حوار| شادي لويس و«ساويرس».. عن الموقف من الجوائز الأدبية
قبل يومين، أثار الكاتب والروائي شادي لويس بطرس الجدل بتنازله عن جائزة ساويرس الثقافية لأفضل عمل روائي- فرع كبار الكتاب، عن روايته «تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة» الصادرة عن دار «العين»، والتي تقدمت للجائزة بعد التشاور مع مؤلفها.
لم يعلن لويس حينها السبب وراء قراره، تاركًا الجدل يدور حول دور مؤسسة ساويرس في مجال الثقافة والفنون المصرية، والمعنى السياسي لجوائز أدبية من مؤسسات بعينها.
سألنا لويس عن قراره بالتنازل عن الجائزة ماديًا ومعنويًا بعد دقائق من إعلان فوزه في دورة الجائزة الـ18، والتي انعقدت احتفالية تسليمها في قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية في القاهرة يوم الأحد 8 يناير.
هل هناك سبب لتفضيلك عدم الإعلان عن أسباب التنازل عن الجائزة؟
هناك أكثر من سبب. أولًا؛ رفْض الجوائز بأنواعها أو مقاطعتها أو التنديد بها أو الفوز بها ورفضها تقليد أدبي راسخ وطويل، ودلالته مفهومة ومتفق عليها، ولا تحتاج لشرح أو توضيح. على سبيل المثال، في عام 1972، فاز الكاتب والناقد الفني البريطاني الشهير جون بيرجر بجائزة البوكر، ثم رفض حضور مراسم التكريم، وأدان الجائزة التي تعتمد في تمويلها على شركة حققت أرباحها تاريخيًا من احتكار مستعمرات إفريقية، ولها تاريخ مع العبودية في إفريقيا، وتأتي أرباحها الحالية من الاستغلال وخلافه. بالطبع، لا توجد طريقة واحدة للرفض. في النهاية قبِل بيرجر القيمة المادية للجائزة، من باب «أحسن من عينهم»، وتبرع بنصفها، واحتفظ بالنصف الثاني، وقال ببساطة إنه «محتاج فلوس». لكن بغض النظر عما فعله بيرجر، الرسالة كانت واضحة، أو على الأقل أصبحت واضحة. هذا لم يوقف الجائزة طبعًا ولا التقديم عليها ولا الاحتفاء بالفوز بها، لكن واقعة 1972 أصبحت الأكثر بروزًا في تاريخ جائزة البوكر. وأي كتاب يتناول الجوائز ومنطقها وتمويلها ووظيفتها كرأس مال معنوي ومادي يعود لموقف بيرجر. اليوم بعد نصف قرن من هذا الحدث، هناك تراث وفير مع اتفاق ضمني بما يعنيه رفض الجوائز أو التنازل عنها، وهذا ما التقطه الكثيرون، بعدما تنازلت عن الجائزة. سيكون من المهين أن أشرح، ليس مهينًا لي، بل للجماعة الأدبية في الحقيقة وللجمهور العام. بمعنى لا حاجة لشرح المشروح أصلًا.
السبب الثاني؛ أنه بعد التنازل مباشرة، تواصلت معي بعض وسائل الإعلام، وأنا في الحقيقة، كنت في زيارة عائلية وعندي جدول مزدحم، لكن خشيت أن يجري تفسير ذلك بأنه قلة ذوق أو تعالي فقمت بالرد. وسريعًا تحولت الأسئلة لاستنطاق بوليسي، بلغة غليظة، وإلحاح نحو أن أدافع عن نفسي ضد قائمة من الاتهامات، وتفتيش في النوايا، فقررت أنني لن أقدم مبررات، لأني لست متهمًا. هل هناك صحفي يسأل فائز بجائزة لماذا قبلتها مثلًا؟ لن يحدث. الذي يحدث هو العكس. وهذا هو المثير للتفكير والتأمل. كيف أصبحت مؤسسة الجائزة راسخة لدرجة أن الذي يرفضها أو يتنازل عنها هو من يحتاج للدفاع عن نفسه، ويُشكك في نواياه، ويُكذّب ويُشتم وغيره. وهذا وضع في حد ذاته يتحدث بنفسه عن أسباب الرفض. في النهاية هذه جائزة أنا ربحتها، وبعد ذلك، قررت التنازل عنها، يعني نظريًا هي شيء ملكي وقررت التخلص منه. لماذا يحتاج هذا لتبرير مني؟ وكأن الجائزة هي التي أصبحت تمتلكني وليس العكس. وطبعًا هذا جزء مهم من منطق الجوائز وطريقة عملها.
والسبب الثالث، يتمثل في أن هذه ليست أول مرة أدخل في معركة حول الجوائز. قبل عامين أو أكثر دخلتُ أيضًا بمفردي تقريبًا صدامًا عنيفًا حول الموضوع، وتعلمتُ منه أشياء كثيرة، منها أنه يجب أن أتفهم مواءمات ومواقف الآخرين، الذين هم في النهاية أصدقاء وزملاء وأساتذة لنا، وعدم النزوع للإدانة وتوجيه أصابع الاتهام «عمال على بطال»، ببساطة لأن العالم مكان معقد، والمواقف الأخلاقية شديدة التركيب، وفيها اعتبارات كثيرة. وفي الحقيقة، أي تفسير أو تفصيل لتنازلي عن الجائزة سيحمل إدانة، ضمنية أو غير مباشرة، لقطاع كبير من الوسط الأدبي، وهذا شيء أبعد ما يكون عن أغراضي. ولهذا أكدت بوضوح في تصريحي المقتضب الوحيد للإعلام على قناعتي بنزاهة لجان الجائزة وخياراتها وللزملاء والأساتذة، الأعضاء فيها أو من ربحوها، وأكدت أيضًا على أن موقفي لا يوجه إدانة لأحد، أو على الأقل غير معني بذلك.
وهناك سبب آخر، أنه قبل عام ونصف، قلت في حوار سابق، إن ما أريد أن أفعله فيما يخص الجوائز، ليس إدانة، بل طرح أسئلة نحتاج أن نسألها لأنفسنا بخصوصها. وقلت إني متفهم أن الإجابات ليست نهائية وأن الناس لها مواقف مختلفة منها. الفظيع هو ألا توجد هذه الأسئلة، ولا تُطرح بالأساس. اليوم، موقفي مختلف عن عام ونصف مضى، لا أرى بالضرورة أن دور الكاتب قول الحقيقة في وجه السلطة، بما فيها سلطة الجوائز ورأس المال والتكريس الأدبي، ولا حتى طرح الأسئلة أو إجاباتها. بل الاكتفاء بإلقاء حجر، وبعد ذلك الصمت. الأدب عمل رمزي، ونعرف منه أن الرمزي والضمني أبلغ وأكثر تأثيرًا من المباشر والمصرح به.
قلت رأيي بالجوائز في الماضي، وبشكل واضح وتفصيلي ومكرر، ومعروف على ما أعتقد لقطاع غير صغير من الوسط الأدبي، ويمكن الاطلاع عليه بسهولة لمن يهتم أن يعرف. والحقيقة قول هذا مرة أخرى، للمرة المئة، سيكون مملًا للجميع، ومجرد رطانة مكررة.
أيضًا، هناك أسباب شخصية وذاتية لقراري، وهي جوهرية في الحقيقة، ولا أجد نفسي ملزمًا بمشاركتها على الملأ، وأفضل الاحتفاظ بها لنفسي.
وأخيرًا، وكما توقعت من البداية، سيقال إن الغرض من التنازل هو «الشو» والرغبة في جذب الانتباه والاستعراض، وخلافه، فقررت على غير عادتي، الانسحاب من الجدل العام، وعدم الدفاع عن نفسي، ولا حتى الاحتفاء بالتضامن والناس التي دافعت عني. وعلى خلاف ذلك، سيتحول الموضوع لخطبة سياسية ليس عند أحد استعداد لسماعها، خصوصا هذه الأيام.
الكثير منا ذهب لحوار لك في موقع «المدن»، نشر في 2021. قلت فيه: «مَن يمنح الجائزة؟ وباسم مَن؟ ولماذا؟ يعني هل نقبل جائزة باسم ديكتاتور مثلاً؟ أو من أرباح تجارة السلاح أو الرقيق الأبيض؟ أو من نظام يخطف الكتّاب أو يعذبهم حتى الموت؟ أو متورط في إبادة جماعية؟» هل أي من تلك الأسئلة يمكن أن تطرح حول جائزة ساويرس الثقافية؟
مثلما قلت في إجابتي السابقة، لست مهتمًا بطرح أسئلة اليوم، لو أثار تنازل غير مسبّب مثلما فعلت كل هذا الجدل، فهناك بالتأكيد أسئلة يجب طرحها، ما هي؟ أتركها للوسط الثقافي، وللجمهور العام ومستهلكي الثقافة، وكل المعنيين بالأدب أو الشأن العام حتى يطرحوها ويصيغوها بطريقتهم، ونتناقش كلنا حولها في سياقات مختلفة. هل هذا سيحدث؟ صعب جدًا في المناخ السياسي الحالي، حيث لا يوجد مكان لنقاش حقيقي أو فعل حقيقي، وما يبقى لنا هو بعض التحركات الرمزية المحدودة.
هل هناك مواقف موازية لمقاومة سلطات إدارة وإنتاج الفن مؤثرة بالنسبة لك؟ مواقف على مستوى الممارسة نفسها مثلًا، منها تفضيل البعض عدم التقديم على جوائز في المقام الأول؟
هناك عشرات الطرق للمقاومة، منها أن يتقدم الناس للجوائز والمنح والإقامات وغيره، ويستفيدون منها ويوظفونها لصالحهم ولصالح عملهم، وينتقدونها في الوقت نفسه علنًا أو ربما أحيانا سرًا. العالم مكان شديد التعقيد، وعليه لا يمكن اتخاذ مواقف تطهيرية فيه أو كاملة أخلاقيًا. «الناس محتاجة تعيش» وخصوصًا في سياق بلد مثل مصر، حيث لا يوجد سوق حقيقي للثقافة ولا دعم كافي من الدولة، وحيث حياة الناس مهددة بكل شكل يوميًا. هناك من أعرفهم بشكل شخصي ويرفضون التقدم للجوائز، ويكتفون بهذا في صمت. أما المواقف العلنية، فهي نادرة في تاريخنا الثقافي، فمنذ 2003 ليست هناك واقعة علنية وكبيرة مثل واقعة صنع الله إبراهيم وجائزة ملتقى الرواية. ومنذ إطلاق جائزة ساويرس وفي كل فروعها، لم يحدث حسب علمي أن رفضها أو تنازل عنها أحد بشكل علني. وتأثير مثل هذه الوقائع هو بالضبط في ندرتها وقلة تكرارها واستثنائيتها. في كل الأحوال، كل هذه المواقف مطلوبة ومفيدة، لصحة الوسط الثقافي، والتلقي، والحقيقة في صالح الجوائز أيضًا في المحصلة النهائية.
بخلاف الجدل الذي أثاره قرارك، هل هناك خطاب مؤسس لحركة ثقافية بديلة بدأ يتبلور مع تحركك برفض الجائزة؟ وهل وصلتك مواقف نقدية أثارت اهتمامك أو أعطتك شعور بالحاجة لإعادة التفكير؟
بالتأكيد لا، أنا مدرك لحجمي جيدًا، ولتأثير فعلي الرمزي البسيط، وليست عندي أية طموحات كبيرة بشأنه، وأتوقع أن الزوبعة ستكون انتهت قبل نشر هذا الحوار. يمكن أن نعتبر الموضوع كله، مجرد «تنفيسة» على رأي جملة محمود المليجي الشهيرة. لكن في الوقت نفسه، كل بنية للاحتجاج ضد المؤسسات تبني لنفسها تاريخًا من أفعال رمزية صغيرة ومتباعدة ومنفصلة ونادرة، وهذا التاريخ يتحول لمثال يُقتدى به في المستقبل أو شبح أو شوشرة مزعجة على صورة تحاول ادعاء الكمال. مثلما هناك استدعاء حتى اليوم لموقف صنع الله إبراهيم (مع الفارق الكبير طبعًا، لا أتجرأ على عقد أي مقارنات بيني وبينه بكل تأكيد أو مع موقفه الشجاع والملهم)، فبعد عشرة أو 20 سنة مثلًا، سيأتي من يرفض جائزة، وسيقولون أيضًا فلان وفلان رفض. وفي 2023 هناك كاتب تنازل عن جائزة ساويرس، وهكذا يبقى عندنا تراث من الاحتجاج وسلسلة من تواريخه.
*
بدأت مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية نشاطها في 2001 بدعم من عائلة ساويرس وتعمل في مجالات: التمكين الاقتصادي، والتمكين الاجتماعي، والتعليم والمنح الدراسية، وحضل جائزة ساويرس الثقافية، التي حصل عليها عدد كبير من الكتاب.
ولا تمثل جائزة ساويرس الثقافية الفعالية الثقافية الوحيدة للأسرة، فهناك أيضًا مهرجان الجونة السينمائي، الذي أعلن تأجيله في يونيو العام الماضي، قبل انطلاق دورته السادسة، التي كان موعدها شهر أكتوبر من العام نفسه.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن