2011
من ديوان «كأنها مغفرة»
كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال،
في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة
تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا سمارة»
هذا صوتٌ يَصنع الذاكرة.
حتى العائلة التي لم تفهمنا بكت ورقصت معنا.
كان البيت ساحة أخرى، يمتلئ عن آخره، بالأصدقاء والغرباء
عبأوا الهواء بدخان السجائر والحديث السياسي
حلقوا حول طعام العرسان، البطة ومحشي الكرنب، الحياة كانت مشاع.
جلس أشجعهم على الأرض، وبسكينه الحاد قطع لكل واحد نصيبه وهو يغني «أكلك منين يا بطة»
ضحكوا وتندروا على العروس الجديدة التي تطبخ في الثورة، بينما هم يحاربون في الميدان
مع كل صباح كان يموت أحدهم،
حتى جاء اليوم الذي فنوا فيه جميعًا
وأنا، سلكت دروبًا مروعة، لو أدركت مدى بشاعتها لمُت في لحظتها.
لم ينقذني سوى الجهل.
***
أهديت صورة زفافي لرجل ألماني اسمه «ديتا» رأيته مرة واحدة في حياتي
جاء إلى القاهرة مبهورًا بالثورة.
كان شيوعيًا قديمًا يؤمن بالمساواة، كان كرويًا متعصبًا ويسخر من الأمريكان.
ليثبت لي حس الفكاهة لدى الألمان، قال لي: لو أردتِ جعل أنجيلينا ميريكل تبتسم عليكِ بقلبها على رأسها.
وضحكت من كل قلبي.
كانت معه فتاة تكبرني اسمها نانسي، أذكر جيدًا تصديقها لتلك الأفكار
حكيها اليائس عن حبيبها الذي تخبئ عنه حقيقة انتمائها لحزب سري. وعذابهما معًا.
صنعتُ «لديتا» شوربة العدس، ودعاني للقدوم إلى أوروبا وبكى بصدق وهو يودعني.

من بين كل الصور، اختار صورة العروس الصغيرة في ثوبها الأبيض الناصع
تقف وحدها ممسكة ببوكيه الورد وفي عينيها نظرة مبهوتة كأنها تتنبأ بمصيرٍ مؤلم.
بعيني مستشرق، رآني كشيء إكزوتيك،
كفتاة نزقة عارية يتلألأ ضوء النهار على جسدها الأسمر الناهد لتوه،
رآني امرأة نحيلة واقفة كغزالٍ أسود على باب مدينة غرائبية.
أرعى في مراكب الفردوس، مع الملائكة،
كحيوان نادر يرمح على العشب السحري، يرمح كالأطفال خلف الأمل.
رآني كأنني الثورة،
مضمخة بالدماء، وديعة العينين، مشتهاة وبريئة في الوقت ذاته.
كان يسعى خلف تلك الصورة، محمومًا وغريبًا
متخيلًا أنها تعويذة الشرق ستعيد إليه الزمن.
***
بَكَت عليّ في غرفة الولادة،
فاستبدلتُ بها أمي والعائلة التي لا تشبهني.
وهي أرادت استعارة الأمومة المنبوذة، فاستعرتني كابنة عاقة.
هكذا تبرر جوهرها، القسوة.
كان بكائي يرتد بها إلى شبابها الضائع،
إلى السبعينات وهي محمولة على أكتاف الرفاق من الجامعة إلى السجن. ومن السجن إلى الحياة التي استقرت فجأة في التسعينات كالعفن في الأطباق الرطبة.
حكت لي تاريخ كل تلك الشوارع قبل أن يغزوها المد الإسلامي. وهتفنا معًا في الميدان.
واعترفت لي بعد ذلك كيف أن اندلاع ثورة أسوأ شيء تختتم به حياتها.
حين زارتني واشتكيت لها من بكاء الطفل الدائم، ضحكت، أخبرتها أنني لم أحممه منذ أسبوع،
قالت: «هو أيضًا إنسان، مثلك ومثلي»
كانت جملتها العابرة حكمة خالدة صنعت أمومتي.
قالت حممِي الطفل داخل الغرفة الدافئة، في طبق بلاستيكي، قبل الرضاعة، لينام في المهد ساكنًا كالملائكة.
ورثتني تلك المعرفة البسيطة التي تخلق الإنسانية.
وحين ذهبت -غير مبالية برباطنا المقدس- ورثتني كل تلك الأزمنة الفاسدة.
***
أنا الأُم الصغيرة
غارقة في أحلام الصبا
ممتلئة بطفلٍ سيأتي بعد أيام
تمشيتُ بهذا الثقل الرومانسي في ساحة السوق
خطوت فوق بقع الدم وذهول الباعة
رأيت حيوانات خرافية لا يراها سوى من رأى الموت بعينيه
كان الجزار يحتضن أسدًا -كأنه مالك للخليقة- وينظر للعالم باحتقار.
تمشيت في السوق، أسمع عواء الجماهير في الماتش الحزين
تسربت المذبحة من الدكاكين رغمًا عنا جميعًا،
تحول قلبي إلى فأرِ ضخم يقرض الهواء،
تيقنت أن هذا هو يوم القيامة،
أردت إنكار كل ما يحدث في ثانية وذهبت لأشتري اللحم الطازج لأطبخ وليمة للحب.
لكن الزمن تمشى بجواري على صورة ملاك لا يعرف ما يعنيه العدل.
كان كلما خطف روحًا وحلقت فوق السماء،
سحبتها بيديّ ووضعتها في رحمي.
ومرت الذكرى
كأنها يمامة رمادية صغيرة حطت على شِباكي
شرابها كان الدماء، طعامها روح وحياة
سأبتسم لأن الحياة غريبة
ولن أبكي لأني صرتُ امرأة ناضجة
هي ستشرب حتى ينفطر قلبها
ليخرج سربٌ من الأشباح
يحطُ على رأسي كلما مشيت.
يا أطفالي إني أمتلئ عن آخري بالعار.
يا أطفالي كيف تركتكم للموت؟
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
5 قصائد من ديوان «العدم أيضًا مكان حنين»
يصدر قريبًا عن الهيئة العامة للكتاب.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن