سابع مدى| مدارس
مقتطف من كتاب «تلابيب ليبية»، يصدر قريبًا عن وزيز
مقتطف من كتاب «تلابيب ليبية»، وهو كتاب متعدد الأنواع والنصوص. مناورات متنوعة، جادة وهازلة، موزونة ومجنونة، للالتفاف بكاميرا محمولة خفيفة الحركة والظل، تقترب وتبتعد من سيرة كاتب ومترجم وسينمائي ليبي، وسير من حوله من الأهل والأصدقاء والرفقاء، سير حقيقية ومتخيلة، ومزيج منهما، وفي الخلفية سيرة بلد تختلط صورته وتاريخه وحاضره بالأساطير.
الطالب طالبًا
اليوم الذي تُوَزَّع فيه أوراق الامتحانات يومُ فرح للناجحين والراسبين معًا؛ إنها لذَّة النهايات. كان ذلك في الصف الرابع ابتدائي، انسلاخ الطفولة الأول، إذ نمدح المعلمين أو نذمُّهم بمعطيات اكتسبناها في البيت أو من بعض علمٍ في المدرسة، وتستجدُّ على أجسادنا المنسلخة شهوةٌ تُردَف إلى التعلق بجمال المعلمات وقسوة بعضها. هذا لمن كان ينجذب منَّا إلى النساء، على أي حال. هنا حصة العلوم والنتيجة تختم امتحانات الفترة الثانية. ومن علَّمتنا العلوم حينها أبلة مسعودة.
بات اسم مسعودة نادرًا في أواخر التسعينيات حتى في معقله، الجبل الأخضر وما جاوره، وبدأ في الاضمحلال وربما تلاشى مع نهاية العقد الأول من ألفيَّتنا الراهنة. وما زاد من تعجُّبي -الآن وليس حينها- أن تُسمَّى تلك الوافدة الحسناء بهذا الاسم الذي لم نسمعه إلا لنداء الكَهْلة أو العجوز. كان أغلب موظفي المدرسة الجدد -معلمِّين ومعلمات، مشرفين ومشرفات- ضحايا معْيَلة الطلبة، فاستجاب جُلُّهم للخيار القانوني الأسهل: العنف. ما عدا مسعودة التي حازت بعمق نبرتها على اهتمامنا، أو ربما لم تكن نبرتها. أ يفكِّر الأطفال بالنبرات في حضرة الجمال؟
لنَعُد إلى الامتحان. كانت مسيرتي الأكاديمية الوليدة تسير في القمة: الترتيب الأول على مستوى المدرسة للمرة الرابعة (كانت المدرسة تنتهج نظام الترتيب منذ الصف الأول). في العلوم، جمعت 14.5 درجة من أصل 15 في الفترة الأولى، وها أنا أحصل على الدرجة ذاتها في الفترة الثانية، فإذ بي أرى التحصيل التراكمي 30/30.
مشيتُ صوب مسعودة في فوضى الحركة والدردشة التي تنتاب الفصول في هذا الوقت، لا سيَّما وأنها لم تنتهِ من النداء على أسماء الممتحنين.
- أبلة مسعودة، لقيتك معاطيتني 30/30.
- ...
- أنا جبت 14 ونص في الفترتيْن (أومأتُ حينها إلى ورقة الامتحان التي حوت بيانات الفترة الأولى)
تناوَلَت الورقة ولا أتذكر فاتحة ردِّها، ثم شرحت:
- أنت تعرف أن النُّص يُجبَر، صاح؟
- نعم.
- خلاص، يبقى في الفترة الأولى، الـ 14.5 تبقى 15. في الفترة الثانية، النص يُجبَر ولّا لا؟
- نعم (لكن هذه المرة بأسلوب، «آه، يُجبَر يَفندِم». كنتُ مشبَّعًا حينها بالردود العادل-إمامية).
- خلاص، يبقى المجموع كم؟
- 30. شكرًا، أبلة. كنت نحسابك غالطة بس.
ربما اختلقتُ عذرًا لأقترب من وجهها وصوتها. هكذا يبدأ الانحراف الجنسي، في أغلب الظن. جُبِرَت درجاتي وجُبِرَ خاطري. أما عن هذه المعادلة البسيطة، فلم أكن غريبًا عن جبر الأرقام و«التقريب إلى أقرب 5»، وأنا الذي نادرًا ما اغتربتُ عن الدرجة الكاملة في الرياضيات والهندسة بالإعدادية، قبل أنسى كل شيء عن الدوال بجميع أنواعها، وكل ما حوَته الهندسة من بهاء لم يُفسَّر، فتداعى نجم الابتدائية والإعدادية وصارت الثانوية نذيرَ الفشل.
غابت مسعودة عن الإعدادية، بالطبع، وتكاثر المعلمون البُغَضاء. وحده معلم الهندسة نجح في إرسال ذلك البهاء الذي لم أقوَ على تفسيره، لذلك نسيتُ كل شيء.
ولئن تبتدئ الابتدائية بصدمات غالبًا ما نختزنها، فنقيض مسعودة يُذكَر، كما يُذكَر وتُذكَر أشباهها وشبيهاتها. أبلة نوَّارة، مثلًا، علَّمتني مادة «الدِّين» التي تُحفِّظ بعض السُّوَر. اسم نوَّارة أيضًا من أسماء البدو المفضَّلة ولم أتعجَّب من حمل صاحبته له، فهي «عجوز شمطاء»، على غرار اللغة الذكورية التي تعلَّمناها جيدًا، لا سيما وأن الجميع عرف «الشمطاء ميساء» في مغامرات سندباد الكرتونية (بل «وسمها» البعض بالاسم ذاته). كانت نوَّارة تشيد بحفظي للسُّوَر وتمنحني أعلى الدرجات في «أعمال السنة»، لكنها كانت أيضًا ترى في صمتي خبثًا. أذكرُ مرة أني كنتُ أتابع مع زملائي قراءة أحد الزملاء لدرس اليوم وكان زميلي في المقعد يجلس قُطريًّا، فلم تكن في مجال رؤيتي ولم أكن في مجال رؤيتها. في أثناء خسوف زميلي العملاق، سمعت صوتها الحاد:
- يا كمال، فكني مالحركات، را نسوّطك!
- ...
المستور خبيثٌ عند البعض، كما يبدو.

الطالب كاتبًا
إبان الانتفاضة الثانية، كنت في الصف الثالث إعدادي، وكانت أصداء الانتفاضة الأولى تُسمَع في أغنية جوليا بطرس، «وين الملايين»، التي ألَّفها علي الكيلاني وعرضتها قناة «الجماهيرية» بين الانتفاضتَيْن وبعدهما. في العرض، صور جهنمية لرُضَّع مُهشَّمين، أحياءً وأمواتًا، ولفيضٍ من الجثث. لم أعرف حينها مَن هو علي الكيلاني ولم أعرف أن لليبيا أي علاقة بالأغنية. كنا نعرف مَن هي جوليا بطرس، وها هي تنتقل من «شي غريب متل العادي، بحبك يا حبيبي» إلى «الدم العربي وين!»، أما الانتقال الحقيقي كان بالعكس.
لم أكن جاهلًا بتاريخ ألبومات جوليا وحسب، بل كنتُ جاهلًا أيضًا بالمسألة الفلسطينية. كان أغلب الأطفال، صغارًا ومراهقين وأنا منهم، يحسب أن فلسطين دولة مستقلة محتلَّة (ولم نكن كأطفال بغرباء عن مفهوم الاحتلال والاستعمار، حيث صور الاحتلال الإيطالي رافقتنا كالنقش على الحجر) إلى أن تخمّر الوعي بالاستعمار قُبيْل «الخروج» الإسرائيلي من غزَّة. صار حينها الاستهزاء بأغاني العروبة منبثقًا من معرفة الركود الذي بدأ منذ أوسلو.
بالعودة إلى المدرسة، تعلَّمنا قصة الفدائي الذي يعبر الأسلاك الشائكة (لا أتذكر إذا قُتِل أم لا) وبعض الإنشاء عن الشر الصهيوني. ربما سمعنا بكلمة «نكبة»، لكننا لم ندرس كيف تحوَّلَت عكا وحيفا، مثلًا، إلى مدن إسرائيلية. في إحدى الحصص، أخبرتنا أبلة أم السَّعد (إحدى «الشمطاوات» الحاملات أسماء عتيقة) عن «النكسة» وعن «خيانة» خرَّبَت البنادق والدبابات، لكننا لم ندرس هذا الاحتلال المستجد الذي تجاوز عسقلان جنوبًا والجليل شمالًا.
هذه مقدمة أطول بكثير من متن هذا الفصل.
المتن يقول: في 2014، كانت إسرائيل تشنُّ إحدى حروبها الكثيرة -المُعلَنة- على غزَّة، وتزامن كرنفال الدم مع كرنفال كأس العالم. كان الجمهور في مقهى البلدة يتنقل ما بين مباراة البرازيل- ألمانيا وأحدث التقارير الإخبارية. غيَّر صاحب المقهى قناة المباراة نهائيًّا ليستقر على تقارير «الجزيرة». لم يكن ثمة خبر عاجل -أكثر عجلة من القصف المتواصل- بل كانت النتيجة حينها 5-0 لصالح ألمانيا. احتجَّ مشجِّعو ألمانيا، بطبائع التشجيع، لكننا لم نتعلم بعدُ مبادئ الديمقراطية، فالتلفزيون تلفزيون المقهى، والأموال المدفوعة لم تكن لقاء الفرجة، بل لتدخين الشيشة أو لشرب ما لازمها.
لم أغادر المقهى. كنتُ من مشجِّعي البرازيل. ارتفع عدد الضحايا وارتفعت معه أهداف ألمانيا. أي الصدمات أشد؟ سألتُ نفسي. ولِمَ أسأل هذا السؤال الآن وليس البارحة حين كان عدد الضحايا ما زال يتصاعد؟ كغيري من الكُتَّاب في المدن المجاورة، لم يكن لنا ثِقَلٌ في المشهد الثقافي المحلي أو الإقليمي، لكنني فكرتُ في إنشاء ندوة.. وأنا أكثر المتهكِّمين على الندوات في البلد التي غالبًا ما تحمل ندواته العنوان الفرعي: «بين.. و.. »، أو تختم عنوانها بـ«.. أنموذجًا». الندوة عن إلغاء «المناشط» والمهرجانات الثقافية في كل مرة تفتتح فيها إسرائيل أحد مهرجانات الدم الكثيرة كل عامٍ أو عاميْن.
لم أقترح عنوانًا. إنها لعنة السخرية: تسخيف العناوين يمحو أي محاولة لخلق عنوان أصيل. على أي حال، قدمتُ الاقتراح لعميد كلية العلوم في الجامعة (العلوم تضرب مجددًا). كانت الكلية تقدم سلسلة من المهرجانات والمحاضرات المتنوعة، وفي تنوُّعها يحضر بعض من طاقة خلَّاقة انتهجتها بعض المؤسسات قُبيْل انتكاسة 2014 وتشظِّي البلاد.
هاكم مقتطفًا من «الحوار» الذي دار بيني وبين عميد الكلية بعد أسبوع من هزيمة البرازيل وبعد يومٍ من انتهاء المونديال اللعين (ملاحظة: اسمي كمال):
- تو أنت هكي يا دكتور تورّي في العالم أن كل المهرجانات عبارة عن ترف وكلام فارغ. ناس تجتمع في فقاعة وخلاص. خلينا نديروا ركن عن الحرب وكيف نتناولوها، وإذا في حد عنده اعتراض عن إقامة المهرجان، مرحبا بيه. هذا هو وقت الجدال. شن هن المهرجانات لو ما فيهنش جدال!
- يا كمال، ما تخلينيش...! (كان العميد أقرع. قال ما «تخلينيش» وضغط برؤوس أصابعه على جمجمته، فتماوَجَت لمعة رأسه وبَرَقَ منها غضب كافٍ).
خرجتُ من مكتبِهِ بهدوء. شرعتُ حينها في كتابة ديوان شعر باللغة الإنجليزية، وفي إحدى القصائد، حوَّرتُ هذا الحوار. لم تقبل أي دار بنشر الديوان، بطبائع الأدب، فأهديتُ العميد نسخة. خارج مكتبه.
الطالب مترجمًا
فشلتُ في الكتابة بالإنجليزية، فجربتُ العربية وفشلتُ. تحايلتُ على الفشليْن وامتهنتُ الترجمة. وبإيماني غير العميق في تحدي الفشل، قررتُ ترجمة مقالة عن ترجمة هيجل، كتبها أحد شارحيه في الإنجليزية. هذا تخطٍّ للتحدي، فالمهمة مستحيلة.
في اصطلاحات المثالية الألمانية، لا سيَّما في نصوص كانت وما بعدها، ثمة عالم ساحر للمترجم إذا ما فهم الألمانية. فهمتُ جيدًا سوء فهم هيجل ولذة المترجم بإحباطه، إذ يقرِّر أن يصدر هوامش بها المعاني المختلفة لذات المصطلح. وإذ فاق هيجل فكريًّا من يشابهني، فقد كان أيضًا كاتبًا سيئًا. لن أجرؤ على ذكر مئات الأمثلة في نصِّ «فينومونولوجيا الروح» إذا ما تُرجِمَت عن الإنجليزية وليس مباشرةً عن الألمانية: في الفكر الهيجلي، مثلًا، «الشيء في ذاته» لها أخوات، «الشيء لذاته/ الشيء من ذاته».
وبتخطِّي هذه العقبات التي لم أشرحها، يحضرني مفهوم اليقين الحِسِّي في بداية المتن: الهُنا والآن. هنا شجرة. ألتفِتُ. ما عادت هناك شجرة، بل ثمة بيت. الهنا والآن يختفيان لكنهما باقيان مع بقاء زوال البيت بآنه، وهكذا. وكتلميذ كانتيٍّ مجدِّد، يرصف هيجل هذه الآن وهذه الهُنا في «الكلِّيَّات». هذه بداية البداية: فاليقين الحسي من بنات الوعي، وهذا الأخير يُشكِّل أصالة الفكر الهيجلي الذي يحقِّق من منطلق يقيني، مارًّا برحلة شكٍّ تبحث عن «الروح» التي لم تكن أصلًا هدف الرحلة ولم يحدِّد لها المترجم كلمة واحدة. في الرحلة تكمن صيرورة «coming-to-be» هذه الروح Geist، كمشوار تعليم لا يعترف بمتغيرات كصوت مسعودة وشكوك نوَّارة (بالفعل، الاصطلاح الألماني يشير إلى «تثقيف/تعليم» الروح). في رحلة الروح هذه، يحضر التاريخ.
أعود إلى الفشل. علمتُ بعد هذا المخاض، أن أغلب مكاتب الترجمة المعتَمَدة تستخدم جوجل، ولم يسترعِ الختم الذي اكتسبته من المحكمة عناء اقتناء كلمة تصف «العلم/ المعرفة/ التَّعرُّف».
وبذكر التاريخ، اكتشفتُ أن لموقفي الأخلاقي من الإلغاء السلبي للثقافة أُسُسًا مثالية، ليس بالمعنى الدارج، بل بالفلسفي. ها هنا أؤمن أولًا أن الإزاحة السلبية في مشوار التعلم الهيجلي لا تكفي (إزاحة الشجرة من طريق البيت، إلخ..). على أن هذا التجريد تبسيطي ومغلوط ووقح في وجه الأهوال التي تشهدها غزَّة. بالتاريخ، يرتكز هذا الموقف أولًا على الاقتناع بأهمية الثقافة الواجب حضورها في الأوقات كافةً. بالتاريخ أيضًا، ثمة اقتناع أن العالم لا يدور في هذه الحقبة، كما تصرُّ المركزيات، وعلى رأسها المركزية الأوروبية. طبيعي أن تتغير السردية بعد نصف قرن من الآن، لكن لأصحاب المآسي الحق في التشبث بهذا الآن وهذا الهنا.
حين أهديته مخطوطة ديواني، سألتُ العميد، لِمَ لا تلغون الثقافة حين تحدث المآسي -وهي كثيرة- في دولة عربية أخرى غير فلسطين؟ قبل أن يبتسم (بلا أصابع على الجمجمة)، أجبتُ بنفسي لأني وقح. ربما السبب كامنٌ في أن العرب يعرفون ويعلمون ألَّا حول لهم ولا قوة في مساعدة الفلسطينيين، فيمارسون أضعف الإيمان ويركزون نشاط الشارع بالكامل على النصرة وإلغاء الثقافة، كالمسلم الذي يرتكب كل «الكبائر» ويُبقي على رفض لحم الخنزير: الابتعاد عنه خيط النجاة الأخير. بالطبع، لم أخبره بالمثل الأخير؛ مخافة أن أرى لمعة الرأس.
وبالعودة إلى ترجمة هيجل ومنها إلى ترجمة غزَّة والمدرسة الابتدائية، لم أجرؤ على تقديم نص الترجمة إلى أي منصَّة. صحيحٌ كنتُ وقحًا في تقديم الديوان، على أن وقاحتي لا تجتاز المعلوم: لهيجل مترجمون عرب فلاسفة، منهم مَن استخدم «ظاهريات» ومنهم من استخدم «ظاهر العقل»، ولهم الحق برفض «جبر» تراجم تجريبية، وما كنتُ لأحتاج هذا الجبر. رحم الله امرًأ عرف قدر نفسه، ولنفسي خاطر مجبور وذاكرة تُحَلِّيها مسعودة وتلخبطها غزة.
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن