الفن.. «من المسافة صفر»
في هذه الأيام التي يُحاول الناس فيها أحيانًا أن يفِرُّوا من أنفسهم، وأن يفزعوا إلى القراءة أو غيرها من وسائل المتاع العَقلي؛ لعلهم يجدون فيها راحة من أنباء الحرب وخطوبها الباهظة، فلا يقرؤون إلَّا ما يتصل بالحرب، ولا يجدون من لذات الفن إلَّا ما بينه وبين الحرب سبب قريب أو بعيد. «طه حسين، تصدير «كليلة ودمنة».
تباينت الآراء عقب 7 أكتوبر، بين مؤيد لتأجيل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فلا يجوز أن نحتفل فيما غزة تباد، ومعارض لإلغاء الفعاليات السينمائية لأن الفن ليس رفاهية بل نافذة للتعبير بحرية عن مواقفنا الإنسانية قبل السياسية، بعيدًا عن كرنفالات الريد كاربيت وديفيليه أزياء الفنانات.
بينما تأجلت دورة مهرجان القاهرة في 2023، أقيم مهرجان الجونة بتغطيات إعلامية ضيقة وتركيز أكبر على الأفلام فقط حتى لا تثار مشاعر الجمهور، وبات التحدي أمام إدارة مهرجان القاهرة هذا العام عرض أفلام الدورة المؤجلة والجديدة.
خرجت الدورة الـ45 من مهرجان القاهرة السينمائي، بعدد مضاعف من الأفلام، متفاوت الجودة، لكن الغلبة كانت للأفلام الجيدة. عطش بعد انقطاع، حصد صناع الأفلام جوائز أغلبها مستحقة. وشاهد الجمهور أفلامًا من بلدان مختلفة، مع تركيز خاص واحتفاء بالسينما الفلسطينية وصناعها، وحضور قوي وناجح للسينما المصرية.
دبوس يحمل علم فلسطين كهدية تزين بها الفنانون في افتتاحية مهرجان القاهرة، ورقصة الدبكة في حفل الافتتاح، العلم الفلسطيني في حد ذاته موقف سياسي، تذكرة بأن جسد الفنان يمكن أن يعكس موقف أو أيديولوجية معينة للفنان والدولة أيضًا.
تعاون المهرجان مع رعاة محليين هذه الدورة إخلاصًا لمبدأ «المقاطعة». قرار إدارة المهرجان أثر على مقدار الدعم المادي بالتأكيد، لكن السؤال: هل ستصمد المقاطعة حتى الدورات القادمة؟
أما على مستوى الأفلام، خصص المهرجان مسابقتين جديدتين للسينما الفلسطينية «أفلام من المسافة صفر» و«أضواء على السينما الفلسطينية». لكن، ما الحكايات التي جاءت تحكيها لنا السينما الفلسطينية؟ وما أثر رؤية أفلام عن الحرب فيما نشاهد يوميًا على جميع القنوات ووسائل التواصل فيلمًا حربيًا مستمرًا لا نهاية له حتى اليوم؟
البحث عن الحمامة
شاهدتُ في المهرجان: فيلم الافتتاح «أحلام عابرة» لرشيد مشهراوي، وأفلام قصيرة ضمن مسابقة «أفلام من المسافة صفر»، والأفلام التسجيلية الطويلة: «الإجازات في فلسطين»، «وين صرنا». ثمة مشاعر مختلطة ومركبة حاصرتني بينما أشاهد الأفلام، والكتابة هي التي ستساعدني على فهم مشاعري واستقبالي للأفلام في السياق الحالي.
لم تغب الرمزية عن فيلم رشيد مشهراوي، فرحلة عودة الحمامة إلى أصحابها الأصليين من حيفا إلى القدس تتطلب اجتياز الحدود والتجول بين شوارع فلسطين المحتلة التي لا نراها عن قرب في إيقاع الحياة اليومية العادية، شوارع أخرى حيّة بعيدة عن شوارع الحرب. ببساطة فيلم مشهراوي هو رحلة بحث عن فلسطين المفقودة.

يتصارع بداخلي صوتان، الأول تزعجه الرمزية المباشرة للفيلم وغياب العناصر الدرامية الأساسية المكونة لفيلم الطريق، والصوت الآخر يذوب في شوارع المدن الفلسطينية القديمة، برائحة التاريخ المنسي، شوارع عتيقة ممزوجة بسخريات شخصيات الفيلم من «يطير الحمام يحط الحمام» وضحكات على آمال تحولت إلى شعارات لن تتحقق «هلكونا شعارات القدس القدس.. إيش بنعمل غير نشرب قهوة وندخن».
بعد انتهاء الفيلم سألتني سيدة فلسطينية أربعينية لا أعرفها، خرجت لتوها من القاعة «عجبك الفيلم؟» فأخبرتها «لطيف»، قالت بعدم تردد «لم يعجبني، مباشر ومش فني»، أخبرتها أن هذا صحيحًا ولكن شيء من العاطفة يحكمنا عندما نشاهد فيلمًا فلسطينيًا، تحديدًا هنا والآن.
على العكس تمامًا اختلفت معها سيدة أخرى فلسطينية عرفت لاحقًا أنها والدتها، قالت: لا يهم، الفيلم جميل وعاطفي، المهم أن يشاهد الناس أفلامًا عنا، لأنهم لا يعرفون شيئًا عنا، حتى قبة الصخرة يظنوها المسجد الأقصى.
تفهمت الصوتين تمامًا، لأنهما يشتبكان مع الأصوات بداخلي، وكل وجهة نظر تنتصر من موقعها، تلك التي تنتصر للفن، والأخرى التي تنتصر للقضية.
أصوات من الداخل
فاجئني الفيلم التسجيلي «الإجازات في فلسطين» للمخرج مكسيم ليندون لأنه فيلم فلسطيني لمخرج فرنسي، كما تفاجأ المخرج أيضًا عندما علم أن فيلمه يعرض في المهرجان ضمن مسابقة «آفاق السينما العربية». وهذه طبيعة التصنيف، الأعراف العالمية تصنف الأفلام حسب دولة إنتاجها، لكننا نتعامل بخصوصية مختلفة، أي فيلم عن فلسطين هو ينتمي لها، للسينما الفلسطينية.

على المستوى الفني الفيلم جيد، بسيط في حكايته، واضح في وجهة نظره التي تتكشف بهدوء على مدار الفيلم. يحكي الفيلم عن شادي، الشاب الثلاثيني والمعتقل السياسي الفلسطيني الذي ترك وطنه بعد ثماني سنوات اعتقال في سجون إسرائيل، سافر وحصل على الجنسية الفرنسية، تحولت فلسطين من بلد الميلاد والهوية والقضية إلى محطة إجازاته السنوية، يبدأ الفيلم من رحلة عودته لبدء زيارة الأهل في فلسطين وتنتهي به في فرنسا، وطنه الجديد المغطى بالثلوج.
يلخص شادي حاله فيقول: «الاحتلال بيعاملنا معاملة الكلاب، الكل بيعاملني كفرنسي إلا عند إسرائيل».
تم تصوير الفيلم قبل 7 أكتوبر، ما من حرب في الخلفية، لا شيء عدا نظرة إلى الداخل الذي لا نعرف عنه الكثير، الطرق الكثيرة التي يدمرها الاحتلال بين المدن والقرى، التوسع الشمولي للاستيلاء على أراضي جديدة، صعوبة حصول الفلسطينيين على عمل وإبطال سلطة الاحتلال لتصاريح الكثير منهم للعمل داخل إسرائيل بسبب نشاطهم السياسي، ناهيكم عن الوضع السياسي الداخلي. يقول شادي: «السلطة الفلسطينية في أزمة سياسية ولازم أحسبها قبل ما أعيش هنا».
ها نحن نقف أمام مشكلات الحياة ما قبل الحرب، الصعوبات اليومية في العمل والمعيشة وممارسة السياسة. في مناقشته مع الجمهور بعد عرض الفيلم، يحكي مخرج الفيلم أنه بنفسه واجه تلك الصعوبات عندما زار فلسطين، واختبر التفرقة بينه وبين زوجته أثناء عبورهما على نقاط التفتيش عند الحواجز والحدود، لأنه فرنسي وزوجته فلسطينية.
هنا ما من وجهة نظر واحدة، بل تأمل هادئ وإنصات، أصوات الفلسطينيين من الداخل تتشابك في الفيلم، شادي في جهة وهم في جهة أخرى، هناك من يرى شادي نجا بنفسه وحياته وهذا حقه المشروع، وهناك من يراه خائنًا للقضية بتركه للبلد وحصوله على جنسية أخرى واعتزاله النشاط السياسي القديم. اعتزال القضية أو نسيانها.
ينتج عن وجهات النظر المتضادة في الفيلم سؤالًا إنسانيًا يتولد ببطء أثناء المشاهدة بين جمهور يجلس آمنًا على مسافة بين الواقع الحقيقي وشاشة السينما: هل نعاقب بالخيانة من اختار أن ينجو بحياته؟ وهل لا نمنح البطولات إلا لمن يُقتَل في سبيل وطنه؟
لا يكشف الفيلم صراع البطل الداخلي وحده بين البطولة والخيانة، بل ينتقل من صراع شخصي إلى صراع الشأن العام، ينبش في مساحة شائكة ربما لم نعتد على سماعها لحساسية الطرح، لاعتيادنا عدم النبش في كل ما هو سياسي، أسئلة عن مدى قوة المقاومة الفلسطينية الحالية، ومدى جدوى مقاومة الاحتلال فيما الأغلبية تقاوم يوميًا ظروف المعيشة القاسية في ظل الاحتلال الشرس.
يقول شادي: «كل واحد اتجوز وخلف بيفكر في شغله في إسرائيل أو الضفة، ما عاد حد عنده وقت للسياسة». ثم يلخص نظرته بوصف موجز وصائب: «المقاومة الفلسطينية زي الريح، يوم هادئ ويوم عاصف».
ربما ما يقوى الفلسطيني على فعله هو أن يحدد موقعه من العاصفة لحظة مواجهتها.
لماذا نصنع أفلامًا؟
أي فيلم تسجيلي أو روائي يخلو من وجهة نظر واضحة فهو إذًا لا يحكي شيء، ولا أريد أن أكون قاسية في أحكامي، لكن هذه الحقيقة، حتى لو كان صانع الفيلم يرصد مشاهدًا صامتة وروتينية من الحياة يجب أن يحمل رصده الصامت هذا وجهة نظر ما.
داهمني السؤال عن وجهة النظر بعد مشاهدة الفيلم التسجيلي «وين صرنا» إخراج درة زروق، شاهدت الفيلم بدافع الفضول «لماذا تصنع الممثلة درة فيلمًا عن فلسطين؟»
الفيلم عن أسرة غزاوية استطاعت دخول مصر أثناء الحرب والاستقرار في إحدى الشقق المفروشة بحي من أحياء القاهرة فوق المتوسطة، فيما الزوج وحده لا يزال هناك في غزة، ينتهي الفيلم بوصوله إلى أسرته ولم الشمل، كان مشهد وصوله مؤثرًا لكنه مشهد مهم في سياق فيلم لا يملك شيئًا قويًا ليحكيه، فقط يدور في دوائر الحنين لماضي وردي جدًا، وذلك لا يبدو صائبًا بالكامل على أية حال.
لم نعرف تفاصيل رحلة العبور، الأسرة والزوج، والثمن الذي دفعوه نظير هروبهم من الحرب، لماذا تأخر الزوج كل هذا الوقت ليخرج من الحدود؟
الكثير من التفاصيل الغائبة، الكثير من الحنين.
الحنين للبيت، الشوارع، المدرسة، الأصحاب، هذا كل ما يدور حوله الفيلم، تلك الرغبة في استدعاء الحياة القديمة في صورة كليشيهية، يجلس أفراد الأسرة أمام الكاميرا، يحكون، ويبكون، وتشتعل الموسيقى المؤثرة، في غياب تام للغة سينمائية متمكنة أو توظيف بصري يثري الحكايات ويعكس وجهة نظر صانعة الفيلم، فتحول الفيلم إلى ما يشبه التقارير الإخبارية ولكن في سياق فيلم تسجيلي على أقصى تقدير متوسط الفنية، يخبرنا رفضه لهذه الحرب وتلك المقاومة.
هكذا يكون الفن
«هناك استخدامات عديدة للفرص التي لا تعد ولا تحصى التي توفرها الحياة الحديثة للالتفات -من مسافة ما ومن خلال التصوير كوسيط- إلى آلم الأشخاص الآخرين» سوزان سونتاج.
على مدار ساعتين استعرض برنامج «من المسافة صفر» -وهو عبارة عن 22 فيلمًا قصيرًا صنعت تحت دعم المخرج الفلسطيني، رشيد مشهراوي، تقدم رؤية سينمائية ذاتية للحياة اليومية من داخل غزة أثناء الحرب-، أفلامًا متنوعة بين تحريك وروائي وتسجيلي وتجريبي. عيون مختلفة ترى الحرب من زوايا مختلفة، أحيانًا يخترقها الخيال، وأحيانًا يغلب عليها الصمت ويتركنا نواجه الواقع بشكل مجرد ودون مؤثرات إضافية.

فيلم «إعادة تدوير» لرباب خميس يسرد لنا في ثلاث دقائق ما تفعله ربة أسرة صغيرة بما تحصل عليه من المياه، بصمت تام نراقب الأم وهي تحمل الماء، تفرغه حسب الاحتياجات، تغسل الملابس، تحمم الصغار، تصنع الطعام، ثم تعيد تدوير المياه القذرة بعد استخدامها. لم تستخدم المخرجة مؤثرات، ما من حوار أو موسيقى، وهذا في ذاته اختيار فني لنتأمل حال تلك الأسرة، نختبر شيئًا من ثروتهم التي يملكونها: المياه.
وفي فيلم «جنة الجحيم» يستيقظ كريم ستوم من نومه وهو مغطى بالكفن، كريم ليس ميتًا لكنه تسلم واحدًا من الأكفان التي توزع على الغزاويين في الحرب، يتساءل كريم عن جدوى المحافظة على الكفن لحين موته، هو الآن حي، يحتاج إلى غطاء يستره أثناء النوم، قال لا بأس أن أتدثر بكفني، في أربع دقائق يتركنا كريم أمام قصته البسيطة والعميقة التي تحفر بداخلنا سؤالًا مؤلمًا عن قيمة الحياة والموت، وهل الحياة في ظل الحرب هي أصلًا حياة؟ ما حدث أن الحياة في الحرب خلقت معنى جديد للحياة لا يعرفه إلا أهلها.

لم تتوقع اعتماد وشاح أن تظهر بنفسها في فيلمها الروائي القصير «تاكسي ونيسة» لأن أبطاله من البداية هما أخوها «أحمد» وحمارته «ونيسة»، والحمارة هي كل شيء في حياته، هي يده وساقه، هي التاكسي الذي يتنقل به هنا وهناك، يتربح من توصيل الناس إلى مشاويرهم، لكن لأنها الحرب ما من حي يضمن حياته للأبد، استشهد أحمد وابناؤه، ولم يتبق سوى أنيسة. تظهر اعتماد في نهاية الفيلم، وتحكي النهاية التي اختارتها للفيلم، أن تعود أنيسة وحدها إلى بيت أحمد، لكنها أبت أن تكون هذه النهاية، ظهرت بنفسها لتعبر عن اكتئابها وحزنها وعدم قدرتها على استكمال الفيلم كما تخيلته وخططت له.

كواليس صناعة تلك الأفلام القصيرة هي في ذاتها وثيقة تستحق ألا ننحيها في حديثنا عن الأفلام، يحكي رشيد مشهراوي -منتج المشروع- أن بعض صناع الأفلام خاطروا بحياتهم ليتمكنوا من نقل المواد الفيلمية من شريحة الذاكرة لرفعها على الإنترنت، هذا بخلاف صعوبات التصوير لعدم توفر الإمكانات المحترفة فهناك خمسة أفلام تم تصويرها بكاميرا واحدة، وهناك أفلام صورت بموبايلات عالية الجودة.
«ده اللي بحاول أوصله للعالم، الحقيقة هناك أبشع من أنك ممكن تتخيلها للي ما عاش في غزة ومفيش في ذاكرة دماغه صوت الزنانة اللي هي صوت طائرة الاستطلاع»، المخرج الفلسطيني محمود أبو غلوة.
أفلام «المسافة صفر» هي من أفضل ما شاهدت في مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام، تلك التجارب الفنية التي تتنفس على أرض الحرب تكشف عن الجانب الإنساني الذي لا نعرفه عن الفلسطينيين. تفرض علينا مجريات الحياة مشاهدة الحرب بشكل مباشر في كل لحظة، عبر قنوات رسمية وشخصية، الصورة ليست غريبة عنا كمشاهدين للحرب عن بعد، لكن ما الذي تكشفه الكاميرا عندما تصور شيئًا ما من داخل الحرب؟ ومن أيّة وجهة نظر فنية؟ درامية أم شاعرية أم كوميدية؟ الأفلام نفسها هي الإجابة الحاسمة لوجهات النظر المختلفة، لذلك الجانب الإنساني خلف الحدود.
تحمل الأفلام في زمن الحرب إجابة على ما طرحته سوزان سونتاج بشأن فهمنا للحرب، هذا الفهم يتشكل من تأثير مشاهدة صور الحرب علينا، وباختلاف الأثر تكون علاقتنا بالحرب. هكذا يلعب الفن ألعابه، يتحول الفيلم إلى مسألة حياة أو موت، وتتحول الحرب إلى صور متحركة تحاكي إنسانيتنا.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن