حوار مع كارولين كامل: تخلصت من القديسين حياتيًا وأدبيًا
عن «فيكتوريا» وعن تمثيل الأقباط في الأعمال الفنية
وصلتُ مبكرًا عن موعدي لمكان اللقاء بكارولين كامل، باحثًا عن ركن هادئ للانتظار، لفت نظري الشعر «الكيرلي» لفتاة جالسة تعطي ظهرها للقادم، وهو الشعر المميز لفيكتوريا بطلة الرواية، كانت هي كارولين.
في روايتها الأولى «فيكتوريا» نتابع رحلة فتاة قبطية قادمة من الدلتا للدراسة الجامعية في القاهرة، كيف تتغير حياتها وأفكارها في مواجهة موجات العنف الطائفي والتعصب الديني والتقلبات العاطفية وتحرشات المدينة.
استغرقت كتابة «فيكتوريا» أربع سنوات، تخللها تعرض كارولين لوعكة صحية و«قفلة كتابة»، وتأخيرها لنهاية حلم إنهاء الكتابة خوفًا من نهايته بشكل غير مرضي، ثم تقدمت بها للجنة القراءة بدار «الكرمة» التي وافقت عليها، لتبدأ العمل مع محمد خير، المحرر الأدبي، الذي تشكره كارولين بشدة على اهتمامه واقتراحاته التي أضافت كثيرًا للرواية.
درست كارولين بنت المحلة الكبرى الإعلام بكلية الآداب بجامعة طنطا، وكتبت القصة القصيرة، وحصلت على جائزتين في مسابقات الجامعة، وأصبح حلمها «عايزة أبقى كاتبة». بدأت تدريبها في جريدة «وطني» القبطية في القاهرة، واكتشفت أن طريق الكتابة يمر بالصحافة، فعملت بها واستمرت في الكتابة الأدبية، فنشرت عددًا من القصص القصيرة في «الحياة» و«الدوحة» و«أخبار الأدب»، واستمرت في مشوارها الصحفي لأنها لا يمكن أن تعيش من الكتابة الأدبية فقط.
تجلس كارولين أمامها مفكرة فيها نواة روايتها الجديدة التي تدور حول ثلاث سيدات مولودات في العشرينيات وأواخر الثلاثينيات والسبعينيات، تتقاطع حياتهن مع الأحداث السياسية، تجمعهن عمارة واحدة وتواجه كل منهن معاناة مختلفة، تطرح فيها سؤال الوجود والتحقق في الحياة، لتستمر في التعبير عن مشكلة الفرد في مجتمع قاسي ومتنمر، يجعل الاختيارات محدودة للجميع، وبشكل أكبر للمرأة التي تعيش فيه.
في هذا الحوار نسألها عن روايتها الأولى «فيكتوريا»، وعن موقعها من تمثيل الأقباط في الأعمال الفنية، بعد 2011.
-اعتدنا في كثير من الأعمال الفنية والأدبية، أن نشاهد صورة إيجابية للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، مع التركيز على النماذج الإيجابية، وإظهار المجتمع المصري في شكل ملتحم، بينما في «فيكتوريا» نرى مجتمعًا مسيحيًا مغلقًا على نفسه، وكل الشخصيات الرئيسية في الرواية من المسيحيين؟
اتخاذ شبرا والظاهر كنماذج للتعايش وتعميمها مشكلة صنعها أبناء القاهرة، ففي مدينتي المحلة يعيش أغلب الأقباط في مجتمع مسيحي مغلق، الجار الطبيب، والميكانيكي، والبواب، والمحامي، كلهم مسيحيون، أما المسلم فقد يكون «عم محمد» بقال التموين أو الراكب المجاور بالميكروباص لا أكثر. «فيه مسيحيين أكاد أجزم مفيش مسلم مؤثر في حياتهم»، ونفس الشيء بالنسبة للمسلمين. لذلك أنا لا أكتب لمغازلة الجمهور القاهري، المنطقي أن تكون بطلة الرواية كذلك، حتى مع بداية تغير مفاهيمها في الجامعة. من غير المنطقي أن تصبح صديقتها الحميمة مسلمة فجأة، فيما كانت التحذيرات لها عن المسلمين الذين يختطفون القبطيات، فطوال سنوات التعليم في المدرسة تتمحور الإجازة والصيف والنادي حول الكنيسة فتصبح الصداقة مع مسلمة غير عملية.
-هناك عبارات على لسان شخصيات في الرواية تحمل دلالات طائفية مثل «ماتاكليش بسرعة زي ولاد المسلمين» أو «المسلمين فجروا الكنيسة» هل مثلت مشكلة لك أو للقارئ؟ وهل كانت العلاقة بين فيكتوريا التي تعيد اكتشاف نفسها ويوسف الشاب المتسلط منطقية؟
لغة الشارع تختلف عن لغة السياسة والصحافة، ففي حياتنا نعمم ونقول «جيرانا المعفنين»، لا نقول بعض من جيراننا أو الجار الساكن في الشقة 18 في الدور الخامس فعل كذا. وهذا رأي الشخصيات ليس رأيي. وبالمثل لم أُظهر المسيحيين كملائكة أو قديسين، «أنا تخلصت من القديسين من زمان حياتيًا وكتابيًا». فهناك شخصية قبطية كريهة مثل يوسف الشاب الغني، الذي تدخل معه البطلة في علاقة عاطفية، رآها الكثيرون غير منطقية أو محكومًا عليها بالفشل، بين فتاة تتفتح مداركها وشاب ذكوري مغرور، ولكننا لا ندرك تعقيد العلاقات العاطفية، وتغرينا المسافة بيننا وبين ما نقرأه بإصدار أحكام حاسمة نفتقر إليها في حياتنا اليومية، كما نفعل في تعليقنا على علاقة مثل شيرين وحسام حبيب. كيف يمكننا تفسير حالات طلاق لأزواج في الـ50 والـ60 من العمر، أو استمرار زواج عروس الإسماعيلية التي تعرضت للضرب، هناك أسباب عديدة لاستمرار علاقة البطلة بيوسف، ربما ثراؤه أو الانجذاب الجنسي في مجتمع محروم من التعبير عن رغباته أو حلم الزواج أو الاعتقاد بالقدرة على تغيير الشخص الآخر.
-ربما تبدو الرواية صادمة للبعض بانتقادها المزدوج للبابا شنودة والشيخ الشعراوي، واعتبارهما وجهين لعملة واحدة من التشدد، وهو ما يمكن أن يثير حفيظة قطاعات من المسلمين والأقباط، هل خشيت من ردود الفعل؟
هذا ما نتج عن التغلب على الرقيب الذاتي لدي، فعند شعوري بالتوتر أثناء الكتابة أبتعد قليلًا للتغلب على هذا الرقيب وتعود الكتابة للتدفق بدونه. وموقفي من البابا شنودة -قديس هذا العصر كما تصفه بلهجة استنكارية- بدأ مع قراءة كتابه «حروب الشياطين»، الذي يعتبر فيه الموسيقى والفن والحرية صوت الشيطان، في أفكار مماثلة للشعراوي، «بالنسبة لي انتهى.. والله لما يكون عمل إيه». انتقاد رجال الدين في الكنيسة عبر الرواية يعبر عن شعوري تجاه ما أراه في الكنيسة من المرارة والفساد والتعالي والألوهية، رفضًا لما يقال للمسيحيين «القسيس عامل زي الفحمة تمسكها مطفية توسخ ايدك.. تمسكها مولعة تحرق إيدك».
ما سبب سيطرة الرجال على الكنيسة رغم دور النساء الكبير في حياة المسيح؟ فأول من ظهر للمسيح بعد قيامته كانت مريم المجدلية، ومن ولدته كانت العذراء مريم، ومن رافقنه على جبل الجلجثة كن نساء، ومن باعوه كانوا رجالًا. ولكن رغم انتقاد البابا والكنيسة كانت هناك ردود الفعل الإيجابية حتى من مسيحيات محافظات كسيدة في سن الستين، والتي قالت لي: «الرواية بتفكرني أيام ما كنت مغتربة من المحلة للقاهرة علشان أدرس»، تلك الجملة أعتبرها أجمل رد فعل تجاه الرواية.
أما بالنسبة للشعراوي الذي ينتقده والد البطلة في الرواية بسبب كلامه الطائفي من خلال برنامجه التليفزيوني، أرى أنه مسؤول عن زيادة التخلف والطائفية في المجتمع، وأن ما يقوله عن المرأة أبشع بمراحل عما يقوله عن الأقباط، فهو يحتقر المرأة ويهينها ويتقزز منها، فالشيخ الشعراوي والبابا شنودة وجهان لعملة واحدة.
القاريء في «حلة برستو»
-ربما كان ذلك الغضب سببًا في أن تتضمن الرواية كل الاضطهادات والانتهاكات، تفجير كنائس وإلقاء ماء نار، وتحرش وتنمر وختان، ألا تعتقدين أن الجرعة كانت زائدة؟
حاولت السيطرة وعدم قول كل شيء في العمل الأول، فاختصرت فصلًا كاملًا عن الختان لحادثة واحدة لزميلة للبطلة مسلمة بناء على نصيحة الأصدقاء، ولكني تعمدت وضع كل تلك الانتهاكات حتى يلهث القاريء مثلما تلهث المرأة في هذا المجتمع وهي تعاني يوميًا، بداية من اختيار ملابسها تجنبا للتحرش، ومراجعة حالتها المادية لترى هل ستركب المواصلات العامة أم ستطلب سيارة خاصة، وما يمكن أن تتعرض له فتاة مسيحية من مفهوم الشرف الذكوري «دي لابسة نص كم فهيشوفوا دراعاتها»، فتعمدت أن تكون الضغوط في الرواية مكثفة وضاغطة لتعبر عن طبقات الضغوط العديدة، ومن أجل لفت النظر للمعاناة الموجودة في المدن الصغيرة البعيدة عن أضواء القاهرة المسلطة على شريحة معينة، فهناك مليون قضية أخرى لا يتحدث أحد عنها، هناك سيدات في الأقاليم محرومات من فرصة عمل أو من حقها في الترقي لأنها مسيحية كما حدث لوالدة البطلة في الرواية، «كنت عايزة القارئ يدخل حلة برستو ويستوي زي ما الستات مستوية». تقولها وهي تضحك.

-ذكرت أنه أثناء عملك الصحفي والحقوقي، لفت نظرك ما قاله ابن شرطية ماتت أثناء حمايتها إحدى الكنائس حول أنها كانت رافضة للخدمة في حماية الكنيسة، وابنها يرى أنها دفعت الثمن بدلًا من المسيحيين، وهو ما تحول لمشهد في الرواية عن تحرش لفظى من أفراد الشرطة بالمسيحيات أثناء توجههن إلى الكنيسة في عيد الميلاد بعد تفجير كنيسة القديسيين، ينتج عنه ضرب وإهانة مجند على يد ضابط، هل هناك علاقة بين الأمرين؟
يبدو شكل العربات والمدرعات الموجودة حول الكنيسة مخيفًا، وما يشعر به المسيحيون من نظرة استعلائية من الشرطة التي تعرض نفسها للموت من أجل «مسيحيين»، وكذلك ما يتعرض له هؤلاء المجندين من اضطهاد لتستمر دائرة الاضطهاد «ماحدش آمن في البلد دي»، لذلك خرج المشهد في الرواية بهذا الشكل.
-اخترت لـ«فيكتوريا» نهاية مفتوحة، بعد تفجير كنيسة القديسيين وتصاعد الدعوات التي تتابعها البطلة لمظاهرات 25 يناير، وكأنها مرحلة جديدة لا نعرف ماذا سيحدث فيها لها، ما هي دلالات ذلك؟
«25 يناير» كانت لحظة مفصلية للجميع، من شارك فيها ومن لم يشارك، وفضلت أن أترك القارئ يتخيل كيف ستخرج فيكتوريا من 25 يناير، وكيف ستتغير. فأنا نفسي لم أدرك كيف تغيرت إلا بعد عام ونصف من 25 يناير، فالتغيير لا يكون لحظيًا خلال 18 يومًا، ولكن بالتدريج وعلى مدى طويل. كذلك أرى أن 25 يناير كان لها دور في وجود كتابة أكثر جرأة للكتاب الأقباط مثل شادي لويس وعادل الميري وشارل عقل. فلقد خرج المسيحيون للشارع، وكان «حادث ماسبيرو» المرعب حجر الأساس في هذا التحول بكل قسوته ووحشيته، وتحريض الإعلام، ورشا مجدي المذيعة التي لن أنسى اسمها وتحريضها، وتعامل الكنيسة بخزي ووقاحة، وهو ما أدى لتفكك تصديق الرواية الرسمية لدى الأقباط.
-في رأيي كان النصف الأول للرواية المليء بتفاصيل حياة الأسرة القبطية وإصابة الأم بالسرطان أقوى من النصف الثاني المرتبط بتفاصيل فتاة من الأقاليم جاءت للدراسة في القاهرة، وعاشت قصة حب تقليدية لفتاة في سن المراهقة، ما تعليقك على هذا الرأي ؟
أنا سعيدة بهذا الانتقاد لأني أتفق معه، رغم أن الكثير من أصدقائي فضلوا النصف الثاني لسرعة إيقاعه، إلا أني تأثرت بالنصف الأول لدرجة البكاء في مشاهد مرض الأم التي لم أمر بها في الواقع، نحن نبني علاقتنا بالكاتب حسب تفضيلاتنا في القراءة.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
