في حضرة «دراما»
بدأ الفنان وائل شوقي لقائه مع الجمهور السكندري في مكتبة الإسكندرية بتقديم عمله الفني «دراما 1882» كفن بصري، هذا النمط من أنماط التعبير الفني الذي يعتمد على الرؤية كوسيلة رئيسية لإيصال الأفكار والمشاعر. وكأنه يستسمح الجمهور، قبل العرض شبه السينمائي (نحن جالسون في مسرح وأمامنا شاشة ضخمة)، بأن نتذكر أن هذا ليس سينما ولا مسرحًا، وبالتالي علينا أخذ ذلك في الاعتبار عند الحكم على العمل من هذا المنظور.
هذا هو العرض العام الوحيد في مصر للفيلم الذي كان جزءًا من تكوين فني أو ما يسمى بعمل تركيبي في لغة الفن المعاصر حظي بنجاح تاريخي بمشاركته في بينالي فينيسيا ممثلًا للجناح المصري1. اختيار شوقي هذا العام يُعتبر نقلة تاريخية، ففي افتتاح بينالي فينيسيا، كانت الأحاديث تدور حول طول صف الدخول إلى الجناح المصري، عاكسًا الإعجاب الكبير بعمله. وقد أفضى هذا النجاح إلى اختياره في المركز السادس ضمن قائمة آرت ريفيو باور 100 لعام 2024، كأحد أكثر الفنانين تأثيرًا في العالم.
التمثيل المصري الناجح في هذا السياق يعتمد بشكل كبير على حيثية الفنان، حيث تمثله رسميًا أربعة جاليريهات دولية مرموقة، ولا واحدة منها مصرية. نجاحه أيضًا يعكس قدرته على جذب دعم خاص من رعاة الفنون، وذلك من خلال علاقات مثل زمالته مع مي الديب، وهي جزء من فريق العمل. مي الديب مستشارة في مجال الفن، عملت مع دار سوذبيز للمزادات، وهي التي قدمت الفنان ونظمت عرضي «دراما 1882» في القاهرة والإسكندرية. إلى جانب ذلك، يتضح دعم الفنان نفسه للمشروع، وسعيه الدائم لتقديم العمل في أرقى صورة ممكنة2.
بدأ عرض الفيلم مع ستارة مسرحية حمراء قاتمة اللون تنفتح تدريجيًا أمام جمهور يصفق بحماس. الفيلم الإيقاعي المتمسرح يستعرض أحداث ثورة أحمد عرابي ضد الاستعمار البريطاني، الثورة التي انتهت بالفشل، لكنها أصبحت جزءًا أساسيًا من السرد التاريخي المألوف عن الوطنية المصرية.

***
سنحت لي الفرصة أن أشاهد العمل بفينيسيا في هيئته الكاملة. بالإضافة إلى الفيلم، تضمن العمل مجموعة متنوعة من المنحوتات، وأعمالًا بمرايا مصنوعة من زجاج مورانو، ونقوشًا خشبية بتفاصيل سريالية، وفترينات مملوءة بالفول والحبوب، وألواحًا من الألومنيوم محفورة بمشاهد تاريخية تشير إلى أحداث من الحقبة العثمانية والاستعمار البريطاني. كما برزت منحوتة ضخمة شبيهة بالقلعة مصنوعة من الطين، تعكس السينوغرافيا الخاصة بالفيلم، لكنها بدت ككائن شبيه بالعنكبوت على أهبة الهجوم.
في المرة الثانية، حضرت عرض خاص للفيلم أقامته وزارة الثقافة في القاعة الصغيرة بدار الأوبرا. تحويل العمل هذه المرة من معرض شامل إلى فيلم يغير من شكل تلقيه. اقتصر العرض الخاص على نخبة اجتماعية لم تشمل الجمهور الثقافي أو الفنانين، ولكن على ما بدا عليه، وجهاء مجتمع وزارة الثقافة.
في المرة الثالثة للعرض بالإسكندرية، كان أشبه بحضور مسرحية. كان الجمهور أكثر تنوعًا، يضم فنانين وكتّابًا وأكاديميين وعائلات المشاركين في الفيلم وأطفالهم (الذين كانوا متحمسين بشكل خاص وطرحوا أسئلة بعد العرض) وزوارًا من القاهرة وعامة جمهور مكتبة الإسكندرية. كان هناك تفاعل ملحوظ وضحكات وقهقهات في المشاهد ذات الطابع الكوميدي. يمكن وصف التلقي هنا بأنه أقرب إلى التفاعل المسرحي، وكعادة جمهور المسرح، كان التصفيق يتكرر في نهاية كل مشهد. بعد انتهاء الفيلم، رحب الفنان بنقاش مفتوح مع الجمهور وتلقى أسئلة متنوعة من الكبار والصغار. كان هناك حماس حقيقي للعمل.
كان أول تعليق من الجمهور من استشاري عام جامعة الإسكندرية، الذي أبدى حماسًا كبيرًا وتأثرًا بالروح الوطنية والمحلية للعمل. لكنه أشار أيضًا إلى نقطة أثارت صدى في الأسئلة التالية، وهي الالتباس حول ماهية الفيلم، قائلًا عبارة مبهمة: «شفنا خط طبيب لا يفهمه إلا صيدلي».

ظهرت تشبيهات من نوعية مقارنة «دراما 1882» بفيلم «المومياء» لشادي عبد السلام، انطلاقًا من الحالة التجريبية غير المتوقعة لهذه المادة الفيلمية البصرية، وهي مقارنات توحي بغياب مراجع فنية أوسع يمكن استحضارها لمقارنة نقدية أكثر نضجًا.
أحد الحاضرين أصر قائلًا: «ده فيلم سينما.. مش (فن) بصري.. مش مسرح». واختتم النقاش بمداخلة تضمنت تشكيكًا في أهمية التصنيف من الأساس: «إن شاء الله تسموه سمير».
أشعر بإحباط وقلق من الشعور الغالب بأننا نعمل بلا صلة حقيقية مع جمهورنا.
في إجابته عن الأسئلة، كأن شوقي يحيل لتاريخه في الفن المعاصر، كأنه يقول: «هذا العمل هو امتداد لما سبق.. امتداد لذاتي». الإجابات، حتى وإن بدت بسيطة، يلجأ شوقي فيها إلى استعراض تاريخه الفني على مدار الـ30 عامًا الماضية، فيتحدث عن أمثلة عديدة من أعماله، في لغة غنية، غريبة، وغائبة عن تصنيف يمكن للجمهور معرفته، وبالتالي الاهتمام الفعلي به.
أفكر في خيالي النقدي أن كل عمل فني يحتوي على شظايا من أعمال مضت، وأن دوره ليس فقط كونه عملًا فنيًا بصريًا، بل أيضًا كأداة تشير لتاريخ العالم التي أتت منه، تؤدي دور المؤسسات التي تقتني الفن، وتحافظ على تاريخ الفن المعاصر، وتتيحه للجمهور.
معرفتي بشوقي، كزميل وصديق في سياق الانخراط بالفن المعاصر في مصر، تمتد لأكثر من 20 عامًا، منذ بداية الألفية. كان مشهد الفن المعاصر هامشيًا، ومحل نقد وهجوم، وفي بعض الأوقات، القمع من جهات متعددة3. تعتبر هذه الحالة امتدادًا لوضع الفن في الحداثة المصرية، حيث ظلت الفنون الجميلة تُعتبر جزءًا من إرث كولونيالي. والفن المعاصر يُهاجَم في كثير من الأحيان بسبب طابعه النخبوي، لكن هذا ليس موضوعنا الآن، رغم أنه يمثل جزءًا من الخلفية.

***
حينما أشاهد «الفيلم»، أراه كفهرس يرمز إلى تاريخ شوقي الفني. أرى فيه فيلمه الأدائي «الكهف» (2005)، الذي يظهر فيه الفنان وهو يمشي بحسم، ناظرًا إلى الكاميرا مباشرة في سوبرماركت بهولندا وهو يجود سورة الكهف. كما أرى أفلامه الأكثر شهرة، والتي تمثل محور انتقال مهم في حياته الفنية، ثلاثية «كباريه الحروب الصليبية» (2012-2015).
في هذه الثلاثية، يعيد شوقي تمثيل أحداث الحروب الصليبية، مستلهمًا كتاب أمين معلوف «الحروب الصليبية: كما رآها العرب». وتعتمد الأفلام الثلاثة على عرائس الماريونيت، (في الجزء الأول يستخدم عرائس الماريونيت من القرن الثامن عشر من مجموعة لوبي في تورينو. في الجزء الأخير، يعتمد على تصنيع زجاج المورانو في هيئة رسومات شوقي الفطرية السيريالية).

أفلام وائل لا تعتمد على سرد التاريخ كواقع. يقول: «أنا مش بصدق أصلًا في التاريخ.. بنظر للتاريخ كإبداع إنساني». أنا أيضًا أرى أعماله من منظور الفن «الشكلي»، فألاحظ مثلًا تشابهًا بين الأبليك المطرز الذي كان يرتديه الملك فؤاد في الفيلم وأعلام الحروب الصليبية المصنوعة من الأسفلت (وهو وسيط يميز أعمال شوقي الأولى) والتي عرضت في بينالي الإسكندرية في 2009. في أحد المشاهد، يظهر صف من المؤديين على رؤوسهم أقنعة لوحوش سيريالية، تستدعي ماريونيت فيلم «كباريه الحروب الصليبية». هناك التقاط بصري من الفنان للإبداع الإنساني الكامن فيما يسمى بالتاريخ.
تتسم أعمال شوقي باستخدامه للغة العربية الفصحى، سهلة الفهم، ما يجعلها تبتعد عن النخبوية المرتبطة بالمجال العام للفن المعاصر، كما تعكس ارتباطه العميق باللغة والمؤثرات الدينية.
أعمال شوقي تحاكي منهجي لتلقي الفن، حيث أعتبر أن «كل عمل فني مدرسة بذاته»، لذلك أشعر بامتنان لأي عمل فني، لأنه يزيد من إدراكي فكريًا وفنيًا ولغويًا بالمعنى الأوسع، وأحيانًا يفتح لي أفقًا جديدًا للتاريخ ويجعلني أفكر في تيمات جديدة. في فينسيا، شعرت كأنني أعيش تجربة فريدة في تلقي عمل وائل.. يبقى السؤال: إذا شاهد شخص لا علاقة له بالعربية الفيلم، هل سيشعر بنفس الإحساس؟ بنفس الإيقاع؟ بنفس اللغة؟ أم لا؟ (وائل: «لو حاولت أعمله باللغة الإنجليزية مش هاعرف.. [في اللغة العربية] حاسس بالكلمة ووقعها الموسيقي.. دي لغتي الأولى»).

في بدايات شوقي، قام بعمل بصري «مربع الأسفلت» (2003)4، الذي عرض حينها في بينالي فينيسيا. في ذات العام، عُرض العمل في جاليري التاونهاوس، الذي طُمِس تاريخه وأُبعِد مؤسسه بالقوة قبل بضع سنوات -وهذه قصة أخرى لوقت لاحق-. سألت أصدقاء عديدين عمّا يُذكّرهم به الفيلم الذي تضمن مشاهد من الذكر الصوفي، من حيث اللغة واللحن، وتنوعت الإجابات بين التجويد والترانيم والحضرات.
في استيعابي لأعمال شوقي، دائمًا ما أشعر بتأثر عميق يغلب عليه إحساس بالانغمار. يمكن وصف الحالة بالاستقبال الروحاني للعمل الفني، وليس فقط استقبالًا عقلانيًا، لكنها حالة خاصة. في نص سابق عن شوقي، أشرت إلى أن مع تراجع البُعد الروحي المتسامي في الحياة المعاصرة واقتصار وجوده على الدين في المجتمع العلماني اختلف دور الصورة.
ليتنا نتأمل دور الصورة في العصر البيزنطي، على سبيل المثال، مقارنةً بالفن الحديث لبيكاسو. في تأملي لأعمال شوقي وآخرين، ألاحظ عودة تدريجية لاستحضار هذا الشيء السامي أو السحري للصورة. نحن ننتقل من الواقعية التأملية إلى عودة الروحانية أو ربما الواقعية السحرية، في محاولة لاستعادة شيء نفتقده5.
النص الذي أشرت إليه يحمل عنوان «السحر: نساء وأطفال ووائل شوقي». أستعيده لأفهم «دراما 1882» في سياق أعماله الأخرى مثل: «العرابة المدفونة» (2012-2019) و«سلسلة تيليماتش» (2007-2009) التي سبقتها، إلى جانب أعمال أخرى.
في العديد من أعماله، يلجأ شوقي إلى الأطفال كممثلين، إذ يتميز الأطفال بطبيعتهم الفطرية، فإنهم «لا يمثلون» في رأيه. في أعمال أخرى مثل «الأقصى بارك» (2006)، نجد رسمًا رقميًا مجردًا للمسجد الأقصى يلتف حول قوامه كأنه لعبة ملاهي. روح اللعب والصلة بالطفل دائمًا حاضرة في أعماله، في إشارة إلى العلاقة المعقدة بين القدسية واللعب. بعد العرض في الإسكندرية، أشارت صديقة فنانة إلى أن «دراما 1882» يذكرها ببرنامج «قصص الأنبياء» للرسوم المتحركة من إبداع سعد شوقي، (ليس هناك صلة مباشرة بين الفنانين، فقط تشابه الأسماء). عدة مشاهدين تحدثت معهم وصفوا إحساسهم بأن الفيلم مصمم للأطفال.
في «ديداكتيكيات التحرير»، يكتب الفنان الأوروغوياني لويس كامنيتزر: «اللعب هو المنهجية الأساسية للفن»، فهو يتيح مساحة للاستكشاف دون الحاجة إلى استخلاص «نتائج»6. غالبًا ما يتخلى الكبار عن اللعب، في حين أن الفن يوفر لنا طريقًا للعودة/طريقة للتفكير بحرية. يتردد هذا في تعليق أحد الأصدقاء الذي قال: «الطفل اللي جوايا شعر بالاحتفاء، باعتبار أن ده موجه ليه بصورة ما.. ولكن ماذا لو لم نعتبر الفصل الجذري بين كوننا أطفالًا وكبارًا أمرًا مسلمًا به؟».
هوامش
1 يُشار غالبًا إلى أن الجناح المصري في حدائق بينالي فينيسيا قد افتُتح في عام 1952 ليكون رمزًا للقومية المصرية وتزامنًا مع ثورة يوليو. الجناح أُسس فعليًا عام 1938، في ظل جهود حزب الوفد نحو الاستقلال، ما يسبق 1952. هذا التداخل في التواريخ يعكس روايات أوسع عن القومية الثقافية المرتبطة بتمثيل مصر في البينالي. تأسس بينالي فينيسيا عام 1895 كمنصة دولية رائدة للفن وهو أحد أهم المعارض الفنية في العالم ويحدث كل عامين. في كلمة الافتتاح للعرض، شبه البينالي بـ«أوليمبياد الفن». للمزيد عن تاريخ الجناح المصري بالبينالي Tawadros, Gilane. The Sphinx Contemplating Napoleon: Global Perspectives on Contemporary Art and Difference. London: Bloomsbury Visual Arts, 2020. تاريخ مشاركة الفنانين في بينالي فينيسيا كان مثيرًا للجدل منذ البداية وأصبح أكثر إثارة للجدل في العقود الأخيرة، جزئيًا بسبب ضعف دعم الدولة لإنتاج الفنانين، والمحسوبية المتصورة في اختيار الفنانين، وغياب التوجيه الفني. ومن الجدير بالذكر أنه في عام 2011 تم اختيار الفنان الشهيد أحمد بسيوني (1978-2011) لتمثيل مصر في معرض فردي بعد وفاته خلال أحداث ثورة يناير.
2 حينما سُئل الفنان عن ميزانية المشروع، ظل متحفظًا على التصريح بها، لكن يمكن تقدير تكلفته من خلال مراعاة بنود الميزانية التي تشمل الإنتاج المحلي في الإسكندرية، والذي ضم أكثر من 400 ممثل، بين محترفين وهواة، إلى جانب طاقم التصوير، أعمال الترميم التي قام بها الفنان لتحضير الجناح، التكلفة الباهظة لنقل الأعمال الفنية، العمالة اللازمة للتركيب، الموارد البشرية الأخرى، نفقات السفر للفنان وفريقه على مدار عدة أشهر في فينيسيا، وغيرها من التكاليف العرضية.
3 Dan Jakubowski, «Provocative Acts and Censorial Revisions: The Many Antagonisms of Amal Kenawy’s The Silence of Lambs», African Arts 50, no. 4 (December 1, 2017): 24–33, https://doi.org/10.1162/AFAR_a_00372.
4 عرض العمل في 2003 في بينالي فينيسيا كجزء من معرض جماعي تقييم جيلان تاوادروس https://universes.art/en/venice-biennale/2003/fault-lines/wael-shawky.
5 Sarah Rifky, «Magic: Wael Shawky’s Women and Children», in Wael Shawky: Al Araba Al Madfuna. Susanne Pfeffer and Heike Catherina Mertens (eds). (London: Koenig Books, 2013).
6 Camnitzer, Luis. 2007. Conceptualism in Latin American Art: Didactics of Liberation. Austin: University of Texas Press.
تقارير ذات صلة
فوتوغرافيا الشارع بلا جدران: عن عرض «سفينة سبعة»
تجربة فنية اقتصادية في حيز جديد
هكذا نتخيل المدينة في «بساريا»
رُحنا وشُفنا معرض «العقل كمدينة» الذي ينظمه جاليري بساريا للفنون، ويقدّم أعمال ستة فنانين اجتمعوا في برنامج إقامة الجاليري الفنية لستة أسابيع من إدارة القيّمة الفنية فريدة يوسف. العقل كمدينة…
النظر إلى الوراء إلى النظر إلى الوراء حيث الفن المعاصر أو: لوكنج باك تو لوكنج باك
خواطر حول الفن المعاصر في مصر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن