حقوق اللاجئين في فخ «الأمن القومي والنظام العام»
في الثاني والعشرين من أكتوبر الماضي، وافقت لجنة الدفاع والأمن الوطني بمجلس النواب على مشروع قانون قدمته الحكومة لتنظيم عملية لجوء الأجانب إلى مصر، وهو ما يراه متخصصون في ملف الهجرة، تحدثوا إلى «مدى مصر»، أول «مأسسة» حكومية لالتزامات مصر الدولية في ملف اللجوء، بعد عقود من ترك هذه المسؤولية لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، حيث ينص المشروع على تأسيس لجنة حكومية تتولى هذه المهمة.
وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، محمود فوزي، قال على هامش مشاركته في اجتماع لجنة الدفاع إن «الواقع أكد الحاجة الضرورية إلى وجود قانون ينظم توفيق أوضاع اللاجئين وحصرهم، بشكل يكفل لهم الحقوق المتعارف عليها في المعايير الدولية، وفي ذات الوقت يحفظ للمجتمع المصري استقراره وأمنه القومي».
كانت الرغبة في خلق هذا التوازن واضحة في نص مشروع القانون. لكن، بينما يكتسب اللاجئون بموجب المشروع عددًا من الحقوق الأساسية لأول مرة، أهمها حق التقدم للحصول على الجنسية المصرية، فإن مشروع القانون، في المقابل، يقيد الكثير من هذه المكتسبات -بما في ذلك منح صفة اللاجئ أصلًا- عن طريق ربطها باعتبارات فضفاضة مثل «الأمن القومي» و«النظام العام».
***
جاءت هذه الخطوة التشريعية عقب قرارات حكومية سعت إلى توفيق أوضاع المهاجرين الذين دخلوا مصر بطرق غير رسمية أو انتهت مدد إقاماتهم. اتُخذت تلك القرارات في سياق خطاب رسمي تكرر خلال هذا العام حول استقبال مصر لعدد كبير من «الضيوف» يتجاوز قدراتها في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها. هؤلاء الضيوف، التي تقدر الحكومة عددهم بتسعة ملايين وافد، بينهم 800 ألف شخص فقط من 62 دولة مسجلين حاليًا كلاجئين وطالبي لجوء عبر مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، أغلبهم من السودانيين الذين نزحوا خلال هذا العام بسبب الحرب في بلدهم.
هذا الخطاب المتكرر بدوره تزامن مع تطورات مهمة في العلاقات المصرية الأوروبية، كانت ذروتها في يونيو الماضي، حين أبرمت مصر مع الاتحاد الأوروبي صفقة ضخمة استهدفت مجالات متعددة، من بينها اضطلاع مصر بدور أكبر في منع موجات المهاجرين واللاجئين من الوصول إلى أوروبا في مقابل الدعم المادي والسياسي، بما في ذلك المسارعة في إصدار قانون اللجوء، والذي انتهت الحكومة من إعداده في 2023، حسبما قال مصدر دبلوماسي أوروبي لـ«مدى مصر».
بالفعل، سرّعت الحكومة من إجراءات إصدار القانون، لدرجة أن أعضاء لجنة الدفاع بمجلس النواب اطلعوا على مشروع القانون لأول مرة خلال اجتماع اللجنة الذي وافق عليه، حسبما قالت النائبة عايدة السواركة، عضوة اللجنة، وأحد المؤيدين لمشروع القانون باعتباره في صالح اللاجئين والدولة المضيفة، ما دعا نواب المعارضة إلى الشكوى من قلة الوقت، بحسب السواركة.
من دلائل العجلة أيضًا، ما أشار إليه المحامي الحقوقي المتخصص في قضايا اللاجئين، أحمد معوض، خلال حديثه إلى «مدى مصر»، بعدم طرح مشروع القانون للحوار المجتمعي أو إطلاع الحقوقيين العاملين في مجال الهجرة وحقوق اللاجئين عليه وسماع آرائهم فيه، قبل عرضه على البرلمان.
ومع ذلك، يرى معوض أن مشروع القانون يتضمن عددًا من المكاسب المهمة، والتي تشمل حق اللاجئين في الحصول على الجنسية المصرية، وهو ما يغير وضع مصر من دولة عبور إلى دولة توطين لأول مرة، بالإضافة إلى الحق في التعليم المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، التي وقعتها مصر عام 1981 بعد الاعتراض على هذا الحق، «وهو ما يعني أن مصر كما لو كانت قد سحبت اعتراضها على النص»، يقول معوض، مضيفًا: «يُعد كذلك النص على الحق في العمل مكسبًا مهمًا، لأن الوضع الحالي هو أن اللاجئ لا يعمل بشكل نظامي، وإذا ثبت عمله، يترتب على ذلك جزاءات على صاحب العمل».
وأشار معوض إلى أن الحق في الحصول على وثائق سفر، وفقًا للمادة 12 من مشروع القانون، يعد مكسبًا مهمًا، وهو وضع كان اللاجئون محرومين منه بشكل عام، لأن صدورها كان مسؤولية الدولة لا مسؤولية مفوضية اللاجئين، وبصدور القانون متضمنًا هذا الحق يعد ذلك تأسيسًا لحق اللاجئين في هذه الوثائق.
تنص المادة 12 على حق اللاجئ في الحصول على وثيقة سفر تصدرها الوزارة المختصة بعد موافقة اللجنة الجديدة، على أن تحدد اللائحة التنفيذية ضوابط وإجراءات إصدارها وتجديدها.
بحسب مشروع القانون، تشمل اختصاصات اللجنة الحكومية الجديدة (اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين)، الفصل في طلب اللجوء، والتنسيق مع الجهات الإدارية في الدولة لتقديم الدعم والرعاية والخدمات للاجئين، فيما تنص المادة الثالثة من مشروع القانون على أن تُشكَل اللجنة من ممثلين عن وزارات الخارجية والعدل والداخلية والمالية، دون توضيح حجم تمثيل كل جهة، على أن يصدر بتسمية رئيسها وأعضائها وتحديد نظام عملها والمعاملة المالية لرئيسها وأعضائها، قرار من رئيس مجلس الوزراء. كما يحق للأخير أن يضم إلى عضوية تلك اللجنة ممثلين عن الوزارات والجهات ذات الصلة، ويكون للجنة نفسها أن تدعو لحضور اجتماعاتها من ترى الاستعانة بهم من الخبراء والمختصين في مجال عملها.
رغم أن معوض يتفق مع وجهة النظر التي ترى أن التجارب الدولية استقرت على أهمية وجود جهة حكومية تتولى منح صفة اللاجئ، فإنه ينتقد بشدة تشكيل اللجنة الذي يستبعد أي تمثيل لجهة حقوقية أو لحقوقيين، مشيرًا إلى أن دعوة «خبراء» لحضور الاجتماعات، وفقًا لمشروع القانون، لا يسمح لهم بممارسة أي دور في اتخاذ القرار والتصويت عليه.
أيمن زهري، أستاذ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وخبير في دراسات السكان والهجرة، قال لـ«مدى مصر» إن إعداد هذا القانون خطوة مهمة لـ«مأسسة» التزامات مصر الدولية، مشيرًا إلى أن «الوضع الحالي القائم على مسؤولية مفوضية اللاجئين في منح صفة لاجئ هو وضع استثنائي يستند على تنازل الحكومة المصرية منذ عقود عن هذه المسؤولية»، مضيفًا: «في حقيقة الأمر، يعود هذا التنازل على الأرجح إلى أن مسألة اللجوء كلها ظلت لفترة طويلة غير ذات أهمية للدولة، فمثلًا وقّعت مصر اتفاقية مع مفوضية اللاجئين عام 1954 لتسمح لها بافتتاح مقر في مصر، لكن دون أن يكون للأمر برمته أولوية للحكومة المصرية، في الوقت الذي اقتصرت فيه عملية اللجوء على قيادات التحرر الوطني الذين كانوا مقربين من مؤسسة رئاسة الجمهورية نفسها».
لكن علاقة اللجنة بالمفوضية السامية، المنصوص عليها في مشروع القانون، ينظمها نص غامض بعض الشيء، حيث ينص على «اختصاص اللجنة بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من المنظمات والجهات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين، وذلك بعد التنسيق مع وزارة الخارجية».
مع هذا الغموض في علاقة «اللجنة الحكومية» والمنظمة الأممية، يخشى مصدر في مفوضية اللاجئين*، تحدث إلى «مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، من عدم جاهزية الإمكانيات والخبرات المطلوبة لدى السلطات المصرية -من حيث عدد الموظفين المؤهلين للتعامل مع اللاجئين وظروفهم المختلفة- لتولي النظر والفصل في طلبات اللجوء وحدها، وأن الأمر قد يستغرق سنوات لتنفيذه، أو ربما يدفع اللجنة لتركيز عملها في حالات اللجوء الأسهل، وإهمال الباقي.
ربما دخل ذلك في اعتبار مُعدّي مشروع القانون، الذي ينص على أن تتخذ اللجنة قرارها بشأن ملتمسي اللجوء خلال ستة أشهر لمن دخل البلاد بطرق رسمية، وفي خلال عام إذا دخلها بشكل غير رسمي، وهو ما اعترض عليه أعضاء في «لجنة الدفاع»، مطالبين بتقليل المدة، لكن ممثلي الحكومة الحاضرين أوضحوا أن العملية تتضمن تحريات دقيقة عن طالب اللجوء، لذا تم تمديد فترات البت حتى لا تثقل كاهل لجنة شؤون اللاجئين في ظل تزايد أعداد طالبي اللجوء. وفي كل الأحوال، يرى معوض أن ثمة مكسب في النص على سقف زمني بمشروع القانون.
تزايدت أعداد طالبي اللجوء خلال هذا العام، بالفعل، وساهم في ذلك توجه الكثير من النازحين السودانيين لطلب اللجوء في المفوضية، حتى يتجنبوا الخضوع لقرار الحكومة الصادر في العام الماضي، ومدت مهلته أكثر من مرة خلال هذا العام، والذي يفرض على المهاجرين الذين دخلوا بشكل غير رسمي أو انتهت مدد إقاماتهم بتوفيق أوضاعهم مقابل رسوم لا تقل عن ألف دولار.
نتيجة لذلك، تباطأت عملية تسجيل طالبي اللجوء من خلال مفوضية اللاجئين، ثم إدارة الجوازات والهجرة بوزارة الداخلية، لتأخذ شهورًا طويلة بسبب عدم وجود إمكانيات كافية لتسجيلهم بوتيرة أسرع، لأن الوضع الحالي يستلزم حصول ملتمسي اللجوء على موعد مع المفوضية السامية للاجئين، قبل حضور مقابلة في المفوضية ثم انتظار القرار. ومع طول فترات الانتظار بين التقدم لطلب اللجوء، والحصول على موعد للمقابلة، تعرض العديد من طالبي اللجوء السودانيين للترحيل على يد الشرطة، لأنهم لم يحملوا أوراقًا تثبت تقدمهم بطلب اللجوء لدى المفوضية سوى قسيمة حجز موعد المقابلة، والتي قد لا يعترف بها رجال الشرطة «لأن شكلها ورقة ممكن أي واحد يعملها»، حسبما أوضح طالبو لجوء سودانيون لـ«مدى مصر» في وقت سابق.
***
عدم جاهزية الحكومة لتولي الملف، ليس المشكلة الوحيدة أو الجوهرية في مشروع القانون. فرغم أن المشروع يقر بالكثير من الحقوق والمزايا للاجئين وطالبي اللجوء، فإنه نصب فخاخًا بين مواده تحت عنواني: «حماية الأمن القومي» و«الحفاظ على الأمن العام» قد تسقط فيها تلك المزايا والحقوق إذا أرادت السلطة التنفيذية ذلك.
يلفت معوض الانتباه إلى خطورة استخدام لفظي «الأمن القومي» و«النظام العام» على نحو واسع النطاق في مشروع القانون دون تحديد المقصود بهما بالضبط، كما في المادة 12، التي أعطت اللاجئ الحق في الحصول على وثائق السفر، لكنها سمحت في الوقت نفسه للجنة المختصة «لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو النظام العام أن تقرر عدم حصول اللاجئ على وثيقة السفر».
كذلك، أشار معوض إلى نص المادة 29 التي «تحظر على اللاجئ القيام بأي نشاط من شأنه المساس بالأمن القومي أو النظام العام أو يتعارض مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة أوالاتحاد الإفريقي أو جامعة الدول العربية أو أي منظمة تكون مصر طرفًا فيها أو ارتكاب أي عمل عدائي ضد دولته الأصلية أو أي دولة أخرى»، وهي المادة التي يعاقب من يخالفها بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات وغرامة تتراوح بين 100 و500 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين. «نص كهذا مصمم لتجريم أي حراك للاجئين قد يشمل التظاهر أو أي نشاط حتى لو كان احتفاليًا في بعض الأحيان، بالإضافة إلى تقييد أي حق في التعبير»، يقول معوض.
وأضاف: «هذا النص بالإضافة إلى آخر يحظر على اللاجئين الانضمام للنقابات، يرسم صورة لحياة اللاجئين لا يُسمح لهم فيها بأي نشاط عمليًا إلا الانضمام للجمعيات الأهلية في ظل قانون معيب للجمعيات»، مشيرًا إلى أن «حظر الانضمام للنقابات يأتي في ظل السماح لهم بالعمل، وهو ما يحرمهم من المظلة النقابية الضرورية للعاملين».
اعتبارات الأمن القومي والنظام العام سيجدها اللاجئ أيضًا في نص المادة السابعة الذي يسمح للجنة «إلى حين الفصل في طلب اللجوء، طلب ما تراه من تدابير وإجراءات لازمة تجاه طالب اللجوء لاعتبارات حماية الأمن القومي والنظام العام»، وتحظر المادة الثامنة حصوله على تلك الصفة إذا «ارتكب أي أفعال من شأنها المساس بالأمن القومي أو النظام العام»، فيما تعطي المادة العاشرة اللجنة الحق في «طلب اتخاذ ما تراه من تدابير وإجراءات لازمة تجاه اللاجئ لاعتبارات حماية الأمن القومي والنظام العام، وذلك على النحو الذي تنظمه اللائحة التنفيذية» في زمن الحرب أو في إطار اتخاذ التدابير المقررة قانونًا لمكافحة الإرهاب، أو في حال وقوع ظروف خطيرة أو استثنائية -دون توضيح طبيعتها-. فيما تنص المادة 16 على أن يحق للاجئ نقل ما حمله إلى مصر من ممتلكات بغرض الإقامة، ما لم يكن في ذلك مساس بالأمن القومي أو النظام العام.
وينتقد معوض بشدة النص في المادة 31 من القانون على أن يلتزم كل من دخل إلى جمهورية مصر العربية بطريق غير شرعي، ممن تتوافر فيهم الشروط الموضوعية لطالب اللجوء، أن يتقدم طواعية بطلبه للجنة المختصة في موعد أقصاه 45 يومًا من تاريخ دخوله، إذ يعاقب القانون من لا يلتزم بهذا النص بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه أو بإحدى العقوبتين.
يرى معوض أن فرض هذا النص على من دخل للبلاد بشكل غير شرعي هو عقوبة ضمنية في الوقت الذي تحظر فيه اتفاقية 1951 توقيع عقوبة على ملتمسي اللجوء ممن دخلوا البلاد بشكل غير شرعي، مضيفًا: «المادة لا توضح وضع ملتمس اللجوء [ممن دخلوا البلاد بشكل غير قانوني] إذا تقدم بطلبه بعد تلك المهلة، وفي واقع الأمر هذه المادة تمثل تمييزًا بين ملتمس اللجوء الذي دخل البلاد بشكل غير قانوني وملتمس اللجوء الذي دخل البلاد بشكل قانوني، والوضع الطبيعي هو فتح الباب للتقدم بالطلب حتى بعد القبض على ملتمس اللجوء لا أن تمثل تلك المادة تهديدًا على هذا النحو». واقترح معوض أن يُسمح بالتقدم بالطلب في أقسام الشرطة ومقرات النيابة، لا أن يقتصر على مقر اللجنة في القاهرة فقط.
* تنويه: عقب نشر التقرير تواصل مكتب مفوضية اللاجئين بالقاهرة مع «مدى مصر» لتوضيح أن آراء مسؤوليها الواردة هنا، لا تعبر عن المواقف الرسمية للمفوضية. [الأحد 3 نوفمبر، س: 12:50م]
تقارير ذات صلة
«ضيوف مصر» في خطر
اللاجئون في مصر بين استمرار حالة البرزخ القانوني وخطر الاحتجاز والترحيل
نقاش| ما يجب أن نعرفه عن «قانون اللاجئين» الجديد
هل جاء مشروع القانون كرد فعل لحملات الكراهية ضد اللاجئين والمهاجرين على السوشيال ميديا؟
لاجئون في «رمضان» مصر
يبلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر حوالي 473 ألف شخص من 62 جنسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن