تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
إيران البعيدة والمسكوت عنها 

إيران البعيدة والمسكوت عنها 

هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: دنيا سليمان 6 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

في ظل اختزال إيران إلى ساحة معركة، تطلق الصواريخ وتتلقى قصفًا مضادًا، تفاِوض، ولا تُثمر المفاوضات إلا عن تجدد القتال، نحاول هنا رؤية البعيد والمسكوت عنه في القصة الإيرانية، نقلّب ثلاثة كتب معًا: مقالات فوكو، وأراضي أم سعيد البعيدة، وأشياء سكتت عنها آذر نفيسي.

في البدء، نستعين بزيارة فوكو لإيران في خريف 1978، قبل الإطاحة بحكم الشاه الإمبراطوري، فالفيلسوف الفرنسي يستشرف الثورة قبل حدوثها، مدركًا الطاقة الروحية الكامنة لدى الشيعة نتيجة إيمانهم العميق بأن العدل قادم على يد الإمام الثاني عشر، ما يهبهم «تطلعات لا تنتهي»، فتعكس المقالات فهمه لعدم تكوّن الثورة الإيرانية على يد الملالي، كما يروج له التعاطي المفرط في الاستشراقية، ولكن عبر تمازج الجموع المفعمة بالغضب ضد حكم الشاه القائم على الفساد والاستبداد والقهر، مع بعض الملالي أصحاب الشعبية، فهم «ليسوا قوة ثورية» لكن بعض ممثلي المؤسسة الدينية الرسمية تماهوا مع الطموحات الشعبية، ولم يكن الخُميني أولهم، بل بلغ آية الله الكاشاني «ذروة شعبية إبان تأييده لمصدق» رئيس الوزراء الإيراني الوطني مطلع الخمسينات الذي أمم النفط عام 1951، وتحالف الشاه مع الإنجليز للإطاحة به. وحين كف الكاشاني عن دعمه لمصدق طواه النسيان.

تذكرنا مقالات فوكو بأن الموقف السلبي لقطاعات واسعة من الشعب الإيراني تجاه الولايات المتحدة حاليًا، ليس وليد عمليات أدلجة بقيادة حكم الثورة الإسلامية، بل كان حاضرًا قبلها، ونقرأه في ما نقله فوكو عن محاوريه حول امتعاضهم من خضوع الشاه لأمريكا الراغبة في السيطرة على موازين القوى في المنطقة.

ومن مقالات فوكو، إلى رحلة سعيد في «أراضي أم بعيدة» الذي ترجمه عن الألمانية أحمد فاروق، وفيه يضع سعيد (ميرهادي)، الكاتب والشاعر الإيراني - الألماني (1947-2021) سيرته مع وطنه وأمه، ورحلته من إيران إلى أوروبا والعودة ثم المنفى، وحلمه بتحقيق العدالة الاجتماعية. هكذا نعايش مع سعيد، المعارض اليساري، مغادرته إيران في سن السابعة عشرة بمنحة لدراسة الهندسة في ألمانيا، تحصّل عليها والده الضابط في الجيش الإمبراطوري، لأن أي دراسة غيرها لن تعين البلاد على التقدم. لكن سعيد فضّل دراسة الأدب، وتعرض لملاحقة أمن الشاه خارج البلاد.

وبعد ذهاب الشاه، يعود سعيد إلى إيران، باحثًا عن الوطن والأم التي حُرم منها بأمر من جدته لأبيه «الفظيعة» التي رفضت حتى إرضاع هذه الأم المُستبعَدة للوليد حتى لا يعتاد سعيد عليها، كما حُرم من العودة إلى وطنه بسبب أجهزة الأمن الإيرانية. وبعد الثورة، ذهب سعيد مع غيره من معارضي نظام الشاه «إلى الوطن بقلوب مفتوحة ونظرات ناعسة ... مبهورون بالأمل.. ثم أصابنا ربيع الحرية بقسوة بالغة».

فلا وجد فرصة للعودة في الوطن المفقود، ولا الأم التي لم يرَها سوى مرة واحدة وهو في الرابعة عشرة. بل كانت العودة يأسًا وحزنًا، لأن معارضي الشاه تعرضوا للقمع من نظام الثورة الإسلامية، بل أُعدم منهم نحو ثلاثة آلاف. «بينما أوروبا تهتم فقط بسلمان رشدي»، الروائي الهندي المولد وصاحب الجنسيتين البريطانية والأمريكية الذي أفتى الخُميني بإعدامه، بعد عقد واحد من تأسيس الجمهورية الإيرانية بسبب «آيات شيطانية».

بين إحباط سعيد من مآلات الحلم الإيراني الذي تحوّل إلى كابوس استبدل طاغية بآخر، ورفضه للنظرة الاستشراقية الأوروبية للقصة الإيرانية، فهو يضطر للبقاء بعيدًا عن الوطن، بل يلتقي أمه في كندا، بعد فشلها في الحصول على تأشيرة لدخول ألمانيا، فيقابل الأم المفقودة مع الوطن، لأنه هو نفسه لا يستطيع العودة إلى البلاد التي ذهب عنها السافاك وجاء إليها الباسيج. لكن اللقاء الذي جاء متقطعًا على مدى ثلاثة أسابيع في 1999، يحبط سعيد بالضبط كما أحبطته العودة قبل عقدين إلى «بلد يسمي نفسه وطني ولازلت رغم كل شيء أصفه بأنه بلدي»، ذلك رغم أن اللغة الألمانية أصبحت بالنسبة له «لغة الحرية – حريتي»... رغم أن الإيرانية «مازالت بالنسبة لي هي لغة الهمس» الحاملة لما يسترجع من «أصوات الطفولة»، كما نتوقع من شاعر مثل سعيد الذي يوازي في «أراضي أم بعيدة» بين سيرته وقصة امرأة إيرانية فرت إلى ألمانيا، بمساعدة أسرتها، بعد تعرضها للاعتقال والاغتصاب المتكرر على يد شرطة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب نشاط زوجها السياسي الذي كان فر قبلها من إيران إلى ألمانيا. 

ومثلما لم يحمل لقاء سعيد بالأم الحميمية المتوقعة، فإن لقاء مينا مع زوجها لم يشبه لقاء الأحبة بعد الفراق، لأن زوجها لفظها إنسانيًا وجسديًا بسبب ما تعرضت له من اغتصاب.

ثم ننتقل إلى المسكوت عنه في الأراضي البعيدة، كما تدوّنه آذر نفيسي، مؤلفة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» التي تستلهم سنوات تدريسها للأدب العالمي في الجامعة، وتحديدًا رواية فلاديمير نابوكوف «لوليتا»، لكننا نقلّب مذكراتها المدهشة: «أشياء كنتُ ساكتة عنها» التي تتناول حياتها منذ ميلادها لأم وأب استثنائيين رغم عدم قدرتهما على إيجاد لغة مشتركة، وحياتها المنفصلة معهما في منزل واحد، وحياتها العاطفية، وتقلباتها في مسار موازي لآخر تروي فيه ذكريات السياسة والحروب في طهران منذ بدايات وعيها في مطلع الخمسينيات حتى 1997 عندما انتقلت للحياة مع زوجها الإيراني وطفليهما من طهران إلى واشنطن.

لا تسقط نفيسي لومًا من أي نوع على نفسها، أو غيرها من الإيرانيين، سواء مواليد منتصف القرن العشرين، جيلها، أو جيل أبويها (أحمد ونزهت) مواليد العقود الأولى من القرن ذاته. فهي غير نادمة على رفضها لحكم الشاه كونه كان من الدموية بما لا يمكن أن تستقيم معه أمور الوطن، ولا تندم على دعمها الثورة لأنها كانت ببساطة في مسار رفض الشاه، مشيرة إلى أن الجماهير التي دعمت مصدق في الخمسينيات دعمت الخُميني في نهاية السبعينيات. الندم الوحيد الذي يبدو واضحًا في كتابات نفيسي هو ندم شخصي، ربما على زواج أول تم وهي مراهقة في سعيها لخلق حياة جديدة لنفسها، يرافقه ندم آخر لأنها لم تكن متقاربة ومتفهمة بما يكفي لهواجس أمها وخبراتها القاسية التي لم تتحدث عنها كثيرًا، والتي أكسبتها طباعًا تبدو قاسية. أما إيران كما تكتبها نفيسي فهي الوطن المصنوع من قصص وروائح وذكريات من أول «الشاهنامة»، كتاب الملوك الراوي لتاريخ بلاد فارس الطويل الذي ألّفه أبو القاسم الفردوسي، وقصص صنعها لها والداها كل على طريقته، وأخرى صنعتها هي خلال سنوات نشاطها الطلابي أو سنوات تدريسها في الجامعة، ليصبح الوطن غير الخاضع «للجغرافيا أو القومية أو شيء يمكن أن ينتزعه الآخرون» بعد أن يفقد الوطن-الأم هويته كوطن بسبب الممارسات السياسية-الاجتماعية.

هذا التقاطع المصنوع بإتقان كبير بين العام والخاص، كما بين السياسي والعاطفي، هو ما يجعل من مذكرات نفيسي قراءة تمنح المعلومة والمتعة في آن واحد، وهو ما يجعل مذكراتها تختلف عما كتبه إيرانيون في المنفى لم يتطرقوا بذات الدرجة لتفاصيل شخصية دقيقة في حياتهم، بحكم أن الثقافة الإيرانية تفترض عدم كشف الأفراد عن خفايا حياتهم الشخصية. لكن نفيسي تكسر القاعدة وتتحدث عن العلاقة الأسرية المتعثرة لوالدها –الذي تعرض للاضطهاد في ظل حكم الشاه وللسجن في ظل حكم الخُميني –ووالدتها التي وقعت ضحية أحلام التحرر في مجتمع لم يكن قابلًا بتحرر النساء في عهدي الشاه والثورة الإسلامية. كما تتحدث بصراحة عن تعقيدات الحب والزواج في زيجتها الثانية القائمة على الحب وتلك الأولى القائمة على الموائمة. 

الإفصاح الأبرز في مذكرات نفيسي هو عن الحزن لما آلت إليه ثورة لم تكن حصريًا من صنع القوى الإسلامية، وما أدت إليه هذه الثورة من استمرار في الفظائع الحقوقية، واستمرار هجرة الإيرانيين عن بلادهم.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن