داخل إطار ضيق وحياته تزداد تورمًا، فبدأ يتنفس بصعوبة. نط كل منهما في أتوبيس مختلف، أسندا ظهريهما إلى الكرسي ونظرا للشارع وهما يفكران كيف سيتجنبان لقاء بعضهما عند بداية العام الدراسي القادم والأخير.
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن