الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
رحل عن عالمنا المخرج داود عبد السيد وهو يحمل في جعبته أفكارًا كثيرة لم تخرج للنور. عشر سنوات كاملة بلا عمل يقدّمه، وكأنه إعلان عن مدى إحباطه وحزنه على ما حل بصناعة السينما التي لفظته خارج إطارها وعالمها. رحل عبد السيد، لكنه ترك لنا إرثًا مهمًا وحقيقيًا، وفنًا قادرًا على الخلود والحياة للأبد.
ينتمي داود عبد السيد إلى جيل هزيمة 67، جيل شب على مرارة النكسة التي لم تفارق ذهنه حتى بعد الانتصار في 1973، فيحكي إحدى المرات متذكرًا عن الدبابات وعربات الجيش التي كانت تتحرك في شارع الهرم وهو يصور أحد مشاريع تخرجه في معهد السينما. جيل حمل على عاتقه مهمة تجديد شكل السينما المصرية، فكان هناك محمد خان وعاطف الطيب ورأفت الميهي ورضوان الكاشف وخيري بشارة، قدم كل منهم رؤيته ومدرسته الخاصة للسينما.
عبد السيد مدرسة خاصة، يبحث دائمًا عما بداخل الإنسان المعاصر من تساؤلات، تمتلئ أفلامه بالإسقاطات والأفكار الفلسفية، ربما كان «الكيت كات» الأنجح جماهيريًا بسبب بساطة لغته السينمائية أكثر مما نجد في «البحث عن سيد مرزوق» (1991) أو «أرض الخوف» (2000).
تسعة أفلام هي حصيلة داود عبد السيد في السينما المصرية، لو استثنينا الأعمال التسجيلية، ناتج قليل لكنه مهم في تاريخ السينما المصرية، ومعبر عن تطورات الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، خلال هذه الفترة، الممتدة من «الصعاليك» (1985) إلى «قدرات غير عادية» (2015).

يعمل عبد السيد مع فريق ثابت، يكتب هو أغلب قصص وسيناريو أفلامه، يرافقه مهندس الديكور أنسي أبو سيف، والموسيقار راجح داود في جميع أفلامه. وستجد أن هناك ممثلون أيضًا عملوا معه في أكثر من عمل، مثل نور الشريف في «الصعاليك» و«البحث عن سيد مرزوق»، ومحمود عبد العزيز في «الصعاليك» و«الكيت كات»، ولوسي في «البحث عن سيد مرزوق» و«سارق الفرح»، وخالد أبو النجا في «مواطن ومخبر وحرامي» و«قدرات غير عادية»، وصلاح عبد الله في «مواطن ومخبر وحرامي» و«رسائل البحر»، بالإضافة لتقديمه وجوهًا جديدة مثل علي حسنين وفرح وشعبان عبد الرحيم ورولا محمود وسامية أسعد.
الموسيقى التصويرية لأعمال داود مميزة جدًا، ويشاركه فيها رفيق دربه راجح داود. فنجد عنده شريط صوت يحمل الكثير من الأغاني، يستخدمها بعدة أشكال متباينة، يُدخلها في الحدث دون أن تشعر، فتنقل إليك إحساس مكمّل ومؤكّد لما تنقله الصورة والقصة، وبالطبع بجانب الأغاني التي كتبت للأفلام خصيصًا مثل فيلم «سارق الفرح» (1995) و«مواطن ومخبر وحرامي» (2001)، مع الأغاني ومتابعتها، تتسع الرؤية وتقترب أكثر من داود، لترى عالمه عن قرب.
إعادة قراءة للأغاني السياسية
يتعامل عبد السيد مع السياسة باعتبارها المؤثر الأهم على شكل المواطن وحياته، حتى لو لم يظهر ذلك للمواطن أو المشاهد في الأفلام، لا يشتبك مع السياسة بشكل مباشر في أفلامه، هو يهتم بالمواطن/الإنسان، وما تفعله القرارات السياسية بحياته حتى دون أن يشعر.
يستخدم الأغاني السياسية كخلفية للمشهد، ينقل بها أوضاع البلد والتناقض بين ما يقوله الإعلام متمثلا في مطربو الدولة والحقيقة على أرض الواقع بالنسبة للمواطن. كبداية، عندنا فيلم «الصعاليك» بأغنية «المسؤولية»، التي كتبها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل، رغم أن تاريخ الأحداث عام 1962، والأغنية غنت لأول مرة في احتفالات يوليو 1963، لكن الأغنية مباشرة وواضحة في تمجيدها للاشتراكية ولجمال عبد الناصر وسياسته.
ويعيد عبد السيد قراءة الأغنية السياسية والثورية في تلك الفترة، تصبح «إفيه» في الخلفية، سخرية من الوضع السياسي والاقتصادي للمجتمع، كاستخدامه أغنية «بالأحضان» لمطرب الدولة والثورة مع نفس الثنائي السابق، في المشهد الفارق في أحداث الفيلم، مشهد تهريب المخدرات وتحول الصعاليك لرجال أعمال. يفرح محمود عبد العزيز بنجاح العملية على أنغام «بالأحضان يابلادنا ياحلوة بالأحضان». وعند التفكير في دخول عالم السياسة للاستفادة منه في الأعمال التجارية والفساد، نسمع عليا التونسية في الراديو تقول «مانقولش إيه إدتنا مصر ونقول هَندي إيه لمصر».

يستخدم داود عبد السيد الأغنية العادية ويحمّلها بُعدًا سياسيًا واجتماعيًا، ويتضح ذلك في «الكيت كات» و«سارق الفرح»، وظهور أغاني ناظم الغزالي (أي شيء في العيد، وطالعة من بيت أبوها) كتعبير عن فترة السفر والعمل في الخليج، وبداية تغيرات ثقافية للمجتمع المصري. نجد مثالًا آخر في «سارق الفرح» وشخصية شطة (محمد شرف)، القادم من العمل في الخليج حاملًا الراديو والكاسيت مستمعًا إلى الأغاني الخليجية.
أم كلثوم.. المزاج العام للمصريين
يعلم عبد السيد أهمية أم كلثوم في التاريخ المصري، الغنائي والعام، هي تعبير عام عن مزاج السلطنة للمصريين، ولا جدال في ذلك، وتعرف أم كلثوم كالراعي الرسمي للمقاهي. في «الصعاليك» يستخدمها كتعبير عن الزمن، فبعد عدة أحداث في بداية الفيلم، تسمع أغنية «أنت عمري» في المقهى، لدلالة أنه مضى من عمر بداية أحداث الفيلم عامان على الأقل، لأن الأغنية ظهرت في عام 1964، وبداية أحداث الفيلم في عام 1962.
مع «الكيت كات»، كان لأم كلثوم بُعد آخر، يركز على كلمات الأغنية، اختيارها هنا ليس عبثيًا، ففي مواجهة المعلم صبحي والشيخ حسني في المقهى، نسمع أغنية «للصبر حدود». وفي لقاء الست روحية والشيخ حسني، تستمع لأغنية «أنت عمري»، ويتضح هنا اختلاف استخدام نفس الأغنية عن فيلم «الصعاليك». أما المونولوج العاطفي «رق الحبيب»، تحفة قَصَب والست ورامي، قمة الجمال والخفة وهوان الحب الجميل، فنجده مرة خلفية للمشهد الأول في بيت المطرب الحرامي شريف المرجوشي (شعبان عبد الرحيم) في «مواطن ومخبر وحرامي».

وفي خمّارة «رسائل البحر» (2010)، نسمع أم كلثوم من بعيد تقول «وإيه يفيد الزمن مع اللي عاش في الخيال»، وفي مشهد آخر تقول «عودت عيني على رؤياك»، وهي أغاني تعبر عن حالة البطل يحيى (آسر ياسين). وفي استخدام آخر، أقل ما يقال عليه إنه ساحر وجميل، في مشهد التعارف بين صاحبة الأتيليه كارلا والزبونة ريهام، يحاوط هذا المشهد الجمالي فرقة أم كلثوم بقيادة قَصَب، ومقطوعة «ذكريات»، التي عزفت كمقدمة أغنية «رق الحبيب»، اختيار يليق بخفة المشهد وجماله، دون أن تشعر أنها مقطوعة دخيلة على الفيلم أو المشهد. هكذا كانت أم كلثوم في سينما داود عبد السيد، تعبر عن الحالة والجو العام، وعن التاريخ أحيانًا.
أغاني الفيلم.. حالة محببة
عند النظر لأعمال عبد السيد، نجد أنها مليئة بالغناء.. غناء الممثلين، لا يشترط أن يكونوا مطربين، فأغلب من غنوا في أفلامه مؤدين جيدين، مثل لوسي في «البحث عن السيد مرزوق» و«سارق الفرح» مع ماجد المصري، ومحمود عبد العزيز وشريف منير في «الكيت كات».
الغناء عند عبد السيد ينقل حالة الفيلم، في «الكيت كات» يغني الشيخ حسني في جلسات الكيف والمزاج، أغاني ذات كلمات عامية وهزلية، تليق بشخصية الشيخ الكفيف. غنى أيضًا شريف منير «حرَّج عليا بابا»، وقبله غنى مطرب أغنية شكوكو «حبيبي شغل كايرو»، هذه الحالة من الحميمية في الغناء على العود، وكأنها جلسات خاصة، كانت قريبة من حالة غناء لوسي في «البحث عن السيد مرزوق»، وتقديمها أغانٍ قديمة، بمصاحبة تخت أحيانًا، تنقلك إلى عالم مختلف عما يحدث في الفيلم، عالم سيد مرزوق (علي حسنين)، من فتحية أحمد إلى عبد الغني السيد، مرورًا بعبده السروجي، وانتهاء بسيد مكاوي.

أدت لوسي الأغاني بشكل ممتاز، مثّلتها أكثر ما غنتها. لوسي ممثلة موهوبة، وفي «سارق الفرح» تقدم أغاني بطريقة مختلفة تمامًا في الشكل والأداء، تجربة جديدة لتقديم الأغاني، فعلى عكس الحالة الأساسية للفيلم، وسط الفقر والعشوائيات والمشاكل، نجد الأغاني مبهجة وبسيطة، وتستخدم المجاميع كورسًا غنائيًا، وقد شارك في الغناء في الفيلم مطربة الأوبرا، تحية شمس الدين.

مع شعبان عبد الرحيم كان إسلام خليل هو صاحب كلمات أغاني الفيلم، يمكنك أن ترى الفرق بين أغاني الطبقة المتوسطة في «سارق الفرح» وفي «مواطن ومخبر وحرامي»، كل شكل ينقل حالة مختفية وراء الخط الدرامي، يمكن اعتبار الأغاني إنها شكل من أشكال الراوي في الفيلم.
أغاني تزيد المشهد جمالًا: التوظيف الفني
في مرة قابلت داود عبد السيد، كان يجلس في مقهى صغير، وعندما سألته عن الأغنية التي كانت خلفية في مشهد أحمد زكي وفرح في فيلم «أرض الخوف» (2000)، وكنت قد بحثت كثيرًا عنها ولم أجدها، وقف يتذكر قليلًا وقال إنه جاء بها من تراث الصوفية في المغرب. هكذا يبحث وهكذا يأتي بأغنية من المغرب كي يستخدمها بهذا الشكل البسيط والجميل وفي المكان المناسب، كانت الأغنية هي موشح «ليل عجيب»، عاد عبد السيد مرة أخرى إلى الصوفية، ولكن المصرية هذه المرة، مع أحمد التوني وياسين التهامي في «قدرات غير عادية».

في مشهد غرامي بين مها أبو عوف ومحمود عبد العزيز في «الصعاليك»، يأتيك صوت سعاد محمد وهي تغني «أنا هويت وانتهيت»، كأجمل خلفية موسيقية للمشهد، وكما فعل في «أرض الخوف»، فعل في أول أفلامه، الأغنية في الخلفية، ثم يعلو الصوت تدريجيًا مع صمت الممثلين.
تشعر أن عبد السيد يُحب صوت أسمهان، في «الكيت كات» وفي شقة الهرم (نجاح الموجي) تسمع أغنية «ليالي الأنس»، وتجدها أيضًا مع نور الشريف في «البحث عن سيد مرزوق»، وفي «أرض الأحلام» (1993) ترقص فاتن مع أصدقائها، على صوت أسمهان وليلى مراد، في مشهد عذب لسيدات كبار في السن، يتذكرن مغامراتهن في المراهقة وأحلامهم.
في حارة «الكيت كات» يغني حسن الأسمر وطروب، وفي عشوائيات «سارق الفرح» تجد محمد رشدى وأحمد عدوية، وفي أرض الأحلام تجد شبابًا يغنون لمحمد منير «الله لون يا لون»، وتسمع أغنية «ديدي» للشاب خالد، وفي عالم «سارق الفرح» تجد أغاني الأفراح في الدلتا: «حرامي ياما» و«العب يا ملعب». وتغني هند صبري في «مواطن ومخبر وحرامي»، أغنية «ياللي على الترعة»، هكذا يستخدم عبد السيد الفلكلور بشكله الطبيعي دون أي تغيير أو تعديل.
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد، المشهد الدرامي الحزين في «الكيت كات»، عندما اكتشف سليمان (أحمد كمال)، هروب زوجته واتجه للخمّارة يشرب البيرة ويحكي للأصدقاء قصته وكأنه قصة صديق له، هذا المشهد بكل ما يحمل من دراما وحزن وهوان ولوم للنفس، يغني صباح فخري في الخلفية أغنية سيد درويش «سيبوني يا ناس في حالي».

يستخدم عبد السيد أيضًا الأغاني لنقل ثقافة الشخص كاستخدامه أوبرا كارمن الذي يسمعها المواطن، خالد أبو النجا، مقابل للأغاني الشعبية من الحرامي، تأكيدًا على أنك أمام عالمان مختلفان تمامًا، وفي النهاية شريط الصوت عند عبد السيد لا يقل أهمية عن أي عنصر من عناصر الفيلم، يستخدمه بدقة محسوبة بميزان الذهب، تزيد المشهد جمالًا، نختم بأغنية شادية «ليالي العمر معدودة» بصوت نشوى الراعي في فيلم أرض الأحلام.

في النهاية، لم يكن عبد السيد مخرج فقط يقدم أفلامًا، بقدر ما كان يناقش رحلة فلسفية داخل أفلامه بشكل بسيط وجميل، غير مكترث بالضجيج والصراخ الفني، غير مهتم بالسوق التجاري للسينما، يضع نصب عينيه قيمة الفن والسينما، لذلك فضل أن يبتعد عشر سنوات عن الإخراج، بدلًا من أن يقدم عملًا لا يوافق نظرته وفلسفته للفن، وأن يرحل بعد رحلة أكثر من 30 عامًا من العمل في الإخراج بتسعة أفلام سينمائية فقط، لكنها باقية وستظل باقية، وسيظل داود عبد السيد واحدًا من أهم مخرجي السينما المصرية في تاريخها الطويل.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن