تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ثلاثة مشاهد حول الدعم في «السيدة»

ثلاثة مشاهد حول الدعم في «السيدة»

كتابة: محمد طارق 9 دقيقة قراءة

تحب أسرة كريمة تناول العيش طازجًا، لذلك تحرص على الذهاب يوميًا للحصول عليه، ولا تحب وضعه في الثلاجة، لذلك لا يتبقى عندها عيش بايت. تذهب صباح كل يوم ببطاقة التموين إلى المخبز لاستلام حصتها من العيش المدعم. تمسك ابنها الصغير بيد، وباليد الأخرى قفصًا، تضع عليه العيش الساخن بعد خروجه من المخبز، وتقف لدقائق على الرصيف المقابل حتى يتهوّى.

احتارت كريمة عند سماعها نوايا الحكومة رفع سعر رغيف العيش البلدي دون أن يتوفر لها بدائل اقتصادية للحصول على غذاء أسرتها الأساسي. فكرت في رحلتها اليومية وقدر الأموال التي تحتاجها لشراء كمية عيش تكفي أسرتها شهريًا. «الرغيف بره بجنيه وأحيانًا جنيه ونصف، لأن ملوش سعر، معنى كده إني عاوزة 300 جنيه في الشهر، جوزي طلع معاش وبياخد 3000 جنيه، تيجي إزاي؟».

الأسرة المكونة من فردين بالغين وطفلين تحتاج إلى 3219 جنيهًا، بحسب جهاز التعبئة العامة والإحصاء، فيما أسرة كريمة تتكون من ستة أفراد، زوجها وأبنائها الأربعة، تأخذ لهم عشرة أرغفة في اليوم (أي نصف حصتهم فقط)، تكفيهم إذا التزم ابنها الأكبر برغيف واحد اتباعًا لبرنامج دايت بدأه قبل أشهر، ورفض أصغر أبنائها أكل العيش البلدي مفضلًا الشامي لأن «البلدي تقيل عليه».

وتبلغ نسبة الفقر في المحافظات الحضرية في بحث الدخل والإنفاق لسنة 2020/2019 نحو 26.7%، وتزداد هذه النسبة بطبيعة الحال في المناطق الشعبية بتلك المحافظات مثل السيدة زينب أمام مناطق أخرى تسكنها الطبقات الأعلى دخلًا.

توفر كريمة نصف حصة أسرتها من الخبز لتضاف إلى رصيد بطاقتها كل شهر كنقاط، تستبدل بثمنهم كيس أرز أو سكر وأحيانًا زجاجة زيت عباد شمس من بقالة التموين الموجودة على بعد خطوات من الفرن.

تلجأ  الأسر المستفيدة من الدعم إلى استبدال نقاط الدعم المخصصة للخبز لشراء سلع أخرى حال توفيرها  حصتها من الخبز المدعوم. شجعت الحكومة تلك الخطوة كثيرًا لدرجة أن الوزارة تمنح لأصحاب البطاقات عشرة قروش عن كل رغيف لم يصرف شهريًا، أي ضعف سعر بيع الرغيف. يحتسب ذلك بجمع النقاط على البطاقات. وفي الشهر التالي يحصل صاحب البطاقة على سلع بقيمة المبلغ الذي وفره بعدم استهلاك الخبز. طبقًا لبيانات الموازنة العامة، فإن 26.3% من المستفيدين من دعم الخبز يلجأون إلى استبداله بسلع أخرى بنظام النقاط.

كان إبراهيم، ابن صاحب محل التموين التي تعتمد عليها كريمة، يستعد لإغلاق محله، بينما ظهرت سيدتان بملابس سوداء من بداية الشارع. وعندما اقتربت السيدتان نحوه، وقف للترحيب بهما. يساعد إبراهيم والده في إدارة البقالة، تخرج من كلية التجارة في جامعة حلوان منذ ثلاث سنوات، وعلى مدار سنوات تعليمه شارك والده توسّع نشاطه كبقال تموين من محل واحد إلى ثلاثة محال مجاورة.

تعمل بقالات والد إبراهيم الثلاثة ضمن منظومة توزيع التموين الحكومية، والذي تقدمه لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، المصطلح السياسي الذي يطلق على الفقراء في مصر.

أمام المحل، وقفت الأم وبنتها. أخرجت ابنتها بطاقتي تموين وأعطتهما لإبراهيم. كانت الأولى لخالتها وأبنائها، وسألته أن يجرّب إن كانت البطاقة تعمل. أدخل البطاقة في ماكينة صغيرة موضوعة على المكتب لكنه وجدها غير صالحة للاستخدام. أخبرته أن خالتها صاحبة البطاقة توفيت قبل أشهر قليلة، فنصحها بالذهاب إلى مكتب التموين بشهادة وفاة خالتها لإخراجها من البطاقة، والإبقاء على أبنائها.

بحسب نشرة وزارة التموين والتجارة الداخلية في يونيو 2020، لدى الوزارة أكثر من 22.5 مليون بطاقة تموينية في 2020، يستفيد منها 71 مليون مواطن يعتبرون من «الفئات الأولى بالرعاية»، وهم أصحاب الرواتب الأساسية أقل من 2400 جنيه، ولمن معاشه أقل من 1500 جنيه، والمستحقون لمعاشات الضمان الاجتماعي، ومعاش السادات، ومعاش مبارك، ومعاش تكافل وكرامة، ومنهم الأرامل، والمطلقات، والمرأة المعيلة، والقصر دون عائل أو دخل ثابت لوفاة الوالدين، والعمالة الموسمية من العاملين بالزراعة والباعة الجائلين وعمال التراحيل والسائقين والمهنيين والحرفيين من ذوي الأعمال الحرة، والمتعطلين عن العمل ومن في حكمهم والحاصلين على مؤهلات دراسية وما زالوا بموجب بحث اجتماعي بدون عمل ودخل شهري أقل من 800 جنيه، وأصحاب الأمراض المزمنة، وذوي الاحتياجات الخاصة دون التقيد بالحد الأقصى لدخلهم.

بموجب هذا النظام، تخصص وزارة التموين والتجارة الداخلية بطاقات نقدية تمنح بها كل فرد من الفئات الأولى بالرعاية 50 جنيهًا شهريًا. يصرف المواطنون هذا المبلغ في شراء السلع الأساسية من خلال «المجمعات الاستهلاكية»، وهي المنافذ الكبرى التي تملكها الحكومة لبيع منتجاتها الغذائية في الأحياء والمدن. هناك ألف و259 مجمعًا استهلاكيًا على مستوى مصر. بجانب تلك المجمعات، هناك أكثر من 30 ألف بقالة متعاقدة مع الحكومة لتساعد في توزيع التموين على المواطنين الأولى بالرعاية، من بينهم بقالات والد إبراهيم.

تسمح الحكومة لمستحقي بطاقات التموين رفع عدد الأفراد الموجودين في بطاقاتهم إلى أربعة أفراد، وهو الحد الأقصى لدعم الأفراد من أسرة واحدة. تخصص الحكومة لكل فرد فيهم 50 جنيهًا، فإذا اشتملت البطاقة على أربعة أفراد، تدفع لهم الحكومة شهريًا 200 جنيه، منها 30 جنيهًا مخصصة لشراء الخبز المدعم.

سأل إبراهيم السيدة ماذا تريد بالبطاقة الأخرى، فسألته إن كان يوافق على إعطائها حصتها من نقاط الخبز الموفرة زيتًا، أجابها «ممكن»، وأخذ بطاقتها ودخل إلى المحل وأحضر لها أربعة زجاجات من زيت الطعام، ثلاثة حصتها ورابعة بدلًا عن نقاط الخبز.

تعد سلع فارق نقاط الخبز، وسيلة محدودي الدخل لزيادة حصتهم الشهرية،وسد احتياجاتهم من السلع الغذائية، وهي السلع التي يصرفها أصحاب البطاقات التموينية شهريا.

يقول إبراهيم إن أغلب زبائنه من أصحاب بطاقات التموين عادة يستبدلون نقاط الخبز بسلع أخرى مثل السكر أو الزيت أو الرز، لكنه يضطر لتقديم هذه الخدمة للمواطنين مقابل خمسة جنيهات عن كل بطاقة. يبرر إبراهيم ذلك بأن عملية استبدال الخبز بسلع غذائية من البقالة يعني طلب بضاعة أكبر من شركات التوزيع العاملة في الوزارة، وبالتالي إنفاق أكبر على عمليات التوريد. بعض من ذلك الإنفاق لا يستطيع إثباته على الورق، مثل إكرامية العمال الذين ينزلون البضاعة من السيارات إلى داخل المحل، ببساطة يمكن لعمال التوريد أن يرفضوا إنزال البضاعة ويطلبون من إبراهيم أن يتولى الأمر.

استحوذت فروع المجمعات الاستهلاكية الثلاثة «الأهرام» و«النيل» و«الإسكندرية»، المملوكة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، على النسبة الأكبر من إجمالي ما تم صرفه من سلع نقاط الخبز المجانية، تلتها منافذ «جمعيتي» وبقالي التموين.

السبب في استبدال السيدة للخبز المدعم بسلع أخرى هو أنه «مش عملي»، بحسب تعبيرها. بعكس العيش الذي يفضل استهلاكه طازجًا يوميًا، فإن البقالة يمكن تخزينها بسهولة. كذلك، «احنا مش هننزل كل يوم نشترى العيش المدعم من آخر الدنيا، أفرانه قليلة، بنضطر نشتري العيش العادي ونستفيد بفرق فلوس التموين في الحاجات التانية».

منذ مطلع الألفية، مضت الحكومة بخطوات هادئة في هذه السياسة. تكررت عمليات إنقاص وزنه بناءً على معايير الإنتاج التي تعممها على الأفران، ويراقب نتائجها مفتشي التموين التابعين لها، من 160 جرامًا في عام 2005 إلى 140 جرامًا عام 2010. وتحولت الخطوات الهادئة إلى خطوات سريعة منذ 2014.

تذكرت الحكومة خلال هذه الفترة أنها تستمر في دعم الخبز للجميع دون حساب، وأن ذلك يتسبب في كثير من التلاعب على المنظومة عبر تهريب الدقيق المدعم من أصحاب الأفران سواء إلى المطاعم التجارية أو أفران «العيش السياحي» أو المحرر سعره. وجاءت منظومة الدعم الجديدة للتحكم في هذا الفساد. وبدأت الحكومة ربط حصول المواطن على العيش المدعم ببطاقات التموين التي تعطيها لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، فيما عرف وقتها بالمنظومة الجديدة لتوزيع الخبز بالبطاقات التموينية. وانخفض وزن الرغيف إلى 120 جرامًا فى 2015، ثم وصل إلى 90 جرامًا في 2020.

كجزء من برنامج الدعم الحكومي، ضمنت البطاقات التموينية صرف العيش بجانب السلع الأساسية. إذا امتلكت أسرة من أربعة أفراد بطاقة تموين، فإن كل فرد له الحق في الحصول على خمسة أرغفة يوميًا، بحيث يكون نصيب الأسرة 20 رغيفًا يوميًا، أي 600 رغيف في الشهر. يخصم الـ 600 رغيفًا 30 جنيهًا من بطاقة التموين. تقول الحكومة إن التكلفة الحالية لرغيف الخبز تصل إلى 65 قرشًا وتطرحه لأصحاب البطاقات التموينية بسعر خمسة قروش. تكلفها عملية الدعم تلك حوالي 51 مليار جنيه سنويًا.

ورث عثمان المهنة عن أبيه، والذي ورثها عن الجد الأكبر، عثمان حفني. كان الجد معترضًا في البداية على توريث المهنة لابنه بسبب ارتباطها بمنظومة حكومية تسبب الكثير من المشاكل. لكن الابن صمم لدرجة أنه شرب صبغة يود ليجبر أبيه على السماح له بالعمل معه وورث مهنته، بحسب حكاية الحفيد.

مارست العائلة نشاطها من خلال أربعة مخابز ضخمة. لكن جميعها أُغلق منذ أربعة سنوات بموجب قرار حكومي، بعد عدة محاضر من مباحث التموين وغرامة قدرت بنحو مليون جنيه، بحسب الحفيد.

يقول عثمان إن تلك المنظومة عندما بدأت «كانت بلا تعليمات واضحة في مواعيد فتح وغلق المخابز، السيستم كان مفتوح 24 ساعة، وفتح مجال للتلاعب كتير، كان فيه ناس واخدة بطايق مش شغالة اشتغلت، والمكن سافر واشتغل في المحافظات، لكن شوية وفاقت الحكومة للموضوع، وضبطت مواعيد العمل ومعدلات تشغيل».

رغم إعلان الحكومة أن عدد المخابز يصل إلى 28 ألفًا، ينتجون من 250 إلى 270 مليون رغيف يوميًا وذلك لنحو 70 مليون مواطن مقيد على 20 مليون بطاقة تموينية، فإن عثمان عليّ عثمان حفني، الحفيد الأصغر للعائلة التي تمتلك فرنًا شهيرًا في الحي يرى أن عدد المخابز قد انخفض بشكل ملحوظ، «كان في الحي 58 فرنًا يبيع العيش المدعم، الآن تقلص عددهم إلى 22 أفران فقط»،

قبل إقرار المنظومة، كانت حصة عثمان من الدقيق 14 جوالًا، يزن الواحد 100 كيلو. لكنها انخفضت إلى نصف هذه الكمية فقط، رغم أن الطلب زاد بزيادة عدد السكان. وتضررت أغلب الأفران من التغيرات المتلاحقة في برنامج دعم الخبز. يعتبر عثمان أن انخفاض هامش ربح الأفران هو ما فتح الباب للفساد. «قلة الربح في عملية إنتاج العيش خلت ناس كتير تبيع الدقيق في السوق السوداء وتهمل في إنتاجه»، يقول.

يستخدم عثمان الفرن الآن، رغم إغلاقه، كمكتب لإدارة باقي أعمال العائلة. في الثمانينات، توسع نشاط الأسرة الاقتصادي إلى بيع الألبان. اشتروا مزرعة في الجيزة لتربية الجاموس وبيع ألبانها. ازدهر نشاط الألبان من محل واحد إلى عدة محال موزعة في شياخات الحي لتغطي الطلب عليها، في مقابل الأفران التي لم تكن تحقق ربحًا كافيًا، حسب قوله.

على العكس من عثمان، يستمر أشرف في إدارة فرن عائلته. تأسس هذا الفرن في بداية القرن العشرين لجده ثم أبيه، وهو سبب تمسكه بتشغيل الفرن حتى الآن. يقول إنه لن يفرط في مهنة أجداده تخليدًا لاسمهم. كما أنه يعتبر مساعدة المحتاجين في الحصول على العيش ثوابًا إلى الله.

لكن «الشغلانة بقت بتجيب مشاكل مؤخرًا لأن مصاريفها كتير. الحكومة بتسّعر الرغيف لكن في نفس الوقت مش بتراعي الزيادات في الكهرباء والغاز وأجرة العمال»، يقول أشرف. بحسب تعبيره، «أنت صاحب فرن لكن شغال بلقمة عيشك بس عند الحكومة. زيك زي الصنايعي اللي واقف يوزع العيش».

في المقابل، انتعشت أفران القطاع الخاص والتي تبيع بالسعر الحر. قفزت أسعار الخبز الحر بمعدلات هائلة. في عام 2005، كان الجنيه يشتري خمسة أرغفة في الأفران التي لا تحصل على الدقيق المدعم. وخلال الـ 16 عامًا التالية، قفز ثمن الرغيف المحرر في القطاع الخاص 500% من ثمنه، وأصبح الرغيف الواحد بجنيه كامل في أحياء القاهرة.

ولهذا، بالنسبة لأشرف، «إذا خيرتني الحكومة فأحسن لي إني اشتغل سياحي، وتلغى هي الدعم على العيش وتدفع للناس فلوس أزيد وهما يتعاملوا. وكل واحد ياخد حقه لأن أي حاجة بره التموين أفضل».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن