تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«بنات آوى والحروف المفقودة» 

«بنات آوى والحروف المفقودة» 

عن الحيوانات الناطقة في لحظات الخطر

كتابة: هيثم الورداني 15 دقيقة قراءة
لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من كتاب هيثم الورداني

مقتطفات من كتاب هيثم الورداني الجديد «بنات آوى والحروف المفقودة»، من فصلي «الأيدي العاملة» و«في المكان الخطأ». يصدر قريبًا عن دار الكرمة للنشر.

«الأيدي العاملة»

هناك شيء حي داخل اللغة يقاوم استعمال البشر لها. شيء يجعلها لا تستجيب بسهولة إذا اقترب منها الكلام. وإذا استجابت تقول شيئًا آخر غير ما كان يريد هو قوله. حتى عندما يترك لها الكلامُ الباب مفتوحًا لتتكلم هي، فإنها تلوذ بالصمت، وتتوارى بعيدًا. هذه المقاومة تجعل الكلام يقع في تناقضاته، فتتعقد خيوطه، وتنكشف الثقوب التي يريد نسيجُه مداراتها. إنها مقاومة اللغة لاختزالها في التواصل بين البشر، أو في إخفاء التناقضات، وإصرارها على أن وظيفتها الأسمى هي اعتراض مسار ما يُقال فيها. اللغة تقاوم أن يُقال فيها شيء، لأن ما يُقال لم يعد يعني أي شيء. ما بات يجري على الألسنة في لحظات الانهيار ليس سوى كلمات جوفاء، ورموز وشفرات. اللغة تقاوم المتكلم الذي يستعملها ليقول الشيء نفسه دائمًا وأبدًا، وتقاوم من يسطحها ويدجن كلماتها.

في صمت اللغة تهب الريح من الماضي وكائناته المنسية، ويتزايد صخب الكلمات التي لم ينطق بها أحد بعد. فقط من داخل هذا الصمت الصاخب لغير البشر يمكن مقاومة اللغة السائدة، بكل جمالياتها البائدة وسياساتها المهيمنة. من داخل هذا الصمت تقاوم اللغة نفسها، لكي تولد من جديد، على لسان من لا لسان له. تقاوم لكيلا تنطبق على نفسها وتصبح لغة المنتصرين. وعندما تولد اللغة على لسان من لا لسان له، أو عندما يولد من لا لسان له داخل اللغة، يستفيق التاريخ من غفوته الطويلة في الحياة الحيوان. يستيقظ التاريخ ليتعلم اللغة من جديد، بعد أن بات مسرنمًا وسط عباراتها الفارغة. هذه الولادة الجديدة هي عمل اللغة الحقيقي وليس التواصل. عملها قطع جريان تاريخ الهيمنة الأبدي وخدش رتابته. لذلك فإن الولادة في اللغة هي الولادة الثانية والأهم، من دونها يظل التاريخ يدور في دوائره الأبدية، وتظل اللغة نظامًا أجوف لتبادل العلامات. كل الاحتمالات واردة في هذه الولادة الثانية، فهي قد تجلب معها مراجعة أو ارتباكًا أو كلامًا جديدًا، وقد تؤدي إلى تكرار الكلام نفسه. لكن مهما كانت تبعاتها فإن هذه الولادة هي العمل الدؤوب الذي تقوم به اللغة لكيلا تنطبق على نفسها.

الخرافة بهذا المعنى هي ضرب من ضروب عمل اللغة ذلك. ففيها يتكلم من لم يسبق له الكلام، وينصت من بسط سطوته على الكلام. المخاطَب في الخرافة «المشرقية» هو صاحب السلطة، ومن يخاطبه هو صاحب المعرفة، الذي يحتال من موقعه الأضعف بالمجاز من أجل مراجعة تلك السلطة، ودفعها للتفكير ولو لوهلة. فالمجاز يربك ويحير، يعطل المعنى المعتاد، ويجاوزه إلى معنى آخر محتجب، يمكن فقط استنباطه. المشهد المؤسس للخرافة هو اللقاء المخيف بين صاحب السلطة وصاحب المعرفة. ووسط التوتر والتوجس الذي امتد بينهما نطقت الحيوانات لأول مرة. وبذلك فإن ما يفرق عمل الخرافة عن غيرها من ضروب عمل اللغة هو أن مجالها على احتكاك مباشر بالسلطة دومًا. الخرافة هي جنس أدبي سياسي بامتياز، لأن موضوعها الأصيل هو سؤال الحياة المشتركة. لكن على الرغم من ذلك فإن عملها لا يمت بصلة لعمل أهل السياسة، بل عملها هو عمل أدبي صميم. فالخرافة لا تتصارع على السلطة، ولا تصدر أحكامًا أو شعارات، وإنما كل ما تفعله هو أنها تجعل من لم يسبق له الكلام يتكلم. وهذه هي السياسة كما تفهمها1.

قبل قرون طويلة من ظهور الأدب بشكله المعاصر، أي بوصفه كلام الذوات الناشئة من رحم الحداثة، قدمت الخرافة اقتراحًا بأن تكون الكتابة هي إعادة ترتيب الواقع وفقًا للخيال المدفون داخله. فكل ما يستبعده الواقع يدفنه داخله، وكل ما يدفنه داخله يتحول إلى خيال. الأدب وفقًا للخرافة هو كلام من أصبحوا خيالًا. كلام ليس كأي كلام. فما هو بكلام ذوات تروي نفسها، وما هو بشكوى أو مظلومية، بل كلام محدد، ويقوم على طريقة محددة هي الاقتباس. يسير هذا الكلام عبر طبقات من اقتباسات منزوعة الملكية. قصص تُروى على لسان قصص أخرى. وألسنة تستعير من ألسنة أخرى. حكاياتهم كلها مستعارة أو مُعارة. كلامهم هو فن الاقتباس، ومضمون ما يقولونه هو حركة الاقتباس نفسها التي توافق فجأة بين لحظات تاريخية متباعدة2.

الحيوان الذي يكدح داخل التاريخ، ويحتضر في اللغة، ويتجمد في الأسطورة، هذا الحيوان يعمل أيضًا في الخرافة. لكنه لا يعمل قناعًا، ولا بهلوانًا، بل يعمل قاطع طريق، يسلب الواقع طمأنينته واستقراره. سلاحه هو المجاز، يُعمِله فجأة، وفي مكانه الصحيح، فينتزع الواقع من تكراره الأبدي. يعمل الحيوان بجد في الخرافة، ومعه سلالة من الكُتَّاب، لكي يجعل الواقع صالحًا للاقتباس، أي صالحًا للانتزاع والاستعادة، ومن ثَمَّ للتغيير. صورة دمنة مثلًا وهو يقف بين يدَي الأسد ناصحًا، ثم يروي له -أو يقتبس له من- ما قاله الثعلب الجائع الذي مر بأجمة فيها طبل معلق في شجرة، هي اقتباس داخل اقتباس، وهي صوت ثعلب ينفتح داخل صوت ابن آوى، لكنها ليست صورة تمثل لعبة مرايا، وإنما صورة لحيلة يقوم بها من يرغب في تحريك علاقات القوى في الواقع. وهذا هو بالضبط الفارق بين الصورة المقدسة للحيوان والصورة المقتبسة له. فالأولى تقايض القداسة بتأبيد الوضع الراهن، في حين تسعى الثانية إلى التقاط الواقع في صورة من أجل فتحه على إمكانية تغييره.

الخرافة تنزع الواقع عن نفسه في صورة. هذه الصورة هي صورة غير واقعية، أي صورة مجازية. لكنها لا تكون أبدًا صورة واحدة فحسب، بل كرمة من الصور المتداخلة عبر الاقتباس والتضمين. هذه الإمكانية التي تقدمها الخرافة عبر المجاز هي الحيز الذي يمكن أن تولد فيه علاقات الواقع من جديد بعد أن كانت قد انغلقت على نفسها وتحجرت. لكن الحياة الجديدة التي يقدمها المجاز ليست حياة مديدة سعيدة، ولا هي حياة بديلة، بل لحظة مكثفة خاطفة تبرق في ظلام التكرار، لكي توقفه. ضربة المجاز يجب أن تأتي مباغتة، فأي مجاز بالٍ لا يعول عليه، لأنه لن يقوى على اعتراض أي طريق. اللغة التي وُلدت للتوِّ على لسان الحيوان في الخرافة ليست مجرد مجاز بعيد عن الحقيقة، بل هي عمل المجاز الشاق من أجل قول الحقيقة.

لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من الكتاب

«في المكان الخطأ»

في طريقي إلى القناة أمرُّ بأطلال المباني الحديثة التي توقفت أعمال البناء فيها، ثم أسير في أرض ضيقة تتناثر فيها أشجار البيلسان، كانت حتى ثلاثة عقود مضت أرضًا جرداء، تفصل بين شقي المدينة، ويسمونها «شريط الموت». القناة الموازية للنهر كانت حصتي من الطبيعة بعد أن ضرب الوباء العالَم، وباتت العودة إليها هي طريقة البشر الوحيدة اليوم للحفاظ على ما تبقى لهم من صواب. البعض مال إلى الذهاب إلى النهر، في حين فضَّل البعض الآخر التمشية في الغابة. أما أنا فاكتفيت بالسير على طول القناة. أقوم بذلك في عطلة نهاية الأسبوع فقط، إذ لم يتوقف عملي لحسن الحظ. كنت أسير قليلًا مع أشجار البيلسان، وألاحظ كل أسبوع تزايد الخيم البلاستيكية بين الأشجار، التي تأوي من فقدوا مساكنهم، ثم أقطع بضعة شوارع حتى أصل إلى القناة. عندها أظل أسير وسط زحام نهاية الأسبوع، حتى أصل إلى موقع هادئ يظلله صف من أشجار الصفصاف، فأجلس تحت واحدة منها.

جذوع الصفصاف تميل إلى صفحة القناة، وأغصانها جدائل تتدلى. تسبح كائنات دقيقة حول الأغصان المغمورة في الماء، وتطفو بعض الهوام على السطح. فيبدو الغصن المتدلي كأنه حبل شوكي يربط كائنات الماء بكائنات الهواء. من حين إلى آخر تظهر خنفساء صغيرة، وتسير على الحافة بين الماء واليابسة دون أن تسقط. وفي أحد الأيام كنت جالسًا وحدي في مكاني المفضل، أنظر إلى مياه القناة ولونها يتحول من الأخضر الداكن إلى الرمادي تحت سماء خريفية متقلبة. فمر قارب بخاري تصدح الموسيقى منه، وتتعالى أصوات بشر مبالغة في احتفالها. شق القارب المياه، وسرت الموجات في اتجاه الضفتين، كل موجة ترتطم بالحاجز الأسمنتي ثم تعود. وشيئًا فشيئًا أخذت المياه تلتئم بعد عبور القارب، إلى أن عاد سطحها ساكنًا، وتلاشى أثر القارب وصخبه. عندها برزت فجأة يد ممدودة الأصابع من المياه. كانت الغيوم قد ملأت السماء، وأصبحت تحجب الشمس، وتضغط على كل المخلوقات. سماء بيضاء ساكنة. نظرت طويلًا إلى اليد حتى زالت كل شكوكي. كانت أصابعها ممدودة ومنفرجة كمن يطلب النجدة. بقيت في مكاني أتنفس بهدوء، حتى اقتربت اليد من الحافة مع التيار، فانتفضت واقفًا ومددت يدي إليها. تجمد كل شيء حولي لوهلة عندما لمستها. لكنها ابتعدت ولم أستطع التقاطها. نظرت حولي، ولمحت بعض الأغصان الجافة، فذهبت سريعًا، وأحضرت أطولها، ثم أمسكت بجديلة من جدائل الصفصاف المتدلية، حتى أحفظ توازني، ومِلت بجسمي محاولًا أن ألمس اليد بالعصا لأقربها إلى الحافة، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل لصعوبة التحكم في اليد البارزة من الماء. من موقعي رأيت جذور شجرة الصفصاف كبيرة ومتشابكة، وغارقة في الماء. عالم بأكمله يكمن تحت السطح، ثم رأيت اليد تبتعد عن الحافة وتتجه إلى عرض القناة رويدًا رويدًا، فمِلت بجسمي إلى أقصى ما أستطيع، محكمًا قبضتي حول جديلة الصفصاف. كانت عيناي لا تزالان مثبتتين على اليد عندما ضعفت يدي شيئًا فشيئًا وأفلتت الجديلة، فاختل توازني وسقطتُ في الماء.

يد متصلة بساعد مبتور. حملتها وعدت إلى مكاني بعد أن خرجت من القناة، ثم وضعتها بجواري على العشب. كان الماء يقطر بغزارة من كلينا. وفاحت حولي رائحة ثقيلة، تشبه رائحة البجع. شردت في مياه القناة التي أصبح لونها الآن رصاصيًّا، وفكرت في مدينة لا أعرفها تحترق، وفكرت في رقم تريليون الذي يفوق قدرة عقلي على الاستيعاب. ثم التفت إلى اليد وقلت لها: «هل ترغبين أن أدفنك الآن؟». كانت أصابعها نحيلة، يعلوها لون أزرق، وتتدلى نسائر اللحم من موضع بترها. جلدها زلق، لكنه نظيف، وخالٍ من التقرحات. عظمها ناصع البياض. مرت برهة قبل أن أسمع صوتها الواهن يقول متموِّجًا: «فصلوا رأسها قبل أن يلقوا بجثتها في الماء... آلاف العيون يأكلها السمك... 1919... جبال من السكر... تلال من القهوة... أنهار من خمر الروم... 1859... ما زالوا يعملون في الأسفل... 2500000... ألقوهم في الماء بأصفادهم... 1876... كنَّ مبقورات البطون... إبراهيم سليم... عائشة عبد الرزاق... 2003... عمر ديالو... الحسنة بري... 120000... أطنان من النترات... بحار من النفط».

حملت الساعد المبتور لأخفف عنه الهذيان، ووضعته في حجري تحت ساعدي الأيمن، فأصبح لديَّ ساعدان يخرجان من ذراع واحدة.

قالت امرأة: «أريد الانفصال». وقال رجل: «علقت أمس بمظاهرة لمنكري الوباء». بدأت أرتجف من البرد. ولاحظت أن العابرين ينظرون بفضول نحونا. أردت أن ألقي باليد في الماء وأعود إلى بيتي. لكن اليد التي في حجري قالت بصعوبة: «أرجوك ساعدني، يجب أن أعود إلى عملي». فقلت لها: «وماذا تعملين؟». فقالت: «عملي الكتابة، أنا يد ابن المقفع». ثم سألتني: «إلى أي مدينة خرجت؟». فقلت لها إننا في مدينة تُدعى «برلين». ازدادت النظرات المتفحصة حولنا، وبدأت أشعر بالتوتر. فنهضت من مكاني، وأخفيت اليد تحت قميصي، وأحكمت إغلاق معطفي المبتل. انسللت وسط دهشة الواقفين من منظري، مخلفًا بقعتَي بلل على العشب، إحداهما أكبر من الأخرى. ومن ورائي نبح كلبان. عندما ابتعدتُ قليلًا حانت مني التفاتة إلى الخلف، فرأيت قمة شجرة الصفصاف التي كنت أجلس تحتها بوضوح شديد، على الرغم من بياض السماء، وبدت لي أطول مما كنت أظن. وانطبعت صورتها تلك في ذاكرتي إلى الأبد.

سقطت في الفراش محمومًا. يبتلعني ظلام دامس، تلمع فيه صور لم أرَها من قبل. أرى عمالًا يحفرون الأرض. أرى أسماكًا تطفو فوق سطح الماء. أرى أغصان صفصاف مجدولة تعتصر أجساد بشر. أرى أيدي وسيقانًا. أرى آذانًا وعظامًا وأعينًا. أرى دخانًا أبيض ينتشر، ويخنق كل من يتنفسه. أرى سفن شحن ضخمة تعبر المحيطات. ثم أرى وجه أمي كما رأيته آخر مرة قبل نحو عشرين عامًا. أرى كل ذلك ثم أعود إلى الظلام الدامس. لا أدري كم من الوقت لبثت وأنا مريض. أنهض بالكاد لأشرب شيئًا ساخنًا، ثم أعود إلى هوَّة فراشي. وكلما نهضت رأيت يد ابن المقفع بجواري على الأرض تكتب. لا أدري كيف حصلتْ على كل هذه الأوراق. كانت هناك أوراق كثيرة حولها، وهي تكتب وسطها. تكتب وتكتب وتكتب. أراها من بعيد، وأنا أترنح فوق الفراش مستسلمًا لدوامة الحمى، وأسقط مرة تلو الأخرى في ظلام القاع.

طرق الخوف رأسي، فنهضتُ مفزوعًا في قلب العتمة. تطلعت بسرعة إلى المنبه بجواري، وتأكدت أني قد تأخرت على عملي، فقمت مسرعًا وغيرت ملابسي. كانت اليد لا تزال على الأرض تكتب. التقطت أشيائي ومفاتيحي، ومن دون أن أقول أي شيء خرجت وأغلقت الباب من ورائي. سرت والمدينة تغطُّ في سباتها. رأسي دائخ وجسدي منهك، وألم خفيف يدب في ذراعي اليمنى، حتى وصلت إلى القلعة. كنت أعمل في بناء قلعة بروسية ضخمة في قلب المدينة. مرَّرت الشريحة الإلكترونية بسرعة في قارئ البوابة المعدنية، وولجت إلى موقع العمل، متجهًا إلى خلاطة الإسمنت. أهملت الدبيب المتزايد في ذراعي، وحييت زميلي الواقف على الخلاطة، يلقمها الرمل والماء والإسمنت. ثم صعدت إلى الطابق الثاني، وسلمت على العمال الواقفين يدخنون. أخبروني أنهم بحاجة إلى إطارات النوافذ، وإلى مواسير التدفئة. فهبطت إلى «الفورك ليفت»، ورأسي منفوخ، وضغطت على زر التشغيل.

عندما التحقت بالعمل قالوا لنا إننا نعيد بناء قلعة ملكية قديمة دمرتها الحرب. صديقي فاضل الذي ساعدني في الحصول على هذا العمل أخبرني أن الأرض التي نبني فوقها القلعة الجديدة كانت تقع في بلاد لم يعد لها وجود اسمها ألمانيا الشرقية، وقام فوقها مبنى احتضن البرلمان، بجانب مركز للأنشطة الثقافية. وبعد الوحدة تمت إزالة هذا المبنى، لكي يعيدوا بناء القلعة الملكية. كان العمل في الموقع شديد التنظيم، إذ تتكون فرق العمل من أربعة أو خمسة عمال، يقودهم رئيس فريق. وعندما يُكلف الفريق بمهمة محددة، يُترك لرؤسائها تدوير العمل بين أعضاء الفريق. فاضل كان واحدًا من رؤساء الفرق، اختير بسبب ألمانيته الجيدة، واستطاعته ترجمة المطلوب إلى العمال العرب الذين يعملون معنا، والذين وصل معظمهم إلى المدينة بعد ثورات السنوات القليلة الماضية، بينما وصل هو إليها قبلهم بكثير.

كان بإمكاني دائمًا تمييز صوت فاضل وهو يعمل من بين كل ضجيج الطَّرقات والمحركات. صوت تقريط صواميل قواطع الواجهة هذا بالتأكيد وراءه فاضل. كان يقرط الصامولة قرطة إضافية، بينما يكتفي زميله بالقرطة اللازمة فحسب. فيصدر عن المعدن تحت يد فاضل أنين قصير، يشق فضاء موقع العمل. صيحة حادة تُثبِت دقة العمل وتدرأ عن نفسها أي نقد محتمل. أخذت في رفع أطر النوافذ المعدنية الضخمة إلى الأعلى بـ«الفورك ليفت». وفي اللحظة التي كان عليَّ فيها أن أوقف الونش، شعرت بنشر حاد في عظام ذراعي. كان ألمًا لا يحتمل، لكني نجحت في إبقاء الونش تحت سيطرتي. زاد الألم وغطى على دوخة رأسي، كأن هناك أنيابًا مفترسة تنهش ذراعي، تمزقها وتنزعها عن جسمي. استغربت الألم الشنيع، وحاولت أن أشغل نفسي بمتابعة الحركة غير المعتادة التي تسري في المكان هذا اليوم. فقد حضرت سيارات كثيرة وغادرت. من بينها سيارة شحن كبيرة تحمل فوقها ملاكًا برونزيًّا ضخمًا، أنزله العمال ووضعوه في الساحة. ثم أوقفت الونش عندما حانت استراحة الصباح، وذهبت إلى المكان الذي يلتقي فيه باقي الزملاء، قاطعًا الساحة التي وقف فيها الملاك. عندما وصلت أخبرني زملائي وهم يتطلعون إليَّ أنني أتصبب عرقًا. جلست وسطهم في الاستراحة، وظل الألم يزداد، ولم أعد أستطيع السيطرة عليه. من شدته زاغ نظري، ثم لمعت أمامي فجأة نجوم بيضاء صغيرة، وصرخت من الألم.

عندما أفقت في المستشفى كنت قد فقدت الإحساس بذراعي تمامًا. حقنني طبيب بمسكِّن، وقال لي: «لا تقلق، ستذهب الآن لعمل أشعة مقطعية». وجدت نفسي على سرير متحرك، قادوني به إلى غرفة الأشعة، ثم أرجعوني إلى الغرفة التي أفقت فيها. كان مفعول المسكن قد بدأ فتركت نفسي في خدره. اختفى الألم البشع، مخلفًا فراغًا أكثر فداحة. ثم جاء طبيب عرَّف نفسه بأنه طبيب الأعصاب. تطلع إلى الأشعة، وسألني أن أروي له ما حدث قبل أن أسقط في موقع العمل. ففعلت. صمت ثواني قليلة ثم قال: «هل هناك ما أزعجك في الفترة الماضية؟». فنفيت. فصمت قليلًا ثم قال: «نحن نعيش جميعًا لحظة استثنائية لم نمر بها من قبل، لكن عليك أن ترى النصف المليء من الكوب، وهو أنك لم تفقد عملك مثل كثيرين. عمومًا، كل شيء على ما يرام كما أرى، أنت بحاجة فقط إلى الراحة». حاولت أن أحرك ذراعي لكنها لم تتحرك، ثم هززت رأسي للطبيب مؤمِّنًا على كلامه. وعندما خرجت من قسم الاستقبال كان فاضل في انتظاري، فأحاطني بذراعه، وتبادل الحديث مع الطبيب للاطمئنان على حالتي. ثم طلب مني أن أذهب معه إلى بيته، حيث يمكن أن يعتني بي هو وزوجته وطفلاه، لكني فضلت أن أعود إلى البيت، فأوصلني.

كانت الأوراق تملأ أرضية غرفتي عندما دخلنا، واليد لا تزال تكتب. فصاح فاضل: «ما هذا؟»، فأجبته بأنها يد ابن المقفع. فزادت دهشته وقال: «وماذا تفعل هنا؟». كان يومًا طويلًا، وشق عليَّ أن أشرح له قصة اليد، فقلت له: «لقد برزت لي من مياه القناة. أنا متعب الآن، سأشرح لك كل شيء فيما بعد». بقي فاضل مسمَّرًا في مكانه بعض الوقت، لكنه غادر أخيرًا بعد أن تأكد من أني لا أحتاج إلى شيء. جلستُ ساكنًا في صمت الغرفة. تخيلت أني شعرت بوخز في ذراعي فحاولت أن أرفعها مجددًا لكنها لم تتحرك، فبقيت ساكنًا. ثم أمسكت بإحدى الأوراق الملقاة على الأرض، وأخذت أقرأ:

«ساق... سيقان كثيرة... ساق صغيرة بجوار ساق أكبر... الذين فقدوا أسماءهم... المهملون في الماء الهَمَل... الذين لن يصلوا أبدًا... الذين لن يعودوا أبدًا... الذين لن يستيقظوا أبدًا... يد تبحث عن أخرى... رئات مُتبَّلة بالملح... برزخ ينفتح بين ضفتين... حركة بطيئة... كيفما اتفق... الأصابع تتشنج... الحناجر تجف... الهوة تتسع... الحافة تضيق... ملوحة تحت الجلد... ملابس لم تعد تستر... حبل يتدلى في الماء... يد تمسك بحبل... ضجيج محرك... ساق تتعب... حقيبة ظهر تفلت... وتتهادى نحو العمق...».

هوامش

1 السياسة عند جاك رانسيير هي تحديدًا إعادة صياغة العالم المحسوس. ويقول في كتابه «سياسة الأدب»: «هناك عبارة مشهورة لأرسطو تقول إن البشر مخلوقات سياسية، لأنهم يتمتعون بميزة الكلام الذي يسمح بالحديث عن العدل وعن الظلم، بينما لا تملك الحيوانات سوى الصوت الذي يعبر عن اللذة والألم. وتتعلق المسألة برمتها بمعرفة من المؤهل للتمييز بين كلام المداولة وبين التعبير عن الانزعاج. ومن ثَمَّ، وبمعنى ما، فإن النشاط السياسي كله صراع لتحديد ما هو كلام وما هو صراخ، أي لرسم الحدود الملموسة التي تتثبت من خلالها القدرة السياسية. إذ ترى جمهورية أفلاطون أن الحرفيين لا يملكون الوقت الكافي للقيام بأي شيء آخر عدا عملهم، فشغلهم وبرنامج عملهم ومقدراتهم التي جعلتهم يتكيفون مع وضعهم تمنعهم من ممارسة هذا النشاط الإضافي المتمثل بالنشاط السياسي. غير أن السياسة تبدأ تحديدًا حين تصبح هذه الاستحالة موضع تساؤل، أي حين يجد أولئك، الذين لا يملكون الوقت للقيام بأي شيء آخر عدا عملهم، هذا الوقت الذي لا يملكونه ليثبتوا أنهم كائنات ناطقة هي جزء من عالم مشترك، لا حيوانات هائجة أو متوجعة. ويشكل هذا التقسيم، وإعادة التقسيم، للأمكنة وللأوقات وللمواقع وللهويات وللكلام وللصخب وللمرئي ولغير المرئي ما أسميه بتقاسم العالم المحسوس. ويعيد النشاط السياسي صياغة هذا العالم المحسوس، فيضم إلى ما هو عام أغراضًا جديدة وأفرادًا آخرين، ويجعل مرئيًّا ما لم يكن كذلك، ومسموعًا ككلام كائنات ناطقة ما لم يكن يُعتبر إلا صخب حيوانات ضاجة». جاك رانسيير. «سياسة الأدب». المنظمة العربية للترجمة 2010. ترجمة رضوان ظاظا. ص ١٦.

2 يقول فالتر بنيامين في «مشروع البواكي»، الشذرة رقم N11.4: «كتابة تاريخ تعني اقتباسه». ولأن كلمة «تاريخ» بالألمانية (Geschichte) تعني أيضًا «حكاية» أو «قصة»، فإن من الممكن ترجمة جملة بنيامين بتصرف بسيط على هذا النحو: «كتابة قصة تعني اقتباسها».

Walter Benjamin. Passagen Werk. Gesammelte Schriften. Bd. 5. Suhrkamp Verlag 1991. P. 596

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن