«الأسطول المصري».. مبادرة للإبحار وسط أمواج السياسة وضغوط الأمن
بعد أقل من أسبوع من طرحها استمارة للراغبين في المشاركة به، تلقت اللجنة التيسيرية لمبادرة «أسطول الصمود المصري» مئات من طلبات الانضمام، حسبما قال لـ«مدى مصر» أحد أعضاء اللجنة، التي أعلنت، الأربعاء الماضي، عن تلقي المبادرة، بعد أربعة أيام فقط من إطلاقها، «القارب الأول المجهز وجاهزية طاقمه للمشاركة في الأسطول العالمي»، من بين خمسة قوارب يفترض أن يضمها الأسطول المصري، تبعًا لتقدير اللجنة منذ البداية، بحسب المصدر السابق، الذي طلب عدم ذكر اسمه.
الإجراءات المتتالية لتجهيز الأسطول المصري تضمنت إعلان اللجنة، أمس، عن مقرات مخصصة لتلقى التبرعات العينية لتجهيز القافلة الإنسانية الطبية المتجهة إلى غزة، بعد يوم من مبادرة اتحاد شباب الحزب المصري الديمقراطي بالإعلان عن فتح مقراته لتلقي تبرعات عينية لصالح الأسطول، الذي يشكل محاولة مصرية لتلبية نداء «أسطول الصمود العالمي» الذي بدأ في الانطلاق نحو غزة في نهاية الشهر الماضي، في محاولة جديدة، هي الأكبر، لكسر الحصار الإسرائيلي المشدد منذ عامين على القطاع، ضمن حرب الإبادة التي حصدت أكثر من 65 ألف فلسطيني.
بينما تتسارع خطوات التجهيز، لا تزال اللجنة التيسيرية للأسطول المصري، تنتظر ردًا على طلبات تقدمت بها لجهات، منها رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، ووزارات النقل والخارجية والداخلية، وهيئتي ميناء الإسكندرية ودمياط، في إطار الخطوات القانونية لتيسير إجراءات تحرك الأسطول، بحسب بيان للجنة، أوضحت فيه أنها وجهت «دعوات رسمية للانضمام والمشاركة إلى نُقباء الصحفيين والمحامين والأطباء والمهندسين، إلى جانب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وقداسة البابا تواضروس الثاني، إيمانًا بأهمية الحشد الوطني والمجتمعي لدعم قضيتنا في كسر الحصار عن غزة».
النجاح النسبي للمبادرة حتى الآن، لا ينفي أنها تواجه تحديًا أمنيًا، يتقاطع مع تحديات سياسية أكبر، انعكس في اضطرار اللجنة التيسيرية لإلغاء مؤتمر صحفي كان مقررًا، الإثنين الماضي، في مقرها المؤقت، بمقر حزب الكرامة، بعد تهديدات أمنية باعتقالات قد تطال المشاركين في المؤتمر، المنظمين والحضور، حسبما سبق وقال مصدر مطلع على عمل اللجنة التيسيرية لـ«مدى مصر».
المصدر نفسه الذي أوضح وقتها أن التهديدات التي أدت إلى إلغاء المؤتمر بدأ وصولها فجر يوم انعقاده، أضاف أنه خلال الساعات السابقة لموعد المؤتمر، «بدا واضحًا لأعضاء اللجنة التيسيرية أن الكثير من الأطراف الممثلة في اللجنة التحضيرية تلقت تهديدات متباينة، حتى وإن لم تعترف بها صراحة، وهو ما كان يسهل استنتاجه في ظل توالي الاعتذارات عن حضور المؤتمر»، وتوقع المصدر أن تلك التهديدات لم تتضمن فقط تحذيرات من الاعتقال، وإنما ارتبط بعضها باهتمامات كلٍ من القوى السياسية المشاركة في اللجنة التحضيرية، التي تشمل قوى مهتمة بخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة مثلًا.
وتعصف بالقوى السياسية المحسوبة على المعارضة، وفي قلبها الحركة المدنية الديمقراطية، تباينات في تقدير مستوى المشاركة المطلوبة في الانتخابات البرلمانية، بدأت من انتخابات «الشورى» المنتهية، وتفاقمت مع الاستعداد لانتخابات «النواب» المنتظرة، بما تشمله من تنسيق مع الإدارة السياسية والأجهزة الأمنية وأحزاب الأغلبية.
المصدر السابق نفسه أوضح أن اللجنة التحضيرية أوسع نطاقًا من اللجنة التيسيرية، وتضم ممثلين لجهات سياسية، كأحزاب وحركات، ونشطاء بارزين، «وبعبارة أخرى، فهي تضم أطيافًا متعددة من القوى السياسية، بما انعكس على رد فعلها على تلك التحذيرات»، حسبما قال.
«تضم اللجنة التحضيرية 23 عضوًا حتى الآن»، حسبما أوضح لـ«مدى مصر» أحد أعضاء اللجنة التيسيرية، التي تتكون من خمسة نشطاء شباب.
التشكيل المزدوج للمبادرة الجديدة كان نتاج جلسة ضمت عددًا من ممثلي الأحزاب والنشطاء في نقابة الصحفيين، وانتهت إلى محاولة خلق صورة تنظيمية لمبادرة تشكيل أسطول مصري ينضم لأسطول الصمود العالمي، استكمالًا لمبادرة أطلقت في صورة بيان وقع عليه 55 شخصية عامة وناشط ومتضامن، و15 حزبًا وحركة، حسبما يوضح المصدر من «التيسيرية».
بحسب المصدر نفسه، أبرزت الجلسة اتجاهًا لتشكيل اللجنة التيسيرية بناءً على معيارين: الأول هو استبعاد الشخصيات السياسية ذات التاريخ الطويل، «لأنها وإن كانت قد تدعم بشعبيتها قوة المبادرة، إلا أنها قد تخصم من هذه القوة بمساحة الجدل الذي قد يثار حول تلك الشخصيات»، مثلما قال، موضحًا أن المعيار الثاني كان التطوع والمبادرة لعضوية تلك اللجنة، التي تستلزم إعلان أسماء أعضائها وتصدرهم المشهد الإعلامي، بما قد يتضمنه ذلك من ضغوط أمنية محتملة، بالإضافة إلى كثافة العمل اليومي.
لكن بيان بدء هذا العمل لم يكن الخطوة الوحيدة، «فقبله كانت النقاشات مكثفة في أوساط المتضامنين مع فلسطين عمومًا، حول كيفية دعم أسطول الصمود العالمي، وفي هذا السياق بادر اثنان من قيادات الأحزاب بالتواصل مع الأجهزة الأمنية، في محاولة للحصول على إذن بإطلاق الأسطول مصري، وهما حمدين صباحي ومدحت الزاهد».
الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أوضح لـ«مدى مصر» أن تواصله مع ممثل إحدى الجهات الأمنية، في سياق طلب تنظيم أسطول مصري، أسفر عن رد مفاده أن الموافقة على هذا الطلب صعبة إلى حد الاستحالة، لأن إسرائيل ستستخدم مشاركة المصريين في هذا الأسطول لتصعيد التوتر في المنطقة، كما أن المساس بهم سيستلزم ردًا من مصر، حتى لو تعهدوا بتحمل العواقب على مسؤوليتهم الشخصية.
وبينما تشهد العلاقات الدبلوماسية المصرية الإسرائيلية توترًا معلنًا في الفترة الأخيرة، ضمن ضغط أوسع لإنفاذ سيناريو تهجير الفلسطينيين، تضمن بيان الدعوة لإطلاق الأسطول المصري تأكيد الموقعين عليه أن مشاركتهم على مسؤوليتهم الشخصية. وذلك على خلفية اعتقال القوات الإسرائيلية للمشاركين في رحلات تحالف أسطول الحرية على مدار أكثر من 20 عامًا، وترحيلهم بعد احتجازهم وإساءة معاملة بعضهم.
الزاهد أضاف أنه عرض على ممثل الجهة الأمنية حلًا وسطًا، «لا يعبر عن رأي جماعي، وإنما رأيي الشخصي وقتها، بالسماح بتنظيم ما يشبه تظاهرة تضامنية من أسطول مصري في المياه الإقليمية المصرية وقت مرور الأسطول الدولي، مع دعوة الشعب المصري إلى تعليق أعلام فلسطين على الشرفات والاعتصام في مقرات الأحزاب في ذلك اليوم»، على حد قوله، مضيفًا: «الرد كان بأن الأمر يحتاج للبحث، وأني سأتلقى ردًا لاحقًا، لم يصلني إلى الآن».
بخلاف تجهيزات أسطول صمود، قال الزاهد إنه طرح على ممثل الجهة الأمنية «ضرورة الإفراج عن معتقلي التضامن مع فلسطين، وكان رده في هذا السياق أكثر إيجابية، لكن دون وعود واضحة» حسبما قال.
وفقًا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فمنذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر 2023، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 186 شخصًا، حبستهم على ذمة 16 قضية «أمن دولة»، بعدما وُجهت إليهم جميعًا تهمًا تتعلق بـ«الإرهاب»، على خلفية محاولاتهم التعبير سلميًا عن تضامنهم مع الفلسطينيين في غزة، سواء عبر التظاهر أو رفع لافتات أو حتى المشاركة في التبرعات الموجهة لجهود الإغاثة.
يرى الزاهد أن مبادرة كتنظيم أسطول مصري تضامني تتميز عن غيرها من المبادرات، بأن احتمال الاعتقالات في صفوفها ليس مرجحًا، «بالعكس، أعتقد أن السلطات ستفضل رفض منح التصاريح الأمنية اللازمة لانطلاق هذا الأسطول إذا أرادت وقف تلك المبادرة»، مضيفًا: «هذه المبادرة لا تتضمن تنظيمًا جماهيريًا يمكن أن يتحول إلى تظاهرات في الشوارع، وإنما عملًا منظمًا سيكون بعيدًا عن تلك الصور الاحتجاجية إذا نجح»، مضيفًا: «هناك مثال واضح، وهو الرفض الذي تلقيناه على طلب تنظيم تظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية، وكان بديلًا كافيًا على ما يبدو بالنسبة للأجهزة الأمنية عن الاعتقالات».
كان رؤساء أحزاب طلبوا، في أغسطس الماضي، تنظيم مظاهرة أمام سفارة إسرائيل، احتجاجًا على المجازر والإبادة الجماعية المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، قبل أن ترفض محكمة الأمور المستعجلة الطلب، فيما كان الزاهد أكد منذ البداية أنهم سيمتثلون للقانون وسيحترمون قرار المحكمة إن رفضت طلبهم.
في المقابل، اعتبر الزاهد أن مبادرة الأسطول المصري، حتى ولو لم تسفر عن نجاح في إطلاقه والتحاقه بالأسطول الدولي، «فهي ضرورية قبل كل شيء للتعبئة الشعبية ضد إسرائيل كعدو أول لمصر، ولمواجهة دعوات الاستسلام والخنوع لها».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن