المقاطعة الشعبية.. المستهلك يحمل سلاحه
منطق عليّ الدين بسيط ومباشر: «لو [اشتريت] كانزاية ممكن تجيب طلق» يُقتل به أطفال غزة. ولهذا لا يمكنه شراء هذه «الكانزاية» أو غيرها من قائمة منتجات اعتاد استهلاكها. عمره تسع سنوات.
بسبب وضوح هذا المنطق وقوته، لا يتنازل عليّ الدين عن مقاطعة أي من المنتجات على قوائم المقاطعة التي يتداولها الناس تضامنًا مع غزة. تشير أمه، هبة، إلى أنه تولى مسؤولية إدارة عملية المقاطعة في بيتهم. قبل أيام، لمح علبة «بيروسول»، مبيد الحشرات الشهير، لكنه ظن أنها إحدى منتجات شركة «ريد» الموجودة على قوائم المقاطعة. حذّر أمه أن هذا المنتج «مقاطعة» لكنها أوضحت اختلاف المنتجين. كذلك امتنع عليّ الدين وأخيه الأصغر عن تناول أي طعام من «ماكدونالدز». «بيحبوا ماكدونالدز جدًا»، تقول أمه، «نفسهم فيه بس رافضين».

لم تكن هبة أو أي من عائلتها بهذا النشاط في أي قضية مماثلة من قبل، لأنها «أصلًا مش مهتمة». تبالغ في وصف عدم اهتمامها سابقًا. اعتادت الانسحاب من أي نقاش يخص أي قضية شأن عام، واعتادت أمها اتهامها بالجهل. لكنها تنفي هذا. لم يكن هذا جهلًا، لكنه «ترييح دماغ»، بحسب تعبيرها.
لكن ليس هذه المرة. «المرة دي مهتمة إن المهزلة دي تقف»، تقول. ولهذا تبحث عن دور تلعبه. ومثلها مثل ملايين آخرين، تتعرف هبة هذه المرة على القوة التي تمتلكها كمستهلكة تعيش في هذا العالم.
تكرر خطاب المقاطعة طوال العقدين الماضيين. لكن خطاب اللحظة الحالية يختلف عن شبيهه قبل عقدين، اختلاف ربما يكشف عمق التغيرات التي طالت المجتمع خلال هذه السنوات، وعمق أزمة اللحظة الراهنة التي نعيشها.
عبر التاريخ، كانت المقاطعة سلاحًا تدعو إليه حركات المقاومة والتحرر في مختلف أنحاء العالم. اليهود مثلًا دعوا لمقاطعة النازية. لكن ربما أشهرها هي حركة مقاطعة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا منذ أواخر خمسينات القرن الماضي. معظم هذه الحركات كانت تتوجه لجمهور واسع حول العالم بمنطق مباشر يُشبه منطق علىّ الدين: شراء منتجات النازية في ألمانيا أو الفصل العنصري في جنوب إفريقيا يدعم جرائمها ويمنح وجودها ونشاطها شرعية تمكنها من الاستمرار. ولهذا يجب على الجميع مقاطعتهم قدر الإمكان. هذا هو أضعف الإيمان.
الموقف ذاته في مقاطعة إسرائيل. اتخذ هذا الحراك مسارات مختلفة. في العقود الأولى بعد النكبة، كانت مقاطعة إسرائيل موقفًا رسميًا لجميع الدول العربية. كثير من هذه الدول كان لديها مكاتب رسمية للمقاطعة، كما يشرح حازم جمجوم، المؤرخ الفلسطيني والناشط في حركة مقاطعة إسرائيل. تتولى هذه المكاتب تتبع المنتجات المسموحة وغير المسموحة، والشركات المطبّعة مع إسرائيل. لهذا لم تضطر الشعوب لطرح سؤال المقاطعة على نفسها، الدولة كانت تقوم بهذا نيابة عنهم.
لكن السؤال فرض نفسه بعدما بدأت بعض الدول العربية في عقد معاهدات سلام مع إسرائيل. أتذكر هذا في طفولتي. كنّا بعد اتفاقية أوسلو، الاتفاقية التي أبرمها ياسر عرفات مع إسرائيل في 1993، والتي تأسست على إثرها السلطة الفلسطينية. هذه الاتفاقية جاءت بعد سلسلة اتفاقات مماثلة بدأتها مصر مع إسرائيل، ولحقت بها الأردن في الثمانينيات. وبدا أن الموقف الرسمي العربي أصبح يميل إلى التطبيع.
في هذا الوقت، كانت الدولة المصرية تقود حملة لإغراء قطاع من موظفيها للانتقال إلى شمال سيناء والعمل هناك مقابل حوافز مختلفة، ضمن خطة «تعمير» سيناء بعدما استعادت مصر السيطرة عليها بعد اتفاقية السلام. استجاب البعض في عائلتي لهذه الحوافز وانتقلوا بالفعل إلى العريش. ولهذا أصبحت المدينة الساحلية قرب الحدود المصرية الفلسطينية مصيفًا عائليًا في منتصف التسعينيات.
في العريش، كانت هناك بعض المنتجات الإسرائيلية تُباع في السوق المحلية. مُنتجات إسرائيلية كُتب عليها بالعبرية، من ضمنها أنواع مختلفة من الصابون والشامبو. بعض أفراد عائلتي بدأوا اعتياد شرائها لأن سعرها كان جيدًا وجودتها مرتفعة، لكن موقف أسرتي كان واضحًا. لن يحدث أبدًا أن نشتري بضائع إسرائيلية جاءت من أرض الاحتلال مباشرة لتدخل إلى بيتنا. أتذكر جدلًا عائليًا حول هذا الموقف الذي اعتبره البعض وقتها متشددًا.
بالتوازي مع السلام مع إسرائيل، استمرت مصر في هذه الفترة في مسار اندماجها في السوق العالمية، وظهرت دلائل العولمة. فروع سلاسل المطاعم العالمية بدأت في الانتشار. المنتجات المستوردة أصبحت أكثر توفرًا. ومع هذه التطورات، بدأت الطبقة الوسطى المصرية في تبني سلوك استهلاكي كان مقتصرًا على الطبقات الأكثر ثراءً فيما سبق.

ثم عادت الانتفاضة الفلسطينية (2000) وبعدها غزو أفغانستان والعراق (2003) لتربك بعض المسارات. هذه هي اللحظة التي أصبح فيها طرح سؤال المقاطعة شعبيًا في المنطقة العربية أمرًا منطقيًا. المستهلكون الجدد يبحثون عن دور في دول عربية بدأت التطبيع مؤخرًا.
انتشرت حملات مقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية في مصر، وتبناها بشكل أساسي جماعة الإخوان المسلمين، واللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة، والمجموعة المصرية لمناهضة العولمة (أجيج). بوسترات تحمل شعارات عدد مختلف من المنتجات عليها قطرات من دماء ضحايا الحروب والعدوان، مقارنة فعل تناول «كوكاكولا» أو «بيبسي» بشرب دماء الأطفال القتلى، الجنيه الذي يُدفع في هذه المنتجات والذي قد يمثّل ثمن طلقة قد يُقتلون بها، تمامًا مثلما وصف عليّ الدين. هذا الخطاب يرتكز على هذه القوة الكامنة: نحن، كمستهلكين، جزء من هذا شئنا أم أبينا. ولهذا هناك دور يجب علينا لعبه.
بدأ تشكّل خطاب المقاطعة في مختلف البلاد العربية في هذا الوقت. حققت بعض هذه الحملات قدرًا من النجاح لكنها لم تلق قبولًا شعبيًا كبيرًا خارج دوائر المهتمين بالقضية الفلسطينية من الإسلاميين واليساريين.
لم يقتصر هذا على البلاد العربية. بدأت مجموعات مختلفة دعوتها للمقاطعة في أوروبا وأمريكا. لكن المنطق هناك كان مختلفًا. اختلفت استراتيجيات وتكتيكات هذه المجموعات عن مثيلاتها هنا لأنها تعمل في سياقات تختلف تمامًا في علاقاتها بإسرائيل وبالقضية الفلسطينية عمومًا. ففي مقابل حالة التطبيع بعد الحرب والقطيعة مع إسرائيل في العالم العرب، في الغرب كان هناك تطبيع دائم للوجود الإسرائيلي وكانت حملات المقاطعة لديها مهمة أولية في هذا السياق وهي نشر الوعي.
انتهت تراكمات هذا النشاط في 2005 إلى تأسيس حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (Boycott, Divestment and Sanctions BDS)، والتي شارك في تأسيسها عشرات من الاتحادات الشعبية والنقابات والأحزاب واللجان الشعبية والمؤسسات الأهلية الفلسطينية. في بيان تأسيسها، دعت الحركة إلى «مقاطعة واسعة لإسرائيل، وتطبيق سحب الاستثمارات منها، في خطوات مشابهة لتلك المطبقة ضد جنوب أفريقيا خلال حقبة الأبارثهايد».
بدأت فروع مختلفة من BDS في النشاط عبر مختلف البلاد. كل فرع لديه خططه واستراتيجياته حسب السياق الذي يعملون فيه. وأصبح هناك حملات عابرة للحدود (مثل حملات مقاطعة شركة PUMA للملابس الرياضية أو شركة HP للكمبيوترات والطابعات) أو حملات شديدة المحلية.
استمر نشاط الحركة خلال ما يقرب من عقدين حول العالم، وشهد فترات من الصعود والتراجع. أحد أهم النجاحات التي حققتها حول العالم كان المقاطعة الأكاديمية والثقافية، وحقق بعضها نجاحات نسبية (آخرها كان قرار الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا في يوليو الماضي مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية). كذلك استمرت حملات المقاطعة الاقتصادية.
واجهت الحركة انتقادات مختلفة حتى في أوساط الداعمين للقضية الفلسطينية. أبرز هذه الانتقادات تتمحور حول أن المقاطعة في النهاية ليست سوى فعل فردي يمنح الرضا لمن يتمسكون به، ما قد يمنعهم من المشاركة الفعّالة في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي بالأدوات الأخرى المتاحة. فعل فردي يتماشى مع النزعات الليبرالية التي تجعل من الفرد مركزًا يخصم من جماعية النضالات السياسية.
لهذا، في بعض الأحيان، قد تكون الدعوات للمقاطعة فعلًا ضعيفًا إذا كانت اللحظة تسمح بفعل أكبر من هذا. يتذكر وائل جمال، الباحث الاقتصادي والعضو في حملة «أجيج»، أن البعض اعتبر أن حملات المقاطعة قبل عقدين تُستخدم «بشكل رجعي» لأن التظاهر والحراك الشعبي من أجل فلسطين كان مسموحًا به، وبالتالي يكون التركيز على رسالة المقاطعة أن «خليك في البيت وقاطع، ما تنزلش الشارع» تراجعًا.
في مقابل تيار المقاطعة الأكثر تنظيمًا ونضجًا سياسيًا، هناك التيار الأوسع انتشارًا في الأسابيع الماضية. تيار هبة وابنها عليّ الدين وربما مئات الآلاف مثلهم. تيار يستند إلى نفس المنطق: القوة الباقية لدينا هي أننا أفراد مستهلكون.
هذه المرة، يعيش هذا التيار هذه الأيام تجربة شعورية فريدة. يعبر الجميع عن هذا بشكل متكرر: مزيج من الذهول وعدم التصديق والذعر والارتباك، مزيج ينتهي دائمًا إلى الغضب. غضب، كما يصفونه، غير مسبوق في الذاكرة المعاصرة في جماعيته وفي حدته. هذا المزيج لم يتوقف عن تلطيخ كل الحياة طوال أكثر من شهر، صباح مساء.
تعرف هبة أن شبكات التواصل الاجتماعي كانت موجودة في اعتداءات إسرائيلية سابقة، لكن الأخبار لم تكن «مفتوحة» بهذا الشكل. حتى في 2014، أحد أكبر الاعتداءات الإسرائيلية على غزة، لا تتذكر أنها اختبرت الأمور بهذه الحدة. هذه المرة، «الكارثة كبيرة أوي، الدم كتير أوي». وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، «المرة دي إنت حاسس إنك قاعد معاهم، إن القنبلة هتقع عليك أنت».
ربما لم يعرف العالم شيئًا كهذا من قبل فعلًا. مقارنة أعداد الضحايا تجعل هذا واضحًا. في الحرب على غزة في 2014، والتي استمرت ستة أسابيع، قتلت إسرائيل حوالي 2300 فلسطيني. هذه المرة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 12 ألف قتيل خلال الأسابيع الستة الأولى، أي حوالي خمسة أضعاف. أسابيع وراء أسابيع من مجزرة مستمرة نعيش تفاصيلها صوتًا وصورة كل يوم، كل لحظة. آلاف الصواريخ تسقط على الرؤوس هناك فنشعر بها هنا. لم يتوقف هذا طوال أسابيع، ولا يبدو أنه سيتوقف قريبًا.
في المقابل، لا توجد مساحات لأي حراك يتجاوز الإنترنت. باستثناء يوم واحد قبل أسابيع، لا تسمح الحكومة المصرية بأي تظاهر من أي نوع، ولا حتى داخل الجامعات التي اعتادت أن تكون مساحات طبيعية للتعبير عن الغضب تجاه ما يحدث في فلسطين. لكن لا شيء من هذا الآن. الثمن المُحتمل أصبح أكبر فداحة بكثير. أي فعل احتجاجي في مصر الآن قد يؤدي بسهولة إلى سجن طويل.
يصبح منطقيًا وسط هذا العجز أن يبدأ الكثير في خلق واستغلال شبكات الإنترنت لاستكشاف «طريقة سهلة وآمنة» لعمل شيء ما، كما يصفها جمال. الشيء الأكثر وضوحًا الآن هو قوة الاستهلاك. وعبر الشبكات المختلفة الصغيرة وواسعة النطاق، بدأت دعوات للمقاطعة، دعوات لاقت قبولًا شعبيًا غير مسبوق.
لكن هذا ليس كل شيء. الكثير أيضًا تغيّر خلال العقدين الماضيين.
تشير تطورات أنماط الاستهلاك في السنوات الماضية إلى بدء تبلور ما يُمكن اعتباره المواطن المستهلك العالمي. الملاحظة الأساسية أن هذا المواطن يتشارك في حد أدنى من القيم الجمالية ومعايير التفوق ومحددات التمايز الاجتماعي مع شريحة مماثلة من رفاقه المستهلكين حول العالم. هذا المواطن هو ابن المول، يعرف أهمية البراند التي تلعب دورًا في تشكيل جزء من هويته وأفكاره عن نفسه وعن مجتمعه.
تناثرت بذور هذا المواطن قبل عقود تغير المجتمع كثيرًا فيها. انسحبت الدولة من المسؤوليات التي اعتادت توليها بموجب عقد اجتماعي تاريخي يمنحها السلطة مقابل ضمان الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية. وتمددت الرأسمالية (بخلطتها المصرية) لتشغل المساحات التي تركتها الدولة خلفها.
يحمل هذا المواطن المستهلك العالمي الجديد مزيج ألوانه ويتحرك بهويته الجديدة. يتمايز هذا المزيج عن مثيله حول العالم في بعض الألوان، لكنه يكاد يتطابق في معظمها. انتشر الإنترنت واتصلت أنابيب التعبير الثقافي عبر الحدود. امتزجت ألوان هذا التعبير داخل الأنابيب الجديدة، فأنتجت ألوانًا جديدة تتمتع بتأثير آني تلمع تبعاته في كل مكان. مزيج من تأثير الثقافة المحلية بعد إخضاعها لقيم جمالية عالمية موحدة. أصبح البوب الكوري K-pop وتايلور سويفت وسلاسل ماركات الملابس العالمية وسباقات مطاعم الفاست فود وأحلام المدارس الإنترناشونال في مصر أوجهًا مختلفة للشيء ذاته.
خلال سنوات عملها كمرشدة نفسية تربوية وأسرية ومعالجة نفسية بالفن، لاحظت سلمى ياقوت ارتباط صعود هذه النزعات الاستهلاكية في مصر كذلك بانهيار قيم أخرى في حياتهم. كل إنسان يبحث، كما تشرح، بشكل فردي أو جماعي، عن إحساس بالقيمة والقدرة والحرية والطمأنينة. هذه القيم الأربعة أساسية لكل شخص أو أسرة أو مجتمع. خلال العقدين الماضيين، انهارت المشاريع الجماعية لهذه القيم. اعتاد المواطن كوارث من نوع مقتل مئات المواطنين في عبارة السلام وحريق القطار. حتى الثورة، التي مثّلت حلمًا جماعيًا بهذه القيم، «فرقع في وشنا»، بحسب تعبيرها، بعد أن تعشمنا كثيرًا. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف الهزائم.
تحول الاستهلاك إلى أداة أساسية لتعويض هذه القيم والمشاعر. «بيشتري عشان يطّمن على نفسه»، تقول سلمى. هذه هي الطريقة التي تعاملت بها الطبقة الوسطى مع كل هذه الأزمات، بحسب رأيها.
لكن هذا واجه أسئلة صعبة مع بدء العدوان على غزة. واجه المجتمع صدمة كبيرة، ولم يعد الاستهلاك قادرًا على تخدير أزمته الوجودية. فجأة، «محدش قادر يجادل: إحنا لا قيمة ولا قدرة ولا حرية ولا طمأنينة»، تقول سلمى، «الناس مضطرة دلوقتي تواجه الحاجات دي».
وسط كل هذا، تطرح فكرة المقاطعة حلًا بسيطًا لهذه الأزمات المعقدة. لم يعد الاستهلاك في حد ذاته قادرًا على تحقيق الخلاص الفردي، لكن استغلاله كسلاح يمنحه معنى أكثر عمقًا. عبر المقاطعة، يتحول الاستهلاك إلى نضال. عبر المقاطعة، «أنا موجود، أنا مؤثر».
أصبحت المقاطعة منذ هذه اللحظة إجابة لأسئلة مختلفة، فردية ومجتمعية وسياسية. على سبيل المثال، موقف دولة الإمارات مما يحدث في غزة أثار تحفظ كثيرين، بعد أن بالغت في إدانتها لهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر الماضي وما يظهر من ترددها في دعم الشعب الفلسطيني. الإجابة: «عند لحظة معينة، كان فيه كلام عن مقاطعة أبو عوف [سلسلة أسواق المنتجات الغذائية التي تمتلك شركة إماراتية أغلب أسهمها الآن]»، تقول هبة، «والكلام عجبني».
الأمر ذاته في خناقة الممثل محمد سلّام، والذي اعتذر علنًا، بسبب حرب الإبادة في غزة، عن المشاركة في عرض مسرحي خلال «موسم الرياض»، المهرجان الترفيهي السعودي الذي انطلق قبل أيام وأثار جدلًا كبيرًا بسبب عدم حساسية توقيته. أثار اعتذار سلّام تعاطفًا كبيرًا، لكنه تسبب كذلك في حذف منصة «شاهد»، منصة البث السعودية، مسلسلًا شارك فيه، وشائعات عن اشتراطها طرد الممثل من المواسم اللاحقة من المسلسل للسماح بإعادة عرضه. ردًا على هذا، انطلقت حملة لمقاطعة المنصة. «لو كان عندي شاهد كنت قاطعتهم»، تقول هبة. خلال المهرجان نفسه، تطوع ممثل آخر لمهاجمة سلّام، ما أطلق عاصفة من الغضب والسخرية منه، وأطلق كذلك حملة لمقاطعة مطعم يملكه في القاهرة.
يشبه الأمر اكتشاف سلاح جديد. (ربما ليس مناسبًا اللجوء إلى تشبيه من عالم السلاح الآن لكن، آسف، هذا هو ما يشغل الواقع والخيال الآن). سلاح نُمسك به، نتأمله، نحاول فهمه، ونرجو من الله أن يمتلك قدرة تدميرية تلائم قدر الغضب. سلاح تبدأ شريحة واسعة من الناس تجربته للمرة الأولى على هذا النطاق. ومثل أي سلاح، يحتاج الناس بعض الوقت لتجربته واعتياده والتعرف على حدود قدراته.
حدث هذا مع شروق، والتي بدأت المقاطعة منذ اليوم الثاني لبدء قصف غزة. في البداية، لم تكن تعرف قائمة المنتجات التي ينبغي عليها مقاطعتها. بدأت بحثها وأدركت اتساع القائمة. عشرات الشركات الكبيرة حول العالم، تمتلك مئات العلامات التجارية الشهيرة، وتعمل في إسرائيل أو تدعمها بطريقة أو بأخرى.
أول الأزمات التي واجهتها كانت عدم توفر الكثير من البدائل. تعتمد شروق على أحد منتجات العناية بالجلد التي تُنتجها شركة لوريال L'Oréal، إحدى الشركات على قائمة المقاطعة، لأن هذا هو المنتج الوحيد الذي يعمل مع الإكزيما Eczema (أحد أنواع التهاب الجلد) التي تعاني منها بشكل مزمن. ولأنه لا يوجد بديل له، تعرف شروق أنها لن تتمكن من مقاطعته.
ينسحب هذا حتى على أبسط المنتجات. هبة كذلك أشارت إلى هذه المشكلة. لا بديل لقهوة «نسكافيه» أو منتجات «هاينز». كل أنواع مكعبات المرقة مثل «ماجي» و«كنور» على قائمة المقاطعة.
حتى إذا توافرت هذه البدائل، يكون هذا في الأغلب في القاهرة وبدرجة أقل المدن الكبيرة الأخرى، لكنها تصبح أكثر ندرة بكثير خارج المدن المركزية.
توقفت عائلة هبة خلال عودتهم من كفر الشيخ، بلدتهم، إلى القاهرة حيث يعيشون، لشراء زجاجات مياه معدنية من أحد أكشاك الطريق. لم يكن لدى البائع سوى مياه «داساني» و«أكوافينا»، كلاهما ضمن قوائم المقاطعة. توقفوا عند آخر وسألوه عن نوع مياه مصرية. بالنسبة لهبة، في هذه الحالات ستحاول الاستغناء عن هذه السلع تمامًا أو شرائها فقط على قدر الاحتياج.
سألتها عن أنواع المياه المصرية المتاحة، فذكرت عدة أنواع من بينها مياه «بركة». أوضحت لها أن مياه «بركة» مملوكة لشركة «نستله»، هي الأخرى ضمن قوائم المقاطعة. تسبب هذا في صمت مرتبك، صمت إحساس بالذنب على جنيهات قليلة ربما أُنفقت عليها خلال الأسابيع الماضية. ارتباك يشير إلى عفوية الحركة وانعدام وعيها بسلاسل الإنتاج الرأسمالية وعلاقاتها المعقدة.
مثال آخر لهذه الضبابية يظهر ما تداوله البعض على الإنترنت للدعوة لمقاطعة بيرة «هاينكن» واستبدالها ببيرة «ستيلا» المصرية. ما لا يعرفه كثيرون من عشّاق «ستيلا» أن شركة الأهرام للمشروبات التي تُنتجها مملوكة الآن لشركة «هاينكن» العالمية نفسها.
يظهر هذا الارتباك في الأسئلة التي طرحها البعض حول تأثر الشركات المصرية من حملات المقاطعة. خلال الأسابيع الماضية، اعتمد الموقف الرافض للمقاطعة على أن كثيرًا من الشركات التي تتأثر بحملات المقاطعة شركات مصرية تحمل فقط حق استخدام العلامات التجارية الدولية، ويعمل بها مصريون. أحد أبرز الأمثلة خلال النقاشات العامة كانت مطاعم «ماكدونالدز». بالنسبة لهم، مقاطعة هذه الشركات تهدد المئات من المصريين العاملين فيها بقطع أرزاقهم.


يتساءل جمال مثلًا عن مقاطعة الشركات المصرية التي تشارك في اتفاقية «كويز»، الاتفاقية التي تسمح للمنتجات المصرية بالدخول إلى الأسواق الأمريكية دون جمارك أو حصص محددة إذا احتوت مكونًا إسرائيليًا فيها (بحد أدنى نسبة 10.5٪). قائمة هذه الشركات تشمل الآن أكثر من 1100 شركة مصرية.
هذا الاحتكاك بين القناعة الواسعة بأهمية المقاطعة الآن، كدور وحيد وربما مؤثر، وبين الواقع العملي للعالم الذي نعيش ونستهلك فيه، والذي يطرح أسئلة التقاطع بين مصرية الشركات أو عالميتها، هو ما يسمح لخطاب المقاطعة بالتبلور. ومع استمراره، يُفتح الباب أمام إمكانية تحوله من موقف خلاص فردي إلى خطاب سياسي يفرق بين الاستراتيجية والتكتيك، ويحدد خطوطه الحمراء ومساحات تنازله.
تنقل شروق، على سبيل المثال، إجابات مباشرة على سؤال الشركات المصرية حاملة العلامات التجارية العالمية. مثلًا، «الفرانشايز يقدروا يغيروا اسمهم زي ما حصل في روسيا، يقدروا يقطعوا الصلة، عندهم حلول». كما أن انتشار المقاطعة يفتح الباب أمام المنتجات المحلية للانتعاش. «الحاجات المحلية بيزيد عليها الطلب فبتطلب عمالة»، تقول. وهكذا.
هذه النقطة حول فتح الباب أمام المنتجات المحلية تمثل إحدى أهم ملامح خطاب المقاطعة الذي يتشكل الآن في مصر. مقاطعة كوكاكولا وبيبسي كولا لم تعد تعني استبدالها بـ«مكة كولا»، المشروب الذي انتشر من لندن وقت المقاطعة الأولى قبل عقدين، وإنما بـ«سبيرو سباتس»، المشروب المصري القديم الذي عاد إلى السوق قبل سنوات. هناك نقاشات جادة يخوضها الكثيرون حول أهمية دعم المنتجات المحلية. حتى بعض تطبيقات التسوق بدأت في الدعوة للتسوق المحلي على صفحاتها الرئيسية. هذا الخطاب المحلي لا ينطلق بالضرورة من خطاب قومي مصري وإنما على الأرجح من تأثيرات ثقافة تفضيل التسوق المحلي (والتسوق الأخلاقي بشكل عام)، والتي تملأ العالم، وتستمر في الوصول إلى شرائح أوسع من المواطن المستهلك العالمي الجديد.
تبلور الخطاب بهذه الطريقة سمح لشروق بالانتقال من مقاطعة كل شيء إلى محاولة التوصل إلى اختيارات تمنح فعل المقاطعة فعالية سياسية حقيقية ضمن خطاب يبدو أكثر تماسكًا ووعيًا. وحدث هذا بفضل مجموعات تحاول الدعوة للمقاطعة وتنظيم عملها. «المرة دي الموضوع ممنهج، فيه ناس بتحط قوايم وبتعمل بحث»، تقول.
ما تصفه شروق هنا هو الإمكانية الذي تتيحها اللحظة الآن أمام التيارات الأكثر تنظيمًا والأقل شعبية. هناك تيار أكثر شعبية يحتاج بعض التنظيم لصياغة خطاب سياسي ما يحاول استكشاف أبعاد مهمته وأهم العقبات في طريقها. هناك ملايين الغاضبين يبحثون عن خارطة طريق تتجاوز كل الجفاف الاجتماعي والسياسي الذي عانوا منه لسنوات.
أو ربما لا. سألت عليّ الدين متى سيتوقف عن المقاطعة. «لحد ما القضية تخلص»، أكد بحزم، «لحد ما فلسطين تنتصر».
من جانبي، وضمن الغضب غير المنضبط، قررت مقاطعة مسلسل ساينفلد Seinfeld، مسلسلي المفضل على الإطلاق، بعد أن وقّع جيري ساينفلد على خطاب يدعم إسرائيل. توقفت عن مشاهدة أي حلقات أو مقاطع على الإنترنت منه، كما توقفت عن استخدام نكاته. لا أعرف أي فائدة قد تأتي من هذا لكنني أعرف في داخلي أن هذا هو الموقف الصحيح.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن