في 4 أغسطس 2020، انفجر مرفأ مدينة بيروت. قتل الانفجار أكثر من 200 شخص، وأصاب 7500 وشرَّد حوالي 300000 من منازلهم. في الذكرى السنوية الأولى للانفجار، تقدم جمعية بيروت دي سي (وهي جمعية غير ربحية تدعم الأفلام المستقلة) بالتعاون مع مؤسسة دعم الإعلام العالمي عرضًا أونلاين لبرنامج عنوانه «عن مساحة الكارثة والتعبير» الذي يعرض مجموعة من الأفلام العربية تتعامل مع الأزمات، ويشتمل على برنامج فرعي بعنوان «بيروت.. آب 2021» وهذا البرنامج يأتي، أيضًا، كجزء من حملة مُدتها شهر تشمل المجتمع المدني وتنادي بالمحاسبة.
يُمكن مشاهدة الأفلام الخمسة على «أفلامنا» مجانًا حتى 22 أغسطس الجاري.
لم أمر في حياتي قط بكارثة، مررتُ ببعض المصاعب، نعم. خسارة الأحباب بسبب المرض أو القوى الخارجة عن السيطرة. تتصارع ذكرياتي عن هذه الخبرات وتتغيّر. تمكث الذكريات القاسية معي، مستولية على جسدي لبرهة قصيرة. لكن ليست هناك أي ذكرى منها جرى التعبير عنها كما يحكي أحد الناجين من انفجار مرفأ بيروت لصانعة الأفلام سارة قصقص.
قال «باتذكر حنكي.»
كيف يمكن للمرء أن يتذكر فكه؟
بينما أنقر على مفاتيح لوحة الكتابة، أشعر بالخَرس. بتوتر في مفاصلي الصدغية، يوخز عظام وجنتيّ. جفاف في لساني يمتد إلى حلقي وإلى داخل مريئي. تنقبض معدتي، مرسلة إشارات راجفة في جسدي بأكمله. هكذا أتخيّله متذكرًا فكه. هكذا أشعر بالأمر، وأنا أشاهده من بعيد.
لا تسمح له سارة قصقص بالتوضيح. يمتزج مقطعه الصوتي بمقاطع ناجين آخرين من واحد من أكثر ما عرفناه من الانفجارات غير النووية تدميرًا. في فيلم قصقص الذي يصل طوله إلى ست دقائق، والذي يحمل عنوان «اضطراب» يتذكر الناجون الموجودون في الفيديو أين كانوا وماذا كانوا يفعلون وكيف كان شعورهم يوم 4 أغسطس 2020. قصقص واحدة من خمسة صُنّاع أفلام اختارتهم جمعية بيروت دي سي ومؤسسة International Media Support (دعم الإعلام العالمي) في برنامج «عن مساحة الكارثة والتعبير: بيروت.. آب 2021»
الأفلام الخمسة القصيرة أبوكاليبسية بشكل ربما يكون حتميًا.

يبدأ «اضطراب» بتكوينات سُحب جهنمية هائلة. دخان أحمر وردي وأسود يملأ السماء. لا تكشف قصقص مصدره من البداية. الأكيد أنه جذاب؛ مرعب وجميل في الوقت نفسه. تزيد من شدة هذه الحالة مقطوعة موسيقية ألّفتها. يذكرني المشهد الافتتاحي بالطريقة التي اختارتها الفنانة الكويتية منيرة القديري لتقدم في فيلم «وراء الشمس» (2013) ذكريات طفولتها عن حرب الخليج 1991. في فيلم القديري، يجري تكبير لقطات الدخان المُنبعث من حقول النفط المُحترقة وتجريدها لتغدو أشبه بزهور نارية، ونسمع خطيبًا يتعجب من قوة الله وبديع خلقه. بقيامها بدور الراوي في فيلمها، تقوم قصقص بدلًا من ذلك بتقديمنا إلى مدينتها. تحكي لنا عن شخص زعم أنه طبيب أمراض نساء قطع طريقها بينما كانت تقود سيارتها كي يستكمل بحثه الاستبياني عن النساء العذراوات في الحيّ. نتعرف على انهيار الليرة اللبنانية والسوق السوداء الدائمة. نتعرف أيضًا على الأجانب الذين يرفضون الرحيل. نسمع كل ذلك، حتى ينفجر المرفأ. عندئذ تنقلنا إلى الناجين ومحاولاتهم للتعامل مع الواقع. كيف يمكن أن يجدي الأمر بمحاولة النسيان أو الهروب عندما يبدو مثل هذا الحدث كتجلٍ آخر للنُظم التي حكمت المدينة لوقت طويل؟ يقول أحد الناجين لآخر «خليك ببيروت، ما عنَّك بنزين تروح أصلاً.»

جان كلود بولس من بين الناجين الذين اختاروا، لدهشته، البقاء. في فيلمه «ورشة» يأخذنا مع كلبه في تمشية عبر المدينة. نرى بيروت من خلال عينيه، مستخدمًا لقطات توثيقية تترجم الحديث الذي يوجهه إلى كلبه. أحيانًا تكون الصور حرفية أكثر مما يجب، حيث نرى مصباح عمود إنارة مكسور عندما يتحدث عن انقطاعات الكهرباء، ويصور خرطوم ماء يتدفق وسط الأنقاض بينما يتحدث عن نقص المياه. يلتقط صورًا لمواقع الاحتجاج الخالية الآن والتي شارك بالتظاهر فيها طوال العامين الماضيين. نرى أنه احتفظ بنظارته وآلة تصويره المكسورتين، كأنهما قطعتان أثريتان. قد يبدو التمثيل الحرفي لكلماته مزعجًا للمشاهدين لو لم يكن مؤثرًا إلى حد كبير في جعلنا نتصور السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي أدى إلى الانفجار. لقد استمع بولس إلى قصيدة نزار قباني «يا ست الدنيا يا بيروت» أكثر مما يمكنه أن يتذكر. لكنه يختار الشعور بالأمل حتى عندما يحس بالحاجة إلى الانسحاب التام عائدًا إلى بيته. طوال فترة السنين السبع التي ظل فيها مخزون نيترات الأمونيوم داخل أحد مستودعات المرفأ، كان هناك 222.8 مليون احتمال مختلف في كل ثانية، كما يخبرنا.
يتجنب صُنّاع الأفلام الخمسة المُقدَّمة في البرنامج عرض صور الدمار، تلك المُتكررة في وسائل الإعلام الجماهيرية. ونادرًا ما تظهر سحابة الفطر الأرجوانية الأيقونية وصوامع الغلال المُنهارة. وجهات النظر المُختارة متناهية الصغر، ومتمركزة حول الناجين والضحايا والأجزاء المُهملة من بيروت، مع صور من الحياة العادية، كما في فيلم إيلي داغر «إعلان حرب». عمال يبدأون يومهم في سوق السمك. امرأة تنشر غسيلها كي يجف. أطفال يلعبون. حارس أمن في منتصف العُمر يلعب على هاتفه المحمول، بينما يجلس قرب جدار منهار وكومة من الأنقاض. ظلال زرقاء تصبغ المشاهد، مقدمة للمشاهدين مسافة ما يشاهدون منها الجوانب المختلفة لبيروت. باستثناء لقطة واحدة متقافزة لكلب يعبر الشارع، فالكاميرا غالبًا ثابتة والإيقاع بطيء. وكأن سكان المدينة يحتفظون بطاقتهم لوقت آخر. يقدم داغر صوت الراوي في فيلم «إعلان حرب» كمونولوج. يتساءل أين ذهبت الصدمة التي تحوّلت إلى خوف الذي تحول إلى غضب ثم تحول إلى دافع للفعل والمساءلة. كيف استقر وترسخ هذا الإحساس بالعادية والتكيف؟

في فيلم «مينارفا»، أقرب الأفلام الخمسة للشكل الوثائقي، يحتفي لوسيان بورجيلي بذكرى مينارفا فاخر شارتوني. عاشت المرأة ذات التسعة والستين عامًا في شقة تُطل على المرفأ، المنظر الذي طالما شعرت العائلة أنه امتياز. يعيد الفيلم، في مشهده الافتتاحي، خلق ما أحست به الشخصية الحاملة لاسم الفيلم قبل دقيقة واحدة من الانفجار. تقول لابنها جوزيف ألا يقلق بعد أن حذفت رسالة صوتية كانت قد أرسلتها للتو إليه عن الدخان المتصاعد من المرفأ. وجوزيف هو مَن يسير بنا عبر الأحداث مستخدمًا صورًا فوتوغرافية ولقطات أخذها عندما أسرع لنجدتها. كما يصطحبنا عبر جهوده التي دامت شهورًا ليجعل الحكومة تعترف بأمه كضحية للانفجار. وهو عازم ألا يجعل النسيان يطويها بين دولة باردة المشاعر وشديدة البيروقراطية ذات قائمة مطالب لا تنتهي أبدًا من ناحية، وبين الغريزة الإنسانية للاستمرار، للبقاء من ناحية أخرى.
لقد رأينا ملصقات لضحايا آخرين تُزال من فوق حائط في فيلم «ورشة». لقد شاهدنا الحياة اليومية تُستعاد ظاهريا في فيلم «إعلان حرب». لقد سمعنا سارة قصقص تقاوم النسيان بشدة عن طريق النظر إلى ندوبها القديمة.

تلك كلها طرق صالحة للتعامل مع الكارثة، والأفلام الخمسة تتلاعب بها بدرجات مختلفة. كل فيلم يُعقّد من فهمنا للطريقة التي ندرك بها أشكال واقعنا، كي نتحملها أو كي ننجو منها. والمادة الوثائقية المتضمنة في كل فيلم تتلون بذكريات المخرجين وفهمهم لهذا الحدث، وما سبقه وما لحقه.
ربما يكون الفيلم الذي يدفع بهذه الفكرة إلى أقصى عمق هو فيلم بانوس أبراهميان «زهور زرقاء عديمة الرائحة تستيقظ قبل أوانها». يقدم أبراهميان مساحات من المدينة قرب نهر بيروت بعد أن انتهى العالم. وقد نجا بعض البشر مثل الراوية، والمجموعة التي كلفتها بصنع هذا الفيلم، والأغنياء الذين تجمعوا في أبراجهم بعيدًا عن الفقر الدائم والوباء والدمار. لكننا نادرًا ما نرى أي شخص على الشاشة. نشعر بسكون مخيف إلى أن ندرك القوة التوليدية للطبيعية وهي تسيطر على الأمور. نهاية العالم جميلة حيث تعلق ذرات السماد في الهواء وسط الزجاج المحطم والغبار وجزيئات اللحم البشري، سامحة لزهور المدينة بالتفتح في كل مكان. إنه لشيء شديد الجمال، فقط لو أمكننا أن نشم رائحتها. يقدم أبراهميان هذا كواقع مُطبَّع. بالإيقاع الهادئ لفيلمه وانتقائه للصور، يسمح لنا أن نهدأ، تمامًا، وأن نضع حذرنا جانبًا بعد هذه الخبرة الحادة والثقيلة من المشاهدة. أن نتوقف، نتنفس.. أن نتأمل دون أن نصدر أحكامًا.
تقارير ذات صلة
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
في حضرة «دراما»
يلجأ شوقي إلى الأطفال كممثلين، إذ يتميز الأطفال بطبيعتهم الفطرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن