لمسافة 20 كيلومتر وبارتفاع 900 متر عن مستوى البحر، اهتزت الأرض لعدة ثوانٍ، ثم دوى انفجار لا مثيل له، اهتزت البنايات السكنية وانطلقت صافرات الإنذار من السيارات وظهرت سحب بعيدة وردية اللون.
في مرآب مستشفى الروم، على بعد كيلومترين، اهتزت الحوائط والأرضيات، السيارات جميعها أطلقت صافراتها في وقت واحد، انكسر زجاجها، وشعر الناس بأن الهواء انسحب. كان الظن حينها أن المرآب انفجر.
على بعد مئات الأمتار، في منطقة الجميزة، كان أحد الأصدقاء في مقهى، سمع أزيز طيران، ثم شعر وكأن أحدهم يُجلسه على الأرض عنوة، كان هناك صوت دوي، لكن ليس مرتفعًا. سقط، وأغمض عيونه لثوانٍ، قام ووجد الغبار غطى كل شيء فجأة، رأى رجلًا على الأرض وفي عينه زجاج متحطم، آخر يزيل من يديه بقايا باب زجاجي بصمت وهدوء، وفجأة انقلب المشهد الصامت إلى صرخات وطلبات استغاثة.
كانت هذه مشاهدات من ثلاث نقاط جغرافية متفرقة بعد ما حدث في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت الدولي.

في لبنان، عاش الناس حربًا أهلية طويلة، وحروبًا أصغر. شهدوا اغتيالات بالسيارات المفخخة. سمعوا صواريخ إسرائيلية محرمة دوليًا تدك البيوت والمباني. لكن لا أحد سمع مثل هذا الدوي، ولا أحد رأى رقعة الدمار هذه التي سببها انفجار واحد.
مع الانفجار، انفجر سيل من التوقعات. هل ضربت إسرائيل مخزن ما لحزب الله خزن فيه مواد متفجرة؟ هل هو انفجار غامض يماثل تلك التي تحدث في إيران هذه الأيام؟ هل الانفجار مرتبط بموعد إعلان الحكم في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري؟ أم هو انفجار استهدف قوات اليونيفيل الراسية في مرفأ بيروت؟
الرواية الحكومية كانت أبسط من كل ذلك. لا مؤامرة في الأمر ولا عملية إسرائيلية ولا انتقام. ببساطة خلطة الإهمال والفساد المستشريين في كل مناحي البلد.
ما حدث، طبقًا لرئيس الحكومة اللبنانية وباقي المسؤولين، أن مخزنًا كان ممتلئًا بـ 2750 طنًا من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار، وكان بعض العمال يلحمون بابًا حديديًا يؤدي إلى المخزن «منعًا للسرقة»، نشب حريق صغير، توجه فوج الإطفاء للتعامل معه، ثم انفجر المرفأ كاملًا.
اختفى فريق الإطفاء. مات 100 مواطن وأصيب أربعة آلاف آخرين. تدمر المرفأ الذي يستقبل 70% من صادرات لبنان. تضررت منازل 300 ألف مواطن وباتوا بلا مأوى. دمر مخزن أدوية الأمراض المستعصية بشكل كبير في منطقة الكرنتينا. تضررت مستشفيات الوردية والروم والكرنتينا بشكل كبير. انتشرت حملات أهلية تبحث عن أسامي المفقودين، تشابه تلك التي رافقت الحرب الأهلية. امتلأت أروقة المستشفيات، التي كانت قد وصلت إلى ذروة التشغيل بسبب وباء كورونا، بأجساد المصابين. سمع سكان قبرص صوت الانفجار وشعروا بالهزة الأرضية التي وصلت قوتها إلى 4.5 درجة على مقياس ريختر. وقدر البعض أن التفجير ماثل خُمس تفجير قنبلة هيروشيما النووية في اليابان. وعلقت تساؤلات بخصوص تسمم الهواء الناتج عن المواد المتفجرة دون أن تصل إلى إجابات واضحة حتى اللحظة.
لكن كيف وصلت هذه الكمية من نترات الأمونيوم إلى بيروت، وكيف بقيت في المخازن كل تلك السنين في انتظار أن تنفجر ببساطة؟
في سبتمبر 2015، نشرت مجلة «Ship Arrested» المعنية باحتجاز السفن وحركة الملاحة الدولية، تقريرًا قال إنه في عام 2013 تعطلت سفينة شحن كانت في الطريق من جورجيا إلى موزمبيق فاضطرت إلى الرسو في مرفأ بيروت الدولي. وبعد تفتيشها، عُثر على تلك المواد التي صادرتها الحكومة اللبنانية، وأبقتها في السفينة حتى قررت بعد عامين تخزينها في العنبر رقم 12. وبقيت هناك في انتظار تصرف الحكومة حتى انفجرت أمس.
غطى الزجاج المحطم كل شوارع بيروت. أحياء بكاملها تغيرت معالمها، فلا يمكن للمار أن يتعرف على وجهته. في مناطق الجميزة ومار مخايل والجعيتاوي والأشرفية والحمرا والظريف والوتوات والدورة والكارنتينا وغيرها، يسير الأهالي هائمين في الشوارع. البعض يحمل حقائب، والبعض الآخر يحمل قطته، والجميع مغطى بالدماء.
لا توجد مؤشرات بعد لما تنوي الحكومة اللبنانية فعله. اجتمع المجلس الأعلى للدفاع وأعلن بيروت مدينة منكوبة، ومنحه رئيس الجمهورية مهلة خمسة أيام لإعلان نتيجة التحقيق. حتى الآن، لم تعلن الحكومة تحملها لأي مسؤولية. ناشد رئيس الحكومة الدول الصديقة لإغاثة اللبنانيين. وأعلنت عدة دول إرسال مساعدات إغاثية وفرق طبية. فرنسا والولايات المتحدة وإيران وقطر والكويت والإمارات والعراق، وينوي صندوق النقد الدولي المساعدة. ومن جهته، ساهم المركز الطبي المصري في استقبال المصابين، وتجهز الحكومة المصرية لإرسال مساعدات طبية حددتها الحكومة اللبنانية.
الانفجار المفجع عزز الميل الدولي لتحويل المساعدات المقدمة إلى لبنان من المساعدات الاقتصادية طويلة المدى إلى المساعدات الإنسانية والإغاثية المباشرة.
قال مصدر دبلوماسي مقيم في بيروت لـ«مدى مصر» إن ما حدث يزيد من صعوبة أي خطة لإنقاذ لبنان، مشيرًا إلى أن الحكومة كانت يائسة أصلًا وقبل الانفجار من الوصول إلى أي خطط إصلاحية. وأضاف أن لبنان كان يحتاج دفعة من المساعدات تصل إلى 10 مليارات دولار، ولكن بعد الانفجار الذي تقدر خسائره ما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار، بات الأمر أكثر صعوبة.
هنا، تواصل الدول الداعمة للبنان المضي في سياسة التحول من الدعم الاقتصادي إلى الدعم الإغاثي، فتكثف فرنسا تمويلها للمؤسسات الفرانكفونية، وتساعد مصر من خلال المستشفى المصري في بيروت. أي أن هذه الأطراف تساعد عبر تمويل مباشر لمؤسسات إنسانية أو طبية، دون أن تتعامل مع الحكومة بشكل حصري.
لم يكن ينقص لبنان تلك الفاجعة. البلد كان يعاني بالفعل من انهيار اقتصادي أوصله إلى حال «التضخم المفرط». كان يعاني من تداعيات موجة ثانية لوباء الكورونا رافقت فتح البلد. كان يشهد انتفاضة شعبية منذ أكتوبر الماضي. وقبل كل ذلك، كان يعاني من سيطرة طبقة سياسية حاكمة، قال عنها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أثناء لقائه مع رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب الأسبوع الماضي، إنها «تتعارك في ما بينها على من يقود سفينة التايتانيك وهي في طريقها مسرعة إلى الجبل الجليدي حيث تغرق إلى الأبد».
النظام السياسي اللبناني عادة ما يوصف بنظام محاصصة طائفية. دون تعقيد وببساطة ينبغي لكل قائد سياسي أن يحمي مصالح طائفته، ينبغي أن يرى كل شيء من زاوية الحفاظ على الطائفة. يخشى جبران باسيل على مسيحيّ الشرق كلهم. يخاف وليد جنبلاط على تعداد الدروز، وهم أقلية بالفعل في المنطقة. يحافظ نبيه بري على حقوق الشيعة. وفي السنة، يتشارك عدد واسع من السياسيين في رفع راية أهل السنة عالية.
ما حدث أمس يقول كلامًا مختلفًا. هذا ليس نظام محاصصة طائفية، هو نظام يستغل سياسيوه، على اختلافهم، النظام الطائفي لمراكمة الثروات ولحماية مافيا الفساد. هذا يحمي مصالح أصحاب مولدات الكهرباء فيعرقل إصلاح قطاع الطاقة بأكمله. وذاك يحمي فساد موزعي الجاز والمازوت، فيمنع التنافس على إيجاد حلول بيئية بديلة ورخيصة، ويبقي على المُحتكر محميًا.
ربما هذا يكون شارحًا لردود أفعال الناس. هناك صدمة، وهناك غضب عارم، وما بينهما فارغًا.

كتبت الناشطة السياسية جويل بطرس على تويتر: «مستفزين كيف عم يفتلوا بين تلفزيون والتاني. مستفزين قديه وقحين. كأن ما إلن علاقة بيلّي عم يصير. كأن عارفين إنه ما رح يتحاسبوا. بس هالمرة ما رح نسكت. غضبنا ما رح تقدروا تروقوه بتصريحات وتبرعات يا عرصات. ويسقط الاعلام يلي راكض يعطيكن هوا».
وكتب الأكاديمي والكاتب سامر فرنجية: «مش مقبول مئات القتلى وهني عّم يشحدوا مساعدات. مش مقبول كل هل جرحى وهني بعدن واقفين. مش مقبول انو في الاف العيل مشردة الليلة وهني قصورهم فاضية. انتقام. بس انتقام. اعمى. بلا هدف. بلا بكرا. بلا مغزى. بس انتقام».
صباح اليوم الثاني، كان موكب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، يمر عبر وسط المدينة عائدًا من موقع الانفجار. كان من المنتظر أن يحمله الناس على الأكتاف ويهتفون باسمه، فالمحكمة الدولية المختصة بقضية اغتيال والده رفيق الحريري ستنطق بحكمها بعد يومين، لكن اليوم، وبالذات جوار قبر أبيه، ألقى الناس الموكب بالحجارة، مرددين «شبيحة.. شبيحة».
اليوم، يقف لبنان وحده أمام استحقاق دفع فواتير متراكمة منذ عقود، ومطالب أن يسددها كلها دفعة واحدة، الآن وهنا. بات مطلوبًا من لبنان وسكانه أن يدفعوا فواتير النظام الطائفي الذي تأسست عليه الدولة في القرن الماضي، ويدفع فاتورة سطوة مافيا الفساد على كل أركان العيش، ويدفع فاتورة انهيار اقتصادي بطله الوحيد طبقة سياسية غافلة، لا تريد أن تساهم في دفع أي تكلفة، ويريد الناس القصاص منهم في الميادين.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن