تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حصارنا طويل

حصارنا طويل

كتابة: عصمت الحلبي 13 دقيقة قراءة
صورة لصفحة قصيدة «رسالة إلى جندي إسرائيلي» بإذن من عائلة معين بسيسو

نشر هذا النص بالإنجليزية في موقع «بابليك بوكس» وننشره بإذن من الكاتب. 

كيف تكسر حصارًا؟ كيف تهرب من السجن؟ كيف تستعيد أرضك؟ هذه الأسئلة واجهها الفلسطينيون جيلًا بعد جيل، شأنهم في ذلك شأن معظم المستعمَرين. منذ خمسينيات القرن العشرين فصاعدًا، أعلنت اجتماعات الدول المسمّاة أفرو آسيوية أو دول عدم الانحياز دعمها لتصفية استعمار جنوب شرق آسيا، والمستعمرات الإفريقية «الفرنسية»، والمستعمرات الإفريقية «البرتغالية»، وتصفية استعمار هذه الدولة وتلك. إلّا أن القرارات المتعلقة بتحرير فلسطين ظلت حبرًا على ورق.

كانت لحظات تصفية الاستعمار، المتعلقة منها بالقضية الفلسطينية المستعصية، مناسبات للابتهاج. ولعلنا نتذكر مشاهد جنوب لبنان في مايو 2000، حين انسحب الجيش الإسرائيلي أخيرًا من المنطقة. كانت إسرائيل موجودة في لبنان، بمساعدة حلفائها اللبنانيين اليمينيين، منذ عام 1982، حين اجتاحته لطرد منظمة التحرير الفلسطينية من مقرها الرئيسي في بيروت. في ذلك الصيف، حاصر الجيش الإسرائيلي بيروت لأكثر من شهرين، وقصف المدينة المكتظة بالسكان وقتل الآلاف. لقد قُتل العديد من اللبنانيين، رغم أن الفلسطينيين كانوا الأهداف الرئيسية للحملة الإسرائيلية.

كان من بين المتجمعين تحت القصف معين بسيسو ومحمود درويش، من أبرز شعراء فلسطين. سوف يكتب كلٌ منهما روايات طويلة عن الحصار لاحقًا، لكنَّهما في إحدى ليالي الصيف كتبا معًا قصيدة. حملت عنوان «رسالة إلى جندي إسرائيلي». وفي مقطعٍ منها يخاطب الشاعران «ساكن الدبابة»:

نكتب لك

  من قبل أن تشعلنا قذيفة أو تشعلك

  رسالة المحاصر الأخير للمحاصر الأخير

  نكتب من شظية أرسلتها.. لتحملك

  من عتمة «الجيتو» إلى أجسادنا..

  نكتب لك

يسأل بسيسو ودرويش:

هل يستطيع المرء أن يبول، طول العمر، في دبابة؟

هل يستطيع المرء أن يقرأ أن يكتب في الدبابة؟

هل يستطيع المرء أن يطيّر الحمام في دبابة؟

هل يستطيع المرء أن يضاجع المرأة في دبابة

أن يغرس الأشجار في الدبابة؟

...

 إلى متى تظل في مخالب الدبابة

 إلى متى تظل في أمان؟[1]

تمثل القصيدة انقلابًا مدهشُا: الشاعران حبيسا شقة تحت رحمة الصواريخ وقذائف الهاون، يسخران من الجندي الذي يحاصرهما. الجندي الإسرائيلي مقيد بالفولاذ الذي يفترض أنه يحميه. يكتبان في رسالتهما: «وأنت في [الدبابة] الزنزانة، وأنت خلف غابة القضبان». تنتهي العديد من مقاطع القصيدة بلازمة: هل أنت في أمان؟

كما أن للشاعرين لازمتهما الخاصة: حصارنا طويل

حصارنا طويل

 سنخبز الحجر

 ونعجن القمر

 ونكمل السفر

في نهرنا الجميل

حصارنا طويل 

لا تزال الصفحات الأصلية التي كتب عليها درويش وبسيسو هذه القصيدة، والتي تتنافس أشطرها باللونين الأحمر والأزرق عبر الصفحة، محفوظة ولو أنها في خطر، في منزل نجل بسيسو في غزة. ومثلما فعل في الجولات السابقة من هجمات إسرائيل الجوية، جمع بسيسو الابن بعناية، ولو على عجل، أوراق والده، بما فيها مسوداته ومذكراته ورسائله وكتبه وأقلامه. ولف بالملاءات لوحات معين التي تستقر عادةً بفخر على جدران شقته في غزة. ووضّب هذا الأرشيف، وهو أرشيف أحد كبار كتَّاب فلسطين، في بضع حقائب وضعها عند باب منزله. يتساءل كيف له إنزالها الطوابق العشرة أو أكثر قليلًا الفاصلة بينه وبين الشارع. لقد نزحت زوجته وأطفاله قبل أيام للبقاء مع العائلة في الجزء الجنوبي من قطاع غزة. وهكذا ظل صامدًا في الشقة وحده، في النصف الشمالي المكتظ بالسكان من القطاع الذي حكم عليه الإسرائيليون بالتدمير. حصارنا طويل.

يعود الفضل في نجاة أوراق معين بسيسو من حصارات متعاقبة عبر أجيال عدة إلى زوجته، المناضلة والمُعلّمة الفلسطينية، صهباء البربري. تقول البربري في مقابلة مع غادة العجيل: «حين غادرنا لبنان، لم نتمكن من أخذ أغراضنا. فقد سُمِح للناس أخذ حقيبةٍ واحدة، فحاولت أخذ قدر ما أستطيع من مقالات معين وكتبه وما كتبه بخط يده وأدبه وأغراضه».

وتتابع: «لم آخذ سوى عدد ضئيل من الصور، تلك التي كنت أخشى وقوعها في أيدي الإسرائيليين، لأنها قد تشكل خطرًا على من يظهر فيها. أخبرني حارس المبنى فيما بعد أنه عقب مغادرتنا، اقتحم الجنود الإسرائيليون المنزل وأخذوا صورة كبيرة تجمع معين والشاعر الفلسطيني محمود درويش وياسر عرفات، كانت معلقة في مدخل المنزل، وأطلقوا عليها النار» [2].

في يوم الجمعة الموافق 6 أكتوبر من هذا العام، كان أكثر من مليوني فلسطيني يقيمون في قطاع من الأرض يبلغ طوله 25 ميلًا وعرضه ستة أميال. وكان ارتفاع الجدران والأسوار المحيطة بالقطاع يزيد عن 20 قدمًا. وكان البحر الأبيض المتوسط، وهو بمثابة مقبرة وبوابة إلى العالم لكثيرين على السواحل الجنوبية، تحت حصار دائم. ومن بين المليونين المقيمين في القطاع، كان النصف تقريبًا تحت سن 18 عامًا، أي أن هؤلاء عاشوا حياتهم بأكملها تحت حصار الجيش الإسرائيلي وبحريته وقواته الجوية.

في 7 أكتوبر، أعلن اللواء غسان عليان، منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، المعروفة بـ«المناطق» في الاصطلاح الاستعماري، أن «حماس فتحت أبواب جهنم على قطاع غزة». أراد اللواء عليان القول، بطبيعة الحال، إن الجيش الإسرائيلي سوف يُطلق مرة أخرى على القطاع نيران جهنم، بما فيها صواريخ لوكهيد مارتن «إيه جي إم-114 هيلفاير(1)» التي سارعت الولايات المتحدة إلى تزويده بها. لكن يمكن قراءة عبارة اللواء عليان من زاوية أخرى. ففي نظر الفلسطينيين ممن عبروا العتبة بين سجنهم والأرض خلفه، كانوا يخرجون من جهنم. إذا كان أنصار حماس وغيرهم من الفلسطينيين في غزة «فتحوا أبواب جهنم» فجر 7 أكتوبر، فقد فعلوا ذلك للخروج من جهنم التي صنعتها لهم إسرائيل ووافق العالم عليها ضمنيًا.

لا تقتصر ظروف الحصار على غزة. ففي خلال الانتفاضة الأولى والثانية، وما بينهما وبعدهما، قُيّدَت الحركة بين المدن والبلدات الفلسطينية بأكملها. والحال أن تاريخ الحصار سابق حتى على إقامة دولة إسرائيل، ويعود إلى عام 1945 حين أصدرت سلطات الانتداب البريطاني أنظمة طوارئ الدفاع التي انتقلت بعد ذلك إلى القانون الإسرائيلي مؤمنة الهيكل القانوني للاستعمار الإسرائيلي اليوم. إن نظام نقاط التفتيش والممرات الموثق، بل والمعروف للقاصي والداني، ومعه الجدران والأسيجة ونظام فصل الشوارع العنصري والاعتقالات الجماعية والتعذيب والإساءة المعممة والتشويه والقتل اليومي -اليومي- على يد الدولة الإسرائيلية وأذرعها، لم تُثر قط أي تساؤلات حول «شرعية» إسرائيل. وقرارات تتلوها قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وجبال من التقارير المتعلقة بالحالة الإنسانية؛ وبعثات ولجان ومحاكم انعقدت بانتظام لعقود من الزمن؛ واتهامات لمسؤولين إسرائيليين في المحاكم الأوروبية؛ وآلاف الساعات من الشهادات والروايات المفصلة والشاملة غير المسبوقة في التاريخ عن التجريد والإهانة والموت؛ لم تحقق للفلسطينيين أي شيء يُذكر.

إن معرفة التاريخ الفلسطيني تشبه اختبار حالة لا نهائية من الديچا ڤو. فكل شهادة عن الوضع الفلسطيني تعبر عن الحاضر. ولا يقتصر سبب هذا على أن أعداء الفلسطينيين يواصلون العمل على تجريدهم من ممتلكاتهم وقتلهم، بل أيضًا لأن هؤلاء الأعداء يواصلون بلا خجل استخدام اصطلاحات التبرير ذاتها. لم يكن بسيسو مؤرخًا، فقد درس الأدب في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وأصدر مطبوعات بالسر، وتعلم الشعر في السجن، إلا أن غزة مكان يعاني من ندرة التاريخ؛ ومذكراته عن غزة التي عرفها من أفضل الشهادات التاريخية عن هذا المكان. ويمثل كتاباه «يوميات غزة» (1971) و«دفاتر فلسطينية» (1978) شهادات لا غنى عنها على التاريخ الفلسطيني الحديث. ولد بسيسو في حي الشجاعية في غزة عام 1926، وكان يعرف المدينة ككف يده. وتاريخه لفلسطين كان تاريخًا على طريقته الخاصة.

يكتب بسيسو ودرويش في قصيدتهما المشتركة: تاريخنا مطر يحفر الحجر. في مقالات لا تعد ولا تحصى طوال حياته -كانت الكثير من كتاباته مناسباتية وغير مجمعة، وافتتاحيات قصيرة، ومراجعات متناثرة بين الصحف الأسبوعية واليومية العربية في بيروت والقاهرة- انتقد بسيسو الكتابات الغربية عن غزة. وسوف يُشبه، كما فعل في مقال نشره عام 1979 في صحيفة الأسبوع العربي البيروتية [3]، الصحفيين في غزة بالسياح المتلهفين للدماء، الذين يكررون القصة القديمة نفسها من دون أن ينظروا بجدية في ماضي غزة.

كتب بسيسو في «يوميات غزة» ينتقد النظام الإنساني الجديد الذي ظهر بعد عام 1948: «إن برنامج إبادة الهندي الأحمر الفلسطيني في معسكرات اعتقاله الجديدة في قطاع غزة التي كانت تشرف عليها وكالة الإغاثة لم تكن تأخذ صور المظاهر التقليدية وأشكالها للإبادة». وفي عام 1956، احتل الإسرائيليون القطاع للمرة الأولى. كتب بسيسو أن الهجوم الإسرائيلي على غزة «كان يستهدف حرق تاريخ فلسطين وثقافتها وكل تضاريسها الطبيعية» -ما يشبه إلى حدٍ مخيف، كما ذكر بسيسو، استهداف النازيين القضاء على اليهود في أوروبا. وفي وصفه للاحتلال الإسرائيلي لغزة، يحدد بسيسو أيضًا جينالوجيا الحرب الاستعمارية. ويذكر أن الجيش الإسرائيلي اعتاد تمييز المنازل المستهدفة بوضع علامات بالطباشير البيضاء عليها، «ليعطي أصحاب البيت فرصة دقائق لإخراج ما يمكنهم إخراجه». وتابع: «في معظم الأحوال كان أصحاب البيت يُدفعون بكعوب البنادق في ظهورهم خارج البيت.. ويرغمهم المحتلون على مشاهدة بيتهم وهو ينهار.. ويتطاير خشبًا وحجارة وحديدًا وزجاجًا أمام عيونهم.. وتحت الأنقاض.. كل ما يملكون» [4].

في تاريخه المصور عن النكبة والصادر عام 1961، وثق عارف العارف، وهو مؤلف أحد أوائل الكتب عن التاريخ الحديث لغزة، العديد ممن لقوا حتفهم في أثناء النضال الفلسطيني. وروى بإيجاز آثار القتل والسلب على الأجيال المتعاقبة. إحدى صفحات كتابه احتوت على صورتين تحمل عنوان «أبناء شهداء دير ياسين». يظهر في الصورة الأولى عشرات الشباب والشابات يسيرون في الطريق حاملين لافتة لدار الأيتام التي احتضنتهم؛ وفي الصورة الأخرى، في الأسفل، يظهر عشرات الأطفال الصغار، متجمعين معًا، يحتسي أكثرهم من أكواب بسيطة، وبعضهم يمسكون دمًى. يقول العارف في تعليقه: «كانوا عام 1948 صغارًا، يأكلون ما تجود به نفوس الآخرين من طعام. ولما شبوا وعرفوا كيف حلت بهم وبوطنهم النكبة راحوا يتنادون لأخد الثأر واسترداد الوطن السليب» [5].

كانت المجزرة، من منظور سكان دير ياسين، دعوة إلى العمل. ومن منظور الفلسطينيين الآخرين، كانت ولا تزال رمزًا وعلامة. كانت دير ياسين واحدة من المجازر العديدة المقرونة بتوطيد السيطرة الاستعمارية اليهودية الأوروبية على فلسطين عام 1948. ولم تكن المجزرة الأولى ولا الأخيرة، بل مجزرة بارزة في تاريخ المجازر المستمر من عام 1947 إلى 27 أكتوبر 2023. قُتل أكثر من 250 فلسطينيًا بين 9 و10 أبريل 1948 على يد ميليشيا ليحاي بقيادة إسحق شامير وميليشيا إرجون بقيادة مناحيم بيجن. أُلقيَ القبض على بعض الفلسطينيين وعُرِضوا في شوارع القدس، حيث تعرضوا للبصاق والحجارة قبل إعدامهم. إن وحشية دير ياسين، والهدف الصريح لمرتكبيها بجعل القرية عبرة، فتحت الطريق نحو أشد فترات التهجير حدةً في خلال النكبة.

تعاود «دورة» العنف المجازية الظهور أمامنا الآن لتحجب علاقات القوة وتمحو السياق التاريخي. بدأ العنف الاستعماري في فلسطين مع الغزو البريطاني إبان الحرب العالمية الأولى. فوعد وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور بأن حكومته ستسهل إنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي» -الصادر في خضم تلك الحرب- هيأ الظروف لمزيد من تجريد أهالي فلسطين من الأرض. حدث ذلك بالقوة، وكان يُقابَل على الدوام بالمقاومة، سيما من جانب الفلاحين الفلسطينيين. والحال أن عملية تحويل الأراضي العثمانية، بما فيها فلسطين، شرعت به العواصم الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، إلا أن التحويل الحاسم لعلاقة الأرض والعمل في فلسطين لم يحدث إلا بتدفق المستوطنين الصهاينة الأوروبيين في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين. استولى المستوطنون على الأراضي الزراعية المشاعية القائمة، ومَن كان يحرث تلك الأرض من الفلسطينيين هُجر في الغالب إلى أشكال جديدة من الأحياء الفقيرة في المدن الساحلية، بعدما صار بسبب هذا الاستيلاء فريسة للفقر المدقع.

لم يستعمر المستوطنون الصهاينة الأوروبيون فلسطين وحدهم، بل استعمروها بدعم إمبريالي دولي. فقد سهلت السلطات البريطانية، بإذنٍ من عصبة الأمم، تجريد الفلسطينيين من أراضيهم ومصدر رزقهم. لقد حكم هذا السياق الإمبراطوري بمعنى ما على المشروع الصهيوني بالنجاح، وهذا ما أدركه بعض المراقبين اليهود المناهضين للصهيونية في وقت مبكر من عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. فالنظام الذي أنشأه البريطانيون سمح للمستوطنين الصهاينة الأوروبيين بخرق القانون لخدمة هدفهم النهائي، في حين لم ينَل منه الفلسطينيون سوى الشيطنة والسجن والنفي. ولا تزال بنية هذا الدعم قائمة، في صورة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية والمساعدات العسكرية غير المحدودة من الولايات المتحدة، وتغذي، بينما نتحدث الآن، محركات التجريد. نشهد هنا تاريخًا من الاستمرارية، في الرفض الواضح من جانب السياسيين الأمريكيين والأوروبيين للنطق حتى بكلمة وقف إطلاق النار أو وقف التصعيد، رغم مقتل مئات الفلسطينيين كل يوم.

في الأعوام المفضية إلى عام 1948 حين وصل الاستيطان اليهودي الأوروبي إلى ذروته، ازداد طرد الفلسطينيين من قراهم وبلداتهم ومدنهم وأحد أسباب ذلك كان الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا ضد يهود أوروبا. في نظر المستعمرين المستوطنين الذين نفد صبرهم من الإمبراطورية البريطانية التي قدمت لعقود أموالًا وتسهيلات لما كان يسمى «اليشوف» للسيطرة على فلسطين، كانت فترة الأربعينيات فترة من المقاومة المسلحة الطويلة ضد البريطانيين.

لقد تحوَّل استعمار فلسطين في روايات متتالية على لسان المستعمرين أنفسهم، ومن ثم أنصارهم، إلى نضال مناهض للاستعمار. فرواية ليون يوريس «الخروج»، الصادرة عام 1958، والفيلم الحامل للاسم نفسه من بطولة بول نيومان والمعروض عام 1960، يصوّران للجمهور الأمريكي الأسير قوات اليشوف على أنها أقرب إلى مقاتلي نيو إنجلاند تحارب بشجاعة الظلم البريطاني. هذه الروايات البطولية وأضرابها تتجاهل العنف الممارس على الفلسطينيين بتحويل المستعمرين إلى ضحايا للعدوان الإمبراطوري وليس إلى مستفيدين من الرعاية الإمبراطورية. في كتابه «الثورة»، وهو سيرة لمنظمة إرجون كتبه عام 1951، دأب مناحيم بيجن على تسويغ تكتيكات مجموعته، لكنه أنكر ضحاياها الأساسيين. وأصر قائلًا: «لم نكن إرهابيين. بل كنا بحزم ضد الإرهابيين». أما ما حدث بوضوح، وما قيل في بعض الأحيان صراحةً، كان يُدفن باستمرار تحت كومة من الأكاذيب. أدرك جورج أنطونيوس في كتابه عن القومية العربية الصادر عام 1938، «يقظة العرب»، التحدي الماثل أمام الفلسطينيين: «تجابه المؤرخ الذي يريد دراسة المشكلة الفلسطينية صعوبات من نوع خاص.. أمام الباحث مهمة شاقة وهي معالجة الأباطيل التي يخيل له عند أول نظرة أنها الوقائع، ثم تنحيتها عن المكان الرفيع الذي تحتله بدون حق وهذا بالإضافة إلى مهمته الاعتيادية».

كان للتشويش السردي آثار سياسية بالغة. فانتقال الغرب المعادي للسامية بشدة وعمق، من قاتل جماعي للشعب اليهودي إلى مؤيد كبير للدولة اليهودية، حدث عبر إزالة الفلسطينيين من عداد الحضارة، أو ما يسمى حضارة. وترافق الإبعاد الجسدي للفلسطينيين من منازلهم مع إخراج فلسطين من «عائلة الأمم». تزامن استعمار فلسطين المتأخر مع تحويل الإمبراطوري إلى دولي وتوحيد قوة شمال الأطلسي ضد حركات التحرر المناهضة للإمبريالية في إفريقيا وآسيا ودول أمريكا اللاتينية الرازحة تحت الاستعمار منذ فترة طويلة. وسار خطاب نتنياهو أمام الأمريكيين في 9 أكتوبر، وما تضمنه من ذكرٍ متكرر للعالم المتحضر ضد «البربرية» و«المتوحشين»، على نهج نصٍ معروف يعود إلى قرون مضت.

هكذا، فإن الحديث عن «دورات» من العنف يعني تجاهل المسار الواضح الذي أفضنا بنا إلى هنا. وللمرء أن يقرأ التصريحات التي صدرت عن القيادة الصهيونية ويسرد الإجراءات التي اتخذتها منذ عام 1948 سنويًا وإلى تلك التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في هذا اليوم بالذات، وأن يرى مرارًا وتكرارًا الرغبة والخطة والوسائل لتهجير الشعب الفلسطيني أو قتله. وفي الوقت نفسه، لا تعني قراءة أقوال الماضي، الصادرة عن راصدي هذا العنف من الفلسطينيين، السفر بالقارئ عبر الزمن، بل الوصول به إلى الحاضر. كان من الممكن اليوم كتابة مقال إدوارد سعيد المنشور عام 1997 والمعنون «استذكار دير ياسين»، ليس لأن سعيد كان يتمتع برؤية ثاقبة، وقد كان بالفعل كذلك، بل لأن الوضع في فلسطين منذ ذلك الحين لم يتغير كثيرًا، وبالتأكيد ليس للأفضل. كتب سعيد عن الصهيونية: «الفكرة برمتها تتمثل في تقليص الوجود الفلسطيني إلى الصفر، ومحو الفلسطينيين كشعب يتمتع بحقوق مشروعة، وجعلهم غرباء في أرضهم». وتابع: «وقد نجحت إسرائيل حتى الآن في مسعاها. عملية أوسلو للسلام، والمستوطنات، والتحدي المتعجرف الصادر عن نتنياهو: كل هذه الأمور تنبع مباشرةً من أحداث كدير ياسين والفكرة التي جعلت من دير ياسين المجزرة التي كانتها».

في الأيام القليلة الماضية، انتشر مقطع فيديو لجندي احتياطي في الجيش الإسرائيلي يبلغ من العمر 95 عامًا يُدعى عزرا ياشين وهو يلقي خطابًا حماسيًا على الجنود الشباب المتجهين إلى الخطوط الأمامية. يقول ياشين: «انتصروا واقضوا عليهم… امحوا ذكرهم. اسحقوهم وأهلهم وأمهاتهم وأطفالهم». يجسد ياشين الخط المباشر من دير ياسين إلى الآن لأنه شارك بنفسه في المجزرة وهو في العشرين من عمره. ويذكر في مقابلة معه عام 2020 دوره في المجزرة: «صحيح أن النساء والشباب قُتلوا، لكن السبب أنهم كانوا من المقاتلين».

في الأسبوع الماضي، قضيت ساعة أتحدث مع نجل معين عن والده. بعد وقت قصير من إنهاء مكالمتنا، رأيت على تويتر أن المبنى الذي يقطنه قد تعرض للهجوم واشتعلت فيه النيران. وقد خشيت الأسوأ، إذ لم تنجح محاولاتي للاتصال به. في محاولتي العاشرة، رن الهاتف أخيرًا وأجاب صديقي المصدوم. أصيبت الشقة المجاورة له. كان قد أمسك بثلاث من الحقائب المشتملة على أثمن مواد والده وهرع إلى الطابق الأرضي. لم يكن متأكدًا مما إذا كان ذلك مجرد صاروخ تحذيري أو أن المبنى على موعد مع تسويته بالأرض قريبًا، أو أن النهاية قد أزفت. كان يخشى امتداد الحريق إلى شقة عائلته. نجت الشقة وكذلك الأرشيف مرة أخرى. حصارنا طويل.

نعرف مَن صنع جهنم التي يعيش فيها الفلسطينيون اليوم. مَن سيُزيل جهنم تلك؟ ومَن سيشاهد بصمت أو يهلل حين تتعمق أغوارها ويتلظى شعبها بلهيبها المستعر؟

الهوامش

  1. معين بسيسو ومحمود درويش، «رسالة إلى جندي إسرائيلي»، «السفير» 24 يوليو 1982، ص. 8. جميع الترجمات من اللغة العربية لعصمت الحلبي.
  2. Sahbaa Al-Barbari, Light the Road of Freedom, edited by Ghada Ageel and Barbara Bill (University of Alberta Press, 2021), p. 70.
  3. معين بسيسو، «بطاقة معايدة إلى غزة»، «الأسبوع العربي»، 30 ديسمبر 1974، ص. 68. 
  4. معين بسيسو، «يوميات غزة» (بيروت: دار الفارابي، 2014)، ص 31-32، 101.
  5. عارف العارف، «النكبة في صور» (بيروت: دار العلم للملايين، 1961)، ص. 424.

(1)- إيه جي إم-114 هيلفاير: صاروخ جو أرض، وهيلفاير تعني نيران جهنم بترجمة حرفية. (المترجم)

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن