تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«جاسر» الذي يطبخ لمَن يحب ويصحب إلى الصحراء مَن يحب

«جاسر» الذي يطبخ لمَن يحب ويصحب إلى الصحراء مَن يحب

كتابة: لينا عطاالله 7 دقيقة قراءة

كَتَبَ جاسر عبد الرازق رسالة لي، في أغسطس الماضي، عن نيته ترك المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مطلع العام القادم؛ «أنا مُتعب ومُنهك. المبادرة تستحق ما هو أفضل، وأنا أستحق بعض الراحة». كانت خطته أن يفعل أشياءً مع مريم قرشي، زوجته، تتضمن مشاريع طهي٬ بعدما أدار المكان الأبرز في العمل الحقوقي في مصر منذ عام 2015، حتى إلقاء القبض عليه الخميس قبل الماضي. 

قبل أربع سنوات، حاولتُ ثم فشلتُ في كتابة نص يأخذ شكل الدليل بعنوان «كيف تنسحب». كنتُ مُتعبة ومُنهكة أيضًا٬ لدرجة لم تسمح لي بالكتابة، أو حتى الانسحاب مما كنت أفعله في «مدى مصر». هكذا واصلتُ ما أفعل، وكان جاسر حاضرًا للنصح طول الطريق. في رسالته الصيف الماضي، ذكرني جاسر بمشروع «الانسحاب»، وذكرني أيضًا بأن «الرغبة» هي ما يجب أن يؤجج ما نفعله، وأن هذا قد يتطلب القيام ببعض التوقف عما نقوم به أحيانًا. 

caption

لكن جاسر٬ المُدافع عن حقوق الإنسان منذ أكثر من 25 عامًا، والزوج والأب، والطاهي الطموح وعاشق الصحراء، واجه نوعًا مختلفًا من التوقف عندما كان يجلس وحيدًا في شقته بالمعادي في 19 نوفمبر الجاري انتظارًا لاعتقاله. كان قد أرسل زوجته، وابنيهما؛ خليل، 11 عامًا، ومراد، 7 أعوام، إلى منزلهما خارج القاهرة. أخبر صديقته غادة شهبندر بأنه لا يريد لأطفاله أن يشهدوا ما شهده في طفولته. «كانت لديه ذكريات مؤلمة عن اعتقال والديه، وعن الركض طفلًا في مكاتب النيابة»، تقول شهبندر. جاسر هو نجل الناشطيّن اليساريين المخضرمين والصحفيين فريدة النقاش والراحل حسين عبد الرازق.

caption

«كان هادئًا ومُتماسكًا، ويبتسم طوال اليوم. أعد حقيبته [المتعلقات التي سيأخذها إلى السجن] وصنع قهوته. أما أنا٬ فكنتُ أتحرك جيئة وذهابًا.. مثل كرة البنج بونج»، تقول قرشي، زوجته المعمارية. اعتقلت قوات الأمن جاسر من منزله مساء ذلك اليوم. وفي اليوم السابق، اعتقلت قوات الأمن زميله كريم عنّارة، رئيس وحدة العدالة الجنائية في «المبادرة»، من أحد شواطئ «جنوب سيناء» حيث كان يقضي إجازة على شاطئ البحر الأحمر. وقبل أربعة أيام، اعتُقل محمد بشير، مدير «المبادرة» الإداري، من منزله فجرًا. وهم يواجهون جميعًا اتهامات منها «الانضمام إلى منظمة إرهابية ونشر أخبار كاذبة»، واحتُجزوا رهن الحبس الاحتياطي.

يعمل جاسر٬ 52 عامًا٬ في مجال حقوق الإنسان منذ 1994، وتنقل بين منظمات محلية أرست أُسس الحركة الحقوقية في مصر، ومنظمات دولية معروفة. قد تتوقع أن يكون جاسر الشخص الذي يستشهد ببنود هذه الاتفاقية الدولية، أو تلك المعاهدة العالمية في محادثاته. لكنه، ومعه «المبادرة»، كان أكثر طموحًا وأكثر واقعية في الوقت نفسه؛ كان نهج «المبادرة» في مجال حقوق الإنسان مدعومًا بالبحث الدؤوب وفهم الفعل السياسي كمحاولة دائمة للانخراط -رغم القيود- في مواضيع عدة تحت مظلة العدالة الجنائية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات المدنية.

«يجب أن تكون لدينا توصيات بشأن السياسات مع التركيز على ما هو مناسب للحظة»، تقول لبنى درويش، مسؤولة النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان في «المبادرة»، نقلًا عن جاسر، الذي عملت معه منذ 2017، مُشيرة إلى إحساسه بالمسؤولية عن أهمية توضيح الطُرق الممكنة والإجابات العملية لمختلف المشاكل التي كانوا يعملون على توثيقها منذ سنوات. «أن نبقى منخرطين فيما هو فعلًا مهم وأن نتفهم القيود» وهو ما يفسر ما اشتهر به من تفاؤل الذي يمكن وصفه بـ«تفاؤل الإرادة»، رغم تشاؤم العقل. من خلال «المبادرة»، وبقيادته، رأت درويش مشروعًا طموحًا لـ«تجاوز حدود حقوق الإنسان، من أجل توسيعها وتعميقها». ففي حين يتركز عمل المنظمات الأخرى حول قضايا المرأة في «مشاركتها السياسية»، على سبيل المثال، تنظر «المبادرة» إلى وضع «المرأة» في نظام التأمين الصحي الجديد، وحقوقها ضمن أنظمة الصحة الإنجابية، ومكانتها في سوق العمل، أو المُلاحقة القضائية لصانعات المحتوى عبر الإنترنت بتهمة «انتهاك قيم الأسرة».

اختار جاسر بعض المعارك المحورية لعمله، مثل الحق في التجمع والتنظيم الذي يسمح لمجموعات المجتمع المدني بالوجود والعمل رغم تقييد التشريعات٬ تشريع بعد آخر. كما اختار أن يتقاطع باستمرار مع النضالات السياسية الأوسع. 

عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 2001، كان جاسر يدير مركز هشام مبارك للقانون، وقتها فتح مقر المركز للنشطاء المتضامنين مع الانتفاضة لتنظيم قوافل مُساندة. سيكون النشاط التضامني مع القضية الفلسطينية مقدمة مهمة لممارسة المعارضة في البلاد طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي عهد حسني مبارك، تطوع جاسر للمساعدة في حملة تُسمى «شايفينكم»، التي أسستها غادة شهبندر بهدف الإشراف الشعبي على الانتخابات في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. هكذا التقى الصديقان لأول مرة: «كان يعمل في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وتطوع للمساعدة، كان صديق وكريم.. كان تفكيره يتقدم بخطوة دائمًا».

caption

يقول عمرو عبد الرحمن، رئيس وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية٬ عن عبد الرازق إنه «على دراية بما يحدث على مستوى العالم»، موضحًا كيف تجاوزت «المبادرة» تلك الدائرة الكلاسيكية لحقوق الإنسان وتمكنت من الانتماء إلى طيف أوسع من المجموعات التقدمية الناشطة التي تتجاوز مواقعها جنيف، وبروكسل، وواشنطن أيضًا. هؤلاء الذين يعملون في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وتتمحور معركتهم ضد صعود الشعبوية في جميع أنحاء العالم، وهي معركة تتطلب مفردات مختلفة للدفاع عن حقوق الإنسان. 

من خلال عملها مع الحكومة بشأن مشروع قانون التأمين الصحي، والحق في الحصول على الأدوية، وأبحاثها حول سُبل مكافحة تلوث الهواء، وحواراتها حول الدين والحريات الدينية، تعمل «المبادرة» بنشاط على خلق هذه المفردات الجديدة. وقد فعلوا ذلك في ظل ظروف مُعرقلة التي لم يمنحها جاسر الكثير من الوقت، وتوضح درويش: «في ظل القمع، من السهل أن يصيبك هوسك جراء ما يحدث و [تعتبر نفسك ضحية]، لكن جاسر لا يحب الحديث عما نواجهه. إنه يفضل الحديث عما تواجهه المجموعات والأشخاص الذين نعمل معهم».

على باب مكتبه٬ تقبع لافتة تقول: «منطقة الإنكار الاستراتيجي». تقول درويش إن اللافتة تحمل إشارتين أولاهما أن جاسر مدير مرح، أما الثانية فهي «درايتنا بما يحدث من حولنا، ولكنه إذا بدأ يملأ رؤوسنا، فلن نتمكن من العمل.. نحن لسنا أبطالًا، بل نقوم بعملنا فقط».

تتركز قيادة جاسر على توفير مساحة لجميع أفراد فريقه لتطوير عملهم من خلال استكشاف إمكانياتهم على أكمل وجه. «يمنحك الحرية الكاملة. إنه موجود للمساعدة في كل خطوة، ونقل الحكمة من تجربته دون وصفها على هذا النحو وبكرم كبير. لا يريد أن ينسب الفضل إلى نفسه في أي شيء»، تقول درويش. تصفه قرشي بأنه يتسم بنكران الذات، وتقول إن شغفه يكّمن في العناية الدؤوبة بأعضاء فريقه، بينما يدرك -بالكاد- أنه مرهق، لذا تنتقد إنكاره لتعبه في بعض الأحيان.

رفض جاسر أن يتحوّل إلى شخصية عامة، وقد يجد في هذا النص الكثير من الإفشاء، لكنه قد يتسامح معه بإيمانه بفعل الكشف الذي يصف الصحافة الحرة. قد يتسامح مع ذلك لأن كتابة بورتريه عنه يعني الكتابة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وحقوق الإنسان أكثر من الكتابة عنه. وعندما تكون سجينًا بسبب عملك في منظمة حقوقية رفيعة المستوى، وتظهر أمام النيابة وقد حلقوا لك ما تبقى من شعر رأسك، ويبدو عليك الوهن والارتجاف من البرد، لتقف وتقول مبتسمًا؛ «أنا بردان»، لأنهم لم يعطوك فراشًا للنوم، أو ملابس دافئة٬ فتنتشر قصتك تمامًا مثلما كنتَ ستعمل على انتشار قصة غيرك في حال تعرّضه للظروف نفسها. 

caption

ومع قدوم برد شتائنا البطيء، ستكون قصة جاسر مثل «صحوة» تحلّ مع كل رجفة في أجسامنا.

سنوات من الذهاب إلى الصحراء لم تساعد جاسر على مواجهة برد زنزانته الانفرادية. تقول قرشي إن منخفض الفرافرة في الصحراء الغربية كان المفضل لديه. لقد أخذها إلى هناك مرارًا وتكرارًا، مع ابنيهما منذ ولادتهما. كان يعلمهما كيف يتعرفون على البيئة، وكيف يستهلكا الموارد بحذر. كما حدثهما عن الظلم، وهو الحديث الذي ساعدهما على فهم كيف اختفى والدهما فجأة، حسبما تقول قرشي. فقد أخبر خليل، الابن الأكبر، والدته أنه كان يخشى أن يأتي هذا اليوم بالفعل.

caption

في الصحراء، ربما كان جاسر يبحث عن العزاء أو الاحتمالات الأخرى، تمامًا كما يفعل في الطهي. تعتبر قرشي أن الطهي علاجه. «هناك أوقات كان يأتي فيها من العمل ويذهب مباشرة من الباب إلى المطبخ. يكون مبدعًا.. رغم تواجد القليل من المكونات في الثلاجة [إلا أنه] يحوّلها إلى شيء. يقوم بالتنقيب عن الطُرق في الوصفات، لكنه لا يتبعها بالكامل». في فترة الحظر بسبب وباء «كورونا»، أخذ طبخه إلى أصدقائه، عبر تطبيق Zoom، ليشاهدوا طريقة صُنع طبق من اللحم البقري المشوي مع الخضار وصلصة الـ«هولانديز» مباشرة من مطبخ جاسر.

يطبخ جاسر لمَن يحبهم، ويصطحب مَن يحبهم أيضًا إلى الصحراء. يستحضر حبه للصحراء صورة من كتاب «سجين الحب» لجان جينيه الذي يطلب منّا «وضع كل الصور في مكان آمن» و«الاستفادة منها لأنها في الصحراء، ويجب أن نذهب إلى الصحراء لنبحث عنها».

سألتُ قرشي عن شعورها عما سيأتي. أجابت بتردد: «سنكون بخير»، وكأن صوتها يردد ما يُحتمل أن يقوله جاسر، إذا أجاب عن سؤالي.

caption

 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#لاجئون

«ضيوف مصر» في خطر

اللاجئون في مصر بين استمرار حالة البرزخ القانوني وخطر الاحتجاز والترحيل

مصطفى حسني و أحمد بكر 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن