تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ابتسامة تدوم.. عن فيلمين فلسطينيين في «كارلوفي فاري 2025»

ابتسامة تدوم.. عن فيلمين فلسطينيين في «كارلوفي فاري 2025»

من مخرجة إيرانية وأخرى بريطانية: فيلمان تسجيليان عن فلسطين

كتابة: محمد صبحي 7 دقيقة قراءة

فيلمان يصوران حياة الفلسطينيين المهدّدة والمُهمَّشة في زمنين يفصلهما أكثر من 75 عامًا: تُوثِّق زبيدة فارسي لقاءاتها بالمصوِّرة فاطمة حسونة في حي التفاح خلال حرب غزة الأخيرة؛ بينما يستعيد الفيلم الأرشيفي لديانا آلان الإنسان/المجتمع الفلسطيني ما قبل النكبة، عبر تفكيك وإعادة قراءة لوثائق استعمارية مصوَّرة.

ضع روحك على يدك وامشِ (إخراج: زبيدة فارسي)

caption

«ضع روحك على يدك وامشِ» فيلم مباشر. منذ البداية، تكشف المخرجة الإيرانية، زبيدة فارسي، عن دوافعها. عبر تعليق صوتي، تروي كيف حاولت، بعد السابع من أكتوبر، دون جدوى الوصول إلى رفح للتحدث مع فلسطينيين فقدوا كل شيء في الحرب، إلا أن لاجئة فلسطينية أعطتها رقم هاتف المصوّرة فاطمة حسّونة، البالغة من العمر 25 عامًا، والتي تُوثِّق الحياة اليومية خلال الحرب في حي التفاح، شمال غزة.

هذا التواصل الأوّلي، وهو بادرة تضامن تهدف إلى تقديم دعم وثيق لأهل غزة، يُقابله كون «ضع روحك على يدك وامشِ» فيلمًا يعتمد على وساطة قوية، مما يجعل عجز المخرجة واضحًا في كلّ لحظة. فارسي، التي عاشت في المنفى بباريس لأكثر من 40 عامًا، تواصلت مع حسونة من بعيد لأكثر من عام. يتكوّن الفيلم أساسًا من سلسلة مكالمات فيديو عبر واتساب، وسجّلات محادثات مصوّرة، وصور مركّبة التقطتها حسونة في حيّها: مبانٍ سكنية مدمّرة، يد طفل تبرز من بين الأنقاض، أطفال يلعبون وسط الأنقاض رغم كلّ شيء. كل من المكالمات الهاتفية وصور حسونة دليل على تأكيد الذات الفلسطينية في خضم الحرب.

بينما يتوطّد الارتباط العاطفي بين المرأتين بمرور الوقت، تتعطل التكنولوجيا باستمرار، فرغم أن حسونة تتصل غالبًا من منزل صديقتها، حيث الإنترنت أفضل، فإن كل مكالمة مصحوبة بصورٍ متقطعة، وتشوهات سمعية، وانقطاعات اتصال مفاجئة. تعمل فارسي بفاعلية على معالجة هذه الثغرات عبر تضخيم رداءة الصور الرديئة وتصوير هاتفها بهاتفٍ آخر بدلًا من الاكتفاء بتسجيل الشاشة. وبذلك، تنقل إحباطها من انقطاع التواصل المستمر إلى مستوى جمالي/بنائي. تتيح هذه القيود فرصًا للعب بمقاطع الصورة، وإزالة الإطار، أو تثبيت وجه حسونة في وسط الإطار عندما يتجمد مجددًا.

في الواقع، وجه حسّونة وابتسامتها العريضة، التي غالبًا ما تكون مبكسلة pixelated، يبقيان مع المتفرج لفترة طويلة بعد انتهاء الفيلم. تبتسم باستمرار تقريبًا، عندما تتأمل في شعورها بعودة الدجاج أو الشوكولاتة أخيرًا بعد شهور من الجوع، ولكن أيضًا عندما تروي كيف عُثر على رأس عمتها المقطوع في شارعٍ مختلف عن شارع جثتها بعد هجومٍ صاروخي إسرائيلي. خلال المكالمات الهاتفية، يُسمع أزيز الطائرات المسيّرة باستمرار، وبين الحين والآخر يسقط صاروخ على المنزل المجاور، وهو ما يبدو أنه يصدم فارسي أكثر من حسونة، التي يُعد هذا جزءًا من حياتها اليومية. تفاؤلها الراسخ في مواجهة الموت مُلهم، وهو بالتأكيد تفاؤل نابع من قلة البدائل. في لحظة مؤثرة وغريبة، تقتبس من مورغان فريمان (من بين جميع الناس)، في فيلم «خلاص شاوشانك»: «الأمل أمرٌ خطير».

زبيدة فارسي، التي سُجنت في إيران أوائل الثمانينيات، لا تخفي أنها ترى انعكاسات سيرتها الذاتية في فاطمة حسونة. تعاطفها المميز مؤثر، ويمثّل دعمًا عاطفيًا هائلًا لحسونة، التي تتدهور حالتها الجسدية والنفسية بشكلٍ متزايد. ومع ذلك، لا يبدو أن كل جسر تحاول فارسي بناءه مستقر. عندما تتحدّث حسونة عن أهمية خصوصية غرفتها، توصيها فارسي برواية «غرفة تخصّ المرء وحده» لفيرجينيا وولف (أم أنها على الأرجح توصي بها لجمهور المهرجانات السينمائية الدولية؟)، تجيب حسّونة: «سأحاول قراءتها». بينما تسافر فارسي حول العالم، تتصل من القاهرة ومونتريال وباريس، لا يسع حسونة المسجونة إلا أن تحلم بالسفر.

مع ذلك، فهذه الاختلالات العرَضية قابلة للإدارة، بل ومُراعاة، فالفيلم المتناقضة أحوال صانعتيه يهدف في المقام الأول إلى أن يكون بادرة تضامن، يستكشف عجز المرء أمام المعاناة اليومية لأهل غزة. كانت آخر مكالمة هاتفية بين فارسي وحسونة في 15 أبريل 2025، وهو اليوم الذي دُعي فيه فيلم فارسي إلى مهرجان كان السينمائي. مسألة قدرة حسونة على السفر لحضور العرض الأول غير ذات صلة: ففي الليلة التالية، قُتلت فاطمة حسونة وعشرة من أفراد عائلتها (بينهم شقيقتها الحامل) في هجومٍ إسرائيلي استهدف منزلهم. وهكذا، أصبح «ضع روحك على يدك وامشِ»، دون قصد، نعيًا لبطلته.

تقسيم (إخراج: ديانا آلان)

caption

في خضم حرب الإبادة على غزة، أنجزت البريطانية ديانا آلان فيلمها الأرشيفي التجريبي «تقسيم» Partition، الذي لا يتناول فلسطين المعاصرة، بل يمتد إلى الفترة التاريخية التي سبقت تأسيس دولة إسرائيل، مستعيدًا الإنسان/المجتمع الفلسطيني ما قبل النكبة.

استمر الانتداب البريطاني على فلسطين بين عامي 1917 و1948، وهناك تسجيلات أفلام وصور فوتوغرافية لهذه الفترة عثرت عليها آلان في متحف الحرب الإمبراطوري (الاسم يشرح كلّ شيء) في لندن. ولأن رسوم استخدام اللقطات كانت مُكلفة، قرّرت آلان إعادة تصوير المادة الأرشيفية الرقمية على شريط 16 مم وتعديلها بما يكفي للتحايل على حقوق النشر. هذه العودة إلى التقنية التناظرية تُحدث تأثيرات تجريدية مذهلة، ففي بعض الأحيان تُذكرنا المادة المتآكلة بلوحات رعب. ومثل زبيدة فارسي، تستخدم آلان القيود المادية حافزًا لتطوير مفهوم بنائي يجعل الوصول الصعب إلى المعلومات والصور وشهادات الحياة الفلسطينية ملموسًا.

يحمل العنوان، «تقسيم»، معاني متعددة بالنسبة لآلان. أولًا، يشير إلى خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1948، وثانيًا، يحدد النموذج الجماعي لطرد الشعب الفلسطيني وتقسيمه. ثالثًا، يحدد المبدأ الإبداعي للفيلم: الصورة والصوت في «تقسيم» ليسا متزامنين، لكنهما ليسا غير متزامنين تمامًا. يستخدم الفيلم المونتاج الجدلي والصوت غير المتزامن، للكشف عن الماضي الاستعماري في مقاطع صوتية لحاضر محفوف بالمخاطر، مشكّلًا حالة تأمل في ما تتذكره الأجساد وتنساه الإمبراطوريات.

يدمج الفيلم لقطات أرشيفية من الاحتلال البريطاني لفلسطين مع تسجيلات صوتية للاجئين فلسطينيين في لبنان، متتبعًا خطوط الاستمرارية التي خّلفها النزوح الزلزالي. تحتوي الأفلام الصامتة المحفوظة في مجموعات إمبراطورية على تاريخ مسرود بالكاد، وطرق رؤية استعمارية تتسرب إلى الحاضر. تبدأ لقطات الأرشيف الاستعماري بصمت؛ في ما يشبه المقدّمة، وتعتمد آلان على مشاهد نمطية تنبع بوضوح من نظرة استعمارية: جنود بريطانيون في الخنادق، دورية عسكرية، بدو على جانب الطريق. لكن هناك أيضًا صور أخرى، مثل صور حصاد الباذنجان أو طيور اللقلق، تُشير إلى ما قد تبدو عليه الحياة اليومية في الخليل ويافا وأريحا ورفح تحت الاحتلال. هذه لحظات تُعارَض فيها النظرة الاستعمارية وتُزعزَع سردية الهيمنة.

ولأن هذه الصور لا تتحدّث عن نفسها، فلا بد من مواجهتها. تُدير آلان، الحاصلة على دكتوراه في الأنثروبولوجيا، «أرشيف النكبة» منذ العام 2002، جامعةً أصوات وشهادات فلسطينيين لجأوا إلى لبنان بعد تهجيرهم عام 1948، بروح التاريخ الشفوي. من هذه المجموعة (ومصادر أخرى)، تُكوّن آلان شريطًا صوتيًا مُتقن الطبقات من الأصوات والحالات المزاجية والأغاني. يروي كلا المصدرين - لقطات الأفلام الاستعمارية من متحف الحرب الإمبراطوري وشهادات الشتات من أرشيف النكبة - قصصًا مختلفة عن الحياة الفلسطينية قبل النكبة، ما يُثير تلقائيًا احتكاكًا بين نظرة استعمارية كلاسيكية وعدسة نقدية تفكّكها وتُعيد استعمالها بما لا يخدم الغاية الأصلية لها. وللمخرجة سوابق تأسيسية أمكنها عبرها هذه المقاربة التفكيكية، حيث أنجزت كتابين مرتبطين بالشأن الفلسطيني، أولهما تأليفًا «لاجئو الثورة: تجارب من المنفى الفلسطيني» (2014)، وثانيهما تحريرًا «أصوات من النكبة: تاريخ حيّ لفلسطين» (2021).

وهكذا، بينما تُعطي فارسي وجهًا للعدد المُرعب من الضحايا في غزة، تُعطي آلان الشتات الفلسطيني صوتًا، أو بالأحرى أصواتًا متعددة، لأن هناك أشخاصًا مُتنوعين يشاركون قصصهم. لا وجوه لها، وهو ما لا ينبغي إساءة فهمه باعتباره إخفاءً للهوية، بل يُبرز الصورة الذاتية الجماعية، إن لم تكن متعددة الأصوات، لهذا الأرشيف الشفهي المضاد. ينغمس الجمهور في نموذج التقسيم/الفصل، إذ عليه تخيّل التعليق الصوتي والسماح للأصوات بتوجيهه في قراءة الصور (تُعرض الترجمة بشكل بارز في وسط الشاشة).

هنا، السمع يسبق البصر: هل الرجل المبتسم سعيد أم خجول فحسب؟ لماذا تخفي النساء وجوههن عن الكاميرا؟ إلى جانب محاولات التفسير والتعليقات المؤقتة، نعرف المزيد عن حياة الأبطال الشخصية من خلال السرد خارج الشاشة، مما يُفكّك الادعاءات الأصلية للصور. يتأرجح الأسلوب بين تداعٍ حرّ (ذكريات الجدّ المتوفّى) وتفسير تخميني: تُفسر مشية الرجل الميكانيكية كأنها أُمر بالسير للأمام مباشرةً، فلا أحد يملك هدفًا حقيقيًا سيمشي بهذه الغرابة.

الأغاني، التي تؤدّيها أمل كعوش بصوت قوي أحيانًا ومرتجف أحيانًا أخرى، مؤثرة. كما أنها تتناول ألم الفراق والانفصال؛ كما في أغنية «عذّب الجمّال قلبي». في جانبٍ حاسم، يتناقض الفيلم مع عنوانه: لا يمكن الفصل التامّ بين الحاضر والماضي. ومع ذلك، يتجنّب «تقسيم» المعادلة الساذجة؛ بدلًا من ذلك، وباستخدام مونتاج جدلي للصورة والصوت، يبحث العمل عن الأنماط والتشابهات الهيكلية التي تتجلّى بوضوح في روابط فوضوية وضبابية. يُكمل «تقسيم» التركيز الجذري على الحاضر في «ضع روحك على يدك وامشِ» بنظرة أوسع إلى الماضي، لكنها، مع ذلك، لا تُنكر جذورها في الحاضر.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن