تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دينا قابيل: إذا لم نكن فاعلين في مجال السياسة فأمامنا الثقافة

دينا قابيل: إذا لم نكن فاعلين في مجال السياسة فأمامنا الثقافة

حوار مع مديرة النشر في دار المرايا بعد منعها من المشاركة في معرض القاهرة للكتاب 

كتابة: آية السمالوسي 8 دقيقة قراءة

يعد معرض الكتاب الحدث الثقافي الأكبر في الشرق الأوسط، حيث يتجاوز عدد زواره سنويًا الملايين. ينتظره الجمهور من عام إلى آخر ويعدون له العدة، ليظل الحدث الثقافي الأكبر في مصر منذ تأسيسه عام 1969، ولا يزال مقصدًا للآلاف من المثقفين سواء داخل مصر أو خارجها، وتحول من مجرد حدث ثقافي سنوي إلى سوق حرة لتبادل المعرفة، وفرصة جيدة لمشاركة دور النشر من العالم العربي.

وبينما يشهد المعرض إقبالًا جماهيريًا واسعًا وتنظيمًا متطورًا، إلا أنه يشهد أيضًا ظاهرة مقلقة تتمثل في استبعاد دور نشر بشكل متكرر ودوري، دون إبداء أسباب واضحة. هذه الممارسة التي تتكرر عامًا بعد الآخر تثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذا الاستبعاد، وهل تتماشى مع الدور الذي من المفترض أن يلعبه المعرض في دعم حرية التعبير والنشر؟

لا يقتصر الأمر على استبعاد دور النشر، بل يتعداه إلى منع كتب معينة من العرض، وهو ما يزيد من حدة الجدل حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الإجراءات. فهل هي محاولة للرقابة على الأفكار، أم أنها مجرد قرارات تعسفية لا تستند إلى معايير واضحة؟

أبرز من مٌنع هذا العام كانت دار المرايا، ومن خلال حوارنا مع مديرة النشر، دينا قابيل، نتعرف على أسباب منع الدار من المشاركة في المعرض. 

من داخل مقر دار المرايا 

تقول قابيل إنهم في البداية فوجئوا بإغلاق حساب الدار على موقع المعرض، وبالتالي عدم تلقيهم الإذن الخاص بدفع الرسوم المخصصة لإيجار جناح بالمعرض، كما هو الحال مع باقي دور النشر، وذلك رغم تسجيل الاشتراك في الموعد المقرر وتسديد جميع الالتزامات المالية تجاه المعرض طوال سنوات مشاركة «المرايا» منذ عام 2017. وهو القرار الذي سيكون له آثار مادية وتسويقية تضر بمستقبل الدار وقدرتها على الاستمرار. 

وأشارت إلى أن «المرايا» لم تتلق أسبابًا لحذف الحساب أو أمرًا صريحًا بمنعهم من المشاركة في معرض الكتاب، لأنه قانونًا لا يوجد ما يمنع مشاركة دار نشر أو تقويض عملها، «حتى الهيئة  لم تذكر أي سبب أو خطاب موجه لنا ولم نستطع الوصول إلى المسؤولين حاولنا كثيرًا التوجه إلى كل الجهات المعنية، وعلى رأسهم رئيس اتحاد الناشرين المصريين، فريد زهران. ورغم المساعي والجهود التي بذلها إلا أنها لم تؤت ثمارها وظلت "المرايا" مستبعدة من المشاركة مع قرب موعد افتتاحه. فأدركنا أننا مستبعدون نهائيًا من المعرض، وعليه أصدرنا بيانًا باسم الدار في ديسمبر الماضي».

تعتقد قابيل أن هناك دوافعًا سياسية وراء قرار المنع، خاصةً أنه سبقه عدة وقائع تعرضت فيها «المرايا» لسلسلة من الانتهاكات في السنوات الأخيرة ربما بقصد التضييق عليها وحصارها. خلال العامين الأخيرين فقط، تعرض مقر الدار لاقتحامين متتاليين، تم خلالهما مصادرة العديد من الكتب والأجهزة والأوراق والملفات المالية، بالإضافة إلى القبض على عدد من العاملين في الدار وتحرير محاضر ضدهم. هذا النوع من الاستهداف لم يقتصر على جهة معينة، بل امتد أيضًا إلى أجهزة مثل مباحث المصنفات الفنية ومباحث التهرب الضريبي، وغيرها من الجهات الأمنية التي تسعى عبر تلك التحركات إلى إبعاد أي شبهات تتعلق بالاستهداف السياسي لهذه المؤسسات الثقافية.

وكانت آخر هذه الحوادث في 27 يوليو 2024، حين داهمت قوة أمنية كبيرة تضم مباحث قسم عابدين، ومباحث المصنفات الفنية، ومباحث التهرب الضريبي مقر «المرايا» بعد انتهاء ندوة نظمتها الدار. استمر التفتيش ما لا يقل عن خمس ساعات، تم خلالها ضبط 217 كتابًا، وجهاز حاسب آلي، وأربعة صناديق تحتوي على ملفات مالية. كما قُبض على أحد العاملين الإداريين قبل أن يفرج عنه بعد ساعات من احتجازه.

تلك التحركات تزامنت مع محاولات «المرايا» إصدار الطبعة الثانية لديوان «كيرلي» للشاعر والمعارض، أحمد دومة، بالإضافة إلى تنظيم ندوة وحفل توقيع للديوان بحضور دومة. إلا أن «المرايا» اضطرت بعد وقت قصير من إعلان موعد الندوة إلى إلغاء الحدث وسحب الديوان من الأسواق، وذلك بعد حملة تكفير شنتها شخصيات دينية مقربة من النظام المصري، فيما بررت الدار الإلغاء بـ«ظروف خارجة عن إرادتها».

وفي خطوة جريئة، قررت دار المرايا تنظيم معرض يتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، وذلك في مقرها بشارع عبد الخالق ثروت. وعلى الرغم من ذلك، تقول مديرة النشر: «شهد هذا المعرض الموازي إقبالًا لافتًا من الجمهور والمثقفين، ولكن ليس بالطبع كالوجود في قلب المعرض. كانت فرصة ومساحة كبيرة للتعرف على جمهور كبير سواء داخل مصر أو خارجها، والتعاون مع الدور العربية المشاركة.. كل دور النشر تنتظر 50% من العائد السنوي لهم من معرض الكتاب، ولا ندري كيف يمكن تعويض هذه الخسارة».

من فعاليات دار المرايا الموازية لمعرض الكتاب

تعرف قابيل دار المرايا بأنها: «منبر ثقافي متعدد الأنشطة ينتج مواد ثقافية وأدبية وفنية متنوعة. وتتبنى في كل منتجاتها منهجًا ديمقراطيًا وتقدميًا، ومناهضًا لكل أنماط التمييز في المجتمع. وتستهدف الدار الجمهور العريض من التيارات الديمقراطية والتقدمية في مصر والعالم العربي، ويشتمل إنتاجها على: نشر الكتب، وإصدار مجلة ثقافية، وإنتاج أفلام وثائقية وروائية، وتنظيم ورش للتدريب وتنظيم معارض وندوات. ليست هذه هي السابقة الأولى للدار في سجالها مع معرض الكتاب، لكنها مُنعت قبل ذلك من عرض وبيع ديوان «كيرلي» لأحمد دومة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2021، لتعلن وقتها الدار تأجيل حفل توقيع الديوان عقب حملة اتهمته بـ«الإساءة إلى الذات الإلهية»، ليمثل بعدها مدير الدار في شهر سبتمبر عام 2022 للتحقيق أمام نيابة عابدين بسبب محضر «مصنفات فنية».

تشير قابيل إلى أن الدار لديها فكرة ومشروع، وهي دراسة مصر من كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والسينمائية والفنية من أجل فهم الواقع الذي نعيشه، «وهذا الشيء الذي يجعلنا مميزين؛ نحن من نفكر في مواضيع أغلب الكتب ونبحث عمن يقوم بهذا البحث، ونكلف به باحثين مختصين وأكاديميين. لسنا كأغلب الدور التي تستقبل مسودات الكتب وتقوم بنشرها. فمثلًا، في العام قبل الماضي كنا أول دار قامت بعمل كتب عن حرب أكتوبر. الكتاب الأول «خمسون عامًا على نصر أكتوبر» لمحرره خالد فهمي، يحتوي الكتاب على 13 دراسة تتناول جوانب مختلفة من حرب أكتوبر، من التحليل الاستراتيجي والمعارك الحربية إلى التاريخ الشفاهي والسير الذاتية للمقاتلين، بالإضافة إلى التأثيرات الإقليمية والدولية للحرب. يهدف الكتاب إلى تسليط الضوء على جوانب مخفية من تاريخ الحرب وتعزيز الوعي الجماعي حول أهميتها في تاريخ مصر المعاصر.

والكتاب الثاني «ذاكرة أكتوبر» تحرير خالد منصور ومعه باحثون مثل كريم جمال وهشام أصلان. الكتاب يتناول تأثير حرب أكتوبر على الذاكرة الثقافية والجمعية المصرية من خلال الأعمال الأدبية والفنية، موضحًا كيف عبرت النخبة المثقفة والشعب عن التحولات الاجتماعية والسياسية في الفترة التي سبقت الحرب وبعدها. يربط الكتاب بين التطورات السياسية والاقتصادية والإبداع الثقافي، مشيرًا إلى انعكاس ذلك في الأدب، والأغاني، والسينما، والفضاء العام. كما أن الدار حريصة على استقبال الأقلام الجديدة، حتى إن لم تكن نشرت كتابًا واحدًا طالما أنها جيدة. و«كثير من الدور ترفض استقبال الشعر عندهم، فيما نستقبله وحصلنا على جوائز عديدة خاصة بالشعر».

من فعاليات دار المرايا الموازية لمعرض الكتاب 

وعن تأسيس الدار قالت: «في آخر عام 2016 كانت الانطلاقة، لكن الفكرة موجودة منذ ثورة 25 يناير مباشرة. كان الدافع الأساسي لتأسيسها هو رغبة الشباب في معرفة تاريخ بلدهم وأحواله. فجاء لدينا إحساس بالمسؤولية بتقديم شيء لهم، ومع مرور الوقت وإغلاق المجال العام، قلنا إذا لم نكن فاعلين في مجال السياسة، فأمامنا الثقافة. فعلى سبيل المثال، بحلول عام 2019 وفي ذكرى مرور 100 عام على ثورة 1919 أصدرنا عدة كتب تؤرخ وتؤصل بينها وبين ثورة يناير. كما أصدرنا لمدة خمس سنوات كتابًا كان يُعتبر من قبل القراء مجلة كانت تُسمى «كتاب مرايا» غير الدوري، وكان كل عدد يناقش قضية أو حدث. ثم أصدرنا هذه المجلة بشكل رقمي من أول 2024».

ونوهت قابيل أن أعمال الدار لم تقتصر على الاهتمام بالكتب السياسية والتاريخية والاجتماعية والسياسية، بل مؤخرًا «تطلعنا إلى الدراسات الأدبية والأعمال الأدبية، وفزنا بجائزة "ساويرس" في فرع القصة القصيرة في 2023، وديوان "مفيش حد بيرد" للشاعر أحمد محسن، ونفس الديوان حصل على جائزة المعرض».

فسرت قابيل تسمية الدار «المرايا» بالاختيار الدقيق الذي يعكس رؤية الدار ورؤيتها المستقبلية. فالمرآة، كما نعلم، تعكس الواقع ربما كما هو أو حسب زاوية المشاهدة، وتكشف عن التفاصيل الدقيقة التي قد تغيب عن العين المجردة. وبالمثل، تسعى دار المرايا إلى أن تكون مرآة عاكسة للمجتمع، تعكس همومه وتطلعاته، وتطرح الأسئلة التي تشغل بال الجميع.

إن «المرايا في هذا السياق ليست مجرد أدوات عادية، بل هي رمز للحوار والتفاعل. فحرصنا منذ البدء على التواصل الفعال مع جمهور القراء من خلال الندوات والنشاطات المختلفة لإثارة النقاش والحوار البناء». وبالتالي، فإن دار المرايا لا تكتفي بنشر الكتب والأفكار، بل تسعى إلى خلق فضاء عام مفتوح للجميع حيث يمكن التعبير عن الآراء بحرية، والاستماع إلى آراء الآخرين، مما يؤدي إلى فهم أعمق للقضايا المطروحة، وإيجاد حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه المجتمع.

كما عبرت قابيل عن امتنانها لتضامن المثقفين مع الدار: «شهدت قضية منع دار المرايا موجة واسعة من التضامن والدعم من قبل المثقفين داخل مصر وخارجها. فقد تواصل معنا عدد كبير من الكتاب والشعراء والناشرين، معربين عن تضامنهم الكامل مع الدار. وكان هذا الدعم بمثابة دفعة معنوية كبيرة لنا، وأكد لنا أن القضية تتجاوز حدود دار المرايا لتصل إلى كل مثقف معني بالمعرفة. وقد كان من الأمور المشجعة أننا تلقينا رسائل دعم من دور نشر منافسة، مما يؤكد على أن القضية أكبر من المنافسة التجارية، وأن هناك قواسمًا مشتركة تجمعنا جميعًا في الدفاع عن حرية التعبير والنشر».

ورغم حداثة عهد دار المرايا، إلا أنها استطاعت أن تثبت وجودها بقوة في المشهد الثقافي، وذلك بفضل إصرارها على تقديم محتوى ثقافي رصين يعتمد على البحث والدراسة. وقد وجد هذا المحتوى صداه لدى فئة كبيرة من الشباب القارئ الذي يبحث عن المعرفة والتعمق. تقول قابيل: «هذا الإقبال من الشباب يؤكد لنا أن هناك شغفًا حقيقيًا بالقراءة والمعرفة، وأن الجيل الجديد يبحث عن المحتوى الذي يغذي عقله، وليس مجرد الترفيه السريع. وربما كان هذا هو أكبر مكافأة لنا. ونحن عازمون على مواصلة مسيرتنا، وتقديم المزيد من الإصدارات التي تساهم في بناء مجتمع قارئ ومتعلم، مؤكدين بذلك على أن المستقبل للمعرفة والثقافة».

وأبدت قابيل في ختام حوارها مع «مدى مصر» تفاؤلًا كبيرًا، مؤكدة أن قرار منع «دار المرايا» من المشاركة في معرض الكتاب، الذي بدا كعقبة، ربما يتحول إلى فرصة  للتعريف بالدار وجذب جمهور جديد. وأضافت قابيل أن هذا القرار دفع بالعديد من القراء إلى اكتشاف «المرايا» وإصداراتها. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن