مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
في الحقبة السوفيتية، علمونا في المدرسة أن لكل شخص وطنين: وطنًا صغيرًا، وآخر كبيرًا. الوطن الصغير هو بلدة أو قرية الميلاد، والكبير هو البلد. يشير الوطنان، الصغير والكبير، إلى مستويين مختلفين؛ في الأول، نرتبط، ككائنات حية، بمنطقة سكنية معينة؛ وفي الثاني، كمواطنين، نرتبط رمزيًا بمجمل إقليمي محدَّد. يمكن أن يتغيّر شكل ومحتوى هذا المجمل، ويمكن للحدود أن تتغيَّر أو يُعاد تشكيلها. لكن آلة الوطنية تواصل العمل بدون توقف. عندما انهار الاتحاد السوفيتي، اختفى وطني الأكبر، وأُخذ معه وطني الأصغر قسرًا. بدأت مدارسنا تعلِّم الأطفال كيف يحبون روسيا، بلدهم الجديد. لم يمر هذا التوتر التعليمي دون أن يلاحظه أحد من الفنانين المفاهيميين. في عام 2005، قام ديمتري أ. پريجوڤ Dmitry A. Prigov، مع إيرايدا يوسوپوڤا Iraida Yusupova، وألكسندر دولجين Alexander Dolgin، بتسجيل أوبرا إعلامية، يحاول پريجوڤ فيها، على خلفية موسيقى تأملية تتضمن عناصر من الفلكلور الروسي، أن يقنع قطًّا أن يكرِّر خلفه: «روسيا». يقاوم القط، ويحاول الهروب، لكن الفنان يعيده بصبر، ويواصل تعليمه. أعتقد أنني كنت مثل ذلك القط. يمكنني أن أقول «روسيا»، لكن هذه الكلمة دخلت لغتي من مكان آخر.
في الثقافة الروسية يُنظر إلى فكرة «تعليم كيف يحب المرء وطنه» كتهديد. وأول ما يخطر على البال هو العنف، والإذلال، والتعذيب في مستعمرات العقاب، ومراكز الاحتجاز. كلما اقتربت الحرب –في أوكرانيا، في سوريا، في جورجيا، في الشيشان، وفي الحروب والنزاعات العسكرية الأخرى التي تورطت فيها روسيا –كلما ازداد الحديث عن التربية الوطنية. في مثل هذه اللحظات، يصبح الوطن الكبير اسمًا عموميًّا لسردية أيديولوجية تجمع عناصر متباينة في مجموعة واحدة لضبط كلٍ من الأراضي والناس ضبطًا شعوريًّا. تحشد السكان، وتدعوهم للوقوف ككتلة واحدة ضد عدو حقيقي، أو مُتخيَّل. طبقا لإرينا ساندوميرسكايا Irina Sandomirskaya، في مجمع آلهة الأيديولوجية السوفيتية، كان الوطن الأم واحدة من الآلهة الرئيسية التي تتطلب أضحية بشرية. كجزء من هذه السردية، قُدِّم الموت في الحرب كهبة مقدسة*. يمكن ملاحظة الأساليب البلاغية نفسها في دول أخرى عندما تنتقل إلى حالة التعبئة العسكرية.
«عندما ترسل دولة أناسًا إلى الموت، تدعو نفسها وطنًا أمًا» تُنسب هذه المقولة إلى مؤلفين مختلفين، من بينهم برتولد بريخت. في عام 1916، وهو ما يزال في سنوات مراهقته، طُلِب منه أن يكتب مقالًا في المدرسة، وكان موضوعه مأخوذًا من هوراس: Dulce et decorum est pro patria mori (كم هو حلو ومشرِّف أن أموت من أجل الوطن الأم). كتب بريخت في مقاله:
«ادعاء أن الموت من المفترض أن يكون حلوًا ومشرِّفًا، لا يمكن اعتباره إلَّا شكلًا من أشكال البروباجندا الرخيصة لغرض معين. إن مفارقة الحياة هي دائمًا أمر صعب، سواء في الفِراش أو في ساحة المعركة، وبالذات بالنسبة لشباب في مقتبل العمر. فقط البلهاء فارغو الرؤوس هم الذين يمكنهم أن يكونوا مغرورين إلى درجة الحديث عن سهولة الانسلال عبر هذه البوابات المظلمة، وحينها حتى، فقط عندما يكونون متأكدين من أن ساعتهم الأخيرة لا تزال بعيدة*.»
كاد بريخت أن يُطَرد من المدرسة بسبب هذا المقال.
إن لم نكن نعرف مَن هو بريخت، كان من الممكن أن نصل بسهولة إلى استنتاج خاطئ، وأن نفسِّر هذه المقولات من الكاتب المسرحي الشاب كتعبير عن لا مبالاته، أو كافتقار تام إلى الوطنية (بصرف النظر عن موقفنا منها). لكن بريخت كان كاتبًا ملتزمًا للغاية، شيوعيًّا، ومعاديًّا للفاشية. ليس الأمر أن عدم قبوله للخطاب الرسمي الوطني، وأيديولوجية العسكرة، اللذين كانا يكتسبان زخمًا في ألمانيا في ذلك الوقت، يرتكز على أن الوطن هو مجرد أسطورة اخترعها دعائيون، في احتياج إلى ذخيرة لمدافعهم. بل لأن الوطن ببساطة لا يعادل الدولة، ولا حتى الأراضي التي وضع عليها ممثلو الدولة الرسميون (الطغاة، بلغة بريخت) أياديهم. إن الوطن ليس دولة، ولا فوهرر. يستولي النظام الحاكم، بدون حق، على اسم الوطن، ويتوحد معه، ويحول الأراضي إلى أطيان، والناس إلى تعداد. وتستخدم آلة القمع والعنف بلاغة تضليلية منمقة، بهدف تحويل الناس إلى حمقى، وقوميين متطرفين، ونازيين. أن تحبي وطنًا، على الرغم من هذه الآلة الأيديولوجية، يعني أن تخاطري، وتسمِّي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، أي أن تنزعي الخطاب البلاغي عن الموضوع نفسه.
في عام 1933، كتب بريخت، مخاطبًا رفاقه مناهضي الفاشية الألمان من المنفى، كراسة بعنوان: «خمس صعوبات في كتابة الحقيقة». كانت الكراسة دليلًا لأولئك الذين اتخذوا قرارًا بقول الحقيقة في عالم تحكمه الأكاذيب:
«إن مَن يريد اليوم مكافحة الكذب والجهل، ومَن يريد كتابة الحقيقة، فعليه على الأقل أن يتغلب على خمس مصاعب، عليه أن يتحلى بالجرأة على كتابة الحقيقة، رغم أنها تُضطهد في كل مكان، وأن يمتلك الذكاء للتعرف عليها، رغم أنها تُخفى في كل مكان، وأن يملك فن استخدامها كسلاح، وأن يكون قادرًا على الحكم باختياره أولئك الذين تصبح الحقيقة في أياديهم فعّالة، وأن يمتلك الدهاء لنشرها بين هؤلاء.» إن المصاعب جسيمة بالنسبة للذين يكتبون تحت سيطرة النازية، ولكنها تشمل أيضًا الملاحقين والفارين، وحتى أولئك الذين يكتبون في البلدان التي تسود فيها الحرية البورجوازية*.
لقد أكد بريخت على العنصر الخامس بشكل خاص، وهو الدهاء: «على المرء أن يكتب على نحوٍ تُقرأ به الحقيقة بين السطور.»
يناقش تسيفل وكالا، وهما شخصيتان من مسرحيته «حوارات المنفيين»، مفهومي الوطن والوطنية. يتبادلان، بينما يشربان قهوة، ملاحظات متشككة للغاية. يعترف أحدهما: «إنها لمفارقة حقًا أنه يتعين على المرء أن يحب البلد الذي يجب عليه أن يدفع فيه الضرائب». يقترح الآخر أنه يمكن تفسير الأمر بعدم وجود خيار: «تمامًا كما يتعين عليك أن تحب المرأة التي تتزوجها، بدلًا من أن تتزوج التي تحبها. لماذا أنا أطالب بحرية الاختيار أولًا. أطالب مثلًا بأن تريني جزءًا من فرنسا، ومنطقة جيدة من إنكلترا، وجبلين من سويسرا، وجزءًا من النرويج مطلًا على البحر، ومن ثم يمكنني أن أشير [وأقول:] أريد أن يكون هذا وطنًا لي، عندها ... [سأحبه]. أما حالتنا الآن، فإنها لا تبعث على الاحترام، [تشبه أن تحب] شباكًا قديمًا سقطت منه ذات مرة*.» هذه، بالطبع، مسرحية على درجة عالية من الدهاء.
يقول الروس: «لا أحد يختار وطنًا» ثم يُسقِطون أنفسهم من الشباك. فكم كان عدد موجات الهجرة من روسيا؟ واحدة، اثنتان، ثلاثًا –والتي تحدث الآن هي الرابعة. يغادر الناس إلى بلد آخر للحصول على جواز سفر جديد، وبدء حياة جديدة. في المكان الجديد، يفرغون حقائبهم أولًا، ثم قلوبهم، وفي داخل قلوبهم يجدون وطنهم الذي لا يشبه على الإطلاق الوحدة، التي هربوا منها، المفروضة من أعلى، الموثقة توثيقًا رسميًّا، بين الحكومة والشعب. هكذا، وُلِد بريخت في مدينة أوجسبورج الألمانية، وأمضى خمسة عشر عامًا -من 1933 إلى 1948- خارج موطنه. كان يسمي الهجرة «المدرسة العليا للديالكتيك»، وكتب عن وطنه ما يلي:
أنا، برتولت بريخت، وُلدت في الغابات السوداء.
حملتني أمي إلى المدن
وأنا بعد جنين في أحشائها.
وسوف تلازمني برودة الغابات
إلى يوم أموت*.
بدخولها في علاقة سلب متبادل مع الوطن، تعيد الهجرة خلقه، عبر ذاتها، في المكان الجديد، مستعيدة موقعه –هكذا هو ديالكتيك المنفى. لا يوجد الوطن بدون شعبه، لكن يمكنه أن يتحرك مع أفراده بحرية حول العالم. يكون معنا دائمًا برد غاباتنا، ورحابة سهوبنا. وحين نحط الرحال على كواكب جديدة، سنستمر، مثلما نفعل الآن، في تناول أوعية تشو الصغيرة، الآتية من الأرض، ووضعها في مكان بارز.

كان من الصعب عليَّ دائمًا أن أصنف نفسي، أن أجيب عن سؤال: من أين أتيت، أيهما وطني الكبير: روسيا، أم الاتحاد السوفيتي، أم كازاخستان؟ ليس هناك الكثير من الوضوح بشأن الوطن الصغير كذلك. فإن كنت أنتقل باستمرار من مكان إلى آخر، كيف يمكنني أن أقرر أيٍ منها أدعوه وطني، وعلى أي أساس –القرية التي ولدت فيها؛ أم السهوب (التي ترتبط بأولى ذكريات طفولتي المبهجة والحميمة)؛ أم المدينة التي قضيت فيها كل سنوات الدراسة؟ لقد عشت أطول فترات حياتي في موسكو -خمسة عشر عامًا إجمالًا- لكنني لا أستطيع أن أحمل نفسي على قول إنني من موسكو. لا تسمح موسكو لأحد أن يمد جذوره فيها: والموسكوفيون الأصليون هم مجموعة منفصلة، ومغلقة، وتتمتع بامتيازات خاصة، ويُفترض أن يتحدد انتمائكِ أو عدم انتمائكِ لها بحق الميلاد، ونبقى نحن إلى الأبد وافدات جديدات في هذه المدينة القاهرة. لكن إن أرد أحد ذلك حقًّا، يمكنها أن تعتبر موسكو موطنها، مثلها مثل أي مكان آخر قد تحبينه بكامل روحكِ.
ماذا يعني أن يُحب مكان بكامل روحكِ؟ يلزم هنا تقديم موجز لنظرية الروح. ذكر أرسطو أن هناك ثلاثة أنواع للروح: النباتية أو المغذية، الحيوانية أو الحسية، والعقلانية. لم تكن الروح، بالنسبة له، ما يصعد إلى السماء بعد الموت، بل ما يجعل الحي حيًّا. فليس للنبات سوى روح مغذية؛ وللحيوان روح مغذية وحسية؛ أما الإنسان فلديه، طبقًا لأرسطو، الأنواع الثلاثة من الروح. النوعان الأولان على الأقل (المغذية، والحسية) لا ينفصلان عن الجسد. فالروح النباتية هي المسؤولة عن التغذية والتكاثر، والحيوانية عن الأحاسيس والحركة، والعقلانية عن التفكير. اعتبر هيجل الحركة (كما فعل كثيرون غيره، لكنني اخترت مقاربة هيجل لهذا الأمر، لأنها ما كان بريخت ليقدِّرها أعلى تقدير) هي المبدأ الرئيسي للتمايز بين حياة النبات والحيوان: إذا كانت النباتات، بفضل منظومات جذورها، مرتبطة بأماكن معينة، فإن أول ما تفعله الحيوانات هو أن تنهض وتغادر أماكنها. دعا هيجل ذلك قوة السلب. هكذا يتبدى، وفقًا له، اكتفاء الحيوان، وذاتيته، بينما يُعَرِّف نفسه بحرية في اختيار مكان يكون فيه، ومكان يذهب إليه. لا يتطابق الحيوان قط مع ذاته، ولا بُدَّ له أن يكون، ليس هنا فقط، بل هناك أيضًا*.
إذا جمعنا بين التصور الأرسطي عن الأرواح الثلاث وبين التعريف الهيجلي للنبات من خلال الارتباط بالأرض، والحيوان من خلال الانفصال عنها، فيمكن تقديم التعايش بين الروحين النباتي والحيواني في الإنسان كتناقض جدلي بين الرغبة في الوصول إلى هناك (الانتشار)، وإرادة البقاء هنا (الاستقرار، ومد الجذور). هذا ليس خمودًا، ولا قصورًا ذاتيًّا، بل تحديدًا تعبيرًا عن إرادة؛ يعبِّر النبات بطريقته الخاصة عن عناد وجوده، ومُثَابَرته عبر الزمن، التي أطلق عليها سبينوزا conatus essendi [جُهد الوجود]. عندما أقول إن أي مكان تحبينه بكامل روحكِ يمكن أن يصير وطنكِ، فأنا أفكِّر في عملية التجذُّر. أن يُحب وطن بكامل الروح يعني أنه مس، ليس الجزء الحسي فحسب، بل كذلك الجزء النباتي، الأكثر حميمية، من الروح. هذا هو الجزء الذي يجعلنا مرتبطين بالأرض التي أحببناها –لكن ارتباطنا ليس مطلقًا. إذا انفصلنا، فإن جزءًا من الروح المغذية، الذي تجذَّر في المكان فيما مضى، لن يموت؛ سيسافر معنا كذكرى عن الوطن، حتى لو كانت ذكرى عن شيء منسي تمامًا، لا يحتفظ بتمثيل، وإنما مجرد شكل حسية النبات، شيء مثل نواة بدون تحديد يتجاوز ذلك.
لنفترض أن محتوى الجزء العقلاني من الروح يتحدَّد عن طريق مزامنة ذبذبات الجزئين النباتي والحيواني، وهو أمر فريد لكل كائن بشري. إننا نمضي، نغادر، نرتبط بأماكن أخرى –ثم نمضي ثانية، ونعود إلى الأماكن السابقة. في كتاب «ما هي الفلسفة؟»، يدعو دولوز وجتاري مثل هذه الحركات: التأقلُم territorialization، وخلخلة التأقلُم deterritorialization (المضي)، وإعادة التأقلُم reterritorialization (الارتباط بالمكان الجديد*):
فنحن نعلم سابقًا أهمية هذه النشاطات عند الحيوانات الهادفة الى تشكيل مَواطن أو هجرها والخروج منها، وحتى ما يتعلّق بإعادة صنع موطن آخر في شيء ما مختلف من الطبيعة. (الباحث في [التاريخ الإثني] Ethnologue يقول إنْ شريك أو صديق الحيوان يعادل «شيئًا من مسكنه» وإن العائلة هي «موطن مُتَنقِّل»). وأكثر من ذلك، فإن الكائن الإنسي الأول: كان منذ ولادته ينشل قدمه الأمامية، ويفصلها عن الأرض ليصنع منها يدًا، ثم يعيد أرْضَنَتَها فوق أغصانٍ وأدوات. فالعصا هي بدورها غصن مُنْتَشَل. لا بُدَّ أن نلحظ في سلوك كلّ أحدٍ منا، مهما كانت سنه، سواء كان منخرطًا في أصغر الأشياء أو في أعظم التجارب، أنه يبحث عن موطنٍ، يدعم عمليات انتشال أو يقودها، كما أنه يعود ويستوطن [يتأرضن] في أي شيء، من ذكرى أو تيمة أو حلم. [اللازمات الكلامية] تعبِّر عن ديناميات [حركيَّات] مثل: كوخي في كندا.. وداعًا أنا ماض.. نعم هذا أنا، ينبغي أن أعود*.
إحدى التفاصيل المثيرة جدًّا للاهتمام هنا هي أن دولوز وجتاري لا يتحدثان عن التجذُّر. بالنسبة لهما، فإن التأقلُم، وخلخلة التأقلُم، وإعادة التأقلُم تحدد، في المقام الأول، حياة الحيوان –رغم أنه يمكن لهذه المفاهيم أن تخص أي شيء، إذ أنها تلعب دورًا رئيسيًّا في الأنثروبولوجيا الاجتماعية للسلطة والمجتمع، وفي تحليل العلاقة بين مدينة وعشيرة، إمبراطورية وشعوب أصلية، الاستقرار والارتحال، العمل ورأس المال. ما يهم هي الأنواع الثلاثة من الحركة التي تميز بين الإقليم والأرض في حياة الحيوان. إننا نسم أراضينا، نجهز المسكن، ننشئ مراكز حدودية، ثم نكون نحن مرة أخرى مَن يتجاوزها نحو أرض محرَّمة جديدة (خلخلة التأقلم)، وقد ندعوها أرضنا (إعادة التأقلم).
إن الحيوان هو مجاز، شخصية مفاهيمية، ومؤدي للازمته الخاصة الفريدة (إحدى هذه الشخصيات هو لاجئ بريخت على سبيل المثال، لكن يمكن أن ينطبق الأمر على أمة بأكملها). إن مفهوم اللازمة مهم للغاية هنا: يستخدمه دولوز وجتاري لتعيين شكلٍ لعلاقة الحيوان بالأرض. فلكل حيوان أغنيته الخاصة التي تشكِّل، أو تعيِّن منطقته، وبشكل عام مكانه؛ إنها لازمتهم عن الموطن، الذي يمكن في واقع الأمر أن يكون أي شيء –هذه السهوب المُغطاة بزهور الخشخاش يمكن أن تكون وطني، أو موطني، يمكن لهذه الشجرة أن تكون موطني، يمكن أن تكون أنت موطني، وقد أغني: «أنا أحبك!» مرات عديدة. أن تحبي، في فهمي، يعني أن تربطي الروح (نباتية، حيوانية، بشرية، أو خلاف ذلك) بأي شيء. بمفردات دولوز، في هذه الحالة المحددة، سيكون ذلك تأقلمًا، وإعادة تأقلم: تستقرين هنا، تلمسين التربة، وتغنين أغنية: هذه أرضي. نعم، من طقوس الحيوانات المتعلقة بتأمين مناطقهم ينشأ الفن:
ربما يبدأ الفن مع الحيوان، على الأقل مع الحيوان الذي يقتطع قطعة ويصنع بيتًا (العملان مرتبطان أو أنهما يختلطان أحيانًا فيما نسميه المسكن). فإنه انطلاقًا من النظام المؤلّف من قطعة أرض/ بيت، قد تشكلت وظائف عضوية كثيرة، مثل الجنسانية، التناسل، العدوانية، التغذية، غير أن هذا التشكل ليس هو الذي يفسر ظهور الأرض والبيت، بل العكس قد يكون صحيحًا: فالأرض تفترض بروز صفات حسية خالصة، أحاسيس لا تعود وظيفية فحسب بل تصبح سمات للتعبير تجعل تحوُّل الوظائف ممكنًا. لا شك أن هذه التعبيرية منتشرة في الحياة، ويمكننا القول إن زنبقة الحقول البسيطة تحتفل بمجد السماوات. ولكن هذه التعبيرية تصبح بنّاءة مع الأرض والبيت، وتقيم الأنصاب الشعائرية لقداس حيواني يحتفل بالخواص قبل أن يستخرج منها مسببات وغائيات جديدة. فهذا الانبثاق هو الذي غدا [فنًا]، ليس فقط من خلال معالجة المواد الخارجية، بل من خلال أوضاع الجسم وألوانه، وعبر الأغاني والصرخات التي تسِمُ الموضع من الأرض*.
لتوضيح نشأة الفن من توحد الحيوان مع الإقليم من خلال لازمة، يعطى دولوز وجتاري مثالًا مؤثرًا:
إن عصفور الغابات الممطرة في أستراليا (scenopoïetes dentirostrès)، يُسقِط من الشجرة الأوراقَ التي قطعها كل صباح، ويَقْلُبها لكي يتعارض وجهها الداخلي الأكثر شحوبًا مع الأرض، وهو بذلك يبني نوعًا من المسرح كعلامة فارقة [خاصة به]، ولا يغرِّد إلا وهو في الأعلى، فوق عارشةٍ أو غصن، أغنية معقدة مركبة، من أنغامه الخاصة ونغمات عصافير أخرى، يقوم بتقليدها خلال الفواصل [بين أغنية وأخرى] محاولًا دائمًا إبراز الجذر الأصفر من ريشه تحت منقاره. إنه فنان حقٌ. فليست تلك الأغنيات مجرد تداعيات، ولكنها هي هذه الكتل من الإحساسات المرتبطة بأرض [المؤرضنة]، من الألوان، والأوضاع الجسدية والأصوات، التي تلخص عملًا فنيًا كاملًا. هذه الكتل الصوتية هي لازماتٌ [موسيقيةٌ]؛ ولكن هناك أيضًا لازمات في الوضعيات الجسدية، والألوان، وكذلك هناك وضعيات وألوان تتداخل في اللازمات. إنها انحناءات واستقامات، حلقات وسِماتُ ألوان. فاللازمة بكاملها هي كينونة الإحساس. والأنصاب هي لازمات. من هذه الوجهة، لا ينفك الفن منشغلًا بالحيوان*.
لا يقتصر الأمر على الفن فقط، ولكن دولوز وجتاري يعرِّفان الفلسفة أيضًا من خلال اللازمات:
فما هو الوطن أو أرض المولد عندما يستدعيهما المفكرُ، والفيلسوف أو الفنان؟ فالفلسفة لا تنفصل عن أرض المولد، وهما يشهدان معًا على القبليّ (L’a-priori) على الفطرة أو الانبعاث. ولكن لماذا يمسي هذا الوطن مجهولًا، ضائعًا منسِيًّا، جاعلًا من المفكر منفيًّا؟ مَن سوف يُعيد إليه ما يوازي الموطن، وما له قيمة بيته؟ ما هي العبارات الدارجة الفلسفية [التي نستخدمها هنا]؟ ما هي علاقة الفكر بالأرض*؟
تهدف الفلسفة إلى العثور على الأصل أو المصدر، المكان الذي أتينا منه. من البديهي أن الفطرة أو الذاكرة تُعتبران تذكارات (مثل فنجان الشاي الذي اشتريته من تشو) تربطنا بذلك المكان، أيًّا كان. فعند أفلاطون، على سبيل المثال، هو هاديس، الحياة الآخرة. ومن هناك، كما أوضح سقراط للأصدقاء والمريدين عشية إعدامه، تأتي الروح مع كل الذكريات التي تُعطى لنا كأفكار أبدية: الخير، العدالة، إلخ*. إن الروح في الجسد الحي هي رسول للموت، لا أقل.
إن الاعتقاد بأن لدينا أصلًا فُقِد أو نُسِي مرة بعد أخرى، ينقل الفلسفة إلى نطاق النوستالجيا. يجعلها تنظر إلى الوراء، في اتجاه البيت الذي ربما لم يكن لها قط. بطبيعة الحال، حين يذكر دولوز وجتاري اللازمات الفلسفية عن البيت، فهما لا يفكران في أفلاطون بقدر ما يفكران في هيدجر، الذي يقتبس في كتابه «المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا: العالم، المحدودية، العزلة» من نوفاليس*: «الفلسفة، في الواقع، هي حنين للبيت، نزوع إلى أن تكون في البيت في كل مكان*.»
«أن تكون في البيت في كل مكان –ما معنى ذلك؟» يتساءل هيدجر:
ليس فقط هنا أو هناك، ولا حتى ببساطة في كل مكان، في جميع الأماكن معًا، واحدًا بعد الآخر. ولكن أن تكون في البيت في كل مكان يعني أن تكون توًا، وفي كل الأوقات، داخل الكل. نسمي «داخل الكل» هذا، وشخصيته الكلية: العالم. نوجد، وبمقدار ما نوجد، ننتظر دائمًا شيئًا ما. نُدعى دائمًا من قِبل شيء ما ككل. هذا الـ«ككل» هو العالم. نسأل: ما هو ذلك العالم؟ إنه حيث نُدفع في حنينا إلى الموطن: إلى الوجود ككل. إن وجودنا ذاته هو ذلك التململ. لقد رحلنا دائمًا نحو هذا الكل على نحوٍ ما بالفعل، أو الأفضل: نحن دائمًا في الطريق إليه بالفعل. ولكننا نُدفع قُدُمًا، أي: نُدفع على نحو ما في الآن نفسه إلى وراء من قِبل شيء ما، مرتكزًا في جاذبية تسحبنا إلى أسفل. إننا نمضي قُدُمًا إلى ذلك الـ«ككل». فنحن أنفسنا هذا المضي قُدُمًا، هذا الانتقال، هذا الـ «لا الواحد ولا الآخر». ما هو هذا التأرجح بين لا هذا ولا ذاك؟ ليس الواحد وكذلك ليس الآخر، هذا بالتأكيد، ولكن ليس هو، ولكن هو بالتأكيد*.
إن مشكلة هيدجر، طبقًا لدولوز وجتاري، هي أنه «[يعيد] التوطن في النازية» بدون نجاح. لقد جعلته النوستالجيا إلى المصدر يضل طريقه:
لقد أراد هيدجر الالتحاق بالإغريق عبر الألمان في أسوأ لحظة من تاريخهم؛ هل من لحظة كانت أسوأ من تلك التي يجد فيها المرءُ نفسه أمام ألماني، في الوقت الذي كان ينتظر فيه أن يكون أمام إغريقي كما قال نيتشه، وكيف لا يتعرض محتوى المفاهيم (الهيدجرية) للتدنيس بعد إعادة للأقلمة، منحّطة [شُبهةُ النازية]؟ إلا إذا كانت جميع المفاهيم تحتوي على منطقة رمادية يغيب فيها التمييز، منطقة يسود فيها الإبهام لحظة ما بين المتصارعين فوق الأرض، بصورة تتوهم عين المفكر المتعبة أحد المتصارعين وكأنه الآخر: إذ لا يحتلّ الألماني مكان الإغريقي فحسب، وإنما الفاشي مكان مبدع الحياة والحرية*.

إن إعادة التأقلم بحد ذاتها طبيعية، وغير خاطئة على أي نحو: يعيد الجميع أقلمة أيًّا كان ما يناسبهم. لكن في حالة هيدجر، ينتج عن هذا الفعل اختيارًا خاطئًا: «فقد أخطأ الشعبَ والأرضَ والعنصرَ*»، أخطأ الوطن والأصل. لقد اتضح أنه يمكن للمرء، في الحقيقة، أن يختار وطنًا. ويمكن لشخص كذلك أن يختار لنفسه الشعب، والأرض، والدم. ويرتبط سؤال كيف يمكن للمرء أن يحب وطنه، بدون أن يصير فاشيًّا أو قوميًّا، ارتباطًا مباشرًا، بسؤال كيف يختار المرء لنفسه شعبًا، وأرضًا، ودمًا.
بالارتكاز على حالة هيدجر السلبية، يقترح دولوز وجتاري نسختهما من إعادة التأقلم. ينبغي أن ينحاز المرء، ليس مع شعب منتصر، تتحدث نيابة عنه حكومة يمسك فوهرر بمقاليدها، بل مع صغار الناس، مع المُضطهد، والمُستبعد: «ذلك إن العِرق المنادَى به من قِبل الفن والفلسفة ليس هو العرق الذي يدعي نقاءَه، وإنما هو العرق المقموع، اللاشرعي، المنحط، الفوضوي، المُترحّل، والقاصر دون أمل في إصلاحه*.» ولا يُشترط أن يكون جنسًا بشريًّا. يعلن المفكر الدولوزي فصيلةً مُهدَّدة، أو قبيلةً مضطهدة، وطنه:
يصير هنديًا (نسبة للهنود الحمر) ولا يكفّ عن فعله هذا، ربما «من أجل» أن يصير الهندي الذي هو هندي بالفعل، شخصًا آخر، وينتزع نفسه من حالة احتضاره. فنحن نفكر ونكتب من أجل الحيوانات ذاتها، نصير حيوانًا كي يصير الحيوان كذلك كائنًا آخر، فالصيرورة دائمًا مزدوجة، وهذه الصيرورة المزدوجة هي التي تشكل شعب المستقبل والأرض الجديدة*.
هكذا، يؤمن دولوز وجتاري أن إعادة التأقلم الصحيح، والحقيقي، هو إعادة تأقلم في اليوتوبيا –لكنها ليست يوتوبيا فحسب، بل يوتوبيا المستقبل، في مقابل يوتوبيا الماضي. نعلن وطننا شعبًا أو أرضًا غير موجودين بعد. ربما لا يتعلق الأمر بالعثور عليهما، بل بابتكارهما (تمامًا مثلما يبتكر كافكا شعب الفئران: يتطلب الأمر صيرورة الكاتب فأرًا من أجل إشراك الفأر في الصيرورة إلى شيء آخر). لقد اخترعت هذه الأرض لأولئك الذين استبعدوا من وحدة، شبيهة بالفاشية، للشعب المنتصر مع الدولة والحكومة؛ أو للذين غادروا طوعًا الأرض الموسومة بأعلام مثل هذه الوحدة. ورغم أن هؤلاء الناس غير موجودين بعد، فمن الممكن للواحد/ة تخيُّل قبيلة رُحَّل من المنفيين/ات من كل نوع. هكذا يجمع أندريه بلاتونوف Andrey Platonov شعبًا كهذا في روايته «الأشباح»:
خليط من التركمان والقره قلباق والأوزبك والكازاخ والفرس والأكراد والبلوش وأشخاص آخرين نسوا أصلهم. يتامى وهاربون من كل الأرجاء وعبيد وعجزة طاعنون في السن [استُغني عنهم]. وبعد ذلك جاءت نساء [خُنَّ أزواجهن] والتحقن بهم. وجاءت فتيات أحببن أشخاصًا ماتوا فجأة ولم يرغبن في غيرهم، فبقين هناك إلى الأبد، وثمة أشخاص لا يعرفون الله، وآخرون يستخفون بهذا العالم، ومجرمون*.
عندما يتعرَّف مَن يلعب دور الشخصية الرئيسية في الكتاب على قومه هو نفسه في هذا الوصف، ويقول إنه وُلِد هناك، يصير الشعب الطوباوي حقيقيًّا. حقًّا، باستطاعة الأدب أن يكون قويًّا بما يكفي أن يفعل شيئًا كهذا.
من المهم ملاحظة أنه فيما يتعلق بالحركة المزدوجة لخلخلة وإعادة التأقلم، لا يمكننا أن نقول أيهما هو الأول: «كل موضع يفترض انتشالًا مُسبقًا؛ أو كليهما في وقت واحدٍ.» أي أن الحركة ربما تسبق المصدر، الأصل، أو تنتجه حتى. مع كل انتقادات دولوز وجتاري للتحليل النفسي لدى فرويد ولاكان، فإن هذه الملاحظة تُقَرِّب التأقلم وخلخلة التأقلم من فكرة الكبت، يدًا بيد مع عودة المكبوت: قبل الكبت، قد لا يكون المكبوت نفسه موجودًا؛ مع الكبت، يعود المكبوت على الفور –ليس من مكان ما، وإنما من لا مكان، من لا وجوده. لا توجد مادة لا واعية أصلية كي تُكبت. إن اللاوعي، روحنا الحيوانية، منقوشٌ في دائرة الأثر الرجعي للأصل –يظهر فيما بعد، في أعقاب الحدث.
تعمل النباتات بشكل مختلف، لذلك يمكن أن تكون مربكة للغاية. حسنًا، فليكن. الحقيقة هي أن دورة حياة النبات لا تتضمن التحرك من مكانه. فليس للزهرة لازمة، حتى لو كانت «تمجد جمال السماوات». إنها لا تغادر مكانها قط؛ فهي مرتبطة مباشرة بالأرض، بدون وساطة الإقليم، الذي سيكون عليها تأمينه. لدى الحيوان علاقة مختلفة تمامًا مع الأصل. فعثوره على مكانه في منطقة معينة، ليس له علاقة بالنمو من الأرض. يمكننا القول إن شكل حياة الحيوان يوحي بمصدر ذي أثر رجعي؛ على الحيوان أن يغادر ليعود إلى هنا، أو إلى مكان آخر. في كل مرة، نعود، نحن الحيوانات، إلى مكان جديد (وإذا عدنا إلى المكان نفسه، فإنه يكون قد تجدَّد فعلًا بعودتنا، مثل برلين في كتاب «التكرار» لكيركجارد).
يقصر دولوز وجتاري مفهومي الأرض والإقليم على حركة الحيوانات، دون أن يأخذا النباتات في اعتبارهما في هذا الصدد على الإطلاق. هذا، بالطبع، له ما يبرره؛ لأن مجاز النبات -الارتباط الأوليّ بالمكان، التجذُّر- يمثل أساس الرؤية النوستالجية للوطنين الكبير والصغير. تستند أيديولوجيا اليمين المتطرف، والحركة المحافظة والقومية، على صورة إنسان / نبات، متجذِّر عميقًا في الأرض، وهي صورة تم تلقيها بشكلٍ حرفي للغاية. إن كان لها أن تحدث في الواقع، سنكتشف عدم قابليتها للتحقق على الإطلاق. المكان الوحيد الذي نرتبط به في البداية هو المشيمة. وتبدأ حياتنا ككائنات منفصلة بقطع الحبل السري. في البداية، يكون البشر ما زالوا تابعين وضعفاء، بينما تبدأ الثدييات الأخرى في التحرك بنشاط بمجرد مغادرة جسد الأم. ولذلك، فإن لازمات البيت والفردوس المفقود، بما فيها البحث عن الأصل المنسي للحقيقة الفلسفية، تُترجم بلغة التحليل النفسي كنوستالجيا إلى رحم الأم، وهو ما يتطابق في نهاية المطاف مع دافع الموت. إن أعدنا ترجمة ذلك إلى لغة الفلسفة، فإن هيدجر يعرِّف الحنين إلى الموطن من خلال التناهي والوجود -نحو- الموت. إننا نريد من الوطن/الأم أن يعيدنا إلى داخل الرحم.
يساعد مفهوم الحيوان دولوز وجتاري على سد الطريق على نزعات الفكر الشبيهة بالفاشية. فمنطق المضي والاستقرار في أرضٍ معينة هو أساس الجيو فلسفة الجديدة، التي يُعتبر نقل اليوتوبيا من الماضي إلى المستقبل جوهريًّا بالنسبة لها. غير أنني أشعر بالقلق على الجزء النباتي من نفوسنا، الذي يمد جذوره هنا وهناك. يبدو وكأنه حُرِمَ من الحق في الوجود. نصير عابرات للقوميات، مثل رأس المال، نأخذ طائرات، ننام في فنادق، نعبر حدودًا، ونتجول في كل مكان مثل السائحات. كأنه لا يوجد وطن، ولا ينبغي أن يوجد. هكذا، تفكك ساندوميرسكايا سردية الوطنين الكبير والصغير كأسطورة خطيرة، بإعادة بناء اللازمات السوفيتية التقليدية:
تدور طفولة الشخصية في فضاء صغير، هو قرية في الغالب. هذا الفضاء الصغير هو مسكن / مأوى، بيت الأبوين / العشيرة، قرية الميلاد، محل المنشأ. يسكن هذا الفضاء الأسرة والأقارب، الأم، الأب. يحميه البيت. تحيط بالشخصية أشياء مألوفة: أصوات، وجوه، عادات اعتاد عليها. في المنزل، تحيط به طبيعة يعرفها: [شجرة] بتولا روسية مألوفة، غابات وحقول مألوفة. وفي الأعالي، أينما تنظر، هناك السماء المألوفة، والأرض الأصلية غير المحدودة، حيث يتنفس بحرية الهواء الأصلي. كل هذا هو أرض أصلية، الوطن الصغير. تكبر شخصيته، ويترك منزله. تجذبه الحياة الجديدة، الفُرص الجديدة، ويبدو عالم الطفولة مفرط الصِغَر. ينتقل إلى المدينة، ويبدأ حياته الجديدة في عالم حيث كل شيء غير مألوف، ومجهول. ومع ذلك، فهو يعود في أفكاره إلى ذكريات الطفولة باستمرار. يجذبه الوطن. بانتقاله إلى المدينة، انفصل عن الجذور، فَقَد الصلة بالأرض، وليس بإمكانه أن يتجذَّر؛ مثل نبات، نُقِل الى التربة الجديدة، وها هو يذبل.
تدعو ساندوميرسكايا هذه الشخصية حشيشة متدحرجة (التي تعني بالروسية حجرًا دوّارًا كذلك). ولكن هذا المجاز ليس دقيقًا تمامًا. فالحشيشة المتدحرجة، إن تحرَّينا الدقة، لا تذبل حين تنفصل عن جذرها. تتشكل الكرات الكبيرة، التي تتدحرج في مهب الريح، على امتداد السهوب أو الحقول، عندما يموت النبات. تنفصل سيقان جافة عن الجذر، أو تبدأ في التحرك مع الجذر، ملتقطة نباتات أخرى، وناشرة البذور في دورانها. هذا شكل من أشكال الحياة نشط، وميت حي. ليس لديه اشتياق إلى جذوره، ولا يمكن أن يكون له ذلك. في انفصالها، تنتقل الحشيشة المتدحرجة إلى شكل جديد من الوجود. إنها ميتة كنبات، لكنها في الوقت نفسه تتحرك، وتتكاثر على الطائر، مثل حيوان عجيب.
تخدم هذه الصورة المُركّبة غرضًا بسيطًا للغاية: إظهار أن النموذج الأساسي لرحلة الحياة الإنسانية، كانفصال عن الجذور، موجود في الثقافة –ليس الثقافة السوفيتية فحسب، بل العالمية كذلك –إضافة إلى التأكيد على فكرة مرتبطة بها؛ هي القدرة على العودة إلى الجذور، والاحتكاك بها، بل حتى الارتباط بها من جديد. لكن فكرة أن لدى الإنسان جذورًا حقيقية، أصيلة، تسبق أي حركة، لا تتوافق في الواقع مع أي شيء.
ومع ذلك، فهذا لا يعني أنه ينبغي التخلص من تقاليد لازمات الوطن الصغير. بل على العكس تمامًا. لقد سُلِّم الوطن بكثير من التسرع لمَن هم دائمًا على استعداد لأن يستحوذوا عليه، ويُعينوا ملكيتهم له، ويبنوا سورًا، ويبدؤوا حربًا. لقد استولوا أيضًا على مبدأ التجذُّر، رابطين إياه بأصالة مزعومة لأصل كان موجودًا هنا قبلنا: لقد أعلن شخص ما بالفعل هذه الأرض إقليمًا يخصه، وليس في استطاعتنا سوى أن ننمو فيه كأجسام ميتة.
في الواقع، لم نفهم بعد ما هو النبات، الروح المغذية، وما هو قادر عليه. يتحدث عدد قليل للغاية من الناس عن سياسات النباتات. أحد هؤلاء هو مايكل ماردر Michael Marder الذي كرَّس عددًا كبيرًا من الأعمال للشكل النباتي من الحياة. في مقالته «قاوموا كنبات!»، يعطي مثالًا بالنشطاء البيئيين، ممَن يربطون أنفسهم في الأشجار التي على وشك أن تُقطع. يعيد هؤلاء النشطاء، بمعنى ما، خلق شكل وجود هذه الأشجار: العناد، والارتباط بمكان. يحدث النقل المباشر ذاته، لشكل مقاومة النبات، إلى السياسة من قِبل حركة «احتلوا» (Occupy)، وأشكال الاحتجاج الشبيهة ضد احتلال الأراضي. «عندما ينصب المحتجون خيامًا في الحدائق أو في ميادين المدن، فإنهم يعيدون اختراع التجذر الحديث الغريب في عالم الحاضرة مُقتلَع الجذور، معبِّرين وجوديًّا عن سخطهم بمجرد التواجد هناك.» إن العمال الذين يطردون رؤسائهم ويحتلون المصنع، أو الطلاب الذين يستولون على مبنى الجامعة، يتخذون قرارًا بالبقاء هنا، بدلًا عن المغادرة إلى مكان آخر. في شيس، بإقليم أرخانجيلسك، قررت السلطات الروسية تدمير كيلومترات كثيرة من الغابات والمستنقعات، وتحويل المنطقة إلى مستودع هائل للنفايات. لكنها قوبلت بمقاومة قوية. دافع أهالي المنطقة عن أراضيهم، وقالوا إنهم لن يغادروا. ولم يفعلوا. كانوا يُعتقلون، ويُضربون، تقريبًا كل يوم. لكن، للمفارقة، كان عددهم يتزايد. أتى المزيد والمزيد من الناس من أنحاء روسيا المختلفة، وانضموا إلى نضالهم، الذي صار شبيهًا بالنبات، من ناحية أن العناد والمثابرة لا يميزان وحدهما روح النبات، بل تميزه كذلك قدرته على أن ينتشر، أن ينمو. كان الناس ينمون مكان الغابة التي أتت الحكومة لقطعها، الغابة التي أحبوها.
بطبيعة الحال، هذا الشكل من السياسة له حدوده؛ لأن ما هو متجذِّر حقًّا ليس الناس، بل منظومة القمع التي ينتفضون ضدها. يمكن للروس أن يقولوا: «إذا ربطت نفسك بالشجرة، سيقتلعونك ببساطة مع الشجرة.» في هذا النضال، كل الوسائل جيدة بما يكفي؛ إن لم تستطيعي أن تحبي وطنكِ ككائن بشري، إن طردكِ العدو، أحبيه مثل نبات: أبقي، قاومي؛ أو أحبيه مثل حيوان: اجري، هاجمي، أو اهربي، لكن مهما فعلتِ، لا تتركي لهم وطنكِ؛ ضعيه في قلبكِ، وخذيه معكِ حيثما تذهبين.
أحبّي وطنكِ على نحوٍ تكون فيه التربة والنباتات بجذورها في صفنا. كما يحدث في حروب العصابات –عندما لا يقتصر الأمر على البشر فحسب، بل إن الغابة، والعشب، والحيوانات، تهب معًا لقتال الفاشية. هؤلاء هم شعبنا. حرب كهذه لا تشبه على الإطلاق تلك التي تشنها الدولة على الجار؛ حرب العصابات لا تعلنها الحكومة، بل الشعب الذي لا يتطابق معها مطلقًا، والذي يضم جميع الكائنات البشرية وغير البشرية – النباتات، الحيوانات، الفطريات، القش، الأحجار، إلخ – التي تسكن الأرض. ستُخفي كومة القش أم جدتي، وتسد الشجرة الطريق، ويرعب الوحش العدو، ويعوق المستنقع مَن يأتي هنا ليقتل. بعيدًا عن المقاومة غير النظامية، هناك أيضًا المقاومة الهادئة، غير المرئية، التي يقوم بها المدنيون، الذين لا يغادرون مكانهم عندما يحارب أحد على أرضهم. في اللغة الروسية، الترجمة الحرفية لكلمة «مدنيين»، في مقابل «عسكريين» هي: «أولئك الذين يعيشون في سلام»؛ يعيشون في سلام تحديدًا حينما تكون هناك حرب، على الرغم من الحرب. لا يمكنهم، ولا يريدون، المغادرة؛ لديهم بيتهم هنا، بقرتهم، كلبهم، الحديقة التي لن يرويها أحدٌ إن مضوا، وأصبحوا لاجئين. يبقى المدنيون هنا لأنهم يمدون جذورًا.
كما اقترح بريخت، على المرء أن يقاتل من أجل وطنه بالدهاء والحقيقة. إن انعدام الجذور، وتشردنا، الأوليين، الحيوانيين، يجعلان الغابة السوداء بداخلنا، أو السهوب التي نحملها معنا، أكثر قيمة باستمرار. أن تحبي يعني، ليس مجرد (إعادة) التأقلم مثل حيوان، بل كذلك التجذُّر مثل نبات. لا يتحتم أن يكون الجذر جذرنا نحن؛ يمكننا أن نخلق تحالفًا فنيًّا من الحيواني والنباتي، ونزرع زهورًا في أنحاء الأرض التي نحبها بكامل روحنا. وعبر حدود كل الدول التي تربطنا إلى أرض معينة بمواثيق، لا بُدَّ لحب الوطن أن يكون حُرًّا، كي يمكن كل مرة، في عودتنا إلى مكان جديد غير مسبوق، لكل منا أن تقول: «أنا من هنا.»
سان بطرسبورج برلين 2019.
1. إرينا ساندوميرسكايا. كتاب الوطن: تجربة في تحليل الممارسات الخِطابية.
Sandomirksaya, Irina (2001). Kniga o rodine. Opyt analiza diskursivnykh praktik [The book about the motherland: analyzing discursive practices]. Wien: Wiener Slawistischer Almanach Sonderband 50, p. 175.
2. ليف كوبيليف. بريخت. دار نشر «الحرس الفتي»، 1966. ص 15 [المترجم]
3.الاقتباس عن الترجمة العربية: «خمس صعوبات في كتابة الحقيقة»، ص 199. ترجمة: نبيل حفار. درامية التغيير. برتولت بريشت. دراسات مختارة في المسرح الملحمي. تحرير: قيس الزبيدي. دمشق: دار كنعان، 2004 [مدى مصر]
4. الاقتباس عن الترجمة العربية، مع تعديلات بسيطة لتناسب النص الحالي: برتولد بريشت. حوارات المنفيين. ترجمة يحيى علوان. دمشق: دار كنعان، 2004. ص 99 [مدى مصر]
5. عن الترجمة العربية: عبد الغفار مكاوي. قصائد من برخت. القاهرة: دار شرقيات، 1999. ص. 113 [مدى مصر]
6. للمزيد، انظر/ي: Hegel, G. W. F. 2007. Philosophy of Nature. Part Two of the Encyclopedia of the Philosophical Sciences. Translated by A. V. Miller. Oxford: Oxford University Press. P. 354.
7. تتعدد ترجمات هذا المصطلح الدولوزي، وتهدف جميعها إلى نحت كلمات من جذر ذي دلالات مكانية، من قبيل: تأقلم، أقلمة (من إقليم)، أو تأرضن، أرضنة (من أرض). نأخذ هنا بصياغة مي التلمساني، الواردة في ترجمتها للفصل الأول من : كافكا، نحو أدب أقلي. (القاهرة. عالم الكتاب: سبتمبر / أكتوبر 2015. العدد 92 / 93. ص 122 وص 127). نحيل القراء/القارئات إلى الهامش رقم 3: «سنعتمد في هذا الكتاب الترجمات التالية: عملية التأقلُم (territorialisation) عملية إعادة التأقلُم (reterritorialisation) عملية كسر أو خلخلة التأقلُم (deterritorialisation). ويُعد هذا المصطلح من أهم مصطلحات دولوز وجتاري، ويظهر بثلاث صيغ تنشق كلها من مفردة territoire وتعني: إقليم، مكان، موضع، موقع. وليس المقصود بالتأقلم هنا التعود أو التطبع، إنما المقصود هو استخدام الجذر العربي لاشتقاق كلمة هي الأقرب لمعنى المصطلح الفلسفي، ومعناه تفصيلًا عمليات الركون لموقع أو مكان أو حال، الانسلاخ منه، أو العودة إليه والرسوخ فيه.» (ص. 127). للمقارنة، انظُر/ي: الهامش في ص. 83 من: ما هي الفلسفة (الذي تأتي اقتباسات تالية منه): «الحركات الثلاث هي المصطلح الثلاثي الدلوزي: الأرضنة، انتشال الأرضنة، عودة الأرضنة.» [مدى]
8. الاقتباس عن الترجمة العربية: جيل دولوز. فليكس جتاري. ما هي الفلسفة. ترجمة: مطاع صفدي. بيروت. باريس. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي (وآخرون). 1997. ص 83 [المترجم]
9. المصدر السابق. ص 191 وص192 [المترجم]
10. المصدر السابق ص 192 [المترجم]
11. المصدر السابق. ص 84 [المترجم]
12. انظُر/ي: أفلاطون. فيدون.
13. نوفاليس فيلسوف وشاعر وكاتب ألماني. وُلد عام 1772 في أوبرفيدرشتيت ومات في عام 1801. واسمه الحقيقي فريدريش فرايهير فون هاردنبرج [المترجم]
14. يرد الاقتباس في: Heidegger, Martine (1995). The Fundamental Concepts of Metaphysics: World, Finitude, Solitude. Indianapolis: Indiana University Press. P. 5.
15. المصدر السابق. ص 5 وص 6.
16. «ما هي الفلسفة» ص 121 [المترجم]
17. المصدر السابق ص 121. [المترجم]
18. المصدر السابق ص 122. [المترجم]
19. المصدر السابق ص 121 وص 122. [المترجم]
20. عن الترجمة العربية: أندريه بلاتونوف. الأشباح. ترجمة: خيري الضامن. بيروت: دار سؤال للنشر، 2016. ص ص. 33-34. [مدى مصر]
تقارير ذات صلة
5 قصائد من ديوان «العدم أيضًا مكان حنين»
يصدر قريبًا عن الهيئة العامة للكتاب.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن