تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لاجئون في «رمضان» مصر

لاجئون في «رمضان» مصر

كتابة: مصطفى حسني 8 دقيقة قراءة

«أول يوم رمضان مفطرناش.. اتصلنا بجمعيات علشان تساعدنا في الفطار مكنش فيه أي مساعدة، والوضع في رمضان صعب علينا كتير»، تقول زينب نظمي، 40 عامًا، لاجئة سودانية في مصر.   

جاءت زينب بصحبة أفراد أسرتها (زوج وخمسة أبناء) إلى مصر، في ديسمبر الماضي. باعت هاتفها المحمول وخاتم الزواج لتدبر تكاليف الفرار من جحيم الحرب في بلادها، لتجد نفسها مع أسرتها في مواجهة حجيم آخر.. ارتفاع تكاليف المعيشة في مصر، والذي يتفاقم يومًا بعد يوم دون أفق، وتجلّت مظاهره بقوة مع حلول شهر الصيام.. موسم الإقبال على السلع الغذائية. 

قبل الانخفاض الأخير لقيمة الجنيه المصري، في فبراير الماضي، تصدرت مصر قائمة أكثر عشر دول تعاني من التضخم في أسعار المواد الغذائية، بحسب أحدث تقييم للبنك الدولي، في نوفمبر الماضي.

وبحسب البيانات المتاحة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يبلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر حوالي 473 ألف شخص من 62 جنسية. وبدايةً من أكتوبر 2023، أصبحت الجنسية السودانية هي الأكثر عددًا، ثم السوريون، تليهم أعداد أقل من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق. مع هؤلاء المسجلين، هناك ملايين المهاجرين أو الفارّين من بلادهم غير مسجلين لدى المفوضية يعيشون على أرض مصر. قدّر وزير الصحة، في يناير الماضي، إجمالي عدد «اللاجئين والمهاجرين» أو «ضيوف مصر» بتسعة ملايين شخص، جاؤوا من 133 دولة.  

بعد وصولها مصر، أقامت أسرة زينب في شقة بالإيجار بمنطقة فيصل بالجيزة. تعمل زينب باليومية في بيع «المفراك»، وهو أداة يستخدمها السودانيون في طبخ الطعام، تبيعه للأسر السودانية بجنيهين للواحد، وتصل يوميتها تقريبًا إلى 50 جنيهًا. «يوميتي من بيع المفراك مبتعلمش حاجة، خصوصًا أن جوزي عنده إعاقة من [مرض] السكر ومش بيشتغل، وأولادي خرجتهم من المدارس هذا العام لم يستكملوا دراستهم»، تقول زينب.

حصلت زينب وأسرتها على صفة اللجوء من المفوضية أملًا في الحصول على بعض الدعم يساعدهم على تكاليف المعيشة، لكن أمل الأسرة خاب. «المفوضية مش بتدعمنا بجنيه وإفطارنا في رمضان بسيط، بيكون عدس بكميات قليلة وساعات فول وطعمية أو أكلات سودانية تكون مش مكلفة، ولكن بكميات قليلة، وسجلت في المفوضية كنت عشمانة أنهم يدعمونا، خصوصاً أنهم قالوا إن إحنا نستحق المساعدة، لكن لم نحصل على دعم منهم ولا من الجمعيات اللي بتدعم اللاجئين في الطعام في رمضان»، تقول زينب.

عكس زينب، تحصل أسرة لاجئة سودانية أخرى، تعيش في مصر منذ عشر سنوات على دعم من المفوضية يصل إلى 1250 جنيهًا شهريًا. تقول ندى، 40 عامًا، إن وضع أسرتها «صعب كتير في رمضان ده.. الغلاء الشديد عكس العام الماضي. دلوقتي  كيلو السكر عامل 60 جنيه، واحنا خمس أفراد في العائلة.. 1250 يعملو إيه في غلاء الإيجار وارتفاع أسعار الأكل، بجانب إن أنا مريضة سكر. بناكل فول وطعمية بس في رمضان، أما الفراخ.. من شهور ما دخلتش البيت»

تواصلت ندى مع المفوضية، خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، لدعمها بأغذية لكن دون استجابة. «ما بيرودش على التليفون.. لازم تروح لهم لتقديم طلب، بس الفلوس اللي أنا بركب بيها دي أجيب كيلو سكر بيها أحسن»، تقول ندى.   

بحسب الموقع الرسمي لمفوضية شؤون اللاجئين، يتم تحديد استحقاق تلقي مساعدة برنامج الأغذية العالمي من خلال عملية الاستهداف، التي تعتمد على مصادر متعددة للمعلومات، بما في ذلك المعلومات المتاحة عند التسجيل لدى المفوضية، وأحيانًا المعلومات التي تم جمعها في مقابلات التقييم. يأخذ القرار في الاعتبار عدة عوامل مجتمعة، بما في ذلك الوضع المالي، وعدد أفراد الأسرة، وسهولة الحصول على مساعدات أخرى والاحتياجات الخاصة، ومخاطر الحماية، والحالات الطبية، من بين العديد من العوامل الأخرى. بعد ذلك، تتم مقارنة جميع الحالات لتحديد الأسر الأكثر احتياجًا، التي تقع تحت خط الفقر والأكثر تعرضًا للمخاطر المتعلقة بالحماية. وبعد ذلك يتم تحديد هذه الأسر ودعمها من قبل برنامج الأغذية العالمي.   

كرستين بشاي، المتحدثة الرسمية باسم مفوضية اللاجئين- مكتب القاهرة، قالت لـ«مدى مصر»: «الموارد لدينا محدودة للغاية، لذلك ندعم الأسر الأكثر احتياجًا من اللاجئين»، مشيرة إلى أنه، خلال العام الحالي، حصلت المفوضية على دعم من الجهات المانحة يصل إلى 22% فقط من الميزانية المطلوبة، «مع العلم أن عدد اللاجئين السودانيين من أول أبريل العام الماضي إلى اليوم زاد خمسة أضعاف، ولكن الميزانية المخصصة للمفوضية لم تزد حتى ضعفين»

وأضافت: «هناك أسر من اللاجئين تحتاج بالقطع إلى دعم مالي، وذلك نوصله للجهات المانحة بسبب أننا غير قادرين على تغطية جميع الاحتياجات، وحتى الدعم غير كافٍ للأسر الأكثر احتياجًا التي ندعمها بالتأكيد»، مشيرة إلى أن المفوضية اضطرت لزيادة عدد الموظفين للتسريع من عملية تسجيل اللاجئين بسبب الزيادة الكبيرة في أعدادهم خلال العام الحالي، وذلك أيضًا يأخذ من ميزانية العام، وكذلك توسيع مقر المفوضية: «كان يأتي إلينا 800 شخص في اليوم، النهاردة المتوسط ألفي شخص في اليوم، واضطررنا إلى بناء منطقة كاملة في [مدينة 6] أكتوبر، وبالتالي أيضًا ذلك أخذ من الميزانية»، تقول بشاي.    

***

حين فرت ريان فرح (أم لطفلين وتعمل مُدرسة لغة عربية) من السودان جاءت إلى مصر، في مارس 2023، كمحطة للهجرة إلى كندا أو الولايات المتحدة، لذلك لم ترغب في التسجيل كلاجئة في المفوضية لأن ذلك سيُصعّب إمكانية قبول طلب الهجرة. لكن، بعد ما يقرب من العام لم تنجح محاولاتها فقررت التسجيل في المفوضية أملًا في الدعم، وتنتظر مقابلة في أغسطس المقبل.

أفطرت ريان وطفليها أول أيام رمضان على «العصيدة»، وهي أكلة سودانية تُصنع من الدقيق والزبادي والزيت. في التالي من أيام الصيام تنوع إفطارهم بين الفول والعدس، أما البروتين الحيواني «مستحيل». تقول ريان إنها تتحمل جميع تكاليف المدارس والعلاج وإيجار المسكن، لأن زوجها متوفى، «مصروفات المدرسة هذا العام لم أتمكن من دفعها حتى الآن، ومش عارفين نعمل إيه»

كانت ريان محظوظة بحصولها على شنطة رمضان هذا العام. «كان فيه زول سوداني يقوم بتوزيعها، لكن تعرضنا للضرب بسبب الازدحام الشديد على توزيع الشنط في منطقة شارع جمال عبد الناصر بجسر السويس»، مشيرة إلى أنه حتى الجمعيات الأهلية التي اعتادت دعم اللاجئين بشنط رمضان قررت قصر الدعم على المصريين هذا العام.

***

رئيس جمعية الأجنحة القوية لدعم اللاجئين، أمير خالد، قال لـ«مدى مصر» إن الجمعية، خلال السنوات السابقة، كانت تتلقى تبرعات بشنط رمضان تحتوي على زيت وسكر وملح وعدس وأرز وشعرية. وكان الدعم يأتي من بعض الجمعيات الأهلية مثل «الأورمان»، وبعض الأحزاب واتحاد الجمعيات الأهلية وتبرعات ذاتية من المصريين، لكن، خلال رمضان الحالي، لم نحصل على أي دعم غذائي من تلك الجهات، مفسرًا ذلك بالعدد الكبير للغاية من اللاجئين السودانيين الذين أتوا خلال العام الأخير. أيضًا، العديد من المنظمات الصغيرة التي كانت تدعم اللاجئين خلال شهر رمضان أغلقت بسبب نقص التمويل، بعضها لم يعد قادرًا ملاحقة الزيادات في إيجارات المقرات، مشيرًا إلى أن «العديد من الأسر تعاني بشدة خلال رمضان الحالي، وبعضهم تواصل معي بسبب أنهم غير قادرين على الإفطار من الأساس». 

وتقول أحلام مهدي، رئيس جمعية الأحلام الأفروآسيوية، لـ«مدى مصر» إن بنك الطعام كان يدعم الجمعية على مدار السنوات السابقة خلال شهر رمضان، لكن العام الحالي، لم يرسل شُنط رمضان كالمعتاد، بسبب ارتفاع أسعار السلع، وزيادة أعداد اللاجئين. العام الماضي، وزعت الجمعية 300 شنطة رمضان، والشنطة كانت تحتوي على مكرونة وأرز وعدس وسكر وزيت وسمنة، لكن العام الحالي لم يوزعوا أي شنط. «مين يقدر يعمل دلوقتي شنط فيها سلع غذائية كتير في الغلاء اللي إحنا فيه»، تتساءل أحلام، مشيرة إلى أن العديد من اللاجئين يتواصلون معها طلبًا للطعام خلال شهر رمضان، لكن الجمعية غير قادرة على تلبية حاجاتهم.

من جانبه، قال مدير عام جمعية الأورمان، ممدوح شعبان، لـ«مدى مصر»، إن الجمعية غير قادرة على سد احتياجات جميع اللاجئين، سواء المسجلين في المفوضية أو غير المسجلين، وذلك نظرًا لارتفاع أعدادهم خلال العام الأخير، موضحًا: «حجم دعمنا لهم لم يقل، لكن أعداد اللاجئين زادت بصورة كبيرة خلال العام الأخير، وبالتالي الدعم أصبح أقل خلال شهر رمضان الحالي، لكن سياستنا بالتأكيد دعمهم قدر الامكان».

***

كانت وزيرة التضامن الاجتماعي، نيفين القباج، استعرضت «ما توفره الجمعيات الأهلية للاجئين في مصر، سواء من حيث تقديم معونات غذائية، أو مساعدات صحية وتعليمية»، خلال اجتماع للحكومة، مطلع يناير الماضي، لمتابعة ما تتحمله الدولة المصرية من مساهمات لرعاية «ضيوفها» من مختلف الجنسيات «اللاجئين»، لكن بيان الحكومة عن الاجتماع لم يذكر أكثر من ذلك، ولم يتطرق إلى أي أزمة تواجه العمل الأهلي في دعم اللاجئين نتيجة زيادة أعدادهم، وبالطريقة نفسها جاءت إشارة البيان إلى «تناول وزير التموين، خلال الاجتماع، ما تتحمله الوزارة في قطاع التموين، لتوفير احتياجات الملايين من ضيوف مصر، سواء من السلع الأساسية، أو من غيرها»، دون أي توضيح لكيفية حدوث.

في المقابل، قال مدير البرامج في المؤسسة المصرية لدعم اللاجئين، المحامي محمد فرحات، لـ«مدى مصر» إن «الدولة لا تتحمل أية أعباء مالية مقابل استقبال اللاجئين أو الوافدين إلى مصر، فهؤلاء يتحملون كامل تكاليف المعيشة في مصر من مسكن وماء وكهرباء وغاز وتعليم وصحة.. وغيرها من خدمات، دون أي دعم من الدولة، بل على العكس، يدفع اللاجئ أو الوافد أكثر من المصريين نظير بعض الخدمات، مثل إيجار المسكن»، مضيفًا أن الدولة تستفيد من رسوم الإقامة التي يدفعها هؤلاء، ربما بقدر ما تهدر بيروقراطيتها من موارد كبيرة يمكن تحصيلها منهم -مثلًا- بعرقلتها استخراج تصاريح عمل رسمية، كما ظهر في تصريحات وزير العمل خلال اللقاء الوزاري، حيث قال إن «أعداد من حصلوا على تصاريح العمل بصورة رسمية… بسيطة للغاية ولا تتناسب مع الأعداد [اللاجئين] المعلنة».

واقع الحال يقول إن اللاجئين والمهاجرين أصبحوا مصدرًا لموارد كبيرة تحصّلت عليها الدولة، كما تجلى في الاتفاق الأخير بين مصر والاتحاد الأوروبي، والذي حصلت بموجبه مصر على حزمة تمويل بلغت 7.4 مليار يورو بينها منح بقيمة 200 مليون يورو موجهة لشؤون تتعلق بالهجرة. 

وقبل ذلك، كانت مصر قد وقعت اتفاقًا مع الاتحاد الأوروبي، أواخر 2016، لمكافحة الهجرة، حصلت بموجبه القاهرة على 60 مليون يورو. وفي أكتوبر 2017، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه توصل إلى اتفاق مع مصر يؤدي على وجه الخصوص إلى تمويل برنامج يسمى «تعزيز الاستجابة لتحديات الهجرة في مصر» عن طريق صندوق الطوارئ الأوروبي الخاص بإفريقيا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#لاجئون

«ضيوف مصر» في خطر

اللاجئون في مصر بين استمرار حالة البرزخ القانوني وخطر الاحتجاز والترحيل

مصطفى حسني و أحمد بكر 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن