تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه

سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه

قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»

كتابة: آلاء حسانين 6 دقيقة قراءة

الآباء حجزوا قبورنا الرخامية..

عندما أموت، 
أريد أن أصير قاربًا ..

وأُبحِر في الزرقة. 
أريد، 
-أنا اليباس، 
المعجون 
من حزن الأرصفة، 
وصفعات الأمَّهات 

الخشِنات، 

والخطوات الوحيدة-
أن أصير غروبًا

وأُبحِر إلى نفسي.

الآباء حجزوا 
قبورنا الرخامية، 

والأمَّهات اخترن
ألوان التوابيت. 
ورد الجنائز 
جاهز للقطف .. 

والعربات في الخارج 
جاءت لحمل جثَّتي.

خطوات كثيرة 
وراء الباب المُوصَد. 

ولا أحد علَّم الجثث
كيف تفتح أبواب المشارح ..

كيف تقف على قدمين 
وتختفي، 
في العتمة.

وأنا، 
أريد أن أصير ضياءً

وبحيرات زرقاء 
وصوت خطوات قديمة. 
والعربات في الخارج .. 

جاءت لحمل جثَّتي.

أمِّي تُكدِّس 

حزني القديم 
في صندوق خشبيّ. 

والأب الميِّت 

منذ الطفولة،
عاد
كي يُشيِّع نفسه.

وأنا، لست إنسانًا 

كي أتكوَّم في قبر .. 

أنا ابن الأرصفة، 
الذي أطعم 
لحمه النيِّئ

لفم الشوارع .. 

وعندما كنت صغيرًا
كنت يراعًا

ومجدافًا خشبيًّا .. 

وكنت ظلال الحزن 
في بيتنا القديم.

لكن أمِّي غزلت منِّي 

صبيًّا صغيرًا
وقالت: كُن ابني. 
وعندما كنت في المهد 
كنت أتذكَّرني، 

حينما كنت 

دمية ثلجية .. 

وأبكي الصقيع،
في الخارج.

لكن أمِّي، 

جعلتني صندوقًا خشبيًّا، 

وأخذت تُكدِّس الأحزان
في قلبي.

والعربات في الخارج، 
أيها الهواء الأخير
والعشب الأخضر 
الذي سأفتقد .. 

جاءت لحمل جثَّتي.

وأنا، 

لست إنسانًا

لأتكوَّم في قبر. 
أنا، 
صوت الحياة المكتوم
وأريد طفلًا

لأضحك في حنجرته.

caption

 بسبب آبائنا على الأرجح

أُصِبنا بالتعاسة، بسبب آبائنا على الأرجح ..

بإمكانك تبسيط الأمر لأي غريب في حانة ..

في حال سألك عن صباحاتك، ولِمَ تبدو غائمة.
الآباء.. بعدها، يصبح كل شيء جليًّا..

أُصِبنا بالتعاسة، ولا يشبه الأمر أن تُصاب بنزلة برد ..

ففي طفولتك، يبدأ الشعور بالسأم بالتزايد
وتصبح أقل رغبةً في الركض حول الجميع
أو الحصول على تصفيق حارّ ..

وفي السادسة عشرة، ربما تصبح، بطريقة ما، مثليًّا.
إنها طريقة البعض للانتقام من آبائهم.
وفي حال بقيت حيًّا، لسنوات تالية ..

فستبدأ بالبحث عن منافذ الريح في رأسك
وعن الذئاب الحزينة، التي تُولَد كذلك ..

وعن الغرباء الذين تبيت في أسِرَّتهم

وأيديهم الباردة تحت الغطاء..

ومع الوقت، تصبح أكثر يأسًا

وتتخلَّى تدريجيًّا عن الرغبة في العودة للمنزل ..

وقد تبدأ بحقن نفسك، أو الالتهاء بسباق الدرَّاجات.

وحينما تُفكِّر في الحياة،
فأنت ستعيش لعام آخر على الأرجح.
الثلاثين؟ تبدو بعيدة جدًّا.

وقد تُصِرُّ على الموت قبلها، منتحرًا تقريبًا، نكايةً بوالدك.

وفي حال بقيت يقظًا، لسنوات أخرى
بفضل الأصدقاء ربما، أو المورفين ..

فعلى الأرجح، ستكون ما تزال تعيسًا،
بالرغم من كونك، على الأرجح أيضًا، ستكون قد غفرت لوالدك.
لقد كان تعيسًا هو الآخر، وهذا كل ما في الأمر..

أُصِبنا بالتعاسة، بسبب آبائنا تقريبًا ..

حتَّى حينما صِرنا أكبر منهم
وكنسنا فتات قلوبهم

واتَّكؤوا علينا كعكاكيز من بلُّوط ..

حتَّى حينما تضاءلوا، مثل ظلٍّ يبتلعه النهار

وتشبَّثوا يتامى، بأطراف أثوابنا، لنتسامر معهم قليلًا ..

كنَّا ما نزال تعساء
لأن أبًا قديمًا تركنا ننمو في الظلّ

ونتعفَّن من الحزن في العُلِّيَّة

وأخبرنا مرَّةً -بينما يُلقِّم بندقيَّته-

أن الأبوَّة عمل لا يناسبه،

وأنه تمنَّى لو لم يكُن موجودًا ..

وسحبنا جثَّته ذات مساء من النهر
وحين أفاق، لم يأسف إلا لبقائه حيًّا..

أُصِبنا بالتعاسة، وهذا شيء لا يمكن شرحه ..

فبينما نحنو بيد على آبائنا المُتكسِّرين،

المنكمشين في نهاية العمر
-مثل يتامى على زورق مكسور-

نُكدِّس الأدوية في الخزائن
ونتجاهل هذه المشارط على الرفّ

وندفن الرغبة القديمة في مشاهدة الأب مقتولًا ..

خاصةً حينما ينادي بحُبٍّ على أسمائنا.

وحياتنا، يا ابن العمِّ، مثقوبة.. لا تُبحر. ..

ليس لدينا أمَّهات،

بل خطايا

حصًى فوق الدروب

وملح في الجروح القديمة ..

ليس لدينا أصدقاء
بل صدًى طويل، 
بعد ندائنا ..

وأطياف

تغادر 

ولا تعود ..

ومقاعد 

نُعيرها للعابرين .. 

ونهايات فارغة 

للانتظارات الطويلة ..

وليس لدينا آباء، 
يا ابن العمّ .. 

بل ذكريات قديمة
عن أناس
جالسين عند البحر، 
أناس غادروا
مع البحر ..

أناس 
مثل قوارب الصيد القديمة 
تشرد في كل بحر، 
مثل الغيم
مثل الأسماء الضائعة ..

أناس
مثل قوارب الصيد القديمة
لا تعود إلى المرافئ

إلا حالما 

يُشرَّد عن المدينة

كلُّ سكَّان المدينة ..

وليس لدينا حياة

يا ابن العمّ ..

حياتنا مثقوبة
لا تُبحِر ..

أقدامنا 
غائصة في الرمل ..

وأحلامنا 

مثل الثياب المستعارة
لا تجيء أبدًا على مقاسنا ..

أجدادنا
لا يحملون الحكايا

وأمَّهاتنا

نسين الخبز
فوق الجمر ..

نسين كل جِرار الماء
عند النبع

وشردن مع النسور.

آباؤنا
يا ابن العمّ،

كانوا الذئاب 
التي أكلت قطيعنا ..

وكانوا الآخرين
الذين أغاروا علينا .. 

آباؤنا
كانوا دائمًا الآخرين .. 

وظهورنا 

كانت دائمًا مكشوفة ..

وأنا

يا ابن العمّ، 

كنت النايَ

الذي أضاع أنينَه ..

وكنت النهرَ الذي بكى

وسقى الآخرين 

مرارتَه .. 

ولهذا

أضاعت أمَّهاتنا

جِرارهنَّ 

لما شربنني ..

وشردن ..

كنت المناراتِ 

التي دلَّت قواربَ الصيد القديمة
على مرافئ أخرى، 
كنت المناراتِ

التي منحتها المنافي .. 

ولهذا 

أضاع آباؤنا 
الطريق نحو المدينة 

وشردوا .. 

وشرد كلُّ سكَّان المدينة..

كنت النبيّ 

الذي أضاع تأويلَه .. 

وكنت المُغنِّي

إذ ألقى صوتَه

حماماتٍ للريح 

واستعار

أصوات الآخرين ..

وكنت شاعرَ القوم 
إذ هجا قومَه

وراح يقتات 
على فتات الآخرين .. 

وكنت أنا
يا ابن العمّ

الشاعرَ الذي

نسيَ وحيَه .. 

نسيَ وزنَ قصيدِه

وراح يكتب
فوق أوزان الآخرين.

حتى النهر.. يتمنى أن يجف 

كل مساء، يضع الليل يده الليِّنة في يدي،
ويبكي بارتجاف مثل طفل صغير ..

وأنا أنصت
لليل الذي يبكي
لأن الصبح يغادر دومًا
قبل أن يصل إليه.

يقول الليل بحزن هادر:
يبدو الصباح مثل حلم،

حيث أسمع كل ليلة صوت خطواته
تغادر عبر الرواق ..

وحين أنهض، لا يكون موجودًا.

يقول الليل أيضًا عن النجوم: ليست حشرات مضيئة
،

بل دمع أولئك الذين انتحروا في صباهم.

فكَّرت في صباي أن أصبح نجمة
حيث إني ميَّال لأن أصير كئيبًا

وإن الليل لا يهدهد رجفة الحزن في قلبي

وإني مثل جريح الحرب، أموت، وأصحو ..

وإني أحلم، حين أقف أمام النهر
بجسدي يطفو فوقه ..

لكن أحد الأصدقاء ينادي
فأعود لأحتفل بصخب في الداخل.

أتذكَّر أحيانًا امرأة بالأبيض والأسود
تشبه وميضًا فوق الجسر ..

ويتحدَّث عنها النهر أيضًا
وعن ذاك الضوء في عينيها

وعن رغبتها في العيش طويلًا..


كانت تريد أن تُجرِّب الوصول، يقول النهر ..

لذلك تركت جثَّتها تطفو
للنهر ضفاف كثيرة
وأحيانًا، لا يصل المرء إلا ميِّتًا.

يظنُّ النهر أن لا أحد ينصت إليه،

لكني أراه، في تلك المساءات المشوبة بالغرق
،

يخرج مرتجفًا من أعماقه،
تاركًا آثار خطواته المُبلَّلة فوق العشب.

حتَّى النهر، يتمنَّى أن يجفّ

وأن يكون بانتظاره أحدٌ ما
حين يعود محمومًا
وأن يحمله مثل طفل إلى سريره
أو إلى تابوته ..

يحلم النهر بتابوت يبتسم فيه
وحشد من العطشى يُشيِّعون جنازته.

أسمع بعض البكاء أحيانًا
وأقول: لربما النهر يبكي، مثل ذئب ضائع.
وأخرج في بعض المساءات باحثًا عنه
وقلبي قنديل يوشك أن ينطفئ ..

وأراه، يختبئ عاريًا بين الشجر الوارف ..

وأسأل النهر عن أمِّه، وعن الطريق إلى منزله ..

في البدء، كنت أظنُّها نجمة نسيَها الليل خلفه، يقول النهر ..

لكنها كانت أمِّي، وكانت تشبه وميضًا فوق الجسر

وحاولتُ ذات ليلة عناقها، لكنها أخذت تطفو فوق السطح.

كل مساء، أعود للمنزل حزينًا،

وأُفكِّر بالنهر، وبالأمَّهات اللاتي يومضن فوق الجسور ..

وأغفو فوق الدرَج، أو فوق كرسيٍّ خشبيّ ..

وحين أستيقظ أحيانًا
لا تكون المدينة موجودة
والليل قد غادر لوقت طويل
والنهر، الذي يحب أن يُغيِّر وجهته، أو هيئته ..

يمضي هاربًا بين الشجيرات، هازًّا ذيله.

وأتصوَّر دميَ الحارَّ مسفوحًا، أمام العتبة.
مشهد واحد وينتهي العالم، مشهد أخير ..

لكن امرأة رمادية تومض أحيانًا في أحلامي
وتسحبني نحو الظلّ

وتغلق الأدراج على سكاكين المطبخ
وتمنحني قلبًا أخضر، نسيَه الخريف وراءه.

وأوشك أن أقول:
أحلم بامرأة رمادية
تومض في أحلامي.
لولا أني أغفو على الدرَج

وأستيقظ أحيانًا في فراشي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#سابع مدى

2011

من ديوان «كأنها مغفرة» كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال، في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا…

هدى عمران 4 دقيقة قراءة
#سابع مدى

كيف تكونين من هنا

مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»

أوكسانا تيموفيڤا 27 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن