تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الخبز: «دوبلير» الطعام وقت الأزمة

الخبز: «دوبلير» الطعام وقت الأزمة

كتابة: سارة سيف الدين 12 دقيقة قراءة

«كل اللي بناكله مينفعش إلا بعيش»، تقول أم حمزة، وهي أم لثلاثة أطفال. أخذت تعدد لنا الأصناف التي تمثل بطولة مشتركة مع الخبز: فول وطعمية وبطاطس وباذنجان وجبنة ومشّ وعدس، وحتى الكشري «بنحطه في شقة عيش بدل ما يخلص وتفضل العيال جعانة». 

أم حمزة مصابة بشلل الأطفال، تعول أبناءها بمعاونة والدها الذي تقيم معه بعدما تخلى عنها زوجها، وتكسب قوت يومها من بيع المناديل أمام أحد جوامع قرية تتبع لمحافظة الفيوم. «حتى لو في يوم ربنا كرمني كويس وعملت طبيخ فيه شوربة، بخلي الشوربة وتاني يوم أعمل عليها ملوخية وأنشف العيش وناكل بيه»، تضيف أم حمزة.

مثل أسرة أم حمزة، تكافح الأسر المصرية منذ أكثر من عامين لاستيعاب صدمة غلاء الطعام عبر استبدال أصنافه الغنية بالقيّم الغذائية، بأنواع أرخص ذات سعرات حرارية تسد الجوع، في الوقت الذي تسجّل مصر أعلى معدل سوء تغذية خلال ربع قرن، بحسب بيانات مؤشر الجوع العالمي. 

هنا لعب الخبز دورًا محوريًا، فزاد الاعتماد عليه كـ«دوبلير» للطعام وبديل لأصناف لم تعد في متناول الكثيرين. وقد سجلت أسعار الغذاء تضخمًا بنحو 155% منذ يناير 2022 وحتى مارس الماضي، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لتصبح مصر رابع أعلى دولة في أسعار الغذاء عالميًا.

ورغم تآكل الدعم السلعيّ، حاول العيش البلدي المدعم النجاة، باعتبار «الخبز» خطوة أخيرة بين المواطن والجوع. ولكن رحلة تآكل الدعم السلعي وصلت إلى محطتها الجديدة عندما قررت الحكومة، الأربعاء الماضي، رفع سعر رغيف العيش البلدي من خمسة قروش إلى 20 قرشًا، ليرتفع سعره خلال عشر سنوات 485% وذلك باحتساب تقليص وزن الرغيف على مدار العقد، من 130 إلى 90 جرامًا.

***

يعتبر المصريون أكبر مستهلك للخبز في العالم بمعدل سنوي يترواح بين 180 و210 كيلوجرامات للفرد، وهو ما يعد أكثر من ضعفيّ المتوسط العالمي البالغ 70-80 كيلوجرامًا للفرد سنويًا، بحسب الباحث بجامعة «أوكسفورد» عُدي كمال، في دراسته عن العيش البلدي المُدعم.

يتمتع العيش أو الخبز وحتى فعل «الخبيز» بمركزية لدى المصريين، فيصفه الباحث في الاقتصاد الزراعي، صقر النور، بأنه «مُتجذر في الثقافة الغذائية المصرية، ليس فقط عيش القمح، بل أنواع عديدة يرتبط خبزها بالفرح والحزن»، مضيفًا «الخبز أكثر من مجرد سلعة، يتجاوز وجوده الفروق الطبقية بتفاوت الكميات ونسبه في الطعام».

وفقًا للنور، يرتبط الخبز أيضًا بالشبع، فبات «آخر أشكال الرابط المادي وعتبة رمزية في علاقة الأفراد بالسلطة، مع تدهور خدمات أخرى مثل التعليم والصحة». وهو ما شرحه الرئيس السابق لبحوث التحليل الاقتصادي للسلع الزراعية، أحمد عبد المجيد، حين أشار إلى أن الطبقة الدُنيا والشرائح المنخفضة من الطبقة المتوسطة هي الأكثر اعتمادًا على العيش المدعم نتيجة تدني دخولهم، إذ يحصلون عبر خمسة أرغفة يوميًا على ما بين 40 إلى 50% من السعرات الحرارية.

أشارت الأسر التي تستهلك العيش المدعم، في حديثها لـ«مدى مصر»، إلى استهلاكها كميات أكبر من العيش كبديل أرخص لأنواع الطعام الأخرى الأغلى، ونتيجة هيمنة بعض الأطعمة مثل الفول والبطاطس والباذنجان وغيرها، على غالبية وجباتهم، يعد العيش جزءًا أساسيًا من الوجبة.

caption

في المقابل، جاء خطاب الدولة في السنوات الأخيرة ليؤكد باستمرار على «عبء دعم الخبز»، حتى أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عام 2021، عن مغامرته الـ«شجاعة» لرفع سعر الرغيف، إلا أن الدولة أُجبرت على التراجع، لأن شهورًا قليلة كانت تفصلها عن بداية موجة تضخمية نتيجة أزمة دولارية حادّة إثر خروج الأموال الساخنة. وما إن تجاوزت الدولة أزمتها المالية، حتى رفعت سعر الخبز المدعم.

تحصل الأسر على الخبز عبر قناتين: الأولى هي العيش المُدعم بسعر خمسة قروش، الذي زاد سعره، الأربعاء الماضي، ليصل إلى 20 قرشًا للرغيف، عبر بطاقات لـ70 مليون مواطن، بحسب بيانات الموازنة العامة، وذلك عن طريق أكثر من 30 ألف مخبز على مستوى الجمهورية. أما القناة الثانية فهي السوق الحر أو ما يُعرف بالمخابز السياحية، التي يصل عددها إلى خمسة آلاف مخبز، وتبيع العيش البلدي -نظريًا- بثلاثة أوزان وفقًا للتعليمات الحكومية، وإن كانت لا تنفذ، بينما تضاعفت أسعاره مرتين خلال الشهور الأخيرة، ليصل سعر الرغيف إلى ثلاثة جنيهات.

نظام استبدال نقاط الخبز بسلع كان واحدًا من التغييرات التي أقرتها الحكومة ضمن منظومة الخبز المدعم الجديدة عام 2014، والتي أعادت هيكلة نظام توزيع الخبز المدعم، فأصبح للفرد خمسة أرغفة بحد أقصى يوميًا، يحصل عليها بكارت «ذكي». كما تم تحرير عملية إنتاج الدقيق، فتُحاسب الحكومة المطاحن ويحصل المخبز على الدقيق وقيمة تكلفة إنتاج الرغيف عبر خمسة قروش قبل رفعها إلى 20 قرشًا من المواطن، والباقي تدفعه الحكومة عن طريق مراجعة دورية لتكاليف الإنتاج لتحديد مستحقات المخابز. 

هذه الهيكلة استهدفت مواجهة الفساد وتسرب الدعم عبر ثغرات النظام القديم، سواء بتسرب القمح أو بيع الدقيق في السوق السوداء بعد الحصول عليه مدعمًا من الحكومة، لكن من ناحية أخرى، سمحت للحكومة بتقليص الدعم.

أشارت الأسر التي تحدث معها «مدى مصر» إلى أنها أصبحت تسحب كل الأرغفة المُستحقة يوميًا، بعدما كانت توفر بعضها مقابل الحصول على «نقاط الخبز» التي كانت تمنح عشرة قروش مقابل كل رغيف لا يتم صرفه، تستخدمهم الأسر لتحصل شهريًا على سلع بالقيمة الإجمالية المقابلة لعدد الأرغفة التي تخلت عنها.

تحكي غادة، التي تعيش في القاهرة وتعمل بتنظيف المنازل، وأم لثلاثة أبناء تعولهم بمفردها، أنها في السابق كانت تستبدل جزءًا من الأرغفة بالنقاط، «كان بيديني في آخر الشهر 18 أو 20 جنيه، كنت بجيب بيهم إزازة زيت، لكن دلوقتي معدوش يجيبوا حاجة، العيّش بقى أفيدلي».

أصبحت الأرغفة أكثر نفعًا لغادة لأنها بديل أرخص من الأرز والمكرونة. «لو طبخت في يوم رز وخلص والعيال لسه جعانة، مش هقدر أعمل رز تاني. هيكملوا بالعيش»، كما تستخدم جزءًا من العيش لإطعام طيورها المنزلية، بعدما استغنت عن غالبيتهم وأبقت فقط على عدد قليل، نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف، لتستطيع توفير بروتين من حين لآخر.

من جانبها، أوضحت مصادر من وزارة التموين، أمس، أن زيادة سعر الرغيف لن تُقابله زيادة في القيمة النقدية المساوية لكل رغيف -عشرة قروش- على مدار عشر سنوات. 

نظام «نقاط الخبز» هو ابن التصور النيوليبرالي القادم من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد، بحسب النور، والذي أضاف «هذا النظام دُفع به لتحسين سمعة التحول إلى الدعم النقدي، بدعوى أن نظام استبدال النقاط سيسمح للأسر باستهلاك مجموعة أوسع من السلع الغذائية يختاروها هم». لكن مقابل العشرة قروش الثابتة لكل رغيف، ارتفعت أسعار السلع الأساسية التموينية مثل الأرز والسكر والزيت والعدس والفول، خلال السنوات العشر الماضية، بنسب تراوحت ما بين 170-500%، وهكذا فقد نظام استبدال النقاط أهميته. 

يقول النور إن نظام استبدال النقاط فشل مرتين: الأولى حين كانت السلع البديلة للعيش أمام الأسر لا تمثل إضافة غذائية حقيقية، إذ اقتصرت على الزيت والسكر، وكانت تحصل عليها الأسر بأسعار السوق، وهو ما يقود إلى الفشل الثاني، فبمجرد ارتفاع أسعار الزيت والسكر، أصبح النظام بلا معنى، وعادت الأسر مرة أخرى إلى استهلاك العيش بكل ما لديها من نقاط.

caption
caption

استهلاك مزيد من العيش المُدعم، من حيث عدد الأرغفة، ليس فقط نتيجة غلاء أنواع الطعام الأخرى، أو تدهور قيمة نقاط الخبز، إنما أيضًا بسبب انكماش حجم الرغيف ككمية طعام يحصل عليها الفرد.

قللت الحكومة، في الفترة ما بين عامي 2014 و2020 وزن رغيف الخبز المُدعم بما يقارب الثلث، لينخفض وزنه من 130 إلى 90 جرامًا، وذلك عبر أربعة تخفيضات متتالية في الوزن.

خمسة أرغفة كانت توفر للفرد 650 جرامًا من الخبز، وتمده بسعرات حرارية ما بين 1600 إلى 1800. أما حاليًا، فخمسة أرغفة توفر 1100 - 1200 سعر حراري، وذلك في حالة حصول الفرد على خمسة أرغفة بالوزن الرسمي الذي أقرته «التموين».

على أرض الواقع، قد لا يوجد رغيف بوزن 90 جرامًا في مخابز العيش المدعم. تحقق «مدى مصر» من حوالي عشرة مخابز في محافظات مختلفة منها القاهرة والمنوفية والفيوم والإسكندرية، حيث وصلت أوزان الرغيف إلى 52 جرامًا، فيما كان أثقلهم وزنًا لا يتعدى 73 جرامًا.

caption

روماني، الذي انتقل بأسرته من المحلة الكبرى إلى القاهرة منذ ثلاث سنوات ليعمل حارس عقار، يحكي أنه اضطر كثيرًا لتغيير مخبز العيش المدعم، متنقلًا بدراجته النارية بين المخابز للحصول على رغيف آدمي وبوزن جيد.

يقول روماني وزوجته ألكسندرا «بناكل العيش وإحنا حاسيّن بالرمل تحت سننا، ومرة نلاقي قشاية كبيرة، ومرة زلطة توجع أو تكسر سننا»، وأضافا ضاحكين «زي الفيلم بالظبط»، في إشارة إلى مشهد عادل إمام في فيلم «مرجان أحمد مرجان» الساخر من سوء رغيف العيش المدعم.

يوضح النور أن روماني ليس وحده، فالكثيرون -خاصة في الأرياف والصعيد- يُضطرون إلى الذهاب لأماكن بعيدة بهدف إيجاد رغيف مقبول، وهو ما يرى ضرورة اعتباره تكلفة على المواطن.

مالك أحد المخابز البلدية بمنطقة العمرانية بالجيزة تحدث لـ«مدى مصر» صراحة عن خفضه وزن رغيف العيش المدعم. «لو معملتش كده هخسر. مفروض أنا بعمل العيش، المواطن يدفعلى 5 قروش على الرغيف والحكومة تدفع الباقي، ودي بتكون التكاليف والربح. الحكومة ثبتت الفلوس اللي بتدفعها، أكسب منين؟».

تمر منظومة دعم الخبز بثلاث محطات رئيسية: جمع القمح وشراؤه من الفلاحين أو استيراده، ومُحاسبة المطاحن التي تُنتج الدقيق ليصل إلى المخابز بنظام الاستعاضة (عدد الأرغفة التي يُنتجها المخبز مقابل ما يحتاجه من عدد أشولة الدقيق التي حصل عليها)، ثم المحطة الأخيرة، وهي مُحاسبة أصحاب المخابز على تكلفة الإنتاج المتمثلة في بنود التشغيل من إيجارات وأجور وكهرباء وخلافه.

يقول مصدر بشعبة المخابز بالقاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، إن وزارة التموين لديها لجنة مهمتها مراقبة ومراجعة تكاليف الإنتاج بشكل دوري، لكن ذلك لم يحدث منذ أكثر من أربع سنوات، رغم المطالبات المُتكررة. «على الورق الحكومة بتدعم الرغيف بجنيه، بس إحنا مبنشوفش الجنيه ده». يُذكر أن المرة الأخيرة التي قررت فيها الحكومة زيادة تكاليف الإنتاج المُستحقَة للمخابز، جاءت بالتزامن مع تخفيض الوزن إلى 90 جرامًا.

المخابز نوعان: بعضها يعمل بالغاز الطبيعي والآخر بالسولار. تحصل المخابز على الغاز مدعوم من الحكومة، فيما تحصل المخابز العاملة بالسولار عليه بالأسعار الحرّة. وتدفع الحكومة للمخابز العاملة بالسولار ما بين 14.3 قرش و15.6 قرش (بحسب نوع الخبز: طريّ، ملدن…)، وحوالي 7.7 قرش لمخابز الغاز، حسبما أوضح مصدر آخر بشعبة المخابز، لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه.

بشكل عام ارتفعت تكلفة الإنتاج في المخابز، «من سنتين كان الصنايعي الشاطر بياخد من 70 لـ150 جنيه، دلوقتي من 300 لـ350 جنيه»، يقول مالك المخبز، مضيفًا أن عبوة الخميرة قفزت من سبعة جنيهات إلى 37 جنيهًا، فضلًا عن الإيجارات التي تضاعفت ووصلت إلى 14 ألف جنيه للمخابز التي تصل طاقتها إلى 20 شيكارة يوميًا، وهو ما يؤكد عليه أربعة مصادر من شعبة المخابز.

يُشير مالك المخبز كذلك إلى ارتفاع قيمة مبالغ «إكراميات مفتشي التموين»، الأمر الذي يطرح سؤالًا عن الرقابة على المخابز.

مأمور ضبط قضائي ومفتّش تموين، في محافظة قنا، لم يرد ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إن كفاءة منظومة التفتيش التمويني على مخابز العيش المدعم تدهورت بشكل كبير، لعدة أسباب أهمها انخفاض أعداد مُفتشي التموين، «زمان الإدارة الواحدة كان فيها 150 و120 مفتش. دلوقتي بقوا 20».

بذلك، تخلّت الحكومة عمليًا وبشكل غير مرئي، قبل أن ترفع السعر على المواطن، عن دعم إنتاج رغيف الخبز بالمواصفات والوزن الرسمي للمواطنين، مقابل إبقائها على نفس حجم فاتورة مستحقات تكاليف الإنتاج للمخابز. 

ثلاثة مصادر بـ«المخابز» توقعت أن الحكومة لن ترفع مستحقات المخابز إلا بتحريك الدعم عن الرغيف، إلا أنه وبعد قرار الحكومة، أمس، برفع سعر الخبز، أكد مستشار وزير التموين للشؤون التجارية، نعماني نصر، لـ«مدى مصر» أنه لن يتم زيادة تكلفة الإنتاج للمخابز: «هم عايزين إيه؟ دلوقتي هياخدوا من المواطن عشرين قرش».

في ظل تدهور العيش المدعم كمًا ونوعًا، وثبات أعداد المستفيدين من دعم الخبز، يذهب من هم خارج المنظومة أو ضمنها ولا تكفيهم، إلى سوق العيش الحرّ أو السياحي الذي نما خلال السنوات الماضية بشكل كبير نتيجة لذلك، بحسب أستاذة الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، شيرين الشواربي. تضاعفت أسعار الأرغفة في المخابز السياحية باختلاف أنواعها خلال العامين الماضيين وقلّت الأوزان.

أظهرت الدولة على مدار أكثر من عامين، تفضيلها معركة العيش الحرّ على العيش المدعم، إدراكًا منها أن الخبز الحر هو المُتنفس الخلفي لتدهور العيش المدعم، بحسب مصدرين بشعبة المخابز ومصدر مُستقل شارك في وضع قواعد منظومة دعم الخبز الجديدة عام 2014، وذلك في ظل تنامي استهلاك الخبز مع استمرار تضخم أسعار السلع الغذائية الأخرى. شنت الحكومة حملة خلال الشهر الماضي على المخابز السياحيّة، وطالبتها بخفض الأسعار وتثبيت الأوزان، وهو ما قامت به الحكومة كذلك في 2022، مطلع الأزمة الاقتصادية.

caption

تُشير أستاذة التغذية بالمعهد القومي للتغذية، هبة عبد الحليم، في حديثها لـ«مدى مصر»، إلى أن وجود العيش أو الخبز في غالبية وجبات الأسر، ليس مؤشرًا خطيرًا بحد ذاته، بقدر دلالته على أصناف الطعام المُتاح استهلاكها والتي تتطلب بطبيعتها الخبز كمادة مالئة، وغالبيتها تكون أطعمة عالية الدهون والزيوت بالإضافة إلى الخبز، ما يُنتج نمطًا غذائيًا يعتمد فقط على الدهون والنشويات.

كان الخبز البلدي المدعم والأرز والمكرونة والفول البلدي من أكثر السلع الغذائية التي تستهلكها الأسر على مدار الأسبوع، وفي مقدمة هذه السلع العيش البلدي المدعم، فتستهلكه الأسر خمسة أيام على مدار الأسبوع، بحسب ما جاء في دراسة صادرة في 2016 عن «التعبئة والإحصاء» حول خصائص الأسر المُعرضة لانعدام الأمن الغذائي.

ويحصل المواطن يوميًا على 1342 سعرًا حراريًا من الخبز، مقابل 667 سعرًا حراريًا من اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك والأرز واللبن والبيض والفول، ما يعني أن الخبز المصدر الرئيسي للغذاء، بحسب «التعبئة والإحصاء».

هذا النمط المُختل يتسبب في آثار صحية سيئة، تظهر بوضوح على الأطفال والنساء الحوامل والأفراد البالغين الذين يتطلب عملهم مجهودًا بدنيًا مثل العمال، فتنتشر الأنيميا وأمراض سوء التغذية والسمنة نتيجة غذاء لا يقدم سوى «حشّو المعدة بالدهون والنشويات»، بحسب عبد الحليم.

وقفز مستوى وفيات الأطفال الرُضع، أقل من عام، بأكثر من 20% خلال عامي 2020 و2022، فيما قفز بنحو 11% بين الأطفال أقل من خمس سنوات، وهي النسبة الأعلى خلال أكثر من عقد، حسب «التعبئة والإحصاء».

ترى عبد الحليم أنه عند محاولة قراءة هذه الإحصاءات «المُفزعة»، لا يمكن تجاهل النمط الغذائي السيئ، مُشيرة إلى أن وفاة الأطفال في هذه الأعمار وحتى مرضهم يعودان إلى أسباب صحية ترتبط بتعرض الأم لسوء التغذية والأنيميا في أثناء الحمل.

يُؤكد على ذلك أستاذ علوم الأغذية بكلية الزراعة جامعة سوهاج، أبو الحمد مهنّا، مُضيفًا أن الآثار الصحية الوخيمة الناجمة عن هذا التدهور الغذائي الحادّ ستظهر خلال السنوات القادمة، في ظل تنامي الاعتماد على الخبز وقائمة طعام غالبيتها من الدهون وبمثابة «تعويض عن الجوع».

يصف النور مشهد تدهور تغذية المصريين وخاصة الشرائح الأكثر فقرًا، بأنه نتاج العقلية الحاكمة لسياسات الدولة وتخيلها عن التنمية: «لا بد من وجود فئة تتحمل مقابل خيال أنه لاحقًا سيعيش الجميع بصورة جيدة».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن