الأرشيف السينمائي كوحدة بناء.. الوصول إلى نهاية الصورة
حول فيلميّ «دو يو لاف مي» للانا ضاهر و«ثريا حبي» لنيكولا خوري
تتكرر بشكل متزايد في السنوات الأخيرة وربما منذ فترة أطول استخدامات الأرشيف السينمائي والبصري عموما كوحدة بناء سينمائية، إما كتكوين بصري كامل يفكك الصور الموجودة مسبقًا، ويصنع منها سردية جديدة، أو كمدلل بصري يدعم سردية أساسية.
في العام الماضي 2024 عرض فيلم «ثمان برقيات من اليوتوبيا» لرادو جود بمشاركة كريستيان فرينتس فلادز، يتألف الفيلم بالكامل من أرشيف المقاطع الإعلانية من رومانية البعد اشتراكية، ليصيغ عن طريق ذلك تاريخ بصري للثقافة الشعبية والبروباجندا الحكومية، رأس المال وأشكال الاستهلاك الحديث، وفي العام نفسه صنع المخرج الصيني، زيا جانكه، فيلم بعنوان «جرفه التيار» بالاعتماد على مقاطع من أفلامه هو السابقة. من خلالها صاغ سردية جديدة تظهر الممثلين الذي عايشهم -من ضمنهم زوجته جاو تاو- في مراحل عمرية مختلفة وتتبع التغيرات التي طرأت على المشهد الحضري الصيني وعلى تاريخه الشخصي. ربما يعود استخدام المقاطع الجاهزة أو الأرشيفية كوحدة بنائية إلى جان لوك جودار وسلسلته تاريخ السينما وربما سبقه إليه آخرون، لكن تتكرر تلك الصيغة الأرشيفية مؤخرًا بشكل متزايد، متجاوزة حتى الأفلام التجريبية لتصبح جزءًا من أفلام أكثر تقليدية، وكأننا وصلنا إلى نهاية الصورة، حيث تم تصوير كل شيء وتسجيله مسبقًا وعلينا الآن تأمله، جمعه وإعادة ترتيبه. ومن خلاله خلق نتائج جديدة.
يمكن رؤية استخدامات متنوعة للأرشيفات التاريخية والسينمائية في أفلام هذا العام، ضمن عروض مهرجان القاهرة السينمائي وحده. هناك أربعة أفلام تستخدم الأرشيفات بأشكالها المختلفة: «ذاكرة الفراشات» لتاتيانا فوينتيس، فيلم برتغالي بيروفي تنطلق صانعته في رحلة لملأ فجوات أرشيفية من خلال صورة لصبيان من سكان بيرو الأصليين تم شحنهم في رحلة إلى لندن في وقت تجارة المطاط الاستعمارية المميتة، و«فيومي أو الموت!» لإيجور بيزنوفيتش، وهو فيلم كرواتي يتناول تاريخ مدينة فيومي/ رييكا حاليًا من خلال إعادة تمثيل الصور الأرشيفية وموضعة المدينة كساحة متعددة التواريخ بصيغة مليئة باللعب والخفة.

وفي سياق متصل لكن منفصل عن البحث الأرشيفي التاريخي ومحاولة ملء صمته، يتوازى فيلمان في تناول الأرشيف السينمائي وتحديدًا اللبناني: «دو يو لاف مي» للانا ضاهر، و«ثريا حبي» لنيكولا خوري. يستخدم كلا الفيلمين الأرشيف السينمائي المرئي والمسموع، لكن كل منهما يستخدمه لأهداف مختلفة.
يتعامل «دو يو لاف مي» مع الإرث المصور باعتباره مادة خام يمكن تفكيكها والتلاعب بها وإعادة تركيبها لخلق سردية جديدة، فيما يتعامل «ثريا حبي» مع فرضية أكثر تحديدًا، فهو فيلم عن شخصية محددة: شخصية ثريا بغدادي أو ثريا خوري، الممثلة والراقصة والتي يسعى الفيلم لتعريفها بالسلب أو بالإيجاب بزواجها من المخرج الراحل مارون بغدادي. يستخدم الفيلمان الأرشيف السينمائي بشكل يمكن وصفه بالإبداعي في مقابل الاستخدام التقريري أو الوصفي، ويتواجدا في مساحة مغمورة بالكامل في صور الآخرين.

عرض «دو يو لاف مي» للانا ضاهر في مهرجان القاهرة ضمن برنامج أسبوع النقاد، بعد عرضه في قسم أيام المؤلفين أو «أيام فينيسيا» سابقًا الموازي في مهرجان فينيسيا، يتألف الفيلم بالكامل من آلاف المقاطع المركبة من أفلام أخرى من تاريخ السينما اللبنانية الروائية والتسجيلية، بالإضافة لصور فوتوغرافية ثابتة وأرشيفات عائلية، ويتداخل مع المحتوى البصري محتوى صوتي يتألف من مقاطع صوتية من الأفلام أو مقاطع غنائية وموسيقية، تتقدم الفيلم ديباجة تصفه بأنه رحلة غير خطية ومتشظية في تاريخ لبنان المركب، بالتركيز خصوصًا على بيروت.
من خلال مجموعة ضخمة من الصور المتحركة والثابتة يخلق الفيلم أرشيفًا جديدًا باستخدام الأرشيف السينمائي، ومن خلال مقاطع مجمّعة يبني الفيلم مقاطع جديدة بصيغة روائية تبدو وكأنها ذات منطق خطي أحيانًا، وتأخذ أشكالًا تجريدية أحيانًا أخرى. باستخدام الأفلام يعيد الفيلم تركيب مشاهد تاريخية للبنان، من خلال تمثلاتها السينمائية: الحرب الأهلية في الثمانينيات كما ترويها السينما، القصف الإسرائيلي على بيروت في عدة مواضع تاريخية وانفجار مرفأ بيروت، وغيرها من الأحداث المؤسسة للذاكرة اللبنانية الجماعية، لكن الفيلم لا يختار الاكتفاء بقتامة الماضي والحاضر المعلومة بالضرورة، بل يبدأ وينتهي بأغنيات راقصة مصورة تلفزيونيًا -عنوان الفيلم يشير لأغنية دو يو لاف مي لعائلة بندلي- ليوازي بشكل ما بين الموت والحياة وبين المأساة والأمل، ويخلق توازي بين التمثيلات الفنية للأحداث التاريخية وتاريخ لبنان الموسيقي والترفيهي.
في «دو يو لاف مي» ومثل الكثير من الأفلام المعتمدة على المواد الجاهزة تعتمد اللعبة على الفك والتركيب، على البحث المضني والفرز والبعثرة والتجميع، هنا نحن لسنا أمام موضوع واحد يتم تركيبه من خلال المواد الأرشيفية على غرار أفلام سيرجي لوزينتسا مثلًا، بل محاولة لخلق فكرة أعم تميل أكثر لكي تكون خطاب حب أو شكل من الامتنان للبصريات والجماليات اللبنانية.
ينقسم الفيلم إلى ما يشبه المقاطع المنفصلة، تمثل كل منها فيلم قصير يتناول تمثيلات السينما والتلفزيون لمشهد محدد، مشاهد الزفاف مثلًا أو مشاهد الوداع، نصبح أمام عملية حصر دقيق وجمالي للتمثيلات البصرية المجردة لحدث بعينة، ويتم تسييقها، إما من خلال الأصوات المستعارة من فيلم آخر أو من الأغنيات اللبنانية المعاصرة والكلاسيكية. يستخدم الفيلم المقاطع التي يختارها أحيانًا بشكل متناغم تصاحبه أصوات أغنيات فتخلق مقاطع موسيقية منفصلة تركب الصوت والصورة مستدعية جماليات الفيديو الموسيقي، وأحيانًا أخرى يستخدم التنافر الصوتي البصري ليحصل على نتيجة ساخرة، فنرى مثلًا مشهدًا لأحد المسؤولين يتحدث عن بناء مساكن ووحدات فندقية فارهة في حين تعرض الصورة مقاطع متعددة لانفجارات تهدم المباني من أعلاها لأسفلها، وتوثق سينمائيًا وتسجيليًا تردي الخدمات الحياتية في لبنان وبيروت خاصة. يجد الفيلم نقاط قوته عندما يجنح للتجريد، عندما تعمل الصور كتمثيلات متعددة للحدث نفسه أو اللمحة نفسها، وكأنه يستعرض تاريخ التمثيل البصري للواقع وليس الواقع نفسه، ويصبح أكثر تقليدية عندما يبحث عن الروابط السردية بين البصريات المتشظية.

ينزع «دو يو لاف مي» سياق المواد الأصلي ويجنبه، فتتحلل الأفلام إلى عناصرها الأولية: مكان وزمان، صوت وصورة، يعمل الفيلم في بعض الأحيان كتدريب تقني، يجمع لقطات من المكان نفسه أو الزمان نفسه أو لقطات متماثلة بصريًا، بشكل يستحيل معه عدم التفكير في عملية الصناعة والبحث الدقيق. ما يفعله الفيلم كذلك هو مساواة كاملة بين الصور، أفلام كلاسيكية أو معاصرة، توثيقية أو روائية، كل لقطة مستخدَمة فقط لأنها ملائمة للمونتاج، فالأفلام لا تخاطب باعتبارها جزء من كيانات أكبر من اللقطة الحاضرة بل تصبح اللقطات كلها مساحة للانتقاء والاستخدام، وحدات لتأمل التمثيلات المجردة في نقاط محددة من الزمان والمكان، على عكس تواريخ سينما جودار مثلًا، حيث هناك وعي بقيمة أو تاريخ وخلفية الأفلام المختارة في نسيج المونتاج أو التركيب لأنها تعمل كمدللات صغرى عن سياقات أكبر.
في أعمال مثل «دو يو لاف مي» وغيرها من أعمال التركيب الأرشيفي فإن اللقطات المختارة أحيانًا ما تكون لقطات لملء الفجوات في أفلامها الأصلية: رجل يقود سيارة، ولقطة عابرة للبحر، ومشهد فوقي للمدينة، وامرأة تسير وسط الحطام، وتلك هي اللقطات التي تملأ الصمت البصري ما بين لحظات السرد الرئيسية، هنا تأخذ اللقطات المنسية منتصف المسرح وتصبح هي الوحدة الأساسية للسرد، ويكتب لها حياة جديدة بعيدًا عن سياقاتها الأصلية.
يكتمل فيلم «دو يو لاف مي» بشكل أو بآخر بموقع إلكتروني يمكن من خلاله تصفح الأرشيفات المرئية والمسموعة المستخدمة في الفيلم، بتصفح الموقع تصبح التجربة أشبه بتفكيك الفيلم وإعادة تركيبه بشكل فردي ومتمهل أو محاولة تذكر وموضعة كل مشهد في مكانه، لإشباع الفضول تجاه صورة لفتت انتباهك، حيث يمكنك البحث عنها في سيل من الصور والأفلام، في تجربة شبه تفاعلية تزيل غموض الفيلم كعملية مونتاج دقيقة ومجردة وتعيده مرة أخرى إلى سياقاته المتعددة. داخل موقع «دو يو لاف مي» يمكن رؤية لقطة مستخدمة من فيلم مارون بغدادي حرب على الحرب، تتضمن اللقطة سيارة حمراء كلاسيكية، تشبه كثيرًا السيارة التي تظهر في فيلم حروب صغيرة كما يمكن رؤيتها في فيلم نيكولا خوري في الوقت الحالي، حيث تجلس بها ثريا بغدادي متأملة ماضيها وحاضرها.

في عملية مشابهة لـ«دو يو لاف مي» لكن لأهداف مغايرة يستخدم «ثريا حبي» لنيكولا خوري أرشيفات السينما اللبنانية، ليس لخلق سرديات تاريخية موازية لكن لتأطير قصة شخصيته الرئيسية ثريا بغدادي. يبني الفيلم المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة فرضيته الرئيسية باعتباره تاريخ بديل لثريا، كشخصية عاشت لسنوات في ظل مارون بغدادي. لا يستخدم الفيلم الارشيف كوحدة بناء مثل «دو يو لاف مي» لكنه يستخدمه بعدة طرق أخرى، يصبح الأرشيف مدلل بصري تقليدي وفي الوقت نفسه يستخدم بشكل فني كصوت راوي شعري. ما يجعل الأرشيف هنا مثير للاهتمام هو ازدواجيته كأرشيف عام وخاص، أرشيف للسينما اللبنانية وأرشيف شخصي لأسرة ثريا في الوقت نفسه. صنع مارون بغدادي فيلمًا واحدًا مع ثريا وهو «حروب صغيرة» (1982)، وأثناء صناعة الفيلم وقع في حبها، فأصبحت امتدادًا له ولطموحه الشخصي، حتى توارت بعيدًا عن الكاميرات. بشكل ما يصبح صناعة فيلم عنها الآن تحدٍ لإخفائها وجعلها امرأة «ملهمة» لزوجها المخرج، وهي السردية التي يحاول فيلم «ثريا حبي» مجابهتها لكنه ينغمس فيها رغمًا عنه.

يعتمد الفيلم بشكل أساسي على السحر الشخصي لثريا خوري/بغدادي -تتشارك بمصادفة شعرية الاسم الأخير مع نيكولا- تراقبها عين المخرج عبر كاميرا زوم في قارة أخرى، ومن خلال المراقبة المستمرة يصبح من السهل الوقوع في حبها، مثلما فعل مارون ومثلما شعر نيكولا على الأرجح. لكن بجانب تلك المراقبة الدؤوبة التي تمتزج مع المقابلات التقليدية فإن الفيلم يستدعي ثريا كجزء من عالم سينمائي داخلي وخارجي، عالم مارون وعالم نيكولا، حتى إن عنوان الفيلم نفسه يقتبس هيروشيما مون آمور أو «هيروشيما حبي» الذي يمثل نقطة انطلاق للكثير من محبي السينما.
يبنى الفيلم بشكل رئيسي على محادثات عن بعد، الصور الرئيسية الآنية التي نراها هي صور كاميرا اللابتوب غير الاحترافية، في جمالية أصبحت متكررة في كثير من الأفلام التسجيلية. تتخلل تلك الجمالية الرقمية المعاصرة الخشنة جماليات أخرى سينمائية تقليدية، منمقة وناعمة، فيوازي خوري بين محادثاته الطبيعية مع ثريا والتي تعمل كتاريخ شفهي لحياتها الشخصية وتاريخها مع مارون مع مشاهد مصورة بشكل احترافي عالي الجودة لثريا كشخصية سينمائية، تجلس في مقعد بجوار مقعد السائق الفارغ في سيارة مارون الحمراء، وتتحرك على عربة نقل ضخمة خلال طريق مرتفع تحده التلال المزينة بالخضرة من كل جانب. يصاحب تلك المشاهد التي تعمل كفواصل جمالية مقاطع من خطابات مارون لثريا، في استخدام آخر للأرشيف الشخصي كأداة سردية/شعرية. تقرأ ثريا بصوتها الخطابات، تخاطب بها ذاتها، وكأنها جزء من تداع غير واعي، حتى تأتي الكلمة الأخير «مع حبي مارون»، فتتموضع الأصوات في أرشيفها الأصلي مرة أخرى.

يُفعِّل «ثريا حبي» المقاطع الأرشيفية لاستدعاء تاريخ مزدوج لثريا، تاريخها الشخصي مع مارون بغدادي، كزوجة وأم لأطفالهما، وتاريخها السينمائي معه الذي يتماهى مع الشخصي، فاسمها في فيلمها الوحيد مع مارون هو ثريا. في بداية الفيلم نسمع صوت ثريا على شاشة سوداء، معترضة على تصويرها أو تمثيلها كأرملة حائرة لا تستطيع تخطي زوجها «العبقري»، فهي تعرَّف به، وتصبح حتى وقتنا هذا أي بعد وفاته بما يقرب الثلاثين عامًا امتدادًا له، لكن الفيلم يفعل ذلك على أي حال، يصبح سجل لقصة الحب وما بعد الحب، بسبب انفتاح ثريا في الحديث عن مارون وكشف جانبها من قصتهما، لكن كذلك لأن الأرشيف العائلي والسينمائي يغمر الفيلم تمامًا، من مشاهد منزلية مصورة ومشاهد سينمائية وخطابات، كلها تنتمي بشكل أو بآخر لمارون بغدادي، حيث نرى ثريا من عينيه، حتى عندما يقرر نيكولا أن يراها هو بعينيه فإنه يصاحب تلك الرؤية بكلمات مارون، وكأن ذلك الأرشيف الغامر قادر على احتجازها واحتجاز الفيلم داخله مهما حاولت تخطيه، كما أنه قادر على احتجاز صانع العمل نفسه في فلكه، فينطلق منه وينتهي عنده، في عملية لا نهائية من إعادة إنتاج السردية نفسها.
يتقاطع كل من «دو يو لاف مي» و«ثريا حبي» في نقاط محددة من تاريخ السينما اللبنانية، الأول بشكل عام وجمعي، في استعراض لذاكرة بصرية وتاريخية مهولة قابلة لإعادة القراءة والتفعيل كجزء دائم التجدد من الماضي والحاضر، أما الثاني فيكثف ذلك التاريخ في شخص واحد في محاولة لصناعة سردية بديلة شديدة الذاتية لكنها متكررة عبر الأزمان بشكل لا يمكن إنكاره، يصبح الأرشيف السينمائي والشخصي في الفيلمين وسيلة للتأمل والتشافي وتجاوز اللحظة الحاضرة، لصالح لحظات نوستالجية تستدعي تأمل الهاجس الأرشيفي الذي يسكن الكثير من الأفلام المعاصرة.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن