تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«إدفا» 2024: الارتباك أمام الأرشيف

«إدفا» 2024: الارتباك أمام الأرشيف

أبرز الأفلام المُتوَجة في مهرجان أمستردام  للأفلام التسجيلية الـ37

كتابة: محمد صبحي 12 دقيقة قراءة

يُقيّم الكاتب أبرز الأفلام المتوّجة في مهرجان أمستردام للأفلام التسجيلية الـ37، (من 14 إلى 24 نوفمبر الماضي)، مركّزًا على استخدام الأرشيف في الأفلام المرشّحة لجائزة ReFrame.

لفترة طويلة، كانت الأفلام التسجيلية المصنوعة بالكامل من مواد أرشيفية، أعمالًا لافتة ومثيرة للفضول، لكنها أصبحت الآن نوعًا قائمًا بذاته.

يعرض مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية «إدفا» (IDFA) ما لا يقل عن 15 فيلمًا منها هذا العام. نشهد استخدامًا متزايدًا للأرشيفات في صناعة الأفلام الوثائقية/التسجيلية المعاصرة. مع تزايد إمكانية الوصول إلى المواد الأرشيفية التي تتراوح من الوثائق الورقية إلى التسجيلات الصوتية والمرئية بتنسيق رقمي، يميل صنّاع الأفلام الوثائقية/التسجيلية أيضًا إلى استخدام هذه المصادر التاريخية. وكما توقّع المفكّر السينمائي توماس إلسايسر قبل سنوات، فقد عزّزت هذه الثورة الرقمية في الأرشفة إعادة استخدام وإعادة تدوير السجلات التاريخية في السرديات المعاصرة.

ومع ذلك، في هذا الاتجاه/الترند، قد لا يكون من الممكن دائمًا ملاحظة تنوع جمالي لافت في إعادة استخدام لقطات الأرشيف في الأفلام الوثائقية/التسجيلية، أو اعتماد نهج يستوعب الأبعاد الإيديولوجية والسياسية للأرشفة.. في الواقع، غالبًا ما نصادف استخدامات تأخذ مواد الأرشيف كمادة خام وتوائمها في سردها الخاص، مع القليل جدًا من الاعتبارات الأخلاقية. في هذه الأعمال، لا يبذل الفيلم والمخرج جهدًا لإقامة علاقة ذات مغزى لا مع المادة نفسها ولا مع بيئة الأرشيف التي تشكّل المادة جزءًا منها. 

واستجابة للاستخدام المتزايد للأرشيفات في صناعة الأفلام الوثائقية/التسجيلية المعاصرة، أطلق مهرجان «إدفا» جائزة «ReFrame» (أو إعادة تأطير)، قبل بضع سنوات، بالشراكة مع الأرشيف الوطني الهولندي للتلفزيون والإذاعة. تُمنح هذه الجائزة لأفضل فيلم يستخدم لقطات أرشيفية بشكل إبداعي من بين الأفلام التسجيلية المُقدمة في أقسام المهرجان المختلفة وله لجنة تحكيم خاصة به. إلا أن «ReFrame» ليس قسمًا بحدّ ذاته، بل قائمة مختصرة مقطعية، ما يعني أن مجموعة مختارة من الأفلام الأقسام المختلفة تُرشّح لهذه الجائزة.

حفلت الدورة الأخيرة لمهرجان «إدفا» بعديد الأفلام التسجيلية التي استخدمت مواد أرشيفية، بخلاف الأفلام المرشّحة لجائزة «ReFrame». بعض هذه الأفلام، كما أسلفنا، أفلام تسجيلية علاقتها بالأرشيف واضحة تمامًا. ومع ذلك، فإن بعض الأفلام، على الرغم من عدم ترشيحها لجائزة «ReFrame»، برزت بالعلاقات المعقدة والعميقة والنقدية التي أنشأتها مع المواد الأرشيفية التي استخدمتها.

على سبيل المثال، يستند فيلم «الزهور تقف صامتة وتشهد» لليوناني الفلسطيني، ثيو باناجوبولوس، إلى رقمنة فيلم 16 ملم مُخزّن في المكتبة الوطنية باسكتلندا. التُقطت هذه المشاهد من قبل مبّشرين اسكتلنديين في أربعينيات القرن العشرين لتسجيل النباتات والأزهار المتوطّنة في فلسطين (صور شعرية وإثنوجرافية)، وعندما يدخل المبّشرون الجوّالين عبر الطبيعة إلى الإطار، يبدو الأمر مثل فيلم عائلي أرشيفي. على الرغم من أن الافتتان الواضح للفيلم التسجيلي بهذه الصور في البداية، إلا أنه يزيد من بُعده تدريجيًا، ويطوّر من مسافته هذه منظورًا نقديًا: لا يوجد فلسطيني واحد في هذه الصور، المنغمسة في إبداء إعجابها بجمال الجبال والسهول والوديان. هذا الغياب الغريب يتزامن مع دمارٍ واقع وراهن في زمن المخرج التسجيلي وجمهور الفيلم ممن يشاهدون هذه الصور الأرشيفية اليوم. ويكاد يصبح هذا تعبيرًا عن تاريخ المحو والتهجير والإبادة الجماعية الذي يواجهه الفلسطينيون منذ أكثر من 100 عام في الجغرافيا التي يسجّلها الفيلم الأصلي. يبدأ المخرج في البحث عن الفلسطينيين القلائل الذين يدخلون الكادر عن طريق الخطأ، من خلال التوقف والتكبير وإبطاء الصور الأرشيفية. أحيانًا تلفت انتباهه شخصية شبحية في مكان بعيد، وعندما يقترب، يتبيّن له أن هذا إمّا طفل دخل الكادر فجأة، أو عامل يعمل في الحقول، أو امرأة في الحديقة. والديناميكية هنا مثيرة ولافتة: فمن ناحية، ينأى المخرج التسجيلي بنفسه عن نظرة المبشّرين الذين التقطوا الصور، ومن ناحية أخرى، عبر الاقتراب من الصور، يحاول الوصول إلى أشباح -حتى وإن كانت آثارًا خافتة- ما لم يُمثّل. مزج نقدي يجد عبره الأرشيف تعبيره كحيّز، منه يمكن للمخرج، المولود لأسرة فلسطينية مهجّرة، تذكّر ماضٍ واشتهاء مستقبل في وطنه المفقود.

من فيلم الزهور تقف صامتة وتشهد

«الزهور تقف صامتة وتشهد»، الفائز بجائزة أفضل فيلم قصير، مثال رائع على النهج النقدي للمواد الأرشيفية وإعادة الاستخدام الثاقبة. هذه المسافة والألفة النقدية مع المواد الأرشيفية (أم نسمّيها حميمية نقدية؟) مهمّة للغاية، لأن هناك عددًا من القضايا الأخلاقية وراءها تتجاوز نطاق هذا الفيلم. وكما ذُكر أعلاه، فإن زيادة إمكانية الوصول إلى الأرشيفات الرقمية جلبت معها أيضًا إعادة استخدام سطحية ومسطّحة للسجّلات التاريخية. تتغذّي كثير من أفلام هذه الفئة على لقطات الأرشيف في جمالية سردية نمطية تفسيرية دون التشكيك (أو التفكير في) سياقها أو الظروف الأرشيفية أو التاريخية التي تشكّل جزءًا منها. لوحظ هذا الاتجاه أيضًا في برنامج «إدفا»؛ إذ كانت العديد من الأفلام بعيدة كل البعد عن الابتكار الجمالي مقتصرة فقط على التعامل مع لقطات الأرشيف. على سبيل المثال، من النادر جدًا أن نعثر على المقاربة الثاقبة لجوستاف دويتش (1952- 2019) للحياة الأرشيفية للماتريال السينمائي والديناميات المختلفة التي تأتي مع إنتاج فيلم منسوج من لقطات مكتشفة found footage في الإنتاجات المعاصرة. أو مثلاً المقاربة الشعرية لبيتر ديلبويت لجماليات الاضمحلال والتحلّل في دورة الحياة الأرشيفية للمواد السينمائية.. مدهش أن الإنتاج الوثائقي/التسجيلي المعاصر لا يتعامل بشكل كافٍ مع أسئلة مثل من أين تأتي لقطات الأرشيف؟ ومن سجّل هذه الصور من أي منظور؟ وفي أي أرشيف وكيف وجدت مكانها، أو ما تخبرنا به هذه المواد؟.

بمجرد النظر إلى اختيارات «إدفا» يمكن ملاحظة ازدواجية/ثنائية في ما يتعلّق بإعادة استخدام مواد أرشيفية في صناعة الأفلام التسجيلية المعاصرة: من ناحية، هناك ميل «استخراجي» يرى الأرشيفات مستودعًا لمواد خام ستتحوّل إلى منتج فيلمي نهائي، دون تطوير أي تفكير حول البيئة الأرشيفية التي تشكّل هذه الصور أو السجّلات التاريخية جزءًا منها. من ناحية أخرى، نرى ميلًا يتعامل بشكل نقدي مع الصور الأرشيفية، مع مراعاة كلّ من الصور نفسها والأنظمة الأرشيفية والتمثيلية والأيديولوجية التي تشكّل جزءًا منها، وجعلها عنصرًا من عناصر السرد الوثائقي.

في هذا السياق، برزت بعض الأفلام الوثائقية، بخلاف المرشحة لجائزة «ReFrame»، بنهجها الإبداعي والمتعمّق في مقاربة المواد الأرشيفية. على سبيل المثال، قدّم فيلم «مذكرات سماء» (2024) للمخرج لورانس أبو حمدان (المعدّ مسبقًا كتركيب فنّي) صورًا للسماء جُمعت في الغالب من وسائل التواصل الاجتماعي ومنصّات الفيديو عبر الإنترنت كإنتاج جماعي.

 من ناحية أخرى، استهدف فيلم «مثل خلل شبحي» (2023) للمخرجة باولا ألبوكيرك محو وعكس النظرة الاستعمارية التي حوّلت الشعوب الأصلية إلى مجرد أشياء من خلال تدخّلاتها الرقمية. في الفيلم ندخل قرية ألابادو الواقعة في غابات الأمازون المطيرة في المناطق الداخلية من سورينام، والتي كانت في الخمسينيات مستعمرة هولندية. وفي فيلمٍ أُنتج بواسطة معهد الشمامسة التابع للكنيسة الهولندية الإصلاحية، انتهى به المطاف في أرشيف متحف فيلم العين، لا يزال السكّان يُشار إليهم باسم «الهنود». الشخصية الرئيسية في الفيلم مبشّرة بيضاء شابّة تعمل هناك كممرضة. تضمّد الجروح، وتوزّع الأدوية لعلاج عدوى الديدان، وتقدّم النصائح هنا وهناك، وتعلّم الأطفال أساسيات اللغة الهولندية حتى يتمكّنوا من «إتقان اللغة» إذا ما ذهبوا إلى العاصمة باراماريبو. فعلٌ طيب وجهدٌ محمود، لكن موقفها واستخدامها للغة أبوي وعنصري بشكل صريح. يصوّر السكّان الأصليين على أنهم أطفال كبار يعيشون، وفقًا للتعليق الصوتي، «على حافة العصر الحجري». إنهم قذرون وفقراء وبائسون، ولكن لحسن الحظ تنقذهم ناصحة بيضاء ترتدي نظارات ذات إطار قرني* وتتحدث بلهجة حادة. تكشف باولا ألبوكيرك عن عمق هذا الاستعلاء الاستعماري من خلال إدخال «خلل» Glitch في الفيلم يحجب كل مَن يظهر، باستثناء عاملة التبشير. وعبر إبعادهم عن النظرة التشيئية للمستعمر، تستعيد سيادتهم. يمكن مناقشة مدى فعالية هذا التدخّل الرقمي -عبر تحويل الشعوب الأصلية إلى مجرد «خلل»- في عكس النظرة الاستعمارية، ولكن كان من الممكن أيضًا رؤية وعي ونقد لأصول اللقطات الأرشيفية والأيديولوجية التي تمثلها في هذا الفيلم. من ناحية أخرى، أظهر فيلم «الزهور تقف صامتة وتشهد» أن النهج النقدي والثاقب للقطات الأرشيفية يمكن أن يتعايش مع السرد الشعري والجذاب.

من فيلم «مثل خلل شبحي»

من بين المرشحين لجائزة إعادة التأطير، برز فيلما «كوكبي المسروق» للإيرانية فرحناز شريفي و«الفيلم عمل فدائي» للفلسطيني كمال الجعفري بعلاقتهما الدقيقة مع لقطات الأرشيف. يركّز «كوكبي المسروق» على الفترة بين الثورة الإيرانية، عام 1979، والانتفاضة التي بدأت في 2022، في أعقاب اغتيال مهسا أميني. يبدأ الفيلم بفكرة وجود انقطاع في الزمان والمكان مع النظام الإسلامي. ومع هذا الانقطاع، تبحث المخرجة عن أفلام عائلية تركتها وراءها عائلات فرّت من البلاد أو ألقيت في الشوارع أو في القمامة خوفًا. غالبًا ما يصادف صورًا ومشاهد لنساء يغنين ويرقصن ويحتفلن. ليس من قبيل المصادفة بالطبع أن تُلقى هذه الصور في الشوارع عندما تصبح دليلًا على جريمة. بهذا المعنى، فهذه الصور «المُكتشفة» سجلٌ لماضٍ ضائع وحلم بمستقبل طوباوي حيث يمكن للنساء الرقص والغناء بحريّة. يصبح المشهد الأخير، حيث تسير فتاة في الشارع وهي تلوّح بغطاء رأسها وتهتف «جين، جيان، آزادي» (امرأة، حياة، حرية)، رمزًا قويًا لهذا الأمل. فاز فيلم «كوكبي المسروق» بجائزة «ReFrame».

من «كوكبي المسروق»

يبدأ «الفيلم عمل فدائي» بفيلم دعائي من الأرشيف يظهر وصول المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين. تبدأ هذه الصور التي تعود إلى 100 عام في النزيف ببطء مع ظهور بكسلات حمراء (هناك العديد من اللقطات التي يُدرج فيها أشخاص أو أشياء باللون الأحمر فوق صور الأرشيف). تشير دوامة العنف البادئة بوصول المستوطنين الصهاينة إلى دورة زمنية واستمرارية العنف كمقدمة أو بداية للتدمير الرهيب في مخيم شاتيلا، عام 1982، والذي يُظهره الفيلم لاحقًا على الشاشة. مثل أغلب أعمال الجعفري، يعتمد الفيلم على مواد أرشيفية ثم يقوم المخرج بعد ذلك بتنقيحها وإعادة تفسيرها وتقييمها وإعادة صياغتها بناءً على تقنيات نموذجية للسينما التجريبية. في العام 1965، تأسّس مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، بهدف الحفاظ على الوثائق الثقافية لتاريخ فلسطين ونضالها السياسي. وبعد 17 عامًا، في صيف 1982، داهم الجيش الإسرائيلي هذا الأرشيف، واستولى على مجموعة ثقافية كاملة من الوثائق التاريخية، بما في ذلك مجموعة هائلة من الكتب والصور والتسجيلات الصوتية والمرئية. وبينما أعادت إسرائيل الملف لاحقًا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، قامت بنسخه مسبقًا، وحلّلته بالتفصيل وفهرسته وفقًا لمعاييرها الخاصة في تل أبيب. فيلم إدانة شديد الحداثة ضد الاحتلال والرقابة، ولكنه أيضًا استكشاف لأشكال جديدة من السرد. السياسة والفن يمتزجان في فيلم عن لقطات مكتشفة وعن التلاعب بها. رائع ومزعج، قوي ومدّمر.

من «الفيلم عمل فدائي»

فيلم «الدعائي» للهولندي لوك باومان، الفائز بجائزة أفضل فيلم هولندي، يجمع بين سجلات الأرشيف ومنهجية التأريخ الشفوي، مسلطًا الضوء على الفجوات والصمت في الأرشيف. استنادًا إلى مبادئ التاريخ الشفوي، أحد أكثر الطرق فعالية في سدّ الفجوات في سياق عنف الدولة، فإن الفيلم، المتميّز بتصميمه الصوتي، إنتاج مذهل ولافت يجلب إلى الشاشة صناعة أفلام يان تيونيسن (1898 - 1975)، ضابط الدعاية المسؤول عن إنتاج السينما في هولندا تحت الاحتلال الألماني. كان تيونيسن، المنتمي إلى عائلة ثرية، قادرًاعلى متابعة تطلّعاته كصانع أفلام في وقت مبكر من حياته. وخلال الحرب العالمية الثانية أصبح الرجل الأكثر نفوذاً في صناعة الأفلام الهولندية. وبصفته رئيس قسم الأفلام في قوات الأمن الخاصة والحزب النازي الهولندي، أصبح معروفًا باسم «قيصر الأفلام» و«ليني ريفنستال الهولندي». وبعد الحرب، تمت مقاضاة تيونيسن ومعاقبته. ومع ذلك، استمر في التباهي بذكائه وارتباطاته بكبار المسؤولين في النظام النازي.

يكشف الفيلم، الذي يركز على قصة تيونيسن ودوافعه، كيف تعاونت النخبة المالية في البلاد على الفور مع النازيين بدافع الانتهازية، من خلال أمثال تيونيسن. وفي الوقت نفسه، يناقش الفيلم الطموح الجامح والقوة التلاعبية لصناعة الأفلام، ويطرح تساؤلات حول الحدود بين الأفلام التوثيقية والدعاية، ويكشف كيف يقوم رجال الدعاية بعملهم، وكيف ينشرون الصور والقصص والمعلومات المضلّلة والمؤدلجة. مشاهدة هذا الفيلم في ظلّ حكومة هولندية يرأسها اليمين المتطرّف، في هذه الأيام التي ينتعش فيها الخطاب النازي، أمرٌ مزعج ومرعب في آن.

من فيلم «الدعائي»

يقع الفيلم الثاني للمخرجة الهولندية ساندرا بيريندز، «نيشوما» (2024)، في مكان ما بين الاستخراج والحميمية النقدية من حيث مقاربته للمواد الأرشيفية. في مشروعها الأول، «ينادونني بابو» (2019)، وهو فيلم مكوّن بالكامل من لقطات أرشيفية، انطلقت بيريندز من فجوة، صمت في الأرشيف: كانت المربّيات الإندونيسيات اللواتي استأجرهن المستعمرون الهولنديون جزءًا لا يتجزأ من هذه العائلات، لكن لم يكن لديهن إمكانية الوصول إلى الأرشيف في مقاطع الفيديو العائلية أو الصور الفوتوغرافية أو السجلات الأخرى. لسرد قصّة مربية واحدة، اتخذت بيريندز هذه الفجوة/ الغياب كنقطة انطلاق ونفّذت مشروعًا مجتمعيًا للعثور على النساء اللائي عملن كمربيات أو أطفالهن وأحفادهن. بناءً على هذه السرديات المضادة، كتبت قصة واحدة، وبما أنه لم تكن هناك لقطات أرشيفية للمربّيات، فقد نسجت الفيلم بالكامل من لقطات عُثر عليها.

من ناحية أخرى، يحوّل فيلم «نيشوما» تركيزه إلى قصة امرأة يهودية شابّة نشأت في أمستردام خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. تمزج بين اللقطات الأرشيفية لتلك الفترة والموسيقى التصويرية المصمّمة لتعكس المشهد الصوتي لتلك الفترة قدر الإمكان. بعد بحثٍ مفصّل، «نيشوما» كلمة يديشية عبرية تعني الروح أو الروحانية. وفي هذا الفيلم تشير الكلمة إلى روح أمستردام اليهودية قبل الحرب. ترتبط العديد من المقتطفات الأرشيفية والفيلمية بشخصية روشا الخيالية، وهي امرأة يهودية عادية من فترة ما بين الحربين العالميتين، بُنيت على شهادات معاصرين وناجين من الهولوكوست. في الرسائل، تخبر شقيقها ماكس، الذي غادر إلى جزر الهند الشرقية الهولندية، عن حياتها وعائلتها ومدينتها. كما تلعب معه لعبة الشطرنج بالمراسلة. ورغم كون نيشوما عملًا مثيرًا للإعجاب من الناحية البصرية، فالوجود المهيمن والمستمر للصوت لا يترك للمشاهدين سوى مساحة صغيرة للتواصل عاطفيًا أو فكريًا مع الصور.

وأخيرًا، يجب ذكر «قطارات» للبولندي ماتشي دريجاس، الفائز بجائزة أفضل فيلم في المسابقة الدولية. يبدأ الفيلم باقتباس من فرانز كافكا: «هناك الكثير من الأمل. كمية لا نهائية من الأمل. ولكن ليس لنا». تُعلّق هذه الكلمات مثل سحابة مظلمة فوق الفيلم الذي يضمّ تجميعًا مدته 81 دقيقة للقطات أرشيفية لقطارات أوروبية مختلفة، بغية خلق بورتريه جماعي لأوربيين من القرن العشرين، ملتقطًا آمالهم ورغباتهم ودراماهم ومآسيهم. تبدو مشاهد قاطرات البخار وعربات السكك الحديدية أثناء تجميعها وكأنها احتفال بالإبداع البشري والعمل. يبدأ الناس بأزيائهم الاحتفالية رحلة بالسكك الحديدية. لكن هذه المشاهد المبهجة سرعان ما تُفسح المجال لنقلة حادة: جنود يُنشرون في الخطوط الأمامية، يتبعهم بسرعة مدنيون يتم إجلاؤهم، وموكب من أسرى حرب ممزّقين، وجنود مبتوري الأطراف. تتغيّر الأوقات، ويتكرّر النمط. تستحضر المواد الأرشيفية في هذا الفيلم الخالي من الكلمات دورة حتمية من البهجة والدمار والجمال والمرارة. شبكة مسارات السكك الحديدية والمحوّلات تثير سؤالا حتميًا: أي طريق ستختاره البشرية؟

أشادت لجنة التحكيم بـ«الاستخدام الجريء والمبدع» للأرشيفات كسبب للجائزة، لكن «قطارات» يتبنّى جماليات محافظة نسبيًا، مقارنة باستراتيجيات إعادة الاستخدام المبتكرة الأخرى المذكورة أعلاه. أيضًا، يبرز هذا الفيلم كإنتاج يفتقر إلى رسالة سياسية، على الأقل بمعنى أنه لا يتناول بشكل مباشر قضايا راهنة أو ذات صلة، مقارنة بأفلام أخرى ضمن اختيارات المهرجان. هذا الفيلم، الذي يركّز على جمال لقطات الأرشيف، ربما يكون قد منح لجنة التحكيم شعوراً بالفرار، أو نوعًا من الهروب من الواقع. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المرجّح أن يُسجَّل هذا الفيلم في التاريخ باعتباره اختيارًا يعكس تقاعس الجهات الفاعلة الثقافية المندَّد بها كثيرا في احتجاجات فنية واكبت الذكرى الأولى للإبادة الجماعية الدائرة الآن في فلسطين.

*الإطار القرني (Horn-rimmed) يشير إلى نظارات إطارها مصنوع من مادة تشبه قرون الحيوانات.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن