تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تقرير «القومي لحقوق الإنسان».. تحسُن نظري مُحاط بالقصور والتناقضات

تقرير «القومي لحقوق الإنسان».. تحسُن نظري مُحاط بالقصور والتناقضات

كتابة: أحمد بكر 7 دقيقة قراءة

أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان، الأحد الماضي، تقريره السنوي الثامن عشر، عن حالة حقوق الإنسان في مصر وأداء المجلس خلال الفترة من يوليو 2024 وحتى يونيو 2025، والذي اجتهد في إظهار تطور إيجابي في أداء المجلس، شمل التدخل المباشر للنظر في بعض الحالات الفردية للمحبوسين في قضايا الرأي، والتفاعل مع شكاوى الانتهاكات، وانتقاد التشريعات.

إلا أن تأكيد التقرير على وجود تحسن في أداء الحكومة تجاه الملف الحقوقي بُني في مواقع كثيرة على تناقض في رصد الأداء الحكومي، وتهميش لحجم الانتهاكات المستمرة، فضلًا عن قصور التدخلات التي قام بها المجلس في عدد من الملفات، حسبما أوضح مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، لـ«مدى مصر».

بحسب بهجت، كان من أبرز التطورات الإيجابية في أداء المجلس، التي أظهرها التقرير مقارنة بالتقارير السنوية السابقة، الإشارة إلى تدخل المجلس في بعض الحالات الفردية للمحتجزين في قضايا الرأي بالاسم، وتأكيده على ضرورة إعادة النظر في ملف الحبس الاحتياطي، وتوصيته بتقليل عدد الجرائم المُعاقب عليها بالإعدام، والذي لم تنفذه الدولة رغم وروده ضمن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان كالتزام طوعي، فضلًا عن تضمن التقرير إشارات لحالات وفيات في أماكن الاحتجاز، واستمرار حالات حبس الصحفيين وحجب المواقع وحرمانها من الترخيص، مع توصية بتعديل قوانين الصحافة وقوانين الجريمة الإلكترونية.

كما كشف التقرير أيضًا عن تقديم المجلس انتقادات وتعليقات على بعض مواد التشريعات التي صدرت أو جرى مناقشتها في البرلمان خلال الفترة التي يغطيها التقرير، ومنها قوانين اللجوء، والإجراءات الجنائية، والعمل، والانتخابات.

رغم هذا التحسن، يكشف التقرير في مواضع أخرى قصورًا في تلك الخطوات الإيجابية نفسها. 

فبينما تضمن التقرير إشارة إلى حالة المحامية هدى عبد المنعم، العضوة السابقة بالمجلس، والتي جاءت بعد مطالبات متكررة للمجلس بالتدخل، يلفت بهجت إلى أن التقرير كشف بشكل عابر أن المجلس طلب زيارتها في ضوء التقارير بشأن تدهور حالتها الصحية وحرمانها من الرعاية الطبية في السجن، وأنه زار السجن بالفعل، ولكنه لم يذكر أن أعضاء المجلس مُنعوا من مقابلتها، وإنما يكتفي بالإشارة إلى أن إدارة السجن سمحت للمجلس بالاطلاع على ملفها الطبي.

«شيء غريب في الحقيقة، أن يتدخل المجلس بخصوص عضوة سابقة فيه، ويطلب مقابلتها في السجن، كما ينص قانونه، بل وينتقل إلى السجن نفسه، ورغم ذلك لا يفعل أكثر من الاطلاع على ملفها الطبي، ولا ينتقد ذلك على الإطلاق»، يقول بهجت.

وتضع المادة الثالثة من قانون 197 لسنة 2017 بين اختصاصات المجلس «زيارة السجون وسائر أماكن الاحتجاز والمؤسسات العلاجية والإصلاحية، والاستماع للسجناء ونزلاء الأماكن والمؤسسات المذكورة».

كذلك، رغم التقدم الذي أظهره المجلس في رصد الانتهاكات، والذي شمل، بحسب بهجت، تحسنًا في تصنيف الشكاوى التي يتلقاها المجلس وإحالتها إلى الوزارات المعنية، يعترف التقرير، في تقييمه لنقاط قوة وضعف المجلس، إلى أن عدم قيامه بتتبع الشكاوى بعد إحالتها لأجهزة الدولة كان من بين نقاط الضعف.

بجانب القصور في الأداء، يناقض التقرير الواقع المُعاش في نقاط كثيرة، بحسب بهجت، في إطار إشادته بتحسن أداء الدولة في ملفات حقوق الإنسان. 

مثلًا، يحتوى على «إشارة غريبة إلى تراجع الشكاوى الخاصة بالحرمان التعسفي من الحرية، وإشارة أكثر غرابة إلى انخفاض عدد الحالات القبض على النشطاء. كما يشيد بالإفراج عن بعض المحبوسين، ذاكرًا المرشح السابق أحمد الطنطاوي ومدير حملته محمد أبو الديار، دون أن يشير إلى أنهم لم يفرج عنهم إلا بعد أن قضوا عقوبتهم، ودون التعليق على محاكمتهم فقط لمجرد التجرؤ على الإعلان عن السعي حتى إلى خوض الانتخابات الرئاسية»، بحسب بهجت.

وقضى كلًا من الطنطاوي وأبو الديار سنة حبس بعد إدانتهما في قضية التوكيلات الرئاسية، التي أوقفت محاولة الأول للترشح لرئاسة الجمهورية.

كذلك، يشيد المجلس، في الجزء الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بارتفاع مخصصات الصحة والتعليم في الموازنة العامة، وهو ما يتنافى، بحسب بهجت، مع اعتراف رئيس الجمهورية علنًا بعدم قدرة الدولة على الالتزام بالمخصصات الدستورية المنصوص عليها في ما يتعلق بالصحة والتعليم، فضلًا عن أن المجلس يناقض إشادته لاحقًا في التقرير نفسه، بالإشارة، في نقاط الضعف، إلى عدم قيام المجلس بتقييم مؤشرات الإنفاق على الصحة والتعليم.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد، في يونيو 2023، على عدم قدرة الدولة على الوفاء بالاستحقاقات الدستورية للتعليم والصحة، «هو أنا معايا فلوس للكلام ده؟ أنا الدولة مش أنا عبد الفتاح… الأرقام المطلوبة مش موجودة يا جماعة، ولازم إحنا كلنا نبقى موجودين على أرض الواقع»، وهو ما مثل أول إعلان صريح عن عدم التزام الدولة بتلك الاستحقاقات الدستورية التي تلزمها بتخصيص ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي للإنفاق الحكومي على التعليم والتعليم الجامعي (4%، و2% على الترتيب)، و3% للإنفاق على الصحة، وذلك بدءًا من السنة المالية 2017/2016، وهو الالتزام الذي تتحايل عليه الحكومة سنويًا باعتماد مبدأ مختلف لتعريف الإنفاق الحكومي على تلك القطاعات.

بخلاف الاستحقاقات الدستورية، يشير بهجت إلى أن الجزء الخاص بحرية الاعتقاد في تقرير «القومي لحقوق الإنسان» لم يشر إلى «أي انتهاكات تتعلق بالاستجابة غير الملائمة لحالات العنف الطائفي، ولا إلى حرمان الأقليات الدينية مثل البهائيين وغيرهم من الطوائف غير المعترف بها من حقوقهم الأساسية المنصوصة عليها دستوريًا، ولا إلى ارتفاع غير مسبوق في وتيرة القبض والحبس والملاحقات القضائية بتهمة ازدراء الأديان أو مطالبة بتعديلها».

سبق وأشارت «المبادرة»، في أكتوبر الماضي، إلى ملاحقة السلطات لأصحاب الأراء الدينية المختلفة على مدار العام الجاري، قُبض خلالها على نحو 40 شخصًا، وبلغت ذروتها في حملة بدأت في سبتمبر، قُبض فيها على 14 شخص حبستهم نيابة أمن الدولة العليا.

تقرير «القومي» أفصح كذلك عن القوائم المالية للمجلس، والتي أظهرت ارتفاع المقبوضات من 62 مليون جنيه في العام المالي 2023-2024 إلى 75 مليون جنيه في العام المالي 2024-2025، وبينما أشاد بهجت بالإفصاح عن القوائم المالية للمرة الأولى، رأى أن تلك الأرقام «لا تتناسب على الإطلاق مع حجم نشاط المجلس والدور الذي يقوم به، في ضوء كل هذه الموارد وفي ضوء النص أصلًا على وجود فائض من الموارد المرحلة إلى العام القادم».

كما انتقد بهجت أيضًا التراجع الكبير في إعلان المجلس، بهيكله الحالي، عن تحركاته ومداخلاته في المسائل التشريعية مقارنة بالتشكيلات السابقة للمجلس.

ويقول «بتشكيل المجلس الحالي يبدو أن هناك قرار بعدم إصدار أي تعليقات أو بيانات عامة أو تعليقات بخصوص حالات فردية أو لحظات زيارات السجون أو الرأي المقدم في التشريعات». 

وبجانب عدم الإعلان سابقًا عن تدخلات، مثل محاولة زيارة عبد المنعم، يشير المجلس في التقرير، «للمرة الأولى إلى أنه أبدى تحفظه الشديد على رفع رسوم التقاضي، ولكنه يا للغرابة لم يعلن عن هذا التحفظ أثناء أو في أعقاب اعتماد هذه الزيادات الباهظة التي يعتبر المجلس أنها تضر بالحق في التقاضي والوصول إلى العدالة، ولا حتى أثناء الإضراب العام للمحامين ضد هذا السلبيات»، يقول بهجت.

كذلك، يشير لمجلس إلى تقدمه بـ«ورقة رأي» في قانون اللجوء، ولكن «حتى هذه اللحظة لا تُنشر هذه التعليقات للمواطن المصري الذي يعمل المجلس من أجله، ولا حتى ينشر كتعليق لاحق على إصدار القوانين ولا يتم إدراج هذه التعليقات في تقريره السنوي»، بحسب بهجت.

ويؤكد بهجت على أهمية أن يستخدم المجلس صلاحياته في الإعلان عن تحركاته ونشر التقارير عن زياراته للسجون وتعليقاته على مشاريع القوانين، بشكل علني، «عشان تأثر، مش بس في نصوص التشريعات لكن حتى في الجدل العام بشأنها». 

هذه الخطوات، مع عدم الاكتفاء بالملاحظات الإيجابية الأخرى على الأداء، واستخدام الصلاحيات الأخرى المتروكة، مثل التدخل في القضايا المنظورة أمام المحاكم، «دي كلها حاجات مش هتحقق كل اللي بنأمل فيه، بس على الأقل هتعيد المجلس إلى المستوى المتواضع اللي كان عليه منذ تأسيسه حتى»، بحسب بهجت.

كان تعزيز صلاحيات المجلس في تفتيش الأماكن العامة والاطلاع على المستندات، وتوسيع سلطاته في التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان لتشمل التحقيق في التحقيق في الشكاوى، من بين الشروط التي وضعتها اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد في التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، في قرارها في نوفمبر الماضي باحتفاظ المجلس المصري بتصنيف A.

وجاء الإبقاء على التصنيف، رغم توصية اللجنة العام الماضي بتخفيضه، نتيجة لمشروع تعديل قانون المجلس، الذي وصل إلى مجلس النواب، وناقشه رئيس القومي لحقوق الإنسان، محمود كارم، مع لجان مجلس النواب، في يونيو الماضي، قبل أن يناقشه مع رئيس الوزراء، في أغسطس، ثم مع رئيس «النواب»، في أكتوبر الماضي، دون اتخاذ خطوات نحو إصداره حتى الآن.

وأشار قرار اللجنة الفرعية، والذي صدرت نسخته المفصلة هذا الأسبوع، إلى أن مشروع القانون تعامل مع أغلب تعليقاتها، بما في ذلك التعليقات على استقلال المجلس المالي، وإعطاء الحصانة لأعضائه، ودور المجلس في التشجيع على التوقيع على الاتفاقيات الدولية، إلا أنه أوصى بالمزيد من الخطوات لتعزيز دور المجلس القومي في التعامل مع الانتهاكات، وإعطائه سلطة التحقيق، وتأسيس عملية واضحة لاختيار وتعيين أعضاء المجلس.

سبق وأشار المحامي نجاد البرعي، العضو السابق في «القومي لحقوق الإنسان»، إلى أن التهديد بخفض التصنيف دفع المجلس والحكومة إلى اتخاذ «إجراءات قوية»، اشتملت على «تنحية» القيادات السابقة، وذلك بعدما استشعر المجلس «أنه هيبقى عار عليه إنه ينزل تصنيفه، فبدأ يشتغل صح».

ووصل رئيس المجلس الحالي، محمود كارم، إلى منصبه بعد استقالة سابقته، مشيرة خطاب، فيما أبدى البرعي، حين تحدث لـ«مدى مصر» الشهر الماضي، أمله في استمرار الحالة الإيجابية التي بدأت في الظهور، «وتبقى القضية مش تصنيف هينزل، وإنما دور المجلس في موضوع حقوق الإنسان»، معتبرًا أن المجلس أمامه فرصة تاريخية ليكون رأس حربة للمنظمات الحقوقية، لتحقيق تقدم في الملف الحقوقي، خصوصًا في ظل ما لديه من نفاذ لمؤسسات الدولة لا تمتلكه المنظمات. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن