يعاني مُستهلكوا ألبان الأطفال الصناعية من نقص حادّ في المعروض منها، فضلًا عن ارتفاع أسعارها إلى مستويات قياسية إن توفرت، بحسب عدد من الأهالي ومندوبي شركات توزيع وصيادلة تحدثوا لـ«مدى مصر»، مؤكدين أن النقص حادث بصورة أكبر في «الشرائح الشعبية» من الألبان الأرخص والأقل جودة.
***
منار، لديها طفلة عمرها سبعة أشهر، مصابة بحساسية بروتين الأبقار، وهو ما يتطلب حصولها على نوع معين من الألبان العلاجية «نيوكيت»، يحتوي هذا اللبن على جزئيات البروتين مُكسّرة، ما يُسهل هضمها للرُضع الذين يعانون من هذه الحساسية.
تقول منار لـ«مدى مصر» إنها توجهت إلى مركز الصحة بحي مصر الجديدة حيث تسكن، إلّا أنها فوجئت بأن عليها الذهاب إلى حلوان للحصول على حصتها من اللبن المُدعّم. تضيف أنها ذهبت بالفعل، ولم يُصرف لها سوى أربع عبوات فقط، في يناير الماضي، وخلال فبراير ومارس وأبريل لم تحصل على الجرعات المُستحقة. «لفيت كتير وفي الآخر حولوني لقرية في محافظة المنوفية، وروحت فعلًا، وقالولي هتاخدي اللّي يفضل، اللّي هو يمكن علبة أو إتنين، وفي الآخر قالولي مفيش»، تقول منار.
توجهت منار مُرغمة إلى السوق الحُر لتفاجأ أيضًا بنقص لبن «نيوكيت»، وارتفاع سعر العبوة، بين يناير وحتى الآن، من 450 جنيهًا إلى قرابة 700، أما البديل المتوفر نسبيًا «هيرو» فيبلغ سعره 720 جنيهًا، بينما تستهلك طفلتها حوالي عشر عبوات شهريًا، لينتهي بها المطاف، مثل غيرها، إلى جروب فيسبوك، للحصول على اللبن الذي أصبحت أسعاره المعروضة على الجروب مساوية لأسعار الصيدليات.
مجموعة متداخلة من الأسباب تقف وراء أزمة ألبان الأطفال، سواء المُدعّمة أو الحرة، رفعت من أسعارها بشكل هائل، وأدت إلى ظهور سوق سوداء لبيعها، ما تسبب في معاناة كبيرة لمعظم الأسر خصوصًا مع الأزمة الاقتصادية، وارتفاع مخاطر سوء التغذية وسط الأطفال، كما تشير عدة دراسات.
هناك مصدرين للحصول على ألبان الأطفال في مصر. الأول، من خلال السوق الحر عبر الصيدليات، والثاني، وهو الأكبر، خاص بالألبان المُدعمة، والتي تُقدَم من خلال مراكز الطفولة والأمومة عبر أكثر من 1100 منفذ على مستوى الجمهورية، ويتم صرفها بعد توافر مجموعة من الشروط، مثل وفاة الأم، أو إثبات إصابة الرضيع بأمراض الحساسية، أو وجود توأم.. إلخ. تُصرف الجرعة بحد أقصى ست عبوات شهريًا، تتراوح أسعارها، حسب النوع، بين خمسة جنيها و26 جنيهًا. هذه السوق تستهلك، سنويًا، 22 مليون عبوة، بحسب مصدرين مُطلعين بالقطاع لـ«مدى مصر».
سابقًا، كان يتم استيراد الألبان المُدعّمة، لكن ذلك تغيّر قبل ثمان سنوات وأصبح اللبن يُصنّع محليًا في مصنع «لاكتو مصر»، بحسب عدد من المصادر، ورئيس مجلس إدارة الشركة المالكة للمصنع، إبراهيم عزت، «إحنا بنصنّع ما يغطي كل الطلب على اللبن المُدعّم»، يقول عزت، مُشيرًا إلى ارتفاع التكلفة مؤخرًا، بسبب أن 60% من مدخلات إنتاج لبن الأطفال بالمصنع مستوردة، وبالتالي تأثرت بانخفاض قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الشحن وغيرها.
يوضح عزت أن المصنع يقوم بتسليم إنتاجه إلى جهاز خدمة المشروعات الوطنية التابع للقوات المسلحة، والذي يقوم بدوره بتسليمها إلى هيئة الشراء الموحّد، والتي تتولى مسؤولية إيصاله إلى منافذ إتاحة اللبن المُدعم.
***
كانت أزمة عنيفة ضربت قطاع ألبان الأطفال، في 2016، بسبب نقص الدولار، ما أسفر عن نقص كبير في المنتجات وارتفاع أسعارها، حتى أن الأمهات نظمن تظاهرات للمطالبة بتوفير الألبان لأطفالهن، وهو ما استدعى تدخل القوات المسلحة لحل الأزمة واستيراد شحنة كبيرة من ألبان الأطفال.
لكن أزمة صرف اللبن المُدعم تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة، حسبما أوضح عدد من الأسر، فبعدما كان يحق للأم صرف من أربع لست عبوات، أصبحت تحصل على عبوات أقل، وفي بعض الأحيان لا يُصرف لها نهائيًا.
بحسب جميع الأمهات اللائي تواصل معهن «مدى مصر»، يحتاج الطفل الرضيع ما بين سبع إلى عشر عبوات شهريًا، ولهذا اضطررن للجوء إلى السوق الحر (الصيدليات) لاستكمال احتياجات أطفالهنّ من اللبن.
لكن سوق استيراد ألبان الأطفال تخضع لاحتكارات تتحكم فيها، بحسب مدير مركز الحق في الدواء، محمد فؤاد، ومصدرين آخرين بشعبة الأدوية وشعبة المستلزمات الطبية بالاتحاد العام للغرف التجارية، لم يردا ذكر اسمها.
المصدر بشعبة الأدوية أوضح لـ«مدى مصر» أن شركة المتحدة، وهي وكيل شركة بيبي لاك، أحد العلامات التجارية في ألبان الأطفال، كانت تحتكر ما بين 40-45% من ألبان الأطفال في السوق الحر. لكن بعدما أفلست «المتحدة»، خلال العام الماضي، حدثت فجوة في التوريد أثرت على المعروض.
بعدها، حسبما يتفق عزت ومصدر شعبة المستلزمات الطبية، جاءت أزمة الدولار، وعدم توفير البنوك للعملة بأسعار مستقرة، لتدفع المستوردين إلى اللجوء للسوق السوداء لتدبير الدولار، كما تسبب تعطيل الإفراج الجمركي في زيادة المخاطرة بالنسبة للمستوردين، خصوصًا وأن فترة صلاحية ألبان الأطفال ليست كبيرة، وتحتاج طريقة تخزين خاصة كيّ لا تتلف، ما دفع المستوردين للعزوف عن استيراد ألبان الأطفال، وأدى ذلك إلى شُح المُنتج بالسوق الحر.
مندوبة مبيعات بشركة المتحدة، اشترطت عدم ذكر اسمها، أكدت لـ«مدى مصر» أن هناك نقص حاد في ألبان الأطفال لديهم، ولهذا يوردون كميات قليلة جدًا الآن. «من سنتين كنت بقدر أورّد للصيدلية كراتين، دلوقتي بالعافية فين وفين بوفر بالعلبة الواحدة»، تقول.
ينتظر الأهالي لأيام للحصول على علبة واحدة من الألبان، وأقل علبة لا يقل سعرها عن 280 جنيهًا، بعدما كانت تُباع ما بين 30-50 جنيهًا قبل سنتين، بحسب صاحب أحد الصيدليات بمحافظة المنوفية.
أحمد، والذي يعمل مندوبًا بشركة فارما أوفرسيز لتوزيع الدواء، يؤكد أن هناك نقص شديد في التوريد، خاصة الأنواع الأرخص مثل «نستوجين». يضيف أنه أيضًا لديه طفل يبلغ عمره سبعة أشهر ويحتاج إلى لبن صناعي، ولهذا يضطر للانتظار حتى تتوفر كميات من «نستوجين»، ليقوم بشرائها من الصيدليات التي يورّد لها هو نفسه، بسعر 250 جنيهًا، أثناء التوزيع الذي يقصر حصة كل صيدلية على علبة واحدة فقط.
يستهلك السوق الحر حوالي 15 مليون عبوة سنويًا، بحسب المصادر، ما يجعل إجمالي الاستهلاك في مصر يتراوح ما بين 35-40 مليون عبوة سنويًا تشمل المُدعم والحر.
عادة كان مستهلكيّ الألبان عبر السوق الحر من الشرائح المُقتدرة ماديًا، وكذلك الأسر التي تحصل بالأساس على اللبن المُدعم بجرعات غير كافية لاحتياج الأطفال، فتشتري الباقي من الصيدليات الخاصة.
تسببت هذه الأزمات في فوضى في سوق ألبان الأطفال المدعمة والحرة، وظهور سوق ثالث موازٍ. حين تحصل الأمهات على أقل من عدد العبوات التي تحتاجها، أو لا يُصرف لها أي عبوة بالمرة، كما حدث مع منار، أو يُرفض طلبها للحصول على اللبن المُدعم، يظهر السوق الثالث، وهو ما حصلت أم حسن، من خلاله، على نفس العبوات المُدعّمة -«إيجي وان»- بسعر 100 و150 جنيهًا، بعدما كان من الممكن أن تحصل عليها عبر التأمين بخمسة جنيهات فقط.
أم حسن، من محافظة أسيوط، لديها رضيعين، الأول بعمر سنة وثلاثة أشهر، والثاني بعمر شهرين ونصف، تقول لـ«مدى مصر» إنها أصيبت بعد أسبوع من الولادة بتجمعات دموية بالثدي، يستحيل معها إرضاع طفليها. ورغم أن تشخيصها تم في إحدى المستشفيات الحكومية، إلّا أن التأمين الصحي رفض حصولها على عبوات الألبان المُدعمة، لأن إصابتها يمكن العلاج منها وليست مرضًا مزمنًا، بحسب ما حكته لـ«مدى مصر».
ذهبت أم حسن إلى الصيدليات، لم تجد الألبان التي يمكنها تحمل ثمنها، وما كان مُتاحًا منه القليل في بعض الصيدليات، هي أنواع «بيبي لاك» و«نان» و«هيرو»، «ودي أسعارها عالية خالص تلتميات وربعميات مقدرش عليها»، تقول أم حسن، مضيفة أنها لجأت لتقديم اللبن الجاموسي للرضيع الكبير (سنة وثلاثة أشهر) وهو ما لا يمكنها عمله مع الرضيع الأصغر.
في نهاية المطاف، عثرت، عبر إحدى مجموعات فيسبوك الخاصة ببيع عبوات الألبان، على أشخاص يعلنون عن توفر عدد من عبوات «إيجي وان»، وهو نفس نوع الألبان المُدعمة المُتاحة في التأمين الصحي ومراكز رعاية الأمومة والطفولة بخمسة جنيهات، إلّا أنها حصلت عليها من الجروب مقابل أسعار تتراوح بين 100 إلى 150 جنيهًا للعبوة الواحدة.
«لاقيت حدّ من المرج في القاهرة، عنده عشر علب بـ100 جنيه العلبة، وبشوف حدّ نازل أسيوط يوصلّهملي وأدفع له أجرته، لأنه أرخص شوية من «إيجي وان» اللي بيتباع هنا في أسيوط بـ 140 و150 جنيه».
***
تقول هدى، صيدلية بمركز طلخا بمحافظة الدقهلية، إن سيدات يقفنّ حول منافذ إتاحة اللبن المُدعم، ينتظرن من صرفت جرعاتها ويتفاوضن معها على شرائها بمبالغ باتت تزداد مؤخرًا، لتصل إلى ما يتراوح بين 200-300 جنيه للعبوة. هؤلاء السيدات أصبحنّ يُشكلن الحلقة الوسيطة بين صارفي المُدعم، وبين من يبحثون عن ألبان بأسعار مقبولة.
يبيع اللبن المُدعّم للسوق السوداء من حصل عليه عبر فساد حلقات الصرف، أو الأسر التي لم يستسغ رضيعها طعم نوع اللبن المنصرف لها، أو بعض الرُضع ممن صُرفت لهم ألبان علاجية لم تؤد إلى تحسن حالتهم ما دفع الأهل للبحث عن نوع آخر، كل هؤلاء يقومون ببيع المدعوم وبثمنه يشترون الحُر، بحسب هدى وآخرين.
نقص إجمالي المعروض، سواء لإحجام مستوردي القطاع الخاص عن الاستيراد، واقتصار المُدعّم على توفير نحو 60% فقط من إجمالي المطلوب، عزّز من ارتفاعات أسعار ألبان الأطفال في السوق الحر. يقول ياسر، صاحب صيدلية بحي مدينة نصر بالقاهرة، إن الزيادات لا تقل عن ثلاثة أضعاف، خلال العامين الماضيين، لتتراوح الأسعار الرسمية الآن بين 250-1000 جنيه للعبوة الواحدة في بعض الحالات، وهي الأسعار التي وصفها رئيس مصنع «لاكتو مصر»، عزت، بأنها «مُفزعة».
انعكس ذلك أيضًا على أسعار الألبان المُسربة من سوق المُدعم، والتي ارتفعت هي الأخرى، استغلالًا لنقصها الحاد في الصيدليات. تقول إحدى الأمهات إنها عندما اعترضت على سعر العبوات المُسربة والتي تساوت مع أسعار الصيدليات، رد البائع «روحي اشتريه من الصيدلية لو لقيتيه».
يُضيف عزت «كطبيب أطفال أقول إنه لأول مرة في مصر بدأت بعض أمراض سوء تغذية بين الرُضع، في الظهور مجددًا بعدما كانت اختفت أو انحسرت»، مُشيرًا إلى ممارسات تنتهجها الأسر الأفقر للتعامل مع غلاء اللبن ونقصه مثل إعادة غليه أو تخفيفه بمياه الأرز»، وهو ما أشارت إليها الأمهات اللائي تحدثنّ لـ«مدى مصر»، مثل منار التي تُضيف معلقتين أو ثلاث من «سيريلاك» إلى كل رضعة لابنتها المُصابة بحساسية البروتين، لتوفر في العبوات والتي وصلت تُكلفها إلى خمسة آلاف جنيه شهريًا.
وقفز مستوى الوفيات بين الأطفال الرُضع، أقل من عام، بأكثر من 20%، بدءًا من عام 2020، على عكس الاستقرار النسبي في المعدل، خلال السنوات الخمس السابقة عن عام التغير. ويبلغ المُعدل حاليًا 18.9 حالة وفاة بين كل ألف طفل مولود حيّ، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، على الرغم من انخفاض معدل المواليد بـ5% خلال نفس الفترة.
وارتفعت الإصابة بالأنيميا بين السيدات في سنّ الإنجاب، ما بين 15-45 عامًا، من 25% إلى 38%، خلال الفترة ما بين 2014-2021، بحسب بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية، وهو ما يُتطلب حصول أطفالهن على الألبان الصناعية لضمان جودة تغذيتهم.
نفس المسح أوضح أن معدلات الإصابة بالأنيميا بين الأطفال دون سن الخامسة، قفزت، خلال نفس الفترة، من 27% إلى 43% مصابون بالأنيميا أو سوء التغذية الحاد.
ويزيد سوء التغذية الحاد من مخاطر الوفاة بسبب أمراض أخرى. دراسة صدرت، أغسطس الماضي، وتبحث في أثر سوء التغذية على تدهور الإصابة بالالتهاب الرئوي في مصر وسط الأطفال دون الخامسة، وجدت، بعينة البحث، أن 25% من المصابين بالالتهاب الرئوي ويعانون سوء التغذية قد تُوفوا، في المقابل كانت نسبة الوفاة شبه مُنعدمة بين المصابين بالالتهاب الرئوي غير المصابين بسوء التغذية.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن