تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا

أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا

كتابة: مي المغربي 8 دقيقة قراءة

طوال الوقت، يظهر لي إعلانات عن الموضة المستدامة/ sustainable fashion وإعادة تدوير الملابس. نعم، أنا المستهلك المستهدف، أنا وكل GEN-Z.

بدأت الموضة المستدامة بسبب المظالم التي تملأ عالم الأزياء، بداية من الأجور غير العادلة وبيئة العمل غير الآمنة للعمال، وحتى التخلص من هوالك الملابس بالدفن أو الحرق بطرق تضر البيئة وترفع من مستويات انبعاث الكربون.

ما يظهر لي على إنستجرام هي توصيات وأوامر: إذا كنا نريد المحافظة على البيئة، علينا أن نرتدي ملابس مصنوعة فقط -ودون أي إضافات- من الكتان أو الصوف أو القطن، أو ما يسمى بالموضة البطيئة، والتي تتطلب وعيًا بأكثر أساليب التصميم والإنتاج والاستهلاك استدامة، وبالتالي أكثر حماية للبيئة.

كنت كلما حاولت شراء هذا الصوف أو القطن أو الكتان الخالص، وجدت الأسعار جنونية وأدرك أنني أحتاج لأعوام من العمل وحرق الكثير من البنزين وإصدار انبعاثات كربونية أكثر، حتى يصبح دولابي مستدام بالكامل. لحل هذه المشكلة، ظهر على إنستجرام وتيك توك جانب آخر من الاستدامة في الموضة، وهو شراء الملابس المستعملة -نعم مثل التي في الوكالة- أو المعاد تدويرها من ملابس مقطعة أو مبقعة أو من قصاقيص القماش، حتى نحد من نفايات الأزياء التي تسبب حوالي 10% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم. 

تشغلني أسئلة حول احتياجنا للأزياء المستدامة كي تنقذنا. هل نحن مثل أوروبا وأمريكا؟ وأقصد بـ«نحن» الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة، فنحن نحلب الشيء قبل رميه، بل نورثه للأبناء. لا نرمي جهاز إلا بعد تصليحه آلاف المرات ولا نصلحه حتى في التوكيل، بل نزور أي مركز صيانة ليضع قطعًا من جهاز آخر صادف أنه تلف، ولكن القطعة التي يحتاجها جهازي ما زالت سلمية فيه. الأثاث يتم تنجيده عشرات المرات قبل التخلي عنه. أما بالنسبة للملابس، فإنها تأخذ دورتها كاملة منذ كانت «هدوم العيد» حتى تصبح خيشة للحمام والمطبخ.

المقارنة بين مصر وأوروبا من حيث الاستهلاك خصوصًا للملابس والأثاث غير منصفة.  أوروبا وأمريكا يعانيان من مظالم الأزياء أكثر، ليس فقط بسبب أن كل ما هو مخدوش وقديم وليس على الموضة يتم التخلص منه، وإنما بسبب استثمارهما المهول في تطوير أدوات تضر بالبيئة لزيادة الإنتاج، واستثمارهما في خلق أنماط استهلاكية جديدة تطلب هذا الإنتاج. أتوصل لإجابة أن مشكلتنا في مصر ليست في كرهنا للقطن والكتان لأنه يذكرنا بالجدات أو أننا نرمي ملابسنا بعد أول لبسة، فيما الحلول المستدامة التي تخص الموضة ليست هي ما نحتاجه.

رغم ذلك، لا أزال المشاهد والمستهلك المستهدف، فتظهر لي إعلانات فعاليات لبيع الملابس المستعملة لأنها وحدها فقط هي المستدامة. وحدها فقط قادرة على غسل عار الاحتباس الحراري الملتصق بتيشيرتاتنا الرخيصة. وأيضًا للحصول على قطع ملابس تضمن لنا المزيد من الروشنة.

آخر فعالية للروشنة والاستدامة زرتها كانت في منطقة وسط البلد بالقاهرة واسمها «FROM WASTE TO GOOD TASTE»، وكانت بالشراكة مع بنك الكساء المصري. قُسم هذا الحدث الكبير إلى جزئين، جزء لبيع الملابس المستعملة، يحده ورش لتعليم صناعة شنط ومحافظ من أكياس البلاستيك باستخدام المكواة، وورشة أخرى لتعلم الأوريجامي لصنع فازة وماسكات من الكرتون، وورش أخرى لتعلم الخياطة لغير المبتدئين.

caption

أما الجزء الأكبر الذي اتخذ شكلًا فنيًا فكان في «الهانجر» بعنوان «معرض العيشة المستدامة» وكانت منسقته/ قيمته/ الـCURATOR، ملك حلمي، تتحدث عن مفهوم العمل بأنها صنعت شقة كاملة مقسمة لمطبخ وحمام ورسيبشن وغرفة للمعيشة وغرفة مكتب وأخرى سفرة من مواد مستدامة أو عبر إعادة تدوير للخشب لصنع مائدة طعام كبيرة مثلاً -من إنتاج والدها المهندس عمرو حلمي- وضعت في منتصف المعرض مصنوعة بالكامل من هوالك الخشب والمقابض من المواسير- حتى تؤكد على أن المواد المستدامة يمكن أن تكون شيك، وبجودة عالية وليست رديئة، بغض النظر عن السعر.

في معرض العيشة المستدامة، عُلقت أعمال فنية من مواد أُعيد تدويرها من قصاقيص الجينز و/أوالسيلكون، وأيضًا أعمال فنية من الـfound materials. وحرص المعرض على نثر الكثير من النباتات حول كل جزء من الشقة/المعرض.

لم أهتم بالمعرض الذي وجدته يختزل الفن والاستدامة في قطع الجينز، بل ويختزله أكثر في كلمة «الكوريتور» ملك حلمي «إحنا هنخليكو غصب عنكو تعيشوا حياة SUSTAINABLE أكتر». دخلت الجزء الثاني من هذه الفعالية المخصصة لبيع الملابس من أجل الاستدامة، الذي كان يشبه الوكالة لكن -بألوان ورائحة أفضل- لأن كل الملابس كانت مستعملة، ومعظمها كان على وشك التهلهل وبأسعار غالية وغير منطقية على قطعة مستعملة مصنوعة من البوليستر. 

الاستدامة تكون ضد الاستهلاك وخصوصًا الاستهلاك السريع. ومع ذلك كان الجزء المخصص لبيع الملابس هو تعريف للاستهلاك، ولكن استهلاك مغطى بكلمة «استدامة» و«أخضر»، و«حفاظ على البيئة». وكان الشراء، رغم ارتفاع الأسعار، مجنونًا، لأنهم استهدفوا طبقة معينة وسن معين تمت برمجته أساسًا على الاستهلاك.

كل ما خرجت به من هذا اليوم أن هذا الحدث يخبرنا أن الاستدامة في مصر ليست للجميع إنما لطبقة اجتماعية وجندر وفئة عمرية معينة. بداية من اختيار الدخول لهذه الفعالية أصلًا عبر التسجيل عبر منصة الإيفينت، بوضع معلومات عنك، ثم تنتظر قبولك وإعطائك QR CODE لتتمكن من دخول جنة الاستدامة المصرية.

أيضاً الملابس الكثيرة التي كانت معروضة معظمها ملابس وأحذية نسائية. وبالتأكيد الـgen z يبحث دائما عن الحاجة اللُقطة وغير الضارة بالبيئة والرخيصة، لكن «from waste to good taste» استهدف طبقة وجندر معين من هذا الـgen z وخصوصًا النساء اللاتي  يريدن تجربة شوبينج جديدة ومختلفة وتشبه الوكالة ولكن بشكل «أنضف».

caption

اهتم «from waste to good taste» بالاستدامة من حيث الشكل فقط واختزل الموضة المستدامة في الملابس المستعملة. حتى الـTALKS التي عقدت فيه كانت تشجع فقط على شراء/استهلاك المزيد والمزيد من القطع المستدامة سواء ملابس أو فن أو أثاث، من أجل البيئة، دون شفافية لكيف صنعت قطع الملابس المستدامة أصلًا، ودون نقاش حول أجور العمال، أو نشر إحصائيات أو بحث أو مناقشة متماسكة للضرر الذي تسببه هوالك الأزياء في مصر.

إذًا، ما الذي نعرفه عن الاستدامة في مصر؟

نعرف أنه لا يوجد تعريف واضح ومشترك لكلمة الاستدامة. يتم الترويج لفكرة الاستدامة بشكل متفاوت وعلى حسب كل مصنع ونظرته الضيقة لمعنى «الاستدامة». وهذا ليس في مصر فقط إنما في العالم كله. يكفي أن يستخدم المصنع كلمة «خضر/منتج أخضر» ليغطي على باقي المحاور التي تحدد الاستدامة ومنها العمالة وكيفية التعامل مع النفايات والهوالك. 

الاستدامة دورة كاملة، والعمالة هي بداية هذه الدورة. أجورهم، وعدد ساعات العمل، التأمينات والإجازات التي يحصلوا عليها، والعدالة الاجتماعية في بيئة العمل الآمنة، هي ما تبدأ به الاستدامة. ومع ذلك، لا نجد أي شفافية من مصانع الموضة «الخضراء» حول هذه النقطة. ولا يلتفت المنادون بالتوجه ناحية الموضة المستدامة أو الموضة البطيئة إلى حياة العمال ومشاكلهم. بل يهمش هذا الجزء حتى لا نوجع دماغنا لأننا جايين نجيب حاجات روشة ونتصور.

كيف إذًا سنتحدث عن الروشنة والبيئة الخضراء، وفي نفس الوقت نتحدث عن معالجة النفايات وإدارتها؟ جانب آخر من التهميش يخص إدارة النفايات والانبعاثات.

نعرف كذلك أن إحدى طرق إدارة نفايات الملابس وإعادة تدويرها يتم عبر توجيهها إلى بنك الكساء المصري، وهو منظمة غير ربحية تجمع الملابس من جهات مانحة أو من المصنعين مجانًا، لتصلحها وتجعلها صالحة للاستخدام، لتوزيعها على المجتمعات المهمشة والمحرومة في مصر.

كما نعرف أن عالميًا يعد «التصنيع احتل المركز الثالث بين أكبر القطاعات المسببة للانبعاثات الكربونية»، بحسب موقع «كليمت ووتش داتا». ويعتبر قطاع صناعة الملابس والنسيج ثاني​ أكبر القطاعات الصناعية في مصر بنسبة 27% من الناتج الصناعي، يتركز 25% منها في إنتاج المنسوجات، التي تنقسم إلى 12% بالمنسوجات المنزلية، و8% في غزل القطن، و5% في المنسوجات الأخرى، ويساهم القطاع بـ3% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.

كما تمثل معالجة النفايات وإدارتها رابع أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيث أنتجت في عام 2016 نحو 8.6% من إجمالي الانبعاثات. وتنتج الغازات المسببة للاحتباس الحراري من النفايات عند دفنها والتخلص منها بدلًا من إعادة تدويرها.

في2017، أصدرت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة قرارًا يتضمن آليات محددة لتفضيل المشروعات التى تضع فى اعتبارها تدوير المخلفات.

«ونص القرار أنه فى إطار حرص الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة على إعطاء أولوية للمشروعات العاملة فى مجال تدوير هوالك وقصاصات الملابس الجاهزة والأقمشة نظرا لما تمثله تلك المشروعات من أهمية قصوى فى التخلص من مشكلة تراكم الهوالك القاصات بالمناطق الحرة، وذلك تجنبًا للعديد من المخاطر، وبما يسمح بالاستغلال الأمثل للأراضي»، حسبما أوضحت قالت سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي وقتها، في حوار أجرته صحيفة «اليوم السابع» معها في 2019.

كما نص القرار أنه يمنع منعًا باتًا استيراد هوالك أو قصاصات أو ملابس مستعملة من الخارج.

وبحسب نصر، «هناك الكثير من المخلفات المتنوعة فى المناطق الحرة العامة وعددها تسع مناطق»، وعليه وضعت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة عددًا من الضوابط للتخلص من هوالك وبقايا الملابس في المناطق الحرة بما يساهم في الارتقاء بالبيئة وفق توجيهاتها.

ومع ذلك، جزء كبير من المصانع و«البراندز» الخضراء ومعهم الكيانات المسؤولة عن ملف النفايات والهوالك وكل ما هو أخضر، يتمسكون بالغموض في ما يخص «الداتا» وكيفية إداراتها للنفايات من حيث التقنية والعمال. خصوصًا وأن أحد التحديات التي تواجهها الشركات الخضراء هو إدارة النفايات، بسبب غياب البنية التحتية والمشاكل الهيكلية لجمع النفايات في مصر.

هناك بعد آخر حول الاستدامة، وهو تثقيف المستهلك، وكيفية تغير سرد الاستهلاك لينتج عنه مستهلك بطيء ومستهلك يطلب ملابس مصنوعة من الصوف والكتان والقطن ويرفض الـfast fashion. لا أحد يتكلم عن الاستدامة على السوشيال ميديا والفعاليات إلا إذا كان يريدنا أن نشتري منه، أو ليحسنا على المزيد والمزيد من الاستهلاك دون أسئلة، ودون وعي، خصوصًا في الجزء المتعلق بأخلاقيات العمل، وأجور العمال وعدد ساعات العمل الإنسانية، وبيئة العمل وإدارة النفايات.

عن الكاتب

مي المغربي

كاتبة وصحافية من مصر. تخرّجت في كلية الآداب من جامعة الإسكندرية - قسم علم نفس عام 2019، وتفرّغت للكتابة بعد عملها لعامين كأخصائية نفسية. كتبت عددًا من المقالات والنصوص والحوارات…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن