تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟

كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟

كتابة: ياسمين شبانة 9 دقيقة قراءة
المصدر: «مدى»

كُتب هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية». الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير».    

قبل نحو عشر سنوات، كانت أشجار الجوافة تُمثل المحصول الرئيسي للأفدنة الخمسة التي يمتلكها ربيع الهادي*، المزارع الخمسيني بمنطقة «حوض الرمال» بمركز إدكو بمحافظة البحيرة. لكن مع مرور الوقت، أدى تراكم الأملاح الناتج عن اختلاط مياه الري بمياه الصرف غير المُعالجَة إلى انتشار الأمراض في جذور الأشجار، مما تسبب في ضعفها وموتها تدريجيًا، وانتهى الأمر بخسارة الهادي  لمحصوله بالكامل.

لم تكن خسائر الهادي استثناءً، إذ يُشير إلى أن التلوث الناتج عن الأنشطة الصناعية، خاصة في المناطق القريبة من منشآت بترولية، ساهم في تدهور جودة الأراضي في المنطقة وارتفاع نسبة ملوحتها، ما أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو لعقود. بحسب الهادي، فإن عددًا من شركات البترول المحيطة يتخلص من مخلفاتها الصناعية في المصارف التي تُستخدم لري الأراضي الزراعية، مما أدى إلى تلوث شديد للتربة. يوضح الهادي أن هذه المخلفات المحمّلة بمواد كيميائية ضارة تصل مباشرة إلى الحقول عبر مياه المصارف، التي تعتمد عليها مناطق عديدة في دلتا النيل للري. 

ما وصفه الهادي من تدهور للأراضي الزراعية يُعرف بظاهرة تملّح التربة، والتي تحدث نتيجة تراكم الأملاح في الأرض إلى مستويات تؤثر سلبًا في نمو النباتات وخصوبة التربة وقدرتها على الإنتاج، وتتسبب فيها أنظمة الري والصرف، وارتفاع درجات الحرارة الذي يؤدي إلى التبخر السريع، وارتفاع مستوى مياه البحر وتسربها للتربة، بالإضافة إلى إجهاد التربة بشكل عام بممارسات زراعية غير مستدامة. 

ويُعد تملّح التربة من أبرز مظاهر تدهور الأراضي الزراعية، وفقًا لتعريف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة«FAO». في بحثها «التغلب على المشكلة أم احتواؤها؟ الزراعة المحلية في دلتا النيل»، تُشير الباحثة المتخصصة في الإدارة البيئية، سنا شريف، إلى أن الملح يلتهم نحو 30 إلى 40% من مساحة التربة في دلتا النيل، ما يُصنفها كتربة متضررة بفعل تراكم الأملاح. وبحسب دراسة أخرى حديثة، تُعد محافظتا الإسكندرية والبحيرة من أكثر المناطق تأثرًا بظاهرة التصحر في مصر، إذ تُظهر النتائج أن غالبية أراضي الإسكندرية غير صالحة للزراعة، نتيجة قربها من البحر الأبيض المتوسط، كما ترتكز أعلى درجات تدهور الأراضي الزراعية في محافظة البحيرة. 

من جهتهم، يحاول بعض المزارعين إيجاد حلول لمشكلة تملح التربة، وبينهم رضا أحمد، المزارع في قرية محلة بشر بمركز شبراخيت البحيرة، الذي لاحظ تدهورًا واضحًا في محصول الأرز خلال الموسم الماضي، نتيجة تراكم الأملاح في التربة، لذلك، بخبرته الشخصية، لجأ هذا العام إلى استخدام مضخة مياه «طرمبة» لسحب المياه المالحة المحتبسة في التربة، حيث تعمل المضخة على شفط هذه المياه ونقلها بعيدًا عن الجذور، ما ساهم في تنظيف الأرض، بحسب تعبيره.

تتراوح تكلفة تركيب «الطرمبة» بحسب أحمد، بين 70 و80 ألف جنيه على مساحة 12 قيراطًا المتأثرة بالملوحة، من إجمالي 40 قيراطًا يزرعها. يُعتبر رضا هذه التكلفة الإضافية استثمارًا ضروريًا، «لمّا أدفع 70 أو 80 ألف جنيه أحسن من إني أخسر الأرض كلها. لو الأرض مشيت فيها الملوحة، سعر القيراط بيقل أكتر من النص، فأنا بحيي أرضي تاني».

 كان أحمد أوفر حظًا من كثير من مزارعي قريته، ممن لم يسعفهم الوقت أو الإمكانيات لمواجهة تملّح التربة، فتلفت محاصيلهم قبل أن يجدوا حلًا.

تُعتبر طريقة شفط المياه المالحة باستخدام المضخات فعالة فقط عندما تكون المياه المالحة قريبة من سطح التربة، إذ يؤكد تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة «FAO» أن ارتفاع منسوب المياه الجوفية يؤدي بدوره إلى صعود الأملاح وتراكمها على سطح التربة، مما يقلل من فاعلية هذه التقنية، لذلك يُعد الحفاظ على مستوى منخفض للمياه الجوفية من خلال أنظمة صرف جيدة أمرًا ضروريًا لمنع تكرار تملّح التربة.

أما الهادي ، فبعد اختفاء أشجار الجوافة من إدكو، اتجه إلى زراعة المانجو التي تُعد أكثر تحملًا للملوحة مقارنة بالجوافة. وقد أفادت دراسة أن بعض أصناف المانجو أظهرت بالفعل قدرة أفضل على تحمّل ملوحة التربة مقارنة بأنواع أخرى من المحاصيل، ما يجعلها خيارًا مناسبًا للزراعة في الأراضي المتأثرة بالملوحة. لكن الهادي أصبح أكثر حرصًا في متابعة الأرض، ومراقبتها بشكل دوري، ويستخدم عند الحاجة معالجات مُصرّحًا بها لتحسين التربة وحمايتها من تأثير الملوحة، مثل المُحسنات التي تقلل تركيز الأملاح. رغم ارتفاع أسعارها، الذي يمثل عبئًا ماليًا إضافيًا عليه، ليس أمام الهادي حلول أخرى.

يشرح الهادي تجربته مع زراعة شجر المانجو خلال السنوات الماضية، موضحًا أن شجرة واحدة كانت تُدّر عليه حوالي عشرة آلاف جنيه، قبل حوالي 12 عامًا، بينما في الوقت الحالي، أصبحت الأرباح تتراوح بين 1000 إلى 2000 جنيه فقط من الشجرة الواحدة. يُرجع الهادي  ذلك إلى الزيادة الكبيرة في تكلفة المبيدات التي يستخدمها لحماية أشجاره. «النهاردة أقل مًلوة دواء بتعمل من ألف ونص إلى ألفين جنيه حسب نوع المبيد المستخدم، زائد أدوية التربة ومعالجة الملوحة ومعالجة العفن، كل الحاجات دي بقت بتضغط علينا بشكل كبير». يضيف الهادي أن تكلفة المبيدات وحدها لخمسة أفدنة قد تصل إلى نحو 250 ألف جنيه خلال الموسم الواحد، دون احتساب مصاريف أخرى مثل الوقود والزيوت والآلات.

الهادي لم يتوقع أن تُمطر السماء في فصل الصيف، إلا أن العاصفة التي ضربت البلاد في بداية يوليو الماضي، بأمطارها الغزيرة ورياحها الشديدة، لم تُمهل ثمار المانجو الوقت الكافي على الأشجار لتنضج، فتساقطت الحبات الواحدة تلو الأخرى، ليخسر الهادي نحو ثلث محصوله، في وقت لم تتحمّل فيه أرضه مزيدًا من الخسائر.

يشكو العديد من المزارعين في دلتا النيل، من الحاجة إلى زيادة استخدام المبيدات الحشرية بسبب التملّح، ومحدودية خيارات المحاصيل، وصعوبة تسويق منتجاتهم الزراعية، بالإضافة إلى انخفاض قيمة أراضيهم. وفي بحثها، تُشير شريف، إلى أن الفئة الأكثر تضررًا من ظاهرة تملح التربة هم صغار المزارعين في الدلتا، حيث يعاني أكثر من ثلاثة ملايين مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة، وهي الأكثر انتشارًا في دلتا مصر وواديها، انخفاضًا ملحوظًا في إنتاجية المحاصيل.

فيما يخص الدولة، يلفت رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق، رأفت خضر، إلى أنها تبنّت عددًا من التجارب للتعامل مع تملح التربة، من بينها التوسع في استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة لأغراض الري. من ضمن المشروعات التي تحدث عنها خضر مشروع محطة الحمّام لمعالجة مياه الصرف الزراعي، الذي أُطلق العمل به في فبراير 2021، بإنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الزراعي بمنطقة الحمام بالساحل الشمالي، حيث يتم تجميع ونقل مياه المصارف الزراعية بمنطقة شمال الدلتا إلى محطة المعالجة بالحمام عن  طريق شق مسار بطول 120 كم. 

لكن، لا تستهلك هذه المياه لري أراضي أحمد والهادي. بحسب خضر، تُستخدم المياه المُعالجة بشكل أساسي في ري أراضي الاستصلاح الجديدة، ضمن خطة التوسع الزراعي التي تهدف إلى زيادة الرقعة الزراعية وتطوير نظم الزراعة.

لكن العديد من التحديات تواجه استخدام مياه الصرف المُعالجة في مصر، من بينها، أن إعادة استخدامها بشكل مباشر تقتصر غالبًا على زراعة أشجار محددة ومحاصيل غير صالحة للغذاء مثل الأشجار الخشبية، كالجوجوبا، نبات الكتان، ونباتات الزينة، وذلك على مساحات من الأراضي الواسعة تُخصص عادة بالقرب من محطات المعالجة.

يتحدث خضر كذلك عن تطوير ما يُعرف بالزراعة الملحية، وهي تقنية تهدف إلى زراعة أصناف نباتية قادرة على النمو في بيئات مرتفعة الملوحة، مثل بعض الأشجار الخشبية كالجوجوبا، بالإضافة إلى محصولي الشعير والقمح، وقد جرى تنفيذ هذه التجربة في مساحات محدودة، ثم توسعت تدريجيًا لتشمل ما يقرب من 50 ألف فدان في مناطق مثل سهل الطينة، بحسب خضر.

تمثل دلتا نهر النيل مركز النشاط الزراعي في مصر، إذ تُشكل نحو 47% من إجمالي الأراضي المزروعة في البلاد، مما يجعلها مساهمًا رئيسيًا في الإنتاج الغذائي الوطني، وتعتمد الزراعة في هذه المنطقة اعتمادًا كاملًا على نهر النيل.

قبل بناء السد العالي، كانت الفيضانات السنوية تغمر أراضي الدلتا، مُخلفة طبقة خصبة من الطمي مع مياه الري الطبيعية، وكانت الزراعة تقتصر على موسم واحد فقط بسبب اعتمادها على الفيضانات الطبيعية. ومع إنشاء السد، أصبح بالإمكان التحكم الكامل في تدفق مياه النيل على مدار العام، مما مكّن من التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة على مدار العام. وقد أتاح هذا التغيير للمزارعين زراعة موسمين أو حتى ثلاثة سنويًا. هذا التحول أسهم في رفع إنتاجية الأراضي وتنوع المحاصيل، وجعل دلتا النيل المنطقة الزراعية الأكثر إنتاجًا في مصر. 

غير أن دلتا النيل تواجه حاليًا سلسلة تحديات خطيرة؛ فارتفاع مستوى سطح البحر الذي يهدد المناطق الساحلية بالتآكل على المدى الطويل يشكل تهديدًا مباشرًا للأراضي الزراعية، إذ تُحذر دراسات من أن استمرار ارتفاعه قد يؤدي إلى غمر آلاف الكيلومترات من الأراضي الخصبة. لكن التحدي الأكبر إلحاحًا يتمثل في تملّح التربة الناتج أساسًا عن سوء إدارة مياه الري والصرف. هذه العوامل مجتمعة تضع خصوبة التربة تحت ضغط متزايد، مما يُهدد إنتاجية الأراضي الزراعية الحيوية. 

يرتبط التملح مباشرة بظاهرة التصحر، الذي تُعرفه الأمم المتحدة بأنه تدهور الأراضي الزراعية في المناطق الجافة وشبه الجافة، نتيجة عوامل متعددة، تشمل التغيرات المناخية والأنشطة البشرية. يؤثر التصحر بشكل متزايد على مناطق حيوية في مصر مثل دلتا النيل، والتي تُشكل مع وادي النيل حوالي  4% من مساحة البلاد، لكنها تمثل المركز الزراعي الرئيسي الذي يؤمن الغذاء لملايين المصريين. 

وتشير دراسة، نُشرت عام 2024 حول العلاقة بين تدهور الأراضي الزراعية والتصحر والنمو الاقتصادي، إلى أن دلتا النيل، بوصفها المصدر الزراعي الأساسي في مصر، تواجه تراجعًا في قدرتها على الاستمرار كمصدر حيوي للأمن الغذائي والتنمية الريفية والاستقرار الاقتصادي.

في يوليو 1995، صدّقت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وهي اتفاقية دولية تُهدف إلى التصدي لتدهور الأراضي في المناطق الجافة، ومنذ ذلك الحين، تتولى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي مسؤولية تنفيذ التزامات مصر بموجب الاتفاقية، وبالتنسيق مع مركز بحوث الصحراء، الذي يعمل منسقًا وطنيًا معتمدًا. 

وبحسب تقرير مصر الوطني المُقدم إلى الاتفاقية من قِبل مركز بحوث الصحراء عام 2018، حدد عددًا من المناطق كمراكز رئيسية تعاني من التصحر أو مُهددة به، من بينها: كفر الشيخ، دمياط، رشيد، المنيا، سوهاج، الفيوم، مرسى مطروح، سهل الطينة، واحة الفرافرة، وشمال سيناء.

يشير خضر إلى أن مصر فقدت ما يقرب من مليوني فدان من الأراضي الزراعية في شمال وشرق الدلتا، لا سيما في محافظات من بينها كفر الشيخ والبحيرة والإسكندرية، وأرجع ذلك إلى عوامل متعددة، من أبرزها تملح التربة، والتوسع العمراني، مؤكدًا أن هذه الظواهر تتسبب في خسارة سنوية كبيرة لأجود الأراضي الصالحة للزراعة في مصر.

إسماعيل عبد الجليل، رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق، يوضح أن أسباب التصحر تبدأ بفعل الإنسان، من خلال ممارسات تضر بالتربة وتُضعِف خصوبتها، مثل الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة الضارة، التي تضرّ بالكائنات الحية الدقيقة والتي تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على توازن التربة وخصوبتها، أو استنزاف الموارد الطبيعية. ويُشير إلى أن التربة عندما تفقد خصوبتها تُصبح أكثر ضعفًا، خاصة في حالة ندرة المياه أو الجفاف، حيث يتأثر النظام الحيوي داخلها. ويُضيف، أن هذه العوامل البشرية لا تُضعف التربة فقط، بل تُسرّع أيضًا من تأثيرات التغيرات المناخية عليها، مثل ارتفاع درجات الحرارة، ندرة الأمطار، وانتشار الأمراض المرتبطة بهذه التغيرات، مما يُضاعف وتيرة التصحر ويجعل الأرض غير صالحة للزراعة.

أما خبيرة علوم البيئة وتغيرات المناخ، سوسن العوضي، فتُوضح لـ«مدى مصر»، أن التصحر عملية تدريجية تفقد فيها الأرض قدرتها على الإنتاج الزراعي نتيجة لتدهور التربة، وفقرها، وجفافها، مما يؤدي في النهاية إلى عدم صلاحيتها للزراعة، وتشير إلى أن التصحر لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يمر بعدة مراحل، حتى تصل الأرض إلى حالة يصعب علاجها. 

لذا، يُشدّد عبد الجليل على أن الرصد المبكر لتغيرات حالة التربة والمياه يمكن أن يقلّل من آثار تدهور الأراضي بنسبة لا تقل عن 30%، غير أن غياب القياسات الدورية المنتظمة يُعد من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في مصر. يشير عبد الجليل إلى أن مراكز البحوث الزراعية من المفترض أن تتابع بشكل منتظم مؤشرات حيوية مثل خصوبة التربة ومستوى المياه الجوفية، لما لها من تأثير مباشر على الإنتاجية.

* أسماء مستعارة

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن