حوار مع نادية منير.. منسقة معرض «الأسطورة» فاروق إبراهيم
«كنت مهتمة بوجود الجمهور وانحياز فاروق إبراهيم للناس في صوره»
في مهرجان أسبوع الصورة (8-18 فبراير الماضي) كان المعرض الأبرز، معرض «الأسطورة» فاروق إبراهيم، الذي حقق نجاحًا كبيرًا، سواء بزيارة الناس له أو على مواقع التواصل الاجتماعي، نتج عنه تمديده حتى آخر فبراير. لفاروق إبراهيم رحلة طويلة مع التصوير الصحفي، بدأت كعامل بسيط في جريدة «المصري»، في مرحلة مراهقته، أحب التصوير منذ ذلك الوقت، وبدأ في التعلم والتجربة والعمل كمصور تحت التمرين، متنقلًا بين الصحف، حتى وصل إلى جريدة «الأخبار»، عام 1962، لتبدأ رحلة أكثر ثراءً وجمالًا.
يتضح من المعرض اهتمام فاروق بالصورة كفن، بخلاف العمل الصحفي. نلاحظ عفوية الفنانين وحركاتهم الخاصة، بناءً على تعليماته، ما يؤكد قدرته على خلق مساحة شخصية معهم ومعهن، خاصة من عمل معهم كمصور خاص وعلى رأسهم عبد الحليم حافظ.
رؤية صور تُنشر لأول مرة لفنانين كبار في تاريخنا الفني، خاصة مع تراجع الإنتاج الفني في مصر، وتواري المواهب الجديدة، تذكرنا بما كنا، وما كان عليه الفن في زمن ليس ببعيد. حققت بعض الصور ردود فعل مفاجئة، مثل صورة أحمد زويل، صاحب جائزة نوبل، وهو يدخن الشيشة على مقهى الفيشاوي في منطقة الحسين، لتوضع في مقارنة سريعة مع صورة أخرى لصاحب نوبل المصري الآخر، نجيب محفوظ، مدخنًا الشيشة في المقهى نفسه.
المعرض جاء بتعاون بين كريم، نجل إبراهيم، الذي فتح أرشيف والده الضخم، الممتد لمدة تقترب من ستين عامًا، ووثّق فيه لحظات لأهم الفنانين والرؤساء المصريين، مع مروة أبو ليلة، مؤسسة مهرجان القاهرة للصورة، بتنسيق الفنانة البصرية والمصورة الفوتوغرافية، نادية منير. لذلك كان لنا معها هذا الحوار، عن المعرض وكواليسه، وعن الصورة والأرشيف والمجتمع.
في البداية شكرًا على تنسيق المعرض اللافت، منين جت الفكرة؟
من مروة أبو ليلة، مؤسسة «فوتوبيا» و«كايرو فوتو ويك». قالت لي فكرتها لعمل معرض للمصور فاروق إبراهيم، ووصلتني بكريم ابنه، صاحب الأرشيف، وطلبت أكون مسؤولة عن تنسيق المعرض وشكله النهائي. في الحقيقة ماكنتش متذكرة مين فاروق إبراهيم، الاسم في ذهني، لكن مش متذكرة شغله، لحد ما افتكرت صور السادات المشهورة وهو بيحلق.

المعرض جمع أشكال كتير من الصور المختلفة.. صحفية وفنية وإخبارية، من فترات زمنية مختلفة، على مدار رحلة المصور فاروق إبراهيم، على أي أساس كان الاختيار، خصوصًا مع أرشيف ضخم ومتنوع؟
اختيار الصور كان على مرحلة طويلة شوية. ماكنش سهل من الأول نحدد الصور. كنت بتعاون مع ابنه كريم، هو مصور صحفي واشتغل في [صحيفة] أخبار اليوم. والرحلة ابتدأت بزيارته في الجريدة بشكل دوري، وصلت لشكل يومي في فترات. أعتقد هو كان مستمر 8 شهور في محاولة أرشفة الصور، وعمل سكان [مسح ضوئي] لها، وتقسيمها بسحب الشخصيات أو السنوات. لكن مع ضخامة الأرشيف والمجهود الكبير اللي بيتطلبه، أعتقد طلب من مروة يكون فيه شخص آخر للمساعدة، يكون بيشوف الأرشيف للمرة الأولى.
كانت أول مرحلة هي مرحلة السادات لشهرة صوره معاه، ثم بدأت أسأل عن صور شخصيات سياسية تانية، ثم عن أحداث معينة إذا كان صوّرها وكان موجود فيها، زي اغتيال السادات، حرب أكتوبر، زالزال 92.. في محاولة مني إني أفهم الخط الزمني لأرشيفه، وأبني عواميد أساسية في الاختيارات أتحرك منها، أو أغيّر الطريقة وأطلب إننا نفتح ملفات لسه نيجاتيف من مرحلة الثمانينات أو الستينات، نقدر من خلالها نشوف كل ما صوره خارج الأحداث المهمة. كنت مهتمة بالأحداث الهامشية، أو الصور اللي بين الأحداث الرئيسية. وهكذا بدأت أتنقل بين الأرشفة الزمنية والشخصية، لحد ما توقفت عند أول صورة له في عام 1952 لمجلس قيادة الثورة، كان سنه صغير جدًا، وكان بالفعل مساعد مصور. كريم كان بالنسبة لي زي جوجل، أي سؤال في بالي بوجهه ليه، و ندور سوا. زي كان فين وقت الثورة؟ طب إيه آخر صورة؟ وبكده بدأت في وضع خط زمني، لمحاولة فهم رحلته.
المرحلة التالية كانت محاولة النظر للأرشيف، من زاوية الشخصيات الفنية، عبد الحليم حافظ، أم كلثوم، نادية لطفي.. إلخ. كنت بدور على أقرب الشخصيات له، واختياراتي تاني كانت مش هتم إلا بمساعدة كريم وترشيحاته، زي صورة نجيب محفوظ وهو بيدخن شيشة. لما اخترتها، وراني صورة زويل وهو بيدخن برضه، وصورة لتوفيق الحكيم وهو بيكنس الشارع. اخترت زويل وفضلت صورة الحكيم في بالنا، لكن مش بنفس الأهمية. وجود كريم وطريقة المناقشة والبناء كانت مهمة للتحرك وسط الأرشيف الضخم، وفي عملية الاختيار نفسها. كان تحركنا عشوائي، أقرب للعبة البازل، قِطع عارفين مكانها، لكن مانعرفش الشكل النهائي، ودي كانت حاجة موترة شوية لكريم.

خلينا نتكلم عن دورك أكتر في مرحلة التنسيق، ووضع الصور بجانب بعضها، وتسلسل عرضها، وإيه كان تصورك والرسالة اللي كنتم حابين المعرض يأكدها في عالم التصوير الصحفي؟
أنا رفضت فكرة تحويل الخط الزمني من مرحلته كبحث لمرحلة العرض. حسيته هيخنق تجربة فاروق إبراهيم، بجانب إن فيه فراغات زمنية، زي حقبة الخمسينات مش موجودة، وفترة التسعينات أغلبها صور رئاسية ورسمية، ومع الحزب الوطني من بداية الألفينات، التخبط ده تسبب في تأخير الاختيارات النهائية للمعرض.
ابتدى تنسيق العرض من آخر حيطة فيه، اللي فيها 25 صورة لفنانين، منها ابتديت أتحرك بشكل عكسي. بدأت أفهم تدريجيًا أنا رايحة فين، مثلًا عاوزة صور فنية تعبر عن إمكانياته الفوتوغرافية؛ من علاقات تحرُّر من الإطار نفسه، وأوضح قد ايه هو غزير الإنتاج من خلال اختيار أكبر عدد من الشخصيات المختلفة. كونت 8 مجموعات من صور الفنانين كانوا أكتر من 60 صورة، كل مجموعة فيها فكرة متعلقة بجماليات التصوير الفوتوغرافي من حيث التكوين والموضوع. زي مجموعة متعلقة بـ(Frame within a frame إطار داخل إطار) كان فيها صورة نجوى فؤاد وهي جوه عقب الباب، سعاد حسني بين قضبان الشباك، وكريم بقى يقول لي اقتراحات تانية بناءً على موضوع المجموعة. من ناحية تانية، بقي فيه شخصيات فنية بتتكرر معايا، لأني اكتشفت إنه صّورهم في مراحل عمرية مختلفة، زي نادية لطفي وفريد شوقي وسهير البابلى ونجوى فؤاد. تكرارهم بقى يضيف للعنصر الزمني في رحلة فاروق إبراهيم. بعدها قررنا نلخص الرحلة زمنيًا من خلال الرؤساء الثلاثة اللي عاصرهم، وهكذا كان البناء.

بالنسبة لتنسيق الصور في المعرض وأماكن عرضها وحجم الصور، ده شيء فني. يمكن دي المرحلة اللي كريم إداني فيها مساحة كبيرة. كنا بنختلف ونخش في نقاشات حادة شوية، متعلقة بالاختيارات، لكنه إداني مساحتي في التنسيق تمامًا. الأمور ماكنتش واضحة بالنسبة لي برضه، بس كنت عارفة إني أحب أعبر عن فترة عبد الناصر بشكل معين، مختلف في روحه عن فترة التسعينات بألوانها و تفاصيلها المميزة، كنت بحاول طول الوقت أفصل بين تحليلي ورؤيتي للصور وبين إني أعرض فاروق إبراهيم كرحلة للجمهور.
صورة ملصق المعرض كانت ملفتة جدًا، خاصة إنها مش من تصوير فاروق إبراهيم، بل هو بطلها في حركة هوائية راقصة جميلة، معبرة عن روح المعرض والحميمية اللي بيخلقها مع أبطال صوره، إيه قصتها؟
الصورة دي شفتها أول يوم أقابل كريم، طلبت يفرجني على صوره، وكان عنده ملف كمبيوتر عنوانه «أبويا»، وابتديت أتفرّج على صور متنوعة هو مصورها أو هو طالع فيها، ووقفت عند الصورة دي كتير، أولًا لأني مهتمة بشكل شخصي بفكرة البورتريه الذاتي (self portraits)، تحديدًا الخاصة بالمصورين، وكمان لأن مع اكتشافي لرحلة فاروق إبراهيم نفسها وطريقة تعلمه التصوير بشكل خارج إطار الشكل الصحفي، واهتمامه بالحركة في صوره والعلاقة مع الفنانين اللي بيصورهم، فأعتقد إنها كانت أكتر صورة معبرة عن تجربته وكان صغير فيها. وقصة الصورة ماكناش نعرفها لحد عرض المعرض، عرفناها من ابنه الأكبر، شقيق كريم، واللي نقلها عن المصور عادل مبارز، وهي إنه كان بيشرح لراقصة من فرقة رضا عن وضعية حركتها في الصورة، وقام بتقليدها، وهنا التقط محمود رضا الصورة.
هل استثنائية صور فاروق إبراهيم الصحفية كانت في كونها أيضًا فنية؟ إزاي شفتي الصور، خصوصًا انطباعك الأول عنها، وقد إيه كان مختلف عن فكرتك عن التصوير الصحفي؟
الموضوع ماكنش سهل لأني ماعنديش خبرة في التصوير الصحفي، والنقد اللي اتقال أني أهملت «التعليق» الخاص بكل صورة، وفي الأغلب ده الخط الفاصل بين الصورة الصحفية والصورة الفنية. كنت شايفة إني أقدر أفصل «التعليق» عن الصور، وأحررها أكثر من الشكل الصحفي، اعتمادًا -مثلًا- على تسلسلها في المعرض، وإني كمشاهد لما أتفرج على 3 صور بترتيب معين، ده يخليني أشوف حاجة جديدة. وعارفة إن كان فيه صور مبهمة من غير تعليق، بس كان مهم بالنسبة لي إخراج الصورة من حيز الصورة الصحفية، والتعامل معها من جانبها الفني، والرحلة الثرية لـ«صورة» فاروق إبراهيم أهم من حصرها في كونها صورة صحفية.
انطباعي الأول عن الصور كان إنها مختلفة، فيها إمكانيات تصوير قوية جدًا جدًا، يمكن الزمن وطريقة العرض بتاعتها ماخدتش فرصة يتم تحليلها والرؤية بشكل مختلف، وإن تأملها ممكن يفتح عنينا على الصور كانت بتتعمل إزاي ودلوقتي إزاي. وكمان وصلني انطباع إنه بيعامل كل الشخصيات بشكل متساوي شوية، إلا كام شخصية كده ما قدرش يخترقهم.
كان تركيزي برضه في العمل إني أكسر الأشكال النمطية الصحفية عن الشخصيات العامة اللي مخزنة في أذهان الناس، فكان اختيار صور بتمثل النقطة دي أهم عندي من عرض صورة ممكن تكون أجمل فنيًا. وده كان بيخلق نقاش كبير مع كريم، على سبيل المثال، في اختيار صورة أم كلثوم وهي قبل الحفلة وفيها توتر وقلق وعدم ثقة. وهي صورة غير نمطية عن أم كلثوم، ومن هنا قدرت أبني على نفس الطريقة دي. وده كمان لأن فاروق إبراهيم قدر يصور كل الحالات، يعني صوّر أم كلثوم قبل الحفلة وفي الحفلة وبعد الحفلة وهي مُجهدة، فهو قدر يبني خط زمني للشخصيات وللزمن نفسه بغزارة إنتاجه.

المعرض حقق نجاح لافت، تحديدًا بانجذاب الجمهور العادي له بشكل كبير، لدرجة تمديده، هل توقعتي النجاح ده؟
ماكنتش متوقعة نجاحه بالشكل ده، ومش عارفة الإقبال الجماهيري والإعلامي ده قد إيه مفيد نقديًا للمعرض وصياغته فنيًا. لكن أكيد ان ارتباط الجمهور عاطفيًا بصور كتير من المشاهير والفنانين كان السبب الرئيسي في نجاحه. لكن بجانب الارتباط العاطفي، أكيد كان فيه سبب تاني. بشكل شخصي بفكر إننا ممكن نكون في لحظة من اليأس إن نلاقي حاجة نتواصل معاها، نرتبط بيها و تشتبك معانا بشكل سلس ومباشر، زي صور فاروق إبراهيم. بفكر قد إيه ممكن سياسات إنتاج الصورة الفوتوغرافية في مصر في مأزق من إنها تتواصل مع الجمهور بشكل بسيط. هل إنتاج الجيل الحالي من المصورين، واللي أنا منهم، صعَّبت وقطعت حبل التواصل بين المصورين و الجمهور؟ ولا، هل ممكن اختيارات المعرض وتكديس العنصر الزمني كأنه رحلة ساعد في التفاعل بشكل أقوى، هي رحلة في عمر أهالينا تقريبًا، آخر 60 سنة في مصر، بتمر عليك في أقل من نص ساعة جوه مساحة العرض. وطبعًا أكيد من أسباب نجاحه، استثنائىة فاروق ابراهيم كمصور مش كموهبة فقط، بس اسثنائية رحلته. كان فيه سؤال متكرر من الناس اللي مش عارفينه، معقول كل الصور دي لمصور واحد؟ كانوا بيستغربوا إن شخص واحد قدر يقابل كل الناس دي. نقدر نقول إنها مجموعة من الأسباب اتجمعت سوا وصلتنا للإقبال ده.
انتشار صور كثيرة من المعرض على مواقع التواصل الاجتماعي كان سبب مهم في إقبال الجمهور، هل كنتِ شايفة إن انتشار الصور على الإنترنت شيء كويس؟ وهل نحن في حاجة لموقع يجمع أرشيف المصورين المصريين وليس فقط فاروق إبراهيم؟
أكيد معنديش مانع، لكن برضه أتمنى يكون فيه تفهم لفكرة المعارض وطريقة بنائها، وتطوير معاملتنا معاها بشكل أكثر جدية. بالنسبة للأرشفة على الإنترنت أعتقد إنه أمر شديد الصعوبة، لإنه محتاج مجهود ضخم من مؤسسات توفر عمالة وتمويل وإمكانيات تقنية. هو محتاج كمان وقت طويل زمنيًا لاستيعاب الأرشيف وحجمه.
بجانب الصور الصحفية، كان هناك تركيز أكثر على الصور الفنية، الصورة المصنوعة بناءً من طلب من المصور. شعر الجميع حالة من الحميمة والألفة بين فاروق وجميع من صورهم، حتى صور الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إزاي شفتي فاروق إبراهيم كمصور محترف بشكل فني؟
هو كان متحرر، يمكن عشان هو ما اتعلمش بشكل أكاديمي، وده أضاف له بُعد فريش [طازج] في صوره، بجانب شخصيته الاجتماعية وعلاقته المقربة من معظم اللي بيصورهم، اللي قدرت تساعده في تكوينات الصور. صور السادات مثلًا هنشوف فيها انفتاحه على الثقافة الغربية، اللي خلاه منفتح للتجريب، بما سمح لفاروق إبراهيم إنه يعدي المتوقع من صور لرئيس دولة. أغلب الناس حتى من الرئاسة وجيهان السادات كانوا رافضين عرض الصور دي، بس السادات أصر عليها تبعًا لرواية كريم ابنه. كان بالنسبة لي عشان أأكد على استثنائية صورة السادات الي اخترناها، اخترت وجودها في مكان يقدر يبين الفرق بينها وبين صوره لجمال عبد الناصر. وده يخلينا نرجع لفكرة الشخصيات اللي كان صعب على فاروق إبراهيم اختراقها وكسر الهالة اللي حواليها، أو إن عبد الناصر ما سمحش بالمساحة دي أصلًا.

تحدث كريم عن حرق والده للعديد من الصور اللي التقطها لفنانين وسياسيين، إيه رأيك في الواقعة دي وهل يحق للمصور ذلك، أم تلك الصور تصبح جزءًا من تاريخ يجب نشره وأرشفته؟ وكيف يتعامل المصور مع أرشيفه الخاص؟
هو موقف غريب، ممكن نشوفه بسبب إن مفيش مؤسسة تحمي الأرشيف، وممكن بسبب اختلاف مفهومنا عن الأرشيف وقيمة الحفاظ عليه، وازاي نتعامل معاه زمنيًا وثقافيًا. في الآخر الملكية الكاملة للصور ترجع له.
«إزاي يتعامل المصور مع أرشيفه الخاص؟» هو الحقيقة ممكن نسأل السؤال بطريقة تانية، «إمتى بندرك إن الإنتاج ده أرشيفي؟»، يعني إمتى يبقى الصور اللي بنصورها على الموبايل بشكل عفوي يوميًا ومش بنرجع لها نقدر نعتبرها أرشيف حي لينا؟ مع أول لحظة بنفقد الموبايل أو يحصل إنه يقع في المية ويبوظ، نقول «أنا ضاع مني آخر سنتين من عمري»، فجأة يتحول جاليري الموبايل لأرشيف شخصي، نقدر نقول إن فاروق اتعامل مع أرشيفه بشكل أكثر عفوية من كونه أرشيف لمصر وشخصياتها الفنية والسياسية.
إيه أكتر صورة عجبتك بشكل شخصي وليه؟
أعتقد فيه كذا صورة، زي صورة السادات، كنت لقيتها على الإنترنت بجودة سيئة، وسألت عليها كريم، وأكد لي إنها تصويره، وخليته يطلعها لي مخصوص. وكمان صورة عمرو دياب، وضحت لي إن الانحياز الأول للناس يكون نقطة ارتكاز ليا في اختيار الصور من الأرشيف، زي ما عمرو دياب خاطف الكاميرا بعينه، إلا إن كمان اللي وراه خاطفين الانتباه. الصورة فيها حركة كبيرة بالنسبة لي، ما بين فنان مشهور الكل هيبص عليه وما بين الناس. وبنيت عليها اختيار صور تانية زي صورة «سوق التلات» وصورة عمر الشريف وسط الناس في ميدان السيدة زينب وصورة جنازة أم كلثوم وعبد الحليم اللي لخصت الحدث في تفاعل الناس و تجمهرهم، مش في وفاة أهم فناني مصر.

دايمًا الصورة الصحفية نتيجة للاختيارات السياسية بتختزل الجمهور في خلفية أو بتهمشه، وده اللي وضحناه في بيان المعرض، إني كنت مهتمة بوجود الجمهور وانحياز فاروق إبراهيم للناس في صوره. زي ما خلينا أول صورة هي لمجلس قيادة الثورة، خلينا آخر صورة لرجل وست كبار في ميدان التحرير، ماسكين علم مصر، وكإن اللي كسب في الآخر همّا الناس ووجودهم في الصورة.

قدم المعرض العديد من البورتريهات للفنانين، شفتي إزاي بورتريهات فاروق إبراهيم، هل فن البورتريه أصبح نادرًا في مصر أو في العالم بشكل عام، خاصة مع اقتحام الفلاتر ومحاولات الوصول للكمال في الصور؟
بورتريهاته مميزة جدًا ولغته واضحة بشكل كبير، من ضخامة أرشيفه كان صعب الاختيارات علينا أحيانًا. فنانين زي سعاد حسني وشادية ليهم بورتيهات كتير قوية، كنا بنبقى في حيرة نختار أي بورتريه. واضح إنه كان بيدي من وقته وطاقته إنه يجرب مع الفنان أماكن وأوضاع تصوير مختلفة. زي مجموعة صلاح أبو سيف في الجمالية ومصر القديمة، تعتبر جلسة تصوير طويلة، اتحرك معاه في أماكن كتير وجرب أشكال مختلفة. كان فيه نمط في تكرار بعض الأماكن، زي الأهرامات و أبو الهول. وكأنها أماكن هو بقى عارف إزاي يطلع منها صور ناجحة.

هل فن البورتريه أصبح نادر في مصر أو في العالم بشكل عام؟ أعتقد إن الوضع دلوقتي بقى مختلف، مابقاش فيه السلطة الكاملة للفنان، اللي معاه الكاميرا اللي فاهم، ومتخيل الصورة هتطلع إزاي. دلوقتي إتاحة الكاميرات وسهولة التصوير وإدراك الناس لإزاي هتطلع صورتهم، خلى الموضوع مختلف تمامًا. صعب فاروق إبراهيم يتكرر تاني. حصل تفتيت لارتباط الصورة الناجحة بالمصور.
إيه النقد الفني اللي ممكن توجيهه لأرشيف فاروق إبراهيم؟ وهل ممكن المعارض تقدم صور بها أخطاء فنية من باب التوثيق؟
أعتقد أن أرشيف فاروق إبراهيم أكبر من إني أنتقده أو حتى أستوعبه بشكل كامل. استيعابي ليه أولًا وأخيرًا بصريًا، إلا إن صعب أستوعبه تاريخيًا وسياسيًا. أتمنى رد الفعل على المعرض يديله جزء ولو قليل من حقه. هنفضل محتاجين دراسة عن الإنتاج الصحفي والتصويري والجيل الأول للمصورين في مصر عشان نقدر نستوعب أهمية أرشيفه.

أحب مع نهاية حوارنا أسأل إيه أكتر حاجة فادتك في التجربة على المستويين الشخصي والفني؟ وهل ده ممكن يكون له أثر في أعمالك الخاصة القادمة؟
طبعًا التجربة كلها أفادتني، دخولي مؤسسة أخبار اليوم، ومتابعتي لطريقة العمل مع الصور والأرشيف، مشاهدتي لأرشيف ضخم مثل أرشيف فاروق إبراهيم، وطبعًا ثقة مروة أبو ليلة فيّا، والعمل مع كريم عن قرب والتشاور والمناقشات والجدال، كانت نقاشات مهمة ووضحت لي رؤيتي أكتر وكانت مفيدة جدًا. كمان رد فعل الناس غير المتوقع كان مهم جدًا، يخلينا نسأل أكتر عن سبب إعجاب الناس بيه. شغل فاروق إبراهيم مش قريب من شغلي نفسه، لكن كان مهم ليّا في إني أفهم المنطقة دي من التصوير، من خلال أرشيف مهم، زي أرشيف فاروق إبراهيم.
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن