تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«حماس» تُطور سلاحها الدعائي

«حماس» تُطور سلاحها الدعائي

كتابة: أحمد بكر 9 دقيقة قراءة

بينما تواصل إسرائيل قصف قطاع غزة، تعمل ماكينة الدعاية الإسرائيلية بكامل سرعتها، فترسم للعالم حجة الواجب الأخلاقي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في «الانتصار بحربه ضد حماس».

كان منطق الحكومة الإسرائيلية واضحًا: تدمير غزة والقضاء على الإرهابيين هو السبيل الوحيد لإنقاذ الرهائن الإسرائيليين الذين تحتجزهم الحركة، ولتبرير هدف الاحتلال، صورت الدعاية الإسرائيلية سكان فلسطين، الذين قُتل منهم منذ بدء العدوان على القطاع نحو 21 ألفًا و762 قتيلًا، على أنهم وحشيون بدائيون، و«حماس» منظمة إرهابية تتشابه أهدافها مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وفي ادعاءات روج لها الاحتلال على نطاق واسع -تم تفنيد العديد منها- زعمت إسرائيل أن الهدف من هجوم «حماس» في 7 أكتوبر كان استهداف المدنيين والتمثيل بجثثهم.

ثم في 24 نوفمبر الماضي، اليوم الثالث من هدنة استمرت سبعة أيام بين حركة حماس وقوات الاحتلال، أصدرت الحركة فيديو يظهر مقاتلي كتائب القسام، الجناح العسكري للحركة، في قلب مدينة غزة، حيث أعلن الاحتلال اقتراب النصر، وهم يطلقون سراح الفوج الأول من الرهائن ضمن صفقة تبادل الأسرى. وأصبحت لحظة تحرير الرهائن الإسرائيليين منذ ذلك الحين مشهدًا واسع الانتشار، حين ظهر هؤلاء الرهائن -بشكل غير متوقع- وهم يتبادلون الابتسامات وتحيات الوداع الحارة مع محتجزينهم من مقاتلي «القسام».

ردًا على فيديوهات تبادل الأسرى، ادعى مسؤول إسرائيلي في وقت لاحق أن سكون الرهائن كان نتيجة إجبارهم على تعاطي المخدرات.

العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، المستمر منذ قرابة ثلاثة أشهر، هو الهجوم الأعنف على فلسطين منذ النكبة عام 1948، لكن أداء المقاومة على جبهة مخاطبة الرأي العام، محليًا وإقليميًا وعالميًا، في هذه المحطة الفارقة من الصراع، اتسم بالكثير من الاحترافية والذكاء: بيانات سياسية/عسكرية متزنة، استخدام سلاح السخرية للنيل من معنويات الجيش الإسرائيلي، عرض مقاطع فيديو عالية الدقة تظهر الانتصارات العسكرية ضد قوات الاحتلال، وحتى لحظات تبادل الرهائن استثمرتها المقاومة إعلاميًا بنجاح. 

بكلمات أخرى، تمكنت وسائل إعلام المقاومة من دحض الصورة المبتذلة لـ«حماس» كمنظمة إرهابية وحشية، وهي الصورة التي دامت طويلًا بفضل الاحتلال، وفقًا لما أفاد به محللون فلسطينيون ومصريون لـ«مدى مصر».

نرى مثالًا جيدًا على ذلك في قائد حركة حماس بغزة، يحيى السنوار. يُفترض أن «طوفان الأقصى» نتيجة تخطيط القائد العام لكتائب القسام، محمد الضيف، جنبًا إلى جنب مع السنوار، الذي تم الإفراج عنه من سجون الاحتلال عام 2011 مقابل إطلاق سراح جندي الاحتلال جلعاد شاليط من غزة، لكن السنوار يهيمن على الخطاب الإسرائيلي، كشخصية خدعت الإسرائيليين طوال الوقت، لتفاجئهم فيما بعد. 

يقول الباحث في معهد ماكس بلانك، عماد الصوص، عن السنوار: «في مفاوضاته الأخيرة -قبل 7 أكتوبر- مع إسرائيل بوساطة مصرية، طالب بالمزيد من التصاريح لعمال غزة للعمل في إسرائيل، وبعد 20 يومًا، تم إطلاق عملية السابع من أكتوبر. لذلك يرونه مخادعًا».

«إسرائيل تصور السنوار كشخص كليّ القدرة، ذي سيطرة كاملة على الحركة، والعقل المدبر وراء كل ما حدث»، يقول الكاتب محمود هدهود.

تعود هذه الصورة الأسطورية للسنوار -على نحو كبير- إلى الهوس الإسرائيلي به، وفقًا لزميل أول معهد دراسات فلسطين، معين رباني، فقد «شخصن الإسرائيليون هذه الحرب بشكل كامل».

لكن خلال أيام الهدنة، هيمن السنوار على وسائل الإعلام الإسرائيلية بسردية أخرى عنه فرضها بنفسه، عبر روايات الرهائن الإسرائيليين المفرج عنهم، الذين قالوا إنه التقى بهم وتحدث معهم بالعبرية الفصيحة، ووعدهم بالحفاظ على أمنهم ورعايتهم حتى يتم إطلاق سراحهم مقابل سجناء فلسطينيين، من خلال المفاوضات التي قادها. وعزز من تلك السردية حديث بعض الرهائن عن أنهم كانوا في خطر أكبر بسبب القصف الإسرائيلي، ما زاد من قوة الرأي المتنامي لصالح وقف إطلاق النار لفترة أطول وصفقة تبادل أسرى أكبر.

يرى رباني أن ظهور السنوار في اللحظة التي تم فيها إطلاق سراح الأسرى أضعف السردية التي أراد الإسرائيليون والأمريكيون الدفع بها. يقول رباني إن ظهوره ذلك وكأنه يقول للشعب الإسرائيلي «أخبركم قادتكم إنهم سيقضون علينا وسيستعيدون أسراهم دون مفاوضات»، لكن اضطرت إسرائيل إلى الاشتباك مع «حماس» على المستوى السياسي، وهو ما أصرت الحركة عليه، وكان هذا التفاعل السياسي هو ما مهد الطريق لإطلاق سراح الرهائن.

وخلال الهدنة، شاهد العالم «الاختلاف الهائل بين دعم الحركة للأشخاص ذوي الإعاقة بكراسيهم المتحركة، مقابل اقتحام الجنود الإسرائيليين للمنازل وحظر الناس من التعبير عن أي فرحة بعودة أبنائهم من السجون الإسرائيلية»، يقول رباني.

ويضيف «يُظهر ذلك مدى تنظيمهم (حماس) واحترامهم للمعايير الإنسانية الأساسية واستطاعتهم التعامل مع الأطفال والنساء المسنات وما إلى ذلك، وهو كذلك رسالة إلى العالم الخارجي لدحض كل المقارنات الجنونية بداعش».

سعت إسرائيل إلى عزل السنوار، فوضعته في صدارة قائمة الأشخاص المطلوبين وعرضت 400 ألف دولار أمريكي مقابل معلومات عنه، لكن «حماس» خلقت سرديتها الخاصة عن القائد. يقول رباني: «وفي حال كان الإسرائيليون يفكرون في الإعلان عن قتل السنوار -مثلما فعلت الولايات المتحدة مع زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري- فقد سبقهم بمقابلة أسراهم».

حققت استراتيجية «حماس» الإعلامية هدفًا آخر، فكانت مقاطع فيديو إطلاق الرهائن فرصة لمقاتلي «القسام» لدحض المزيد من روايات جيش الاحتلال عن تقدمه في قطاع غزة.

في كل ليلة تم إطلاق الرهائن خلالها، ظهر مقاتلو كتائب القسام على حين غرة مع الرهائن في مواقع مختلفة بالقطاع، وشملت هذه المناطق أجزاءً من الشمال مثل مدينة غزة، حيث ادعى الاحتلال إحكام سيطرته واقترابه من القضاء على المقاومة.

يقول رباني: «كان الهدف من ذلك هو إرسال رسالة، ليس فقط للفلسطينيين والعرب والإسرائيليين، ولكن أيضًا لبقية العالم: نحن لا نزال هنا، نحن لا نزال مسيطرون. إذا كنتم تظنون أن ذلك أمرًا يسيرًا، فعاودوا التفكير».

منذ بداية العدوان، كان إنتاج الفيديو أحد أقوى أسلحة ترسانة إعلام «حماس»، وأفضل مثال على ذلك هي الفيديوهات عالية الجودة التي تصدرها كتائب القسام بانتظام عن انتصاراتها الميدانية ضد قوات الاحتلال في غزوها لغزة، وهو تقليد بدأ عام 2014 مع فيديو غزو مقاتلي كتائب القسام للقاعدة العسكرية ناحل عوز.

يقول الصوص: «لعبت الفيديوهات دورًا كبيرًا في إظهار أن المقاومة في حالة جيدة وموثوقة وقوية وقادرة على الاستمرار في القتال، وأن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة للمرحلة الأولى من الغزو البري».

الآن، ومع جودة أعلى ومعدات متقدمة أكثر، يمكن للمتابع أن يعيش مشاهد لمقاتلي «القسام» يخرجون من الأنفاق المخفية أو من بين المباني المهدمة، لتدمير مركبات الاحتلال العسكرية المتقدمة، بأعين المقاتل ومن مسافة صفر.

هذه الفيديوهات تمثل دفعة معنوية ينتظرها أنصار المقاومة في المنطقة بلهفة، وقد أصبح المثلث الأحمر الذي يشير إلى الأسفل، وهو العلامة المستخدمة في الفيديوهات للإشارة إلى الأهداف من العدو، رمزًا جديدًا للمقاومة الفلسطينية.

وفقًا لرباني، تبعث الفيديوهات أيضًا رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي عن قادتهم: «يخبرونكم أنهم على وشك النصر، ونريد نحن أن نُظهر لكم الحقيقة».

يقول رباني وهو يقارن هذا بتكتيك استخدمه حزب الله في التسعينيات: «تُظهر الفيديوهات للرأي العام الإسرائيلي أن قادتهم يكذبون عليهم».

ووصلت الادعاءات والادعاءات المضادة المتبادلة بين إسرائيل و«حماس» إلى ذروتها عندما أصدر الاحتلال لقطات فيديو لجزء من شبكة الأنفاق تحت غزة، مدعيًا أنها أكبر جزء من الشبكة تم العثور عليه حتى الآن، وحينها أصدرت الحركة بيانًا ساخرًا قالت فيه إن الاحتلال وصل متأخرًا، حيث تم استخدام النفق بالفعل في عملية السابع من أكتوبر.

يشير المحللون إلى أن استراتيجية الإعلام التي تتبعها «حماس» سمحت لها بتحديد سردها الخاص والوصول إلى جمهور أوسع. يقول رباني: «قبل السابع من أكتوبر، كانت حماس تخاطب بصورة رئيسية جمهورًا فلسطينيًا وعربيًا وإسرائيليًا»، ولكن الآن، يعتقد أنهم «طوروا فهمًا أكبر لجمهورهم عن ذي قبل»، ويستمع إليهم أناس أكثر.

يسلط هدهود والصوص الضوء على تطور رئيسي في رسالة «حماس» وهي المؤتمرات الصحفية اليومية التي يعقدها القيادي في الحركة بلبنان، أسامة حمدان، فيستعين حمدان بلغة متحفظة وفحص الحقائق، لدحض ومواجهة الدعاية الصادرة من إسرائيل وجيشها، مثل ادعاءاتهم بأن مستشفى الشفاء تستخدم كقاعدة لمقاتلي القسام.

وعلى الجانب الآخر، كانت التحديثات العسكرية الصادرة من المتحدث باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، والذي أصبح أكثر المتحدثين شهرة خلال الشهور الأخيرة، شديدة التفصيل في وصفها العمليات العسكرية لكتائب القسام «دون تفخيم أو تقليل من شأن قدراتها»، وفقًا لهدهود، الذي يضيف «هذا خلق ثقة كبيرة في تصريحات الكتائب، وزاد من قدرتها على مواجهة دعاية إسرائيل عن انتصاراتها العسكرية».

وفي نفس الوقت، تغيرت بعض اللغة التي تستخدمها الشخصيات العامة الرئيسية في «حماس»، مثل قائدها السياسي، إسماعيل هنية، وكذلك أبو عبيدة. يقول هدهود: «بدأ كل من هنية وأبو عبيدة في الوقت ذاته خلال أول أسبوعين من الهجوم الإسرائيلي في استخدام مصطلحات مثل النازي والفاشي، لوصف الجيش والدولة الإسرائيلية، وهي نعوت مفهومة للمجتمع الدولي والرأي العام»

ويقول الصوص: «يصف حمدان ما يحدث بأنه هولوكوست، متحدثًا بلغة المجتمع الدولي بما تستخدمه من رموز لوصف الإبادة الجماعية».

كما خاطبت القناة العامة للحركة على تليجرام، المتحدثين من خارج إسرائيل، مستنكرة تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الذي اتهمته «حماس» بترديد دعاية الاحتلال بشأن مستشفى الأهلي العربي، وأثنت على تحقيق لـ«لوموند» نفى المزاعم الإسرائيلية، ملقيًا اللوم على الولايات المتحدة لدعمها حرب الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين، وصولًا إلى دعوة الحركة إيلون ماسك لزيارة غزة ليشهد الدمار بنفسه كما زار الإسرائيليين.

هذه اللغة الأكثر شمولًا، التي تركز على التحرر الوطني وتتجاوز الخطابات السابقة التي تحدثت في المقام الأول عن التضامن العربي والإسلامي، تسمح للمقاومة «بتقديم نفسها ليس كمجموعة إرهابية أو داعش جديدة، كما تحاول إسرائيل تصويرها، لكن كمجموعة سياسية تتبع المبادئ الإنسانية والقانون الدولي»، يقول هدهود.

يقول الصوص عن هذا التحول في اللهجة: «تتناول تلك اللغة فلسطين كقضية عدالة، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع الناس، حتى في العالم العربي، إلى دعم القضية الفلسطينية، وليس فقط لأنهم عرب أو مسلمون».

ويشير رباني إلى الأساليب المختلفة التي تخاطب بها تصريحات أبو عبيدة، العالم العربي: «يحاول أبو عبيدة الدفع بجمهور الإقليم العربي للتحرك دفاعًا عن غزة، ويزيد على ذلك شيئًا من إحراج الحكومات في المنطقة برسائل مثل: كلامكم لا يكفي، حان وقت الحراك، تلك مذبحة، هؤلاء هم شعبكم، ماذا ستفعلون بشأن ذلك؟ عليكم أن تستغلوا علاقاتكم مع الولايات المتحدة، علاقاتكم المستمرة مع إسرائيل هي أمر مخز، ورسائل أخرى من هذا القبيل».

لكن الأهم من ذلك، يلفت رباني إلى الإشارات المتكررة من أبي عبيدة إلى سقوط رهائن إسرائيليين في غارات إسرائيلية على غزة، قائلًا: «حماس أدركت أن هناك حركة متنامية في الرأي العام الإسرائيلي تدعو إلى وقف إطلاق النار، فأصبحت توجه حديثها للجمهور الإسرائيلي بأنهم إن أرادوا عودة هؤلاء الأشخاص، فسيتحقق ذلك من خلال المفاوضات وليس من خلال حملة قصف جنونية تسعى للإبادة»، وبحسب الصوص، بدأت «حماس» في التمييز بين الخطابات الموجهة لحكومة الاحتلال وتلك الموجهة للجمهور الإسرائيلي.

منذ انتهاء الهدنة التي استمرت أسبوعًا في الأول من ديسمبر، استأنف الاحتلال تدمير غزة، وتوجه إلى تدمير جنوب القطاع بغارات جوية تمامًا كما فعل في الشمال. 

وبينما تستمر وسائل الإعلام والدولة الإسرائيلية، بدعم من نظيراتها الأمريكية، في إعادة تدوير الروايات القديمة عن ارتكاب مقاتلي القسام جرائم اغتصاب جماعي واعتداءات جنسية في السابع من أكتوبر، ردت «حماس» ببيان يتهم الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بالكذب المتكرر للتستر على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي القائم باستخدام أسلحة أمريكية.

وازداد الطين الإسرائيلي بلة حين قتلت قوات الاحتلال ثلاثة رهائن إسرائيليين كانوا يحملون أعلامًا بيضاء شمال غزة، واستردت جثث آخرين بعد قتلهم في غارات جوية إسرائيلية.

قد لا تكون سردية الاحتلال طُعمًا سهلًا بعد الآن، وقد أصبح العالم يشهد لحظة بلحظة أن التهديد الحقيقي للإسرائيليين المحتجزين في غزة ليس «حماس»، لكن الاحتلال نفسه.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن