أهلا بكم في شرم الشيخ.. مدينة مؤتمر المناخ الخضراء
قبل أكثر من 40 عامًا، وصل أمجد* إلى شرم الشيخ، كأحد الشباب المدفوعين بحب الاستطلاع لاستكشاف هذا الجزء الجديد من سيناء بعد استعادته من إسرائيل أعقاب حرب 1973. في ذلك الوقت، لم يجد أمجد سوى طبيعة بكر تحيط بالقرية البدوية الصغيرة. خليج العقبة يحدها من الشرق، في منتصفه جزيرتين -مصريتين حينها- يفصلان بين أراضي سيناء والسعودية. وعلى بعد أمتار قليلة من الشاطئ، يزخر البحر بآلاف الكائنات البحرية والشعب المرجانية، التي لا يوجد مثيل لبعضها في أي من بقاع العالم. ومن الغرب، تحيط بالقرية جبال وأودية عرف دروبها البدو الذين قطنوها من مئات السنين.
لكن، إذا كنتم ممن سيزورون المدينة في نوفمبر القادم لحضور مؤتمر المناخ «COP 27»، فتلك الطبيعة البكر ليست ما ستقع عليها أعينكم. بدلًا منها، ستجدون أنفسكم في قلب شوارع أسمنتية واسعة تحتضن المدينة، تعلوها الكباري، ومن خلفها سور يعزلها عمّا حولها من جبال، كما يفصلها عن سكانها الأصليين من البدو.
بين الطبيعة التي رآها أمجد، والمدينة الأسمنتية التي ستجدوها الآن، أربعة عقود من «التطوير» الذي نال من المنطقة، حتى تحولت إلى مدينة سياحية كبرى تستضيف أهم قمة للبيئة والتغيرات المناخية في العالم.

نجحت الإدارة المصرية، خلال قمة المناخ الماضية، في مدينة جلاسكو الاسكتلندية، في إقناع الأمم المتحدة باستضافة النسخة المقبلة من المؤتمر، كممثلة عن قارة إفريقيا، بعدما اتفقت المجموعة الإفريقية على استضافة مصر للمؤتمر، الذي استضافته سابقًا المغرب مرتين وكل من كينيا وجنوب إفريقيا مرة.
منذ ذلك الوقت، بدأت الحكومة في ترتيباتها لتجهيز مدينة شرم الشيخ، اعتمادًا على الوسائل الصديقة للبيئة؛ الكهربائية والعاملة بالغاز الطبيعي، وشجعت الفنادق على الحصول على شهادة بقيمة بين 200 و 2000 يورو صالحة لمدة سنتين، للإشارة إلى توافق الفنادق مع بعض الإجراءات للحفاظ على البيئة، مثل تخفيض الإضاءة واستهلاك المياه وتدريب العاملين بالفندق، وهي ما يُعرف بـ«النجمة الخضراء»، والتي حصل عليها بالفعل 120 فندقًا من إجمالي 160 بالمدينة، بالإضافة إلى 60 مركز غوص. واتجهت المنشآت والمباني لتركيب محطات طاقة متجددة سواء في المطار أو قاعات المؤتمرات. وقبل أقل من شهرين من انعقاد المؤتمر، أعلنت الحكومة تنفيذ إدارة متكاملة لمنظومة المخلفات بالتعاون مع شركات إماراتية.
لكن، اللون الأخضر لم يكن الوحيد الذي كسى المدينة. فحسب أمجد، بدأ مجلس مدينة شرم الشيخ منذ أشهر في إعادة رصف كل الشوارع الرئيسية بالمدينة، بعد أقل من عامين على رصفها، ووسعت بعض الطرق ليصل بعضها إلى 12 حارة. وخلال عملهم لتوسيع الطريق، ألغوا مسار للعجل كان قد رٌصف منذ فترة قصيرة، قبل إعادة رصف جزء منه بعد ذلك. «بيستعدوا لمؤتمر المناخ بالأسفلت»، يقول أمجد.
على جانبي هذه الطرق أعمدة إنارة تحمل فوقها ألواح طاقة شمسية، هدفها توليد طاقة نظيفة للإضاءة وتوفير ملايين الجنيهات. لكن، إذا اقتربت قليلًا منها، سترى التراب يغطي لون ألواح الطاقة الشمسية الفضي المميز، فيما يخرج من الأرض «كابل» كهرباء مخفي بإهمال يمد الأعمدة بالطاقة، حيث كان يمد الأعمدة السابقة قبل استبدالهم.
«بعد ما جابوا آلاف الألواح والبطاريات اكتشفوا أنها ضعيفة وباظت بعد أقل من شهر. حاولوا يصلحوها وباظت تاني. بطلوا ينضفوها فبطلت تشتغل، فوصولها بكهرباء عادية في الآخر، وبقت من فوق شكلها طاقة شمسية لكن هي شغالة بالكهرباء عادي»، يقول أمجد.
وفيما أعلنت الحكومة عن خطتها لتوفير مئات الأتوبيسات الكهربائية بالمدينة، قال عدد من سكان المدينة لـ«مدى مصر» إن هذه الأتوبيسات لم تظهر في المدينة بعد. «لما سألنا عليهم حد مسؤول قالنا هنطلّعهم وقت المؤتمر علشان ميتوسخوش»، يقول أمجد. لخدمة أتوبيسات وسيارات الكهرباء، نفذت الحكومة، وفقًا ﻵخر تصريحات لوزارة النقل في يونيو الماضي، محطة شحن أتوبيسات بمنطقة النبق، فضلًا عن عشرة نقاط لشحن السيارات الكهربائية. لكن خلال جولتنا في المدينة لم يحالفنا الحظ أن نجد إحدى هذه النقاط داخل الخدمة.
أحد تجهيزات المدينة كانت بناء ممشى سياحي جديد، بشارع السلام، أحد أهم الشوارع الرئيسية بالمدينة. يقول أمجد: «ممشى في بلد فيها بحر، معمول بطول عشرة كيلو بيبص على الفنادق والمحلات، وناسيين أنه مفيش منفذ لأي حد يبص على البحر إلا لو دخل فندق».

في رسالتها لنيل درجة الماجستير من الجامعة الأمريكية في القاهرة في 2020، تقص الباحثة كاثرين وولش تاريخ القرية قبل تحولها لمدينة. تبدأ قصة القرية منذ آلاف السنين، في وقت هاب فيه المصريون القدماء الطبيعة القاحلة لجنوب سيناء، فباتت بالكاد مأهولة بالسكان لقرون طويلة، وظلت بمعزل عن النمو العمراني في وادي النيل. ومع مرور الوقت، بدأ التاريخ الفعلي لجنوب سيناء مع الاحتلال البريطاني لمصر، حين استخرج الإنجليز المعادن من منطقة أبو زنيمة، قبل أن يحل محلهم الشركات الوطنية في الستينيات من القرن الماضي، وتبعها الاستثمارات البترولية المنتشرة على جانبي خليج السويس وشمال سيناء في نفس العقد.
وبالرغم من زحف العمران على الجانب الغربي من جنوب سيناء، ظلت المنطقة الشرقية من جنوب سيناء والشريط البحري المُطل على خليج العقبة دون تعمير، حتى النصف الثاني من القرن العشرين.
كان الزحف العمراني يتحرك ببطء من الشمال إلى الجنوب، واقتصر على تنمية الصناعات التعدينية والبترولية في الجهة الغربية لجنوب سيناء، بينما استمر الوضع على الجانب الشرقي كما هو دون تطوير لعقود، حتى استولت إسرائيل على سيناء عام 1967. وخلال وجود الاحتلال حافظ على طبيعة شرم الشيخ وحاول استمالة سكانها الأصليين، في محاولة لإنشاء مستوطنة جديدة اسماها عوفيرا. وفي ذلك الوقت، اكتشف السياح الإسرائيليين وبعض الأوروبيين الطبيعة الخلابة تحت المياه، وانتبهوا إلى إمكانياتها السياحية.
بحسب وولش، تتميز منطقة البحر الأحمر بأكملها ببيئة بحرية وأرضية فريدة من نوعها، إذ تحتوي المنطقة على أكثر من 1500 كيلومتر من الشعاب المرجانية والنظم البيئية المرتبطة بها. وفي شرم الشيخ يعتبر النظام البيئي البحري موطنًا لنحو 300 نوع من الشعاب المرجانية، و500 نوع من النباتات المائية، والعديد من الأسماك والحيوانات البحرية. بالإضافة إلى ذلك، تضم الوديان المحيطة بها تنوع هائل للنباتات الأرضية.
كواحة وسط الصحراء، تعمل تلك النظم البيئية بالقرب من الساحل على الحفاظ على بعض من أندر البيئات البحرية في العالم، بحسب أستاذ البيئة البحرية بجامعة قناة السويس والمستشار العلمي لجمعية الحفاظ على البيئة (هيبكا)، محمود حسن حنفي. وتتميز البيئة البحرية في الحيد المرجاني المصري بقدرته الفائقة على التكيف مع تغيرات المناخ، ما يجعله الملاذ الأخير لذلك النوع من الحياة البحرية في العالم، بحسب حنفي.

هذه البيئة البحرية المميزة وسهولة الوصول لها هي الهبة الأساسية للمدينة. لذلك، أصبح الغطس هو النشاط الأساسي، خاصة في منطقة رأس محمد. وبسرعة شديدة، اتسعت شهرة المدينة كواحدة من أجمل وأهم بقاع الغطس في العالم، لا يناطحها سوى الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا، وبعض المناطق القليلة في محيط بعض الجزر حول العالم.
شرع الاحتلال في بناء أول مركز للغطس في هذه المنطقة، وبعض معسكرات السياحة البدائية. كما أسس شبكة طرق على الساحل الشرقي، وصلت بين شرم الشيخ ودهب وطابا للمرة الأولى، بحسب كيفن* الذي كان من أوائل الأوروبيين الذين وصلوا لشرم الشيخ في سبعينيات القرن الماضي، وأقام أكبر مراكز الغوص بالمدينة.
وبعد حرب أكتوبر 1973 استرجعت مصر مناطق من سيناء على مراحل، حتى استردت شرم الشيخ عام 1982، وحتى هذا الوقت، لم تكن شرم الشيخ قريبة بأي شكل من الأشكال للصورة التي تشتهر بها اليوم.
بعد استعادة سيناء مباشرة، وضعت الحكومة خطة للتنمية السياحية في مصر عمومًا وجنوب سيناء خصوصًا. واستندت استراتيجية التنمية بشكل أساسي في شرم الشيخ إلى تراثها الطبيعي؛ جمال الطبيعة والموقع المتميز والمناخ اللطيف، والتي أهلتها لتتنافس على سياحة المياه الدافئة، جنبًا إلى جنب مع جزر الكناري ومنطقة البحر الكاريبي وسيشيل وتايلاند وماليزيا وغيرها، وهي الشواطئ المعروفة باستقطابها للأوربيين أصحاب الدخول المرتفعة، الباحثون عن شواطئ دافئة طوال العام. لكن شرم الشيخ حظت بميزة إضافية وهي انخفاض تكاليف السفر نظرًا لقربها من أوروبا.
وبدأت المنطقة في استقطاب الأوروبيين بالأساس ممن اهتموا برياضة الغطس، بالإضافة إلى بعض الشباب المصريين الذين رأوا فيها عالم جديد بكر يختلف عن أي مكان في مصر.
وبحسب وولش، فالتقديرات وقتها رأت أن ذلك النوع من السياحة هو الأسرع نموًا في المستقبل. وتوقع الخبراء أن سيناء يُمكن أن تحصل على 4-6% من سوق سياحة الشواطئ الدافئة عالميًا في غضون سنوات معدودة.
ومن أجل تلك التنمية السياحية، بحسب وولش، بدأت الحكومة عام 1985 في بيع الأراضي للمستثمرين المحليين الذين انتبهوا لأهمية هذا النوع من السياحة، وكان من أوائل هؤلاء ضابط المخابرات السابق، حسين سالم، الذي جذبته أسعار الأراضي المنخفضة في المدينة، إذ لم تتعد 12 دولارًا للمتر الواحد، لينشئ فيها امبراطورية فنادق سياحية. ارتفع سعر بعض الأراضي منها بنسبة 10000% تقريبًا، مباشرة بعد توقيع عقود البناء مع هيئة تنمية السياحة. قلّص ذلك المدة اللازمة لرد قيمة الأرض وتحقيق أرباح إلى نحو عامين فقط، كل هذا بمعدل إشغال لا يتجاوز 30%.
ومن المعسكرات البدائية، تحولت شرم الشيخ إلى منتجع واسع يزخر بالفنادق الخمس نجوم. وبحلول 1996، كان هناك 12 فندقًا في منطقة خليج نعمة وحده، وصلوا إلى 91 منشأة سياحية في 2000، وتضاعف العدد إلى 221 فندقًا في 2003، أغلبهم من الفنادق من فئة الأربع والخمس نجوم.
وجود بحر مذهل وبنية تحتية جيدة وخدمة صحية آمنة جذبت الأثرياء من الإنجليز والألمان خصوصًا والأوروبيين عمومًا إلى شرم الشيخ التي بدأت تتحول رويدًا إلى مدينة، حسبما يقول أمين*، وهو باحث بيئي سابق بمحميات جنوب سيناء.
وبحسب وولش، دعمت السياحة الرائجة آنذاك في سيناء نظام الاقتصاد المصري، إذ وفرت في منتصف التسعينيات مصدر مهم للعملة الأجنبية، بنفس الوقت الذي واجه فيه الاقتصاد المصري بعض الأزمات التي اضطرت نظام الرئيس الأسبق، حسني مبارك إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي، ولكن بالتوازي مع تهديد الهجمات الإرهابية استقرار السياحة في وادي النيل، ظلت سيناء بمنأى عن صدى الهجمات، فوفرت إيرادات سياحية تسمح لنظام مبارك باختيار توقيت تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية القاسية التي طلبها صندوق النقد الدولي وقتها، وبالتالي الحفاظ على الاستقرار السياسي لنظامه.
تنامى اهتمام مبارك بالمدينة، لتصبح مقر انعزاله المفضل، ومقر للعديد من المؤتمرات الدولية، حتى أطلق عليها «مدينة الرئيس».

كان لاهتمام مبارك بشرم الشيخ أثر إيجابي، وآخر سلبي. «وجود مبارك الدائم بشرم الشيخ واهتمامه بها حجّم نسبيًا مدى الضرر البيئي على المدينة. وقدر جهاز شؤون البيئة في الوقت ده يحمى شرم الشيخ من مصير الغردقة، اللي بيئتها البحرية اتدمرت تمامًا بفعل السياحة والفنادق»، يقول أمين*.
بالفعل مع بدء دخول الاستثمارات الكبيرة إلى شرم الشيخ، لمع نجم جهاز شؤون البيئة الذي قاده صلاح حافظ في هذا الوقت. وخلال إدارته للجهاز، غير حدود منطقة رأس محمد، التي أعلنت كمحمية طبيعية مصرية فور استعادتها من إسرائيل، لتضم ساحل شرم الشيخ وجزيرة تيران.
ووفقًا لحدود المحمية الجديدة، وضع جهاز شؤون البيئة شروطًا صارمة على الاستثمار، حسبما يقول حافظ لـ«مدى مصر»، موضحًا: «شروط الاستثمار كانت صعبة ومكلفة علشان توافق "البيئة"، فالمستثمر يا بيوافق على شروطنا، يا بيحس أنها هتكلفه كتير فيروح يستثمر في مكان تاني. وكانت المركب اللي ترتكب خطأ بتتمنع من دخول منطقة المحمية شهر. وكان في موظفين بيلفوا طول الوقت يتأكدوا من عدم وجود مخالفات».
كان التخطيط بشكل عام في شرم الشيخ في بدايته يحاول تجنب أخطاء التطوير المتسرع وغير المخطط في مدينة الغردقة بالبحر الأحمر. كانت تراخيص البناء في المرافق الجديدة تحد من قرب المشاريع الجديدة من شاطئ البحر، وتقصر البناء على طابقين فقط. وبدأت المنتجعات في بناء محطات تحلية المياه الخاصة بها، وكذلك مولدات الطاقة من الديزل والطاقة الشمسية، كما يؤكد باحثون بوزارة البيئة لـ«مدى مصر».
ولكن، عام 2004 طال الإرهاب.جنوب سيناء، بدأ بانفجارات في فندق هيلتون طابا، أعقبها بعام سلسلة انفجارات في شرم الشيخ أودت بحياة 60 شخصًا، وفي عام 2006 وقعت سلسلة انفجارات بمدينة دهب، وأسفرت عن مقتل 23 آخرين.
بعد هذه الحوادث، تأثرت معدلات السياحة في شرم الشيخ، لكن المدينة استطاعت امتصاص تبعاتها بسرعة، لتستمر السياحة في النمو حتى عام 2009، بعدما أنعكست آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على السياحة في مصر.

في هذا الوقت، بدأت تدفقات السياحة الأوروبية في الانخفاض، ولم تعد أسعار المنتجعات الفاخرة المصرية جذابة للفئة التي بُنيت لاستهدافها، خاصة مع انخفاض مستوى الدخل للمواطنين الأوروبيين، وتغيير أولويات نفقاتهم، ولذلك، بدأت الفنادق في التحول لأسواق سياحية جديدة، تغريهم بتخفيضات على أسعار الإقامة، مستهدفة أسواق أقل ثراءً.
ومع محاولات تخفيض الأسعار، انخفضت جودة الخدمة، ومعها قدرات الفنادق على الحفاظ على البيئة يقول حافظ: «مع الوقت أولويات القيادات اتغيرت. مسؤول في مدينة سياحية تقوله البيئة بتدمّر، يقولك يعني هي جات على الغزالة والسمكة؟»
ومع المستجدات التي حلت في شرم الشيخ، تحولت الاستثمارات الجديدة بالمدينة من المنتجعات الفاخرة إلى الفنادق الأقل سعرًا، وظهرت أنواع جديدة من الأنشطة الترفيهية الرخيصة مثل «السنوركلينج» أي مشاهدة الشعب المرجانية من فوق سطح المياه، أو الألعاب المائية، والقوارب السريعة، وظهر نوع جديد من الغوص الترفيهي لغير المحترفين، أو كما يسميه الباحثون بوزارة البيئة «غطس الليبتون».
وبحسب إحصائية أعدها باحثون بوزارة البيئة، وأطلع عليها «مدى مصر»، تحول النشاط البحري الترفيهي في شرم الشيخ من 70% غوص، و30% أنشطة أخرى عام 2008، إلى 60% للسنوركلينج والألعاب المائية بعد عام 2010، فيما انخفض نشاط الغوص.

ونجح التغيير بالفعل في جذب أنواع سُياح جُدد، لكنهم كانوا أقل انفاقًا وأكثر ضررًا للبيئة. ومع تزايد عدد الفنادق الأرخص والسياح الأقل ثراءً، بدأت الفنادق في منافسة بعضها بتقديم عروض أرخص. وظهر ما يُعرف بالسياحة الفندقية، وهو ما جذب السياح من روسيا وأوكرانيا، الباحثين عن السياحة الرخيصة. يوضح وائل*، الذي يعمل كباحث بوزارة البيئة: «السايح بقى بييجي يقعد في الفندق all-inclusive؛ ياكل ويشرب وينزل المياه يدمر الشعب وميطلعش من الفندق علشان عنده كل حاجة ويدفع ملاليم بالمقارنة بالسايح القديم».
وحتى بعد زوال آثار الأزمة الاقتصادية في أوروبا في نهاية العقد الأول من الألفينيات، لم تعد المدينة جاذبة للسياح الأعلى انفاقًا، الذين توافدوا في الماضي إلى المدينة بحثًا عن الهدوء والخصوصية وجودة الخدمة العالية. شوارع المدينة في ذلك الوقت باتت مكتظة بالسياح من الطبقة الأقل اقتصاديًا واجتماعيًا، وهبط مستوى الخدمة بشدة.
يقول كيفن: «في بداية الألفينيات كانت كل حاجة في شرم مكتوبة بالإنجليزي، والألماني، والإيطالي. بعد عشر سنين بس، كل اليُفط تقريبًا بقت بالروسي».
استمرت السياحة بشكلها الجديد في الازدهار رغم تعرضها إلى «مطبات» متعددة من بينها ثورة عام 2011، وأحداث «30 يونيو» عام 2013، لكن الأزمة الأكبر بلا شك حدثت عام 2015، حين سقطت طائرة روسية منفجرة، بعد أن أقلعت من مطار شرم الشيخ، وأودى الحادث بحياة 224 شخصًا.
بعد تحطم الطائرة، ردت الحكومة الروسية بحزم شديد من خلال إيقاف الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ. كما طلبت بعض الدول الأخرى من مواطنيها العودة إلى الوطن، وهي المطالبات التي غادر على إثرها نحو 38 ألف زائر شرم الشيخ، لينخفض معدل الإشغال بنسبة تصل إلى 90%. وعلى إثر ذلك، توقفت العديد من الفنادق عن العمل، أما من استمر، فلم تتخط نسبة الإشغال بهم 6%، وهو ما رفع معدلات تسريح الموظفين، ليصل إجمالي من فقد عمله خلال بضعة أشهر لنحو 900 ألف شخص كانوا بوظائف مباشرة وغير مباشرة بالمدينة، بحسب تقديرات بحث معهد إدارة الفنادق والسياحة بسويسرا، وذلك بسبب اعتماد اقتصاد المدينة بشكل كامل على السياحة دون غيرها.
لمواجهة فقدان السياحة الأجنبية الرخيصة، خفضت الفنادق في شرم الشيخ أسعارها بدرجة أكبر، لتكون أكثر جاذبية من جديد، ولكن هذه المرة، استهدفت المدينة السياحة الداخلية من خلال رحلات وزارة الشباب والرياضة، كما خفضت شركة مصر للطيران أسعار التذاكر لتشجيع المصريين على السفر إلى شرم الشيخ، ولكن بعد فترة وجيزة، ألغت الحكومة المبادرة بسبب السلوكيات «غير المقبولة» للسياح المصريين، والتي تسبب في ضررًا لشواطئ البحر وللفنادق والحياة البحرية.

ومن جهة أخرى، بدأت الحكومة في محاولات الترويج خارجيًا للمدينة التي عادت آمنة، فشددت الإجراءات الأمنية في المطار، وأعادت إحياء مشروع بناء سور يحيط بالمدينة لحماية السياح، كما نشرت صور للرئيس عبد الفتاح السيسي بوجه مبتسم في جميع أنحاء المدينة مع كلمات «مدينة السلام» باللغات العربية والروسية والإنجليزية، لبث الطمأنينة في قلوب الزوار، كما قال لنا سكان بالمدينة، لكن تلك المحاولات لم تنجح في إعادة المدينة لحياتها السابقة، كما لم تتعاف السياحة في شرم الشيخ حتى الآن، خاصة مع صدمتي جائحة كورونا، والغزو الروسي لأوكرانيا.
مع الوقت، تسبب اهتمام الحكومة بعودة السياحة إلى شرم الشيخ بأي تكلفة في اختفاء أغلب القيود البيئية، وبدأت الحكومة في إصدار قرارات لتيسير توسع استثمار القطاع الخاص على حساب البيئة، ومما ساهم في ذلك تزامنه مع توقف الدور الرقابي البيئي بتوقف تمويل من الاتحاد الأوروبي كان قدمه للمحميات الطبيعية في مصر، وساهم حينها، في توفير مراكب أبحاث ومعدات غوص وسيارات لدوريات الرقابة، كانت كلها تساهم فيما يعرف بـ«الصيانة البيئية»، وهي محاولة المتخصصين إصلاح الضرر البيئي المحدود أو المتوسط. أيضًا بتوقف الدعم، انخفضت رواتب العاملين وانخفض عدد الموظفين وبالتالي الرقابة، كما يقول ثلاثة من باحثي وزارة البيئة.
وفقًا للباحثين نفسهم، يصل عدد زيارات الغوص بمحمية رأس محمد نحو 200 ألف سائح سنويًا، فيما تحدد النسب العالمية أن أماكن الغوص تتحمل من سبعة آلاف إلى 15 ألف زيارة سنويًا.

وفقًا لوائل وزملائه بوزارة البيئة، أوقفت إدارة محميات جنوب سيناء الغوص التدريبي لغير المحترفين عام 2019 بسبب ضرره البالغ على الشعاب المرجانية والبيئة البحرية، لكنهم فوجئوا بضرر آخر، إذ خسر مئات الأشخاص وظائفهم، وأغلقت عشرات من مراكز الغوص، لذلك سريعًا ما تراجعت إدارة المحمية عن القرار لدرء الخسائر. «دلوقتي الوزارة بتعمل موازنات علشان في جوانب اجتماعية لازم تراعيها قبل ما تاخد القرار» يقول وائل.
رغم مراعاة الحكومة للجوانب الاجتماعية إلا أن السكان الأصليين من البدو المحيطين بالمنطقة لا تشملهم تلك المراعاة، فخلال هذه السنوات، عزلت المدينة سكانها من البدو خارجها، وفصلت بينها وبينهم في منطقة الرويسات التي يقطنوها بجدار.
القوة المركزية المهيمنة على حياة البدو هي الأرض، وبناء على معرفتهم الدقيقة بالنباتات والحيوانات وأنماط الطقس الموسمية والتوازن الدقيق لمواردها، بنوا نمط حياتهم على استخدام وصيانة هذه الأرض.
هذه المجتمعات البدوية التي أنشئت كل أنشطتها الاقتصادية على وجود الأرض الشاسعة، تم دفع تجمعاتهم بعيدًا عن الساحل من خلال ترسيم حدود هذه المساحات للسياحة. وبسبب تحديد نحو 98% من أراضي سيناء كمحميات طبيعية من قِبل الاحتلال الإسرائيلي من قبل، لم يستطع البدو بناء منازل أسمنتية، واستمروا في المعيشة في أكواخ بدائية. وبعد عودة السيادة المصرية على أراضيهم، لم يستطع البدو التفاوض مع الحكومة حول قيمة أراضيهم التي خصصتها الحكومة للسياحة، فباعوها للحكومة أو المستثمرين بأسعار بخسة بين 35 و50 جنيهًا فقط للمتر الواحد، واستعانوا بتلك الأموال لشراء أراضي جديدة من الحكومة بشكل رسمي، وفقًا لبحث وولش.
ورغم أن البدو هم السكان الأصليين للمدينة، أصبح الوصول للبحر والاستمتاع به ميزة لأي زائر سواهم. فوفقًا لسمير، أحد الباحثين بوزارة البيئة، لا يوجد حاليًا أي شواطئ عامة في شرم الشيخ، مضيفًا: «كل الشواطئ إما تابعة لفنادق أو مؤجرة من مجلس المدينة للقطاع الخاص، وسعر تذكرتها بيوصل لـ100 جنيه للفرد».
هذا التخطيط ضيّق المساحات التي تعيش فيها القبائل، مما تسبب في تغير الأنشطة الاقتصادية التي يقوم عليها نمط حياتهم. ومع بدء المشاريع السياحية على ساحل جنوب سيناء، اضطر البدو إلى الوقوف على هوامش هذه المساحات السياحية الجديدة، دون أن يتم دمجهم بها، بإستثناء تنظيمهم الحفلات البدوية، والعمل كسائقين، يعودون كل يوم من عملهم إلى مدينة الرويسات عابرين بوابات الجدار.
كان الجدار فكرة قديمة طرحت خلال عهد مبارك عام 2005، ومجددًا في 2009، لمنع تسلل بدو سيناء إلى المدينة والحد من العمليات الإرهابية، لكنه قوبل باعتراضات حينها وتم تعليقه، قبل أن تعيد الحكومة الحالية بعثه في 2019، وبينما وصفه محافظ جنوب سيناء، خالد فودة: بـ«حماية السائحين والمواطنين»، وصفه رئيس المدينة، محمود السولية، من جانبه، بأنه «سور شبكي جمالي لمنع عبور الأغنام والماعز، ولصد الأوراق والبلاستيك المتطاير في اتجاه البحر».
ولكن، بخلاف أن عزل المدينة بسور أسمنتي يترك إنطباعًا سيئًا عند السائحين كما قال بعضهم لـ«مدى مصر»، فإن ما غفل عنه القائمون على بناء السور هو طبيعة جنوب سيناء نفسها، بحسب وائل، حيث شملت عملية البناء خطأ هندسي تجاهل ضرورة وجود مخرات للسيول التي تهطل على الجبال، ثم تتجه إلى المدينة في سرعة، وبعد بناء السور، هبطت السيول على المدينة في فبراير 2021، وعندما احتجزها السور تجمعت خلفه المياه، ودمر ضغطها السور، وتحولت إلى سيول تُغرق البشر والممتلكات في طريقها إلى البحر.
وحتى بعد إصلاح السور في المرة الأولى، تجاهل المقاولون مخرات السيول للمرة الثانية. «قالوا وقتها السيول دي مرة وبتعدي»، يتذكر سمير، أحد العاملين بوزارة البيئة. وفي نفس العام، هطلت السيول مرة أخرى، ليتكرر نفس الخطأ مطلع العام الجاري. ومع التطوير الذي شمل المدينة استعدادًا لاستضافة مؤتمر المناخ، تم إعادة بناء السور للمرة الثالثة، بنفس الخطأ الهندسي، وفقًا لسمير.


الأخطاء الإنشائية والبيئية لم تتوقف عند ذلك الحد، فقد تبنت حكومتا مصر والسعودية عام 2016 مشروعًا يصل بين شرم الشيخ والجانب السعودي عن طريق جسر يُطلق عليه جسر الملك سلمان، ليكون منفذًا للمشروعات المشتركة مثل «نيوم»، ومعبرُا للحج. وهو المشروع الذي واجه انتقادات هائلة لتأثيره المدمر على البيئة البحرية، فضلًا عن صعوبة تنفيذه هندسيًا، كما قال باحثون وزارة البيئة لـ«مدى مصر».
حتى الآن، لم يبدأ إنشاء الجسر لأسباب غير معلنة، لكن في الوقت نفسه بدأت الحكومة في تنفيذ مشروع آخر له آثار مدمرة على البيئة البحرية، حيث يجري العمل على قدم وساق لفتح منفذ جديد للبحر، يطل على أحد الطرق الرئيسية بالمدينة في منطقة «شاركس باي» بالقرب من القاعات التي ستستضيف المؤتمر، ويهدف ذلك الحفر الذي يمتد لكيلومترات داخل الشاطئ لبناء مرسى يخوت جديد ضمن خطة الدولة لتنشيط سياحة اليخوت.
لتنفيذ المرسى الجديد، تعمل عشرات البلدوزرات والكراكات ليل نهار لحفر الهضبة المقابلة للبحر، فيما يعيش أصحاب الفنادق المطلة على البحر والموجود معظمها منذ الثمانينيات، في انتظار «قرار المنفعة العامة اللي هيقولنا هنشيل بيه الفندق»، كما قال لنا مدير أحد هذه الفنادق.

«بناء المرسى على منطقة شعاب مرجانية، هو تدمير فج للبيئة وغير قابل للإصلاح»، حسبما قال كيفن، ويأتي ذلك في الوقت الذي تواجه فيه أنشطة السياحة بالمدينة انتقادات حادة بسبب تلويثها للبيئة.
لا نعرف ما هي القيود البيئية التي خضع لها مشروع المرسى الجديد، لكن وفقًا لباحث بالوزارة، لا تخضع المشاريع القومية لقوانين البيئة. يضيف الباحث الذي فضل عدم ذكر اسمه: «المشاريع القومية دي مفيهاش بيئة، ومش بنتبلغ بيها، بنصحى نلاقيها بتتعمل ومحدش يقدر يعترض».
ـــــــــــ
- أسماء مستعارة
تقارير ذات صلة
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟
تدهور جودة الأراضي وارتفاع نسبة ملوحتها أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو
حكاية بحيرة.. المنزلة التي ضاقت بالرزق والحياة
تطوير «المنزلة» بالمليارات وشكاوى الصيادين مستمرة
أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا
الحلول المستدامة التي تخص الموضة حاليًا ليست هي ما نحتاجه
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن