تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن الأب والشعر والحشد.. حوار مع المخرجة اللبنانية فرح قاسم

عن الأب والشعر والحشد.. حوار مع المخرجة اللبنانية فرح قاسم

عن فيلمها التسجيلي «نحن في الداخل» الفائز بنجمة الجونة الذهبية

كتابة: محمد عمر جنادي 22 دقيقة قراءة

في نهاية أبريل الماضي، دُعيت لحضور فعاليات مهرجان قابس سينما فن في دورته السابعة. هناك، في مدينة تونسية جنوبية صغيرة، بدا واضحًا أن المهرجان يراهن على شيئين في غاية الأهمية، وفي منتهى الصعوبة أيضًا: التجريب الفني والالتزام الاجتماعي.
التجريب هنا هو رغبة حقيقية في توسيع أفق الصورة، في كسر التوقعات، لتشمل فن الصورة المتحركة بمعناها الواسع، من خلال السينما وفن الفيديو والواقع الافتراضي، مع الرهان على اختيار أعمال سينمائية مغايرة. أما الالتزام، فلا يعني تبني شعارات سياسية جاهزة، بل يأتي في هيئة إصرار على البقاء، على الانفتاح على قضايا الناس ومدينتهم، ومواجهة التحديات البيئية التي تواجهها مدينة قابس، وعلى استعادة الفن كجزء من المجال العام.
ورغم ما تواجهه المهرجانات العربية من صعوبات هيكلية، وضغوط على الميزانيات والدعم، فإن ما يجعل تجربة مهرجان قابس تستحق الاستمرار، بل والتوسع، هو هذا الحضور الحقيقي لجمهور محلي، يأتي لا ليستهلك العروض، بل ليشارك في صياغة الأسئلة والمساهمة الفنية. كما يمنح المهرجان الفنانين التونسيين فرصة للتعبير عن أنفسهم وتطوير مقترحاتهم ، ويساهم في اكتشاف ودعم المواهب الجديدة في مجال فن الفيديو.

هذا الحضور الحي هو ما يمنح المهرجان طاقته الأخلاقية، وما يجعل للسينما وظيفة تتجاوز الفرجة: أن تعيد طرح الأسئلة الجدلية حول العلاقة بين الصورة والعالم الذي نعيش فيه.

 

في هذا السياق، شاهدت الفيلم الوثائقي «نحن في الداخل» للمرة الأولى في مهرجان قابس. لم أكن أعلم شيئًا عن الفيلم سوى أن مدته ثلاث ساعات، وأن مخرجته اللبنانية، فرح قاسم، تصور من خلاله حياة أبيها. بعد جينيريك النهاية وجدتنى أتمتم: «معجزة». ولأنني أخاف من المبالغة، ولأننا لا نشهد المعجزات الفنية كل يوم، قلت لنفسي ربما مسني الفيلم ذاتيًا وأيقظ فيّ صدى فقد والدي قبل أقل من عامين. لكن حين شاهدته ثانية بعد أسابيع، بات الأمر جليًا: لقد شهدت المعجزة حقًا، تحفة سينمائية عن الحياة العادية.

صنعت المخرجة فرح قاسم فيلمها على مدار سبع سنوات. وانتقت كما تقول ثلاث ساعات من مادة مصورة بلغت مئتي ساعة. نرى خلال الفيلم تفاصيل الحياة اليومية لمصطفى قاسم. أب تفرغ للشعر بعد خروجه على المعاش. كان مهندسًا مدنيًا ومديرًا لإحدى مؤسسات التعليم المهني. يصور الفيلم العلاقة بين الأب وابنته، وأهمية «الشعر» في حياة الأب، من حيث حرصه على كتابته وإلقاءه، أو حضوره جلسات «منتدى الشعر»، وهو عبارة عن تجمع لرجال كبار السن يكتبون الشعر العمودي المُحافظ، والرجعي إلى حدٍ كبير. نشهد كذلك آثار الشيخوخة على الأب ومعاناته مع المرض. يدور كل هذا «في الداخل»، على المستوى الخاص في البيت. أما الخارج، فنشهد مدينة طرابلس كمن يراها من خلف الشبابيك، وما يجري فيها من دعايا انتخابية، وصولًا إلى لحظة الانتفاضة اللبنانية في عام 2019.  

يفتقد الأب زوجته التي رحلت منذ 15 عامًا. وفي محاولة للتواصل مع أبيها بعد فترات من الغياب الطويل، تحاول فرح كتابة الشعر والاهتمام بما يكتبه الأب، وحضور جلسات منتدى الشعر معه. لكن الابنة تكتب شعرًا منثورًا لا يرى فيه الأب أية شعرية. ويبرز الفيلم حالة الجدل والمناكفة بينهما.     

يمكننا أن نعتبر الفيلم تحية إجلال من فرح قاسم لأبيها، وتصويرًا للصراع بين الأجيال، أو لمعنى الأسرة والفقد والذاكرة، ومحاولة لتناول العلاقة بين الداخل والخارج، أو الخاص والعام. فكرت في البداية أن الفيلم أيضًا ربما يطمح فنيًا إلى تخليد الإنسان العادي، كما فعل عباس كياروستامي في «Close up» عام (1990) أو المخرجة البلجيكية، شانتل آكرمان، في ملحمتها المنزلية عن أرملة في منتصف العمر.

حسب بورخيس، فإن موضوع العمل الفني يختلف عن محوره. ويدلل على هذا مستعينًا برواية هرمان ميلفل الشهيرة «موبي ديك». فالقاريء قد يظن في البداية أن موضوعها هو الحياة القاسية لصياد الحيتان، ومع توالي الفصول، تتبدل الفكرة من الاعتقاد بأنها رواية نقد اجتماعي إلى فكرة جنون القبطان آخاب وهكذا. يقول بورخيس: «صفحة بعد أخرى، تنمو القصة لتتخذ أبعاد الكون». لهذا فـ«محور الرواية» هو «رأي عميق أو رؤية عن الحياة»، وهو أقرب ما يكون إلى مغزى الحياة ذاتها.

 قد يختلف مغزى الحياة من إنسان لآخر، لكن ربما لا يقدر المرء على الاقتراب منه إلا باقترابه من نهاية رحلة الحياة ذاتها. وهنا تكمن أهمية الفن، إنه يعيننا على الفهم دون أن يقترن هذا الفهم بنهاية وجودنا على الأرض.

يقترب «نحن في الداخل» من فهم مغزى الحياة، لا بتصويره لحياة مصطفى قاسم التي تقترب من نهايتها حتى رحيله فحسب، وإنما باقترابه كذلك من روح الشعر. وهنا مفارقة الفيلم الكبرى، إنه عمل شعري عظيم عن شاعر عادي جدًا.

كان الأب ينصح ابنته بالبقاء خلف الكاميرا لأن ما تكتبه ليس شعرًا. وكأن الابنة تنفذ وصية الأب؛ لتحقق كاميرا فرح قاسم طموحها الشعري، بلقطات ثابتة ساكنة، أقرب إلى قصيدة النثر في تصويرها لليومي والعادي والمهمل. قصيدة نثرية سينمائية عن شاعر يكتب القصيدة العمودية.

caption

ولدت فرح قاسم في طرابلس بلبنان. عملت فرح كمخرجة، ومونتيرة ومديرة تصوير في العديد من الأفلام الوثائقية. صنعت فيلمها القصير الأول في كوبنهاجن عام 2011. وقدمت في عام 2012 فيلمها الوثائقي القصير «أبي يشبه عبد الناصر». حصلت على شهادة الماجستير في صناعة الأفلام الوثائقية، ضمن برنامج دوك نومادز، وهو برنامج دراسة متنقل في إخراج الوثائقيات، يجري بين لشبونة وبودابست وبروكسل. وتعمل الآن على إعداد رسالة الدكتوراه.

عُرض فيلمها الوثائقي الطويل الأول «نحن في الداخل» في العديد من المهرجانات العربية والأوروبية، ونافس على الجائزة الكبرى لمهرجان «Visions du Réel» بسويسرا، كما حصد جائزة النجمة الذهبية في مهرجان الجونة لأفضل فيلم وثائقي، والجائزة الكبرى من مهرجان جان روش الدولي للسينما الوثائقية. تقيم فرح قاسم حاليًا في بروكسل.

تقابلنا في مهرجان قابس، وتناقشنا حول الفيلم على مدار الأيام التي تلت عرضه. واستكملنا حديثنا بعد عودتنا من تونس عبر زووم. في هذا الحوار، تحدثت فرح قاسم عن أبيها ومدينتها طرابلس، وعن أسلوبها ومقاربتها السينمائية وطبيعة العلاقة بالمكان، وبين الفرد والأسرة والجماعة، وبين الحاضر والأرشيف. 

عن الداخل والخارج

في نقاش ما بعد العرض، افتتحتِ حديثك بالإشارة إلى خياراتك الجمالية والأسلوبية في الفيلم، متجنّبة بذلك المدخل العاطفي أو السردي الذي قد يبدو أقرب إلى الجمهور. هذا الخيار، في حد ذاته، يستحق التقدير ويحمل دلالة أسلوبية واضحة. إلى أي مدى كانت هذه التوجهات الجمالية مقصودة كجزء من بنية الفيلم؟ وما الغاية التي سعيتِ إلى تحقيقها من خلال أسلوبه على مستوى التأثير أو التلقي؟ 

بدأت بالحديث الجمالي لأنني سُئلت سؤالًا جماليًا. هكذا بكل بساطة. لا يحدث في الكثير من المهرجانات أو اللقاءات أن يتحدث الحضور عن فكرة المكان واللامكان، والداخل والخارج. أو ما يتعلق بـ«جغرافية الفيلم». ويمكن أن نسميها «ما ورائيات المكان» أو المكان «الثالث» -مثل الذي تمثله الحمامة خارج شباك الحجرة في الفيلم.

«وضعت قواعد أسلوبية لطريقة عملي في الفيلم، والتزمت بها. أن أصور من الداخل، أن نرى المدينة من داخل الغرف، واستخدام الصورة وفق النسبة التي تعزل الفرد عن محيطه. وكنت أعلم أني سأعمل وفق هذه القواعد إلى أن تأتي لحظة ما تضطرني أن أكسرها جميعًا».

 وكانت لحظة الحشد أثناء الانتفاضة هي التي قمتِ فيها بكسر كل القواعد الموضوعة من قبل؟  

 نعم، بالطبع.. لكني لم أكن أعلم أنه سيصير هناك حشد أو تظاهر.

تمثلت القواعد في التصوير دائمًا من داخل الأماكن المغلقة. وأن نتطلع إلى المدينة من خلال الشبابيك. دائمًا هناك شيء في مقدمة الصورة يفصلنا عمَا في خلفيتها. وأن نشعر بإيقاع المدينة وتأثيرها علينا من خلال الكيفية التي تؤثر بها على الداخل. أردت خلق هذا الحد البصري بين الداخل والخارج حتى تكون هناك مفاوضات بين المكانين. ولنتسائل حول أيهما نشعر فيه بأنفسنا ومواطنتنا وحميميتنا بشكل أكبر. وكيف أن السياسي هو داخل البيت وليس مجرد شيئا خارجيًا. 

وماذا عن أبعاد/نسبة الصورة؟

استخدمت نسبة العرض إلى الارتفاع (Aspect Ratio) 4:3 لأنها تركز على التكوين العمودي. وأردت خلق مساحة عمودية بين الرأس والسقف داخل الغرفة حتى أحكي عن كيفية عيش المرء داخل المدينة. وأن أعزل الفرد من مجتمعه وأمنحه مساحة أكثر أفقية. وهذه خاصية في الشعر. أردت اللعب مع مفهوم «خارج الإطار أو الكادر/ off frame»، الذي استخدمه في كل أفلامي. إنه يُظهر محدودية قدرتنا البصرية، وكيف تمنحنا الأصوات احتمالات أخرى.

بالنسبة لي، فإن وجودي بالفيلم هو بالأساس خارج الكادر، ثم أدور 180 درجة وأصبح داخله. عملية التحول هذه مبنية، ومرتبة: متى أكون في الخلف أو في الداخل؟ ومتى أفعل هذه الحركة؟ أتحرك إلى داخل الكادر حين أكون جزءًا من السردية، ولست فقط ناظرة إلى الحدث؛ حين أصبح جزءًا من مكان مثل «منتدى الشعر».   

 طرابلس أو قندهار اللبنانية

تصف فرح قاسم العلاقة بالأماكن العامة في لبنان بأنها «متخبطة». تقول: «لا نجد لنا مكانا في لبنان. كل الأمكنة والمساحات العامة تعرضت للخصخصة. وليس لنا شرعية في التواجد بها. لهذا فالغرف الداخلية أساسية لأنها الأماكن الوحيدة التي يمارس فيها الأفراد ذاتيتهم واجتماعيتهم، لأن الاجتماعي يخف وجوده في المساحات العامة. وصار وجودك فيها مرتبطًا بقدرتك المالية.

هذه الديناميكية بين الخاص والعام ضرورية بالنسبة لي. بعد أن فصلت الخاص عن العام، عملت على استعادة العام بالنزول إلى الشارع أثناء الثورة. إنها علاقة تشبه «المد والجذر».

تتصور غالبيتنا من الخارج اللبناني، أن لبنان هي بيروت والجنوب فقط. في رأيك، ما الخصوصية التي منحتها مدينة طرابلس للفيلم؟

طرابلس عاصمة الشمال. وهي مدينة ظُلمت كثيرًا. بعدما أصبحت هناك دولة «لبنان» -عقب الاستقلال من سلطة الانتداب الفرنسي- هُمشت طرابلس لصالح بيروت التي صارت أكثر مركزية. المدينة لديها طابع جغرافي ومعماري مختلف عن بقية المدن اللبنانية. وتشعر أنها أقرب ثقافيًا إلى سوريا الكبرى. 

 وهل حاولتي التعبير عن هذه المظلومية الخاصة بـ«طرابلس»؟

 لا أحب صناعة فيلم للدفاع عن شيء محدد. ما حاولت صنعه هو جعلك ترى ما أعيشه في طرابلس وما اعتبره ذا قيمة بالمدينة، والذي لا يمكنك أن تعرفه إذا كنت من خارجها ولم تمنح نفسك الفرصة لتحكي مع المدينة وتحاورها، وتمكث داخلها. طرابلس مدينة كريمة للغاية لكن يجب أن تعطيها كي تعطيك.

كانت طرابلس تُسمى «قندهار»، كناية عن تشددها. وكان الكثير من الناس يخشون الذهاب إليها. نسفت الثورة فكرة قندهار، وأصبحت الناس لا تخشاها.

ألا تخافين من طرابلس ؟

 لا، أبدًا. لا تخيفني طرابلس تحديدًا. أخاف كامرأة في أي مدينة. إذا كنت، مثلًا، عائدة إلى البيت ليلًا؛ يجب أن أحمل همًا وأضع أكثر من خطة تحسبًا لما قد يحدث. خلافًا لذلك، في أيام الثورة، كان الكثير من الشباب يوصلونني في طريقي إلى البيت حتى يطمأنوا عليّ.

 عن الفرد والجماعة والمجال العام

 تؤكد قاسم أن الشيء الجميل في اللحظة الثورية يتمثل في أن يفقد المرء السيطرة. أن يتواجد السينمائي في مكان يُفقده السيطرة تمامًا. وثقت المخرجة الحشد، وكانت جزءًا منه. 

 يثير حديثك عن الثورة أسئلة حول تمثيل الحشد بصريًا في السينما. في رأيك، كيف يُمثل الحشد بصريًا؟ هل إظهاره بشكله الكرنفالي أم إبراز فردانية كل شخص داخله مثلًا أم بصورة متجانسة؟ كيف رأيتي الحشد وأنتِ وسطه؟

 يوجد الحشد في قلب ثلاث لحظات من الفيلم: لحظة الثورة، ولحظة الجنازة، ولحظة الدبكة في اللقطات الأرشيفية. وأعتقد أننا في مجتمعاتنا، (خاصة في الشمال)، نقوم بالأمور سويًا، نفرح سويًا، وسويًا نوصل الفرد إلى قبره. هذه السمة الجماعية أساسية للفرد، السمة الكميونية، بمعنى إنك قادر على أن تكون فردًا لأنك جزء من كوميونة.

 في لحظات الثورة عرفت أنني فاقدة للسيطرة على نفسي. حينها مارست دوري كمجرد مواطنة تشارك في الثورة. وكانت الكاميرا ضائعة، لأن هناك طيلة الوقت شيء يغمرني أحاول استيعابه. كانت اللحظة عبارة عن طاقة، حاولت التقاط  الطاقة المختزنة في اللحظة الثورية، والموجودة بالفضاء العام. طاقة ناس تعرضت لكبت رغبتها في التجمع طيلة سنوات. والتجمع هو أساس وجودك الفردي في حالة مدينة مثل طرابلس.   

وهل كان منتدى الشعر تجمعًا بديلًا؟

نعم بالتأكيد. لكنه تجمع انتقائي. أما التجمعات الأخرى في الثورة والأفراح والأحزان فهي عامة ومتاحة للجميع. المنتدى يخضع لفكرة حراس اللغة، ويصاغ الانتماء إليه أيضًا من خلال اللغة. كيف تثبت جدارتك الشعرية، وتثبت أحقيتك باستخدام اللغة العربية.

 الأرشيف والحاضر والعائلة

 يلعب الأرشيف العائلي دورًا محوريًا في العديد من الأفلام الوثائقية التي تتناول الأسرة، لكننا في فيلمك لا نلحظ توظيفًا للأرشيف من أجل الحديث عن الماضي. فلا وجود للفوتوغرافيا أو عرض لألبومات عائلية مثلًا، باستثناء لقطات الفيديو للدبكة في النهاية.

أفكر الآن في أن رغبتك كانت في أسر الحاضر نفسه، والذي وصفه والدك بأنه يمثل 10% فقط من حياة الفرد. وكأن غايتك كانت أن يصير الفيلم أرشيفًا وذاكرة في ذاته؟

 منذ بداية عملي بالسينما، كانت الفكرة التي تحفزني دائمًا لصناعة فيلم هي فكرة «الزمانية/  Temporality»، كيف ندرك طبيعة الزمن، وكيف نضيع فيه، أن ننظر إلى الماضي ونفهم مرور الزمن.

تقصدين أننا نرى آثار الماضي لا مادة أرشيفية تخبرنا عنه..

بالضبط. يسأل أحد الشعراء في الفيلم عما إذا كان شعرهم سيترجم بعد 700 عام. هذه الفكرة عن إمكانية أن تُمحى تمامًا أو يعاد اكتشافك وخلقك في سياق جديد.

هناك رغبة ذاتية وأنانية جعلتني أبدأ في مشروع الفيلم، وهي أن أقضي وقتًا مع أبي. وخلال هذا الوقت أرشفت الشعر الخاص به داخل العمل. أن نتسلى سويًا، وأجدد رغبته في العيش.

أعرف أن أبي خاب ظنه في الدنيا، لأنه فعل الكثير أثناء عمله الحكومي، كعضو نقابي وموظف بالدولة، ليظل اسمه محفوظًا، لكن بعد التقاعد لم يأت أحدًا لزيارته أو السؤال عليه. وأحببت أن أكرس مساحة من السينما للإنسان العادي.

وبالنسبة لي، كان موضوع الفيلم هو الموضوع الذي أملك شرعية أخلاقية للحديث عنه، لأنني لا أستطيع أن أقتحم عالمًا ما وأفرض ذاتي عليه وأنا لا أمتلك مسافة حقيقية في العلاقة معه.

كانت علاقتي بأبي مسارًا ذهبت منه إلى المدينة وأصدقائه والشعر. وكان لدي الموقع أو المسافة التي سمحت بالتطرق إلى أبعاد أخرى.

 تقول قاسم إن الأسرة هي الباب الذي ُيفتح لنا على العالم، وهي العتبة التي نخطو منها للخارج. «أول تجربة اجتماعية». وتضيف: «أدرك الآن أن معظم آرائي السياسية والاجتماعية هي ردود فعل على آراء الأهل. ومن المهم أن يكون الفرد واعيًا بذلك».

caption

رأينا مؤخرا العديد من الأفلام الوثائقية العربية التي تتخذ من العلاقة مع الأب أو الأم موضوعًا رئيسيًا لها. يمكننا أن نذكر مثلًا «أبو زعبل 89» إخراج بسام مرتضى، والفيلم اللبناني «يلا بابا» للمخرجة إنجي عبيد، وعُرض مؤخرًا، ةفي مهرجان كان «الحياة بعد سهام» للمخرج المصري نمير عبد المسيح. وقبل سنوات شاهدنا «باي باي طبرية» للمخرجة نينا سوالم، بالإضافة إلى غلبة موضوع الأسرة على العديد من مشاريع الأفلام المُقدمة إلى الجهات المانحة، أو برامج السينما المستقلة وغيرها. هل تشكل هذه الأفلام تيارًا داخل السينما الوثائقية العربية أم أن ثيمة «الأسرة» أصبحت التريند المفضل سواء عند صانعي الأفلام أو لدى جهات الإنتاج والتمويل؟ وكيف يمكن أن تتمايز الأفلام مع تماثلها في الثيمة أو الموضوع؟  

لا أعتقد أن هناك «تريند». كما قلت من قبل، لدي اهتمام بالعلاقة بين العام والخاص. ولهذا أحببت العمل على مجتمع مغلق وعلاقته بالخارج. وأرى دائمًا أن علاقتنا بالبيت والأهل والمكان العام هي علاقة مُسيسة، والكيفية التي تضع بها ذاتك على الخارطة الاجتماعية هي قرار له تبعات عديدة.

لا أريد التعميم، لكنني أظن علاقتنا كأفراد بالدولة في البلدان العربية علاقة (ملخبطة). في بلدان أخرى، ترى أن مؤسسة الدولة تساهم في دعم وحماية وجود الفرد، وتجعلك تشعر أنك لست في حاجة إلى مجتمع، إنها تنسف فكرة الجماعة.

لكن في مجتمعاتنا العربية، الجماعة هي التي تدفعك إلى الاستمرار. لهذا كان أساسيا بالنسبة لي إبراز أن المجموعة حاضرة في لحظة دفن أبي مثلما كانت حاضرة معه في الاحتفال أيضًا.

أنت تتطور من خلال موضعك في التكوينات الاجتماعية، والتي تتطور هي الأخرى بدورها. لذلك، عندما نخبر قصصنا من داخل مكاننا في الأسرة، فإن ذلك يخبرنا عن كيفية تطلعنا إلى واقعنا، لأننا نعبر إلى واقعنا من خلال هذه العلاقات الأسرية. وهي علاقات غير مجردة بل تكوّن علاقتنا مع محيطنا وبلداننا.

هذا الفيلم لم يكن وسيلة للتعافي. على العكس، ربما كنت في حاجة للعلاج بعد صناعته. لم أستطع إعادة صياغة علاقتي مع المدينة إلا بإعادة صياغة العلاقة مع أبي وجيله. الحياة حالة دائمة من الإرث. لقد رجعت إلى المكان الذي تركته منذ سنوات طويلة بشكل واعٍ. وصارت هناك عملية تفاوض، علاقة مد وجذر. والتفاوض مع الأهل يختلف عن التفاوض مع الدولة.

بالنسبة لتجارب آخرين، قد يكون الأب مدخلًا للحديث عن السلطة أو مجازًا عنها. لكن الأمر لم يكن كذلك في حالتي.

وهناك نقطة شديدة الأهمية، في أفلامي مع أبي كان موقعي كصانعة شديد الوضوح. لأنني لست قادرة على تصوير شخص لا أعرفه ولا أعرف عالمه، وأُسقط عليه الأفكار الخاصة بي. خاصة وأن الصناعة لدينا سريعة. لا تسمح لك بالكثير من الوقت. إذا لم تكن هناك علاقة مع الشخصيات قبل الفيلم، أي أن الفيلم هو وحده الذي سيحدد علاقتي معها، فلن أحب أن أصوره. أحب إظهار مشكلات الوسيط وليس إخفاءها. لهذا فالموقع مهم للغاية. يمكنني من فهم ديناميكيات العلاقات، واتخاذ قرار كيفية بناء الواقع، وما الذي يجب أرشفته من هذا الواقع، وما الحقيقة التي أجرب الحديث عنها.     

 

 خلال المناكفات بينهما، كان الأب يخبر ابنته بأن ما تكتبه ليس شعرًا، والسبب في رأيه أنها كتابة بلا إيقاع، فلا وجود للشعر بلا إيقاع. في المقابل، يمثل إيقاع «نحن في الداخل» بعدًا جماليًا فريدًا للفيلم. وتنبع الفرادة من المجاز الذي اختار الفيلم أن يقدمه لفهم الحالة اللبنانية.

الإيقاع هو الشعور العام لدى المتفرج بالحركة داخل الفيلم. ويتحدد من خلال الحركة والمونتاج وطول اللقطات والعلاقة بينها، وباختلاف المعطيات من لقطة إلى أخرى أو من مشهد لآخر.

في السينما، مثلما هو في الشعر، يكون الإيقاع الداخلي للمشاهد مستلهمًا من الحركة، حركة اللقطة والروح معًا، ومعبرًا عن الحالة المراد تصويرها والتعبير عنها على الشاشة.

تؤكد الناقدة سوزان برنار أن الإيقاع في الشعر هو «صورة الروح»، ولذلك يجب أن تقترح حركة الجملة الشعرية وتولد لدى القاريء حالة معينة من الروح تتوافق مع حالة الروح التي نشأت منها كتابة العمل.

ترصد مشاهد «نحن في الداخل» بصمات الزمن على جسد الأب، ومعه تأتي وطأة المرض وآثار الشيخوخة. يتمثل إيقاع الفيلم إيقاع جسد متعب بثقل السنوات، بما تزيده من آلام وأوجاع. جسد يتحلل تدريجيًا مؤذنًا بالرحيل.

إن إيقاع الفيلم هو «إيقاع التحلل» يكشف عن المجاز الذي يقدمه لفهم لبنان. أمام تحلل الداخل، أي تحلل الجسد، هناك تحلل الخارج، تحلل النخب السياسية والعملية الديمقراطية برمتها. نرى لافتات المرشحين والشعارات الجوفاء ونسمع الوعود المزيفة من ميكروفونات الشوارع وأبواق الإعلام.

تتعد مجازات الحالة اللبنانية، أي الأطر المفهومية المبنية عليها التصورات، والتي تُمكن من استخدام الخبرة الطبيعية والاجتماعية لفهم أشياء أكثر تجريدًا، مثل الزمن والوطن. ويمكن القول إن فرح قاسم اختارت مجازًا باطنيًا أو غير مرئيًا، تحلل أو تفسخ داخلي يعكس انهيار الدولة اللبنانية. في مقابل أعمال أخرى وظفت مجازات أكثر وضوحًا، مثل «الخراب» الممثل من خلال طبيعة العمران وفي الأطلال المرئية، أو «الانفجار» الذي يعبر عن الكارثة القائمة دومًا.

 

توضح قاسم أن عملية المونتاج مرت بعدة مراحل. في مرحلة العزلة النهائية من أجل العمل المكثف على المونتاج وخلق هيكيلية للفيلم، كانت مشاهد النهاية هي المشاهد التي بدأت قاسم الاشتغال عليها رفقة صديقتها المخرجة إيزابيلا رينالدي، تلتها مشاهد البداية ثم منتصف الفيلم.

يتميز تتابع المشاهد النهائية بكثافة تعبيرية وبلاغية آسرة. تبرز الكاميرا أثر الفقد، وتحاكي الصورة عملية التذكر. نرى لقطات فيديو أرشيفية لأفراد الأسرة في تجمع احتفالي. يرقص الرجال الدبكة. ويتوسط مصطفى قاسم أخوته وأقاربه، في سعادة وحميمية. يكثف التصميم الصوتي نغمات الساكسفون وطنين السنث synthesizer. هذا الصوت النائح يتناقض مع مزامير الدبكة الفرحة التي تتواري في الخلفية. كأنه صوت الذاكرة في استعادتها لحظة سعادة زائلة.

بعد القطع المونتاجي، نرى مصطفى قاسم عجوزًا هرمًا، في لقطة مكبرة وإضاءة رمادية كابية. كأنه كان يتذكر لحظات الدبكة السعيدة، ينظر إليها في الماضي، ثم يخرج من الكادر، مرة أخيرة، وإلى الأبد.     

اعتمد الفيلم على التسلسل الزمني في سرده، باستثناء لحظة واحدة تم فيها نقض هذا التتابع، وهي مشهد الدفن، الذي نراه بعد عرض مشاهد ترصد آثار الفقد في البيت بعد رحيل الأب. كيف ترين هذا التغيير في الكرونولوجيا (تعاقب البناء الزمني)؟ وما الذي أضفته لحظة النقض هذه إلى تجربة المشاهدة؟

 لم تكن وفاة أبي جزءًا من الفيلم. كان هدفي بالأساس أن يكون هو أول من يشاهده. لكن للأسف لم يحدث ذلك. لما توفيّ ثارت أسئلة: هل تكون الوفاة جزءًا من الفيلم أم لا؟ وما معنى وجودها داخل الفيلم؟ كيف أصور الموت؟

وأعتقد أن هذا السؤال الأخير هو الذي أخّر عملنا. لأنني لم أكن أعرف كيف أصور الموت؛ موت إنسان قريب مني. وكان من المستحيل أن أصور بنفسي في جنازة أبي.

تحدث معي المنتجة، سينيثيا شقير، وقالت أعلم أنك في موقف صعب لكن من المهم أن تؤرشفي هذه اللحظة. لكني أخبرتها بعدم رغبتي في الحديث. بعدها أخبرتني صديقتي المخرجة إنجي عبيد أن سينيثيا تحدثت معها، وسألتني إن كان ثمة مشهد يمكن إضافته إلى الفيلم، فما هو؟ جاوبتها أن المشهد الوحيد الذي أتذكره من وفاة أمي هو خروج جثمانها من البيت، وكيف كان خروجها صعبًا ومدى تأثري به حينها. وبالفعل، كانت إنجي عبيد هي من صورت مشهد خروج جثمان أبي من البيت.  

في البداية، فكرت أن أبدأ الفيلم بلحظة الموت ثم أرجع بالزمن، ثم وجدت أنها فكرة غير مناسبة لأنها مبنية على مفهوم «الحدث». ولم أرغب في أن يكون الفيلم مبنيًا على فكرة الحدث أو أن تكون الأحداث العامل الأساسي الذي يحرك السرد. الفيلم المليء بالأحداث ليس من نوعية الأفلام التي أود صنعها. إننا أمام أحداث طوال الوقت، وما عدنا نعرف ما الأولوية، أو ما هو الحدث الأهم.

كيف يكون الخاص هو الحدث ؟ الخاص الساكن الذي يبدو على السطح أنه لا شيء يحدث خلاله، لكن في الوقت نفسه، تحدث في قلبه الكثير من الأمور. أن يكون الخاص هو الحدث، الداخل لا الخارج. وهذه أيضًا من الأمور التي توضح كيف تشكلت نظرة الآخر (الغربي) عنا. فهم يروننا مجموعة من البلدان تصير فيها مجموعة من الأحداث. وإذا حاول أحد منا أن يصنع فيلمًا عن اليومي، دون أن يكون مرتبطًا بموضوعات محددة، ربما سيكون من الصعب وقتها أن يتحصل -من الأساس- على تمويل لصناعة الفيلم.

لهذا رأيت أنها فكرة غير صالحة: أن أبدأ الفيلم بالموت، أو أن أنهيه به. لم أرد أن يكون الموت هو نهاية الفيلم. لذلك يموت أبي ويستمر الفيلم. أردت أن أعمل بنصحية أبي، وأن أطبق مفهوم استمرارية الحياة من خلال اللغة السينمائية.

قررت إضافة المشهد لأنه لحظة تكثيف وتراكم، ويعبر عن أن القصص والأحداث ليست معزولة عن بعضها. كل شيء كرونولوجي تعاقبي، فلا شيء وليد لحظته فقط، بل وليد لحظات سابقة عليه أيضا. ولذلك حافظت على الكرونولوجية في الفيلم، وقررت كسرها حين تطلعت إليها بشكل مختلف. لأننا بحاجة أن نضفي شعرية على هذه الكرونولوجيا وإلا ستفقد معناها.   

كيف كانت الآراء حول الفيلم في مراحل إنتاجه المختلفة؟ وكيف جاء استقباله الجماهيري؟

أثناء اشتغالنا على الفيلم، تعاملنا مع أنواع مختلفة من «الأسواق» و«الجماهير». هناك ما يسمى بـ«جمهور الصناعة». كنت أعرف انطباعات من حولي عن الفيلم، وفي الوقت نفسه لم أرد تقديم أية تنازلات حول مشروع الفيلم. هناك وصفة مضمونة حول فكرة الفيلم الجيد، وأعرف أن نظرة العالم خارج منطقتنا العربية تعمل على حصر الأعمال في شكل وموضوعات محددة. يتعلق الخط التحريري الغربي بالكيفية التي ينظرون بها إلينا وليس كيف ننظر نحن إلى أنفسنا. طبعًا هناك الكثير من القائمين على الصناعة والتمويل في الخارج لا يفكرون بالضرورة وفق هذه الطريقة، ولكن المزاج العام للأسف محصور بثيمات وأنماط عامة ربما لا تعكس الأبعاد الحقيقة للأوضاع السياسية والاجتماعية في منطقتنا.  

أردت أن أصنع الفيلم بالطريقة التي أرغب بها، دون تنازلات، وبالطريقة التي تجعلني فخورة بما صنعت إذا أعدت مشاهدته بعد 50 عامًا. أنا المشاهد الأول للفيلم ويجب أن يمسني، وهذا هو الأهم. «قررنا مع المنتجة سينثيا شقير أن مدة الفيلم ثلاث ساعات، وكانت متفهمة لتلك النقطة، وأهميتها لقصة الفيلم وموضوعه. واجهنا ذعر من القائمين على التوزيع بسبب طول مدة الفيلم. لكننا لم نفزع بسبب ذلك. كنا نعلم أننا لا نصنع فيلمًا من أجل لحظتنا الحالية فقط، وإنما نخلق عملًا فنيًا يمكن أرشفته ومشاهدته بعد زمن طويل». 

أخبرني الكثير من رفاق الصناعة بأن إصراري على طول الفيلم يظلمه توزيعيًا وتسويقيًا. كان ظلم الفيلم بالنسبة إليّ سيتحقق فقط في حالة حذف أيٍ من المستويات والطبقات الموجودة داخله. وقلت لنفسي: هذا الفيلم في الأصل تحية إجلال لأبي. ولا أريد تحجيم صورة أبي بإظهار جانب واحد من حياته.

فيما بعد، رأينا كيفية التفاعل مع الفيلم. شارك «نحن في الداخل» حتى الآن في 30 مهرجان، وحصد أكثر من 16 جائزة، منها «جوائز الجمهور». ولهذا دلالة مهمة. أن الجمهور -الذي تتخوف الصناعة من عزوفه عن مشاهدة الأفلام الطويلة- يختارك في بلدين مختلفتين، فرنسا وإيطاليا، للجائزة. اعتبرت ذلك دليلًا أننا قمنا بالخيار الصائب. صحيح أنه أثر علينا في منح التوزيع، لكننا نقوم به بأنفسنا. نعم أرهقنا للغاية، لكن أمورنا بخير. والفيلم يسافر كثيرا، أكثر من أفلام أخرى مدتها ساعة ونصف. الخيارات التي أؤمن فيها أتشبث بها للنهاية.

 

 نرى الأب في بعض مشاهد الفيلم داخل غرفة المستشفى، وسط بياض الملاءات ومعاطف الأطباء. وقرب النهاية، نرى المعزون في مشهد الجنازة مرتدين السواد. ويمكننا على الفور أن نستحضر القصيدة الأيقونية «ضد من» للشاعر المصري الراحل أمل دنقل، التي ربما لم يقرأها الأب أبدا، ولم تقرأها ابنته كذلك.

يقول دنقل: "في غُرَفِ العمليات/ كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ/ لونُ المعاطفِ أبيض/ تاجُ الحكيماتِ أبيضَ/ أرديةُ الراهبات/الملاءاتُ/ لونُ الأسرّةِ، أربطةُ الشاشِ والقُطْن/قرصُ المنوِّمِ، أُنبوبةُ المَصْلِ/كوبُ اللَّبن/ كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ/ كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!/

فلماذا إذا متُّ.. يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ.. بشاراتِ لونِ الحِدادْ ؟
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ

 ثم يضيف جملته الخالدة:        ضِدُّ منْ..؟

                                ومتى القلبُ في الخَفَقَانِ اطْمأَنْ؟!

 لكن الشاعر المصاب بالسرطان يصف الشعر في قصيدة أخرى قائلا:

«أيها الشعر.. يا أيها الفرح المُختَلس». 

caption

 ربما كان الشعر يمثل لمصطفى قاسم ما مثله لأمل دنقل، لحظة فرح عابرة ومختلسة وسط الأزمات ولحظات الألم. إلا إن الشعر، الذي يكتبه قاسم عموديًا وتقليديا، لم يكن مجرد لحظة فرح بل لحظة طمأنينة أيضًا. فالقصيدة التي يُفترض أنها مساحة التجريب والتغيير والقلق، مثلت لقاسم منطقة آمنة، بلا تقلبات. 

في أحد المشاهد، تسأل فرح أباها إن كان يعرف لماذا تصنع هذا الفيلم. يجيبها بأنه يعرف، وأن الفيلم عن علاقة أب وابنته، عن العائلة، ولا يريد أن يذهب أبعد من ذلك. يخبرها أنه لا يريد أن يخدش السطح حتى لا يخرج ما بداخله من حزن. وأنه ستمر أيام وتأتي لحظة تشاهد فيها فرح هذه الجلسة داخل الفيلم وتتذكر هذه المحادثة. عندما تحدثه فرح عن خوفها من الفراق، ومن النسيان، يجيبها بأنه «ما في شيء بده يضل على ما هو عليه.. ما في ثوابت». فالحياة في تحول وتغير دائمين. وهي عبارة عن «ستين بالمية ماضي.. تلاتين بالمية مستقبل.. وعشرة بالمية حاضر». نحن نذهب من الماضي إلى المستقبل، لأن الحاضر نفسه في تحول مستمر.

تكمن مفارقة الأب في أن هذه الأفكار الجريئة والشجاعة عن التغيير والتحول داخل الحياة تقابلها تصورات ساكنة عن اللغة والشعر والقصيدة. الثوابت لا وجود لها في الحياة، لا وجود لها إلا في الشعر. ربما لم يكن مصطفى قاسم شاعرًا كبيرًا لأنه لم يرد ذلك، ولم يطلب من الشعر إلا الطمأنينة. كان الشعر في نهاية الرحلة مواساة وعزاء له بعد فقد الزوجة. وفي بدايتها كان إثباتا لأبيه أنه يستحق مصاريف تعليمه، كما قال في مقدمة ديوانه التي قرأتها الابنة. الشعر لغة تواصل مع أبيه مختار الضيعة، كما كان لغة تواصل ابنته معه فيما بعد.  

كنتُ أحدث الشاعر المصري الكبير علاء خالد منذ سنوات عن حياة والدي، وعن تاريخ علاقتي به. وحين أراد خالد أن يواسيني بعد وفاة أبي، قال إنه لا يزال يتذكر حديثي عنه، مؤكِّدًا أن بعض العلاقات لا تنتهي بالموت. تمنّى له الرحمة، ولنا الصبر على ما سمّاه «هذا الفقد الكبير».
أتوقف الآن عند هذا التعبير تحديدًا، «الفقد الكبير»، وأفكر أنه أمام فقد بهذا الحجم، لا يكون أمامنا سوى أن نواجهه بعمل كبير يليق به. عملٌ مثل كتاب خطوط الضعف، الذي كتبه علاء خالد استجابةً لرحيل والده، أو كفيلم فرح قاسم «نحن في الداخل»، الذي صار الفقد جزءًا منه.

خلدت قاسم صورة أبيها الذي آمن بأنه «ما في شيء يضل ثابت»، وأن «الصورة» تظل تبهت حتى تختفي. ربما لم يكن ليتخيل ما ستصنعه الابنة من صورته ساكنًا، مريضًا، أو مرددًا أبيات قصائده العمودية.   

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن