لأكثر من 40 عامًا، عمل محمد عكاشة صيادًا في بحيرة المنزلة. كانت سبيل عيشه الوحيد، أطعم أسرته وعلّم أبنائه وزوّجهم من رزقها. لكنه أيضًا شهد تحوّلات غيّرت معالم «البحر»، كما يسميها الصيادون هناك. استحواذات قلّصت المساحات التي يعرفها، تلوث قضى على نقاء مياهها، وسنوات انقطع فيها رزقه تمامًا.
ثم جاء مشروع حكومي ضخم لتطوير البحيرة، محملًا بوعود استعادة مياهها للحياة، وإنعاش أرزاق الصيادين. وبعد عامين من انتهائه، لا يرى عكاشة أثرًا للإنقاذ المفترض، وكأن البحيرة ابتلعت مليارات التطوير كما ابتلعت رزقه من قبل.

بحيرة المنزلة إحدى أهم وأغنى البحيرات الطبيعية في شمالي مصر. نشأت بفعل زلزال في القرن السادس الميلادي، وتغير أسمها من بحيرة «تنيس» في العصور القديمة إلى «المنزلة»، نسبة إلى مدينة صغيرة شمال شرق الدلتا، ما زالت تطل عليها البحيرة، بعدما انحسرت ضفاف البحيرة التي كانت تطل على خمس محافظات قديمًا إلى ثلاث محافظات فقط حاليًا هي: الدقهلية وبورسعيد ودمياط.
في أزمنة سابقة، كانت البحيرة تمتد لأكثر من 400 ألف فدان، عمل فيهم نحو أربعة آلاف صياد، أي ما يعادل نحو 67% من العاملين في بحيرات ونيل مصر خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر. وبفضل غزارة إنتاجها كانت صادرتها تصل لدول مختلفة على رأسها تركيا وسوريا واليونان، وفقًا لكتاب «على ضفاف بحيرات مصر».
خلال هذا الوقت، منتصف القرن الـ19، خصصت الحكومة مساحات بالبحيرة لبعض الشركات والعائلات مقابل رسوم مالية، لتتحول هذه المساحات إلى ملكية خاصة لا يُسمح بالصيد فيها سوى لأصحابها. واستمرت هذه المنظومة لفترة نحو قرن كامل، وتبدلت أشكالها التنظيمية مع الوقت، إلا أن النفوذ بقى في يد عدد محدود من العائلات الغنية.
مع ستينيات القرن الماضي، بدأت تنتشر المزارع السمكية كطريقة جديدة لاستغلال البحيرة، بنظام إنتاجي مكثف عبر تربية الأسماك في أحواض يُتحكم في بيئتها. شجعت الدولة هذا الاتجاه لمضاعفة الإنتاج السمكي مع تزايد الاستهلاك، واستثمرت في القطاع بتأسيس مفارخ للزريعة (أماكن تربية صغار الأسماك) عام 1961، وسمحت بالاستحواذ على أجزاء شاسعة من البحيرة لتحويلها إلى مزارع سمكية، سواء بالإيجار أو بنظام وضع اليد. هذا التحول، وإن ضيّق على صغار الصيادين، لكن البحيرة ظلت تتسع للجميع.
في عام 1983 نظمت الدولة هذه التحولات بشكل رسمي، وأنشأت الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، لتكون الجهة المعنية بوضع سياسات حماية البحيرات وتطويرها، ومنع التعديات والتلوث، وتنظيم الصيد، بالإضافة إلى إجراء الدراسات والمشروعات لتنمية الثروة السمكية. وفي العام نفسه، صدر قانون ينظم تأجير المزارع والمفرخات السمكية من الهيئة.
إلى جانب الهيئة، تتداخل جهات حكومية أخرى في الإشراف على البحيرة، مثل وزارتي الري والبيئة التي تتولى إدارة الموارد المائية وحمايتها بيئيًا، فيما تتولى شرطة المسطحات المائية التابعة لـ«الداخلية» مسؤولية تأمين البحيرة من التلوث والتعديات والصيد غير القانوني.
مع التوسع العمراني خلال القرن الحالي، تدهور الوضع البيئي للبحيرة، وارتفعت نسب التلوث، وتضرر التنوع البيولوجي، كما زادت الاستحواذات القانونية وغير القانونية على البحيرة؛ سواء لإنشاء مزارع سمكية، أو للسيطرة على بعض مناطق الصيد، أو ردم أجزاء منها للبناء، أو لاستخدامها في أنشطة غير قانونية.
تدريجيًا تحولت أجزاء كبيرة من البحيرة إلى «بؤر إجرامية»، ومع اندلاع ثورة يناير 2011 خرجت الأمور عن السيطرة وسط الانفلات الأمني، وتزايدت معدلات قتل الصيادين داخل البحيرة، حسبما يروي لـ«مدى مصر» صيادون عملوا بالبحيرة لأكثر من خمسة عقود.
بعد الثورة، توسعت عمليات الاستيلاء المسلح على البحيرة وجزرها، وطٌرد الصيادون ودمرت مراكبهم وسرقت شباكهم، بل وقتل من يخالف أوامر الابتعاد عن المناطق المُنتزعة التي تحولت لمخازن للإتجار في المخدرات والأسلحة والزريعة (صغار الأسماك)، ما ضاعف خطورة العمل بها.
انعكس ذلك على الإنتاج السمكي بالبحيرة الذي انخفض إلى 42 ألف طن عام 2016، في مقابل 62 ألف طن عام 2012، وفقًا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

ومع أهمية البحيرات كُمنتج أساسي للأسماك التي تعد بروتين حيواني منخفض التكلفة نسبيًا، رأت الدولة ضرورة التدخل بعد عقود من الإهمال، وأطلقت عام 2016 خطة طموحة لتطوير بحيرات مصر وعلى رأسها «المنزلة». ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي حينها بتطهير البحيرة واستعادة مساحتها الأصلية، وهو ما أكده لاحقًا في أحد مؤتمرات الرئاسة عام 2019، معلنًا عزمه: «هرجع بحيرات مصر زي ما كانت». وفي العام نفسه، صدر قرار يُخضع مخالفات البحيرات للقضاء العسكري، للتصدي لانتشار الأسلحة والانفلات الأمني.
انطلقت أعمال تطوير البحيرة الأكبر في شمالي مصر فعليًا عام 2017، بقيادة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، التي شرعت في إزالة التعديات والمزارع السمكية غير المرخصة، والمباني والعشش المنتشرة داخل وخارج البحيرة، مستهدفة إعادة توسيع البحيرة لتصل إلى 250 ألف فدان. وتزامنت هذه التحركات مع مواجهات ضد من وصفتهم الدولة بـ«البلطجية»، الذين يفرضون سيطرتهم على أجزاء كبيرة من البحيرة.
تضمن التطهير البيئي إزالة النباتات المنتشرة بكثافة بالبحيرة مثل ورد النيل أو «البشنين»، وهو نبات موسمي يستهلك كميات ضخمة من المياه والأكسجين بها، ويسد الممرات المائية الطبيعية داخل البحيرة، بالإضافة لإزالة الغاب والبوص المنتشر في البحيرة.
في عام 2020 بدأت المرحلة الثانية من خطة التطوير، بالتعاون مع شركة «الجرافات البحرية الوطنية الإماراتية»، وشركة «التحدي المصرية الإماراتية» بهدف تعميق وتوسيع البحيرة بميزانية قدرها 163 مليون دولار.

أما المرحلة الثالثة والأكبر، فركزت على مشروعات البنية التحتية، وشملت إنشاء محطة معالجة للمصارف التي تصب في البحيرة، والتي لطالما كانت مصدرًا رئيسيًا للتلوث. كشفت دراسة علمية نُشرت عام 2023، وحللت جودة المياه في بحيرات مصر الشمالية عام 2018، أن «المنزلة» هي البحيرة الأكثر تلوثًا، ما جعل إنتاجها غير آمن للاستهلاك الآدمي بسبب «الكميات الهائلة من النفايات البشرية والحيوانية والصناعية بها».
تعد البحيرة مصبًا لعدد من المصارف الرئيسية، وتستقبل صرف عدة محطات معالجة صرف صحي، من بينها المحطة الرئيسية في بورسعيد. وساهمت فضلات هذه المصارف على مدار سنوات في سد البواغيز (الفتحات) التي تربط البحيرة بالبحر المتوسط وتسمح بمرور أنواع جديدة من الأسماك، وتجدد مياه البحيرة. أكثر هذه المصارف تلويثًَا هو «بحر البقر»، الممتد لأكثر من 190 كيلو مترًا، بداية من جنوب القاهرة، مرورًا بمحافظات القليوبية، والشرقية، والإسماعيلية، والدقهلية، لينتهي بتصريف 16 مليون متر مكعب يوميًا من كل أنواع الصرف المعالج وغير المعالج في بحيرة المنزلة. كان الجزء الأهم في هذه المرحلة هو إنشاء محطة معالجة لهذا المصرف، بقروض بلغت قيمتها 160 مليار جنيه.
ولمنع عودة التعديات تم بناء «حزام آمن» حول البحيرة ضمن المرحلة الأخيرة في التطوير.
وفي عام 2021، صُدرقانون رقم 146 لحماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، والذي أُنشئ بموجبه «جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية»، كهيئة عامة اقتصادية تتبع مجلس الوزراء، وترتب عليه إندماج هيئة الثروة السمكية التي كانت تشرف على البحيرات مع الجهاز في كيان واحد، مع حصول الأخير على نفس صلاحيات الهيئة، حسبما أوضحت مصادر مسؤولة بالجهاز لـ«مدى مصر».
انتهت أعمال التطوير عام 2023، بعد إنفاق 12 مليار جنيه. ومع اقتراب الخطة من نهايتها، عادت «بحر المنزلة» كما عرفها عكاشة. المياه صارت أنقى، والسمك أكثر وفرة، والصيادون الذين هجروها لسنوات عادوا بشباك ممتلئة وحكايات عن أيام الخير. كان التطوير، كما قيل لهم، بداية جديدة. ارتفع متوسط الإنتاج بين عامي 2019 و2022 إلى نحو 77 ألف طن سنويا، حسب تقديرات «التعبئة والإحصاء».

لكن تدريجيًا عادت المشكلات القديمة لتطفو على السطح؛ ما بين رؤية التطوير بشكل عام، وما شابه التنفيذ من أخطاء، بالإضافة إلى ممارسات صيد مؤذية، ورقابة ضعيفة، وجهات مسؤولة تتقاعس عن أداء دورها، خاصة مع عدم تنفيذ جزء وحيد وأخير من خطة التطوير حتى الآن ببناء بوابات للتحكم في الحركة داخل البحيرة. وعكاشة، الذي عاد للصيد بالأمل نفسه الذي بدأ به قبل عقود، وجد نفسه أمام نفس المشهد مجددًا؛ بحيرة تحتضر وصيادون عاجزون.
يحكي أهالي البحيرة لـ«مدى مصر» مشاهد تعكس تدهور «المنزلة»، على عكس ما تشير إليه التقديرات الرسمية. «زمان كانت في عربيات بتقف بطول أربعة كيلو محملة سمك من قدام البحيرة يطلع لكل مكان في مصر، النهارده أخر النهار تلاقي أربع عربيات محملين قراميط»، يقول عبده الريس، لواء سابق وأحد سكان مدينة المطرية المطلة على البحيرة، وهو ما اتفق معه عدد من أهالي البحيرة، تحدثوا إلى «مدى مصر».
ويفسر أستاذ العلوم الزراعية، معاطي قشطة، المشهد السابق بقوله إن معظم الإنتاج حاليًا يخرج من المزارع السمكية، التي تعمل في ظروف بيئية محسنة، لأنها في بيئة مغلقة، يسهل التحكم بها بخلاف وضع البحيرة المفتوحة.

كانت المشاكل كثيرة، لكن المشكلة الأعمق والتي لا يحلها التطهير والرقابة، هي نظرة الدولة للبحيرات. «البحيرة مكان طبيعي مفتوح للصيد، والمفروض يفضل كده مش يتحول لمزرعة سمكية كبيرة للي يقدر يدفع، والمزارع تاخد حق الصيادين في المساحة المفتوحة وفي الزريعة وترفع الأسعار على المستهلك لأن كل ما فيها صناعي وبفلوس»، يقول أحمد عبد الكريم، صاحب مزرعة سمكية في منطقة قرب بورسعيد.
يرى عبد الكريم أن المكان الطبيعي للمزارع السمكية خارج البحيرات والبحار «البحيرات لها أغراض محددة، مينفعش نستخدم جزء منها للمزارع. المفروض المنزلة دي تكون رئتين للدلتا، ومهمة لأنها بتحمي أراضي الدلتا من تسرب مياه البحر ليها، وليها أهمية بيئية زي إنها استراحة للطيور المهاجرة وغيرها، وليها كمان أهمية بحثية بكونها مسطح مائي ضخم في الدلتا».
إهمال البحيرة كمورد بيئي، وتدهور أوضاعها يدفع الصيادين لترك مهنتهم ومهنة أبائهم، وترك البلد بأكملها هربًا من ضيق الحال. يقول محمد الفار، صياد سابق بالبحيرة، إن الكثير من زملائه اعتزلوا الصيد منذ سنوات بسبب تدهور أحوالها، واتجهوا للعمل كسائقين أو كعمال في منطقة «الاستثمار» ببورسعيد، فيما لجأ البعض الآخر للصيد في البحر الأحمر أو خارج مصر، في حين قرر مئات الشباب الهروب لأوروبا عبر البحر ومات الكثير منهم في الطريق.
إلى جانب مشكلة المزارع، يؤكد خمسة صيادين لـ«مدى مصر» أن المخالفات أصبحت أسوأ من قبل بعدما حجّم مشروع التطوير الاستحواذات غير القانونية على البحيرة، ما دفع المخالفين لتعويض خسائرهم بشكل أكثر عنفًا. «الوضع رجع زي ما هو، الصياد الغلبان غلبان، والمفتري جايب لانش سريع ومعاه بندقيتين آلي وبيصطاد بالستاير والكهرباء»، يقول زاهر فياض، نقيب الصيادين في مدينة الجمالية المطلة على البحيرة.
«الستاير» هي نوع من شباك الصيد الضيقة جدًا، يمنعها قانون الصيد المصري لأنها تحصد كل ما في المياه، بما في ذلك «الزريعة»، ما يسبّب انهيار المخزون السمكي بالبحيرة. كما أن استخدامها لم يعد مجرد أداة للصيد الجائر، بل أصبحت سببًا في تجارة مخالفة قائمة بذاتها؛ فالزريعة تُجمع لاستخدامها في المزارع السمكية بدلًا من شرائها من أماكن مخصصة لتفريخ الزريعة، بينما تُطحن الأسماك الصغيرة وتُحول إلى أعلاف، كبديل رخيص عن الأعلاف التي ارتفعت أسعارها.
أساليب صيد أخرى أكثر فتكًا انتشرت بكثافة، أبرزها الصيد بالكهرباء، وخلاله يوصل الصيادين شباك معدنية بمولد كهربائي، وينزلها في تجمعات ورد النيل التي تختبئ بها الأسماك لتضع بيضها، تُصعق الأسماك وتُشلّ حركتها، فتطفو بلا مقاومة لتجمع سريعًا.
هذه الطريقة المحظورة في كثير من الدول، تدمر البيئة البحرية؛ بما فيها العوالق التي تشكل أساس السلسلة الغذائية للأسماك. دراسة بريطانية حديثة، صادرة عن مركز علوم البيئة ومصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، أشارت إلى أن المناطق التي يُستخدم فيها الصيد بالكهرباء تفقد 57% من الكائنات الحية فيها.
«المخالفين دول بيشتغلوا بليل والمسنود منهم يشتغل بالنهار، وعندهم استعداد يقتلوا أي حد يقف في طريقهم. بيكنسوا البحر (يجمعوا كل ما يجدوه في طريقهم)، بيصطادوا بالجر والكهرباء، ولو حد كلّمهم يقولك أنا تبع مزرعة اللواء فُلان وبجيبله زريعة» يقول نقيب صيادي الجمالية.
إلى جانب الصيد بالكهرباء، هناك «التحاويط»، وفيها يُنشئ المخالفون حواجز من الغاب والخوص، محيطين بها شباكًا تمنع الأسماك القادمة من البواغيز (مداخل البحيرة) من الهروب، ما يتيح لهم صيد كميات ضخمة دفعة واحدة. لكن هذه الحواجز تعيق حركة المياه، مسببة ركودًا يؤدي إلى تلوثها.

كل هذه الممارسات تجري وسط غياب شبه كامل لشرطة المسطحات المائية، التي لا تتدخل إلا في حملات على فترات متباعدة، وفقًا لعدة مصادر، أوضحت أن «المسطحات» تتذرع بعدم قدرتها على ملاحقة المخالفين لأنهم يستخدمون لنشات سريعة مخالفة للقانون، أقوى من معداتها.
إلى جانب الشرطة، يتهم الصيادون جهاز تنمية البحيرات، بالتقصير في تطبيق القوانين، خاصة قرارات وقف الصيد الموسمية، خلال فترة تكاثر الأسماك في أشهر يونيو ويوليو وأغسطس، ما ساهم بدوره في تراجع المخزون السمكي في البحيرة، وهو ما وثقته شكاوى رسمية أرسلها صيادو «المنزلة» إلى جهات حكومية، واطلع عليها «مدى مصر».
أيضًا لم يحل التطوير مشكلة التلوث بالكامل. ما زالت البحيرة تستقبل أكثر من عشرة ملايين متر مكعب من الصرف غير المعالج يوميًا، إذ لا تعالج محطة معالجة بحر البقر سوى 5.6 مليون متر مكعب، من أصل 16 مليون متر مكعب تصل إلى البحيرة.
التلوث والمخالفات ليسا وحدهما المسؤولين عن تدهور أوضاع البحيرة، عملية التطوير نفسها تضمنت بعض الأخطاء التي عمقت مشاكل البحيرة، وفقًا لمصادر مختلفة تحدثت لـ«مدى مصر».
تجاهلت الجهة المطورة تجديد البوابات المتحكمة في مرور المياه المالحة إلى البحيرة، عبر البواغيز، ما تسبب في رفع ملوحة البحيرة لمعدلات غير مسبوقة، لتصل إلى 25 ألف جزء في المليون، في حين كانت لا تتجاوز خمسة آلاف جزء في المليون قبل التطوير، وفقًا لقشطة. أثرت الملوحة المرتفعة على البيئة البحرية بالكامل، وخصوصًا الأسماك التي اعتادت العيش في المياه العذبة.
بخلاف ذلك، تسببت إزالة مساحات واسعة من نباتات الغاب والبوص والبردي من أطراف البحيرة خلال التطوير في فقدان بيئات طبيعية ضرورية. إزالة الغاب مثلًا أثرت في دورة تكاثر الأسماك، خصوصًا البلطي، النوع الأكثر انتشارًا في البحيرة. فقد كانت النباتات بيئة طبيعية لوضع البيض، وبإزالته بشكل كامل، انخفضت نسبيًا كميات البلطي في البحيرة، خاصة مع زيادة عمق البحيرة خلال عمليات التطهير إلى أكثر من أربعة أمتار في بعض المناطق، وهي الأعماق التي لم توجد في البحيرة من قبل، فيما يعيش البلطي في أعماق لا تتجاوز متر ونصف، وفقًا لمصادر من الصيادين والباحثين.
قشطة، أستاذ العلوم الزراعية وصاحب مزرعة سمكية بالوقت نفسه، قال لـ«مدى مصر» إن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بعدما تولت مشروع التطوير برئاسة كامل الوزير، عقدت اجتماعًا مع الخبراء لمناقشته، بحضور 50 شخصًا من بينهم مسؤولين من الثروة السمكية، ومعهد علوم البحار، وقيادات من الهيئة. ووسط صمت الحضور وخوفهم من التحدث في حضور «الهيئة الهندسية»، أعترض هو على قرار تعميق البحيرة، خوفًا من التسبب في غرق الصيادين، كما دعا لترك 30% من النباتات بالبحيرة، للحفاظ على التنوع البيولوجي بها. لكن رد الوزير كان: «أنت مؤهلك إيه. أنت علشان عندك مزرعة بتتكلم وكفاية عليك كلام كده.»
محمد، 54 عامًا، أحد الصيادين الذين غرقوا في بحيرة المنزلة بعد زيادة عمقها، كان عائل أسرته وطفليه، حسبما يقول شقيقه شحاتة لـ«مدى مصر». «بعد التعميق، الكثير من الصيادين أصبحوا يخافون من البحيرة، وبالتالي امتنعوا عن الصيد. لو فيه رياح والصياد وقع، هيغرق حتى لو بيعرف يعوم، مش هيقدر ينقذ نفسه». بعد وفاة محمد، وعد رئيس جهاز تنمية وحماية البحيرات بحصول الأسرة على تعويض، لكنه بعد ذلك «لم يسأل عنهم أحد»، وفقًا لشحاتة.
النباتات التي أزيلت في خطة التطوير كانت أيضًا ملاذًا للطيور المهاجرة التي تستخدمها كمحطات استراحة، ما أدى إلى تناقص أعداد الطيور المهاجرة بالبحيرة بشكل ملحوظ. أحد الاتفاقيات الدولية للحفاظ على الطيور المهاجرة، والتي وقعت عليها مصر وخالفتها بتطوير البحيرة دون دراسة كافية للتداعيات البيئية المختلفة، هي اتفاقية صون الطيور المائية المهاجرة لإفريقيا وأوراسيا.
الغاب لم يكن ملجأ للأسماك والطيور فحسب، كان أيضًا مصدر رزق لبعض نساء البحيرة، اللاتي يصنعن منها «السُدد»، التي تستخدم في سقف المنازل البسيطة والعشش.

رغم انتهاء مشروع تطوير البحيرة رسميًا عام 2023، إلا أن ملامح خطة إدارة بحيرة المنزلة لا تزال ضبابية، في ظل غياب الرؤية الشاملة لإدارتها، خصوصًا بعد صدور قرار رئاسي مفاجئ في ديسمبر الماضي، بنقل صلاحيات وولاية بحيرة المنزلة من جهاز تنمية وحماية البحيرات إلى جهاز مستقبل مصر، المولود من رحم القوات الجوية. القرار الصادر من أشهر، أعلن عنه مجلس الوزراء في بيان، اليوم فقط، بتولي «مستقبل مصر» إدارة وتشغيل البحيرة ضمن بحيرات أخرى.
اطلع «مدى مصر» على خطاب وجهته رئاسة الجمهورية، في ديسمبر 2024، إلى رئاسة مجلس الوزراء، ينقل توجيهات السيسي التالية، أولًا: «نقل اختصاصات وصلاحيات جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية إلى جهاز مستقبل مصر، على غرار ما تم ببحيرة البردويل وناصر، والإيقاف الفوري لجميع التعاملات على البحيرة والأراضي المحيطة والمرابي الموجودة بها». ثانيًا: «نقل ولاية بحيرة المنزلة، والبحيرات الصغرى والفرعية والأراضي المحيطة بها والمرابي الطبيعية (متضمنة المرابي المحيطة بمحور 30 يونيو) من جهاز حماية وتنمية البحيرات ومن مختلف جهات الولاية الأخرى، إلى ولاية جهاز مستقبل مصر»، وفقًا لنص الخطاب الذي أطلع عليه «مدى مصر». فيما قال مصدر بجهاز تنمية البحيرات لـ«مدى مصر» إن «مستقبل مصر» تسلم مهامه في الإشراف والإجراءات الأولية على بحيرة المنزلة في 13 أبريل الجاري.
أنشئ جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، عام 2022، بقرار من رئيس الجمهورية. وبدأ نشاطه تحت إشراف القوات الجوية المصرية، لتحقيق الأمن الغذائي عبر المساهمة في مشاريع استصلاح الأراضي، قبل أن تتوسع صلاحياته في ملف الأمن الغذائي خلال السنوات الأخيرة، بداية من استيراد القمح بدلًا من هيئة السلع التموينية، وإدراجه كجهة يحق لها استلام القمح المحلي، ومنحه إدارة البورصة السلعية، وبحيرة البردويل.
نقل صلاحيات جهاز «تنمية البحيرات» إلى «مستقبل مصر» سيكون له تداعيات على أسعار الأسماك، حسبما يرجح مصدر مسؤول بـ«تنمية البحيرات» لـ«مدى مصر»، طلب عدم ذكر اسمه، لافتًا إلى أن اندماج هيئة الثروة السمكية بجهاز تنمية البحيرات عام 2021 حول الهيئة إلى جهة اقتصادية بعدما كانت خدمية، وهو ما تسبب بشكل أساسي في رفع أسعار الأسماك. «قبل 2021 كانت الدولة بتديني سنويًا أكثر من مليار و79 مليون جنيه، لكن بعد التحول لجهة اقتصادية، بقى مطلوب مني تعويض المبلغ ده والإنفاق على نفسي، ولذلك رفعنا إيجارات المزارع السمكية، وده تسبب في رفع سعر الأسماك، لأن 80% من الأسماك في مصر مصدرها المزارع»، يقول المصدر المسؤول.
وبينما يُعاد تشكيل خريطة الأمن الغذائي في مصر، تظل بحيرة المنزلة، بواقعها الحالي، مورد مُنهك يعاد تدويره كأصل اقتصادي فقط، لا كبيئة طبيعية تحتضر.
تقارير ذات صلة
من الصيد إلى السجن: كيف تبدلت أحوال «برج مغيزل»
القضية التي أخذت طابعًا سياسيًا في إطار الحرب على «الهجرة غير الشرعية» تسلط الضوء على أحوال القرية
تعاليم الدنيس ونصائح صيد أخرى
#158 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟
تدهور جودة الأراضي وارتفاع نسبة ملوحتها أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن