تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أسوار وفراشات وبنوك وانتحار البحر: عن الشعر وما يمكن أن يفعله

أسوار وفراشات وبنوك وانتحار البحر: عن الشعر وما يمكن أن يفعله

كتابة: سارة رفقي 6 دقيقة قراءة
حفل تسليم جوائز أحمد فؤاد نجم لشعر العامية

حضرتُ حفل جائزة الشاعر أحمد فؤاد نجم للشعر المكتوب بالعامية المصرية، في قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية. كان أغلب الحضور من الشعراء وأفراد عائلاتهم، بالإضافة إلى الفائزين بالجائزة. جاء حضوري بمحض الصدفة، إذ أن ديوان أحد أصدقائي كان من بين الأعمال الحائزة على الجائزة.

منذ عودتي إلي مصر، بعد ما يقرب من عشر سنوات بالخارج٬ شعرتُ مرارًا أن تجمعات قراءة الشعر تحمل طاقة استثنائية. الإنصات للشعر بالعربية ليس مألوفًا لي، مع هجرتي الفعلية واللغوية. ولكن علاقتي بالشعر هي امتداد لكوني أعمل في مجال الفن التشكيلي/ البصري/ المعاصر/ الحديث. 

أحد المفكرين المحوريين في قراءاتي المرتبطة بثورة يناير هو فرانكو بيفو بيراردي، المنتمي لحركة الأوتونوميا الإيطالية، التي ظهرت في أواخر الستينيات كتيار راديكالي يجمع بين الماركسية والشيوعية والأناركية، ويركز على التنظيم الذاتي والعمل المباشر بعيدًا عن الأحزاب والنقابات التقليدية. في كتابه «الانتفاضة: عن الشعر والمالية» يحلل بيفو العلاقة بين اللغة والإبداع والأنظمة الاقتصادية، ويركز على تأثير الرأسمالية المالية على التعبير والتجربة الإنسانية. أُحب عنوان كتاب بيفو لأنه طريف. في الكتاب، يصف كيف أن الرأسمالية المالية تعتمد بالأساس على التجريد، وهو ما يصفه الخطاب الماركسي بفصل القيمة عن العمل (حيث تصبح للسلعة قيمة مجردة غير مرتبطة بالجهد المبذول في إنتاجها). يرى بيفو أن هذا التجريد يمتد للغة، حيث تنفصل العلامات عن معانيها، مما يؤدي إلى انهيار السيميائية (دراسة العلامات). يتم التعامل مع جهودنا العقلية والعاطفية بنفس المنطق الذي كان يتم به التعامل مع العمل في المصانع، حيث تُحوّل إلى شيء مجرد ومنفصل عنّا.

على سبيل المثال، يعتمد عملنا اليوم بشكل كبير على إنتاج الأفكار والمعلومات والمشاعر، أو ما يُعرف بـ«العمل الدلالي»، بدلًا من إنتاج المنتجات المادية. نتلقى هذا النوع من «الإنتاج» عبر منصات التواصل الاجتماعي (انستاجرام، فايسبوك…) التي تُحول جهودنا كصنّاع محتوى إلى الإعجابات والمشاهدات، والتي تُباع لشركات التسويق على الانترنت. تستفيد المنصات بشكل كبير من هذه العملية، بينما نشعر نحن أكثر فأكثر بالاغتراب، إذ يتحول عملنا الإبداعي إلى مجرد جزء من نظام يسعى بالأساس لتحقيق الربح.

استيعاب الصلة بين النظام المالي والشعر يتطلب براح فكري وخيال. في اعتقاد بيفو أن الشعر منفرد بقدرته على تقديم بديل لهذا التجريد، فهو قادر على كسر لغة المال واستشعار غموض وعاطفة وحضور الجسد. يعيد الشعر الاتصال بالجوانب الجسدية والعاطفية للوجود الإنساني. يشير بيفو إلى أن الرأسمالية الحديثة (وهو يطلق عليها «رأسمالية العلامات») تعمل على تسليع الرموز والأفكار واللغة ذاتها، ما يؤدي إلى أزمة في المعنى وفقدان الفهم المشترك. يقدم لنا الشعر مساحة لإعادة تخيل المعنى بعيدًا عن هذه القيود. 

الشعر أيضًا يحمل قدرة على شق الواقع والحفاظ على الروح الراديكالية. لذلك، لطالما كان النضال متصلًا بالشعر، ومن دونه لا يكتمل، وبالتالي يجب فهم الشعر كمقاومة: «مقاومة» ضد المنطق والاغتراب وآلية للأسواق المالية. ويجب فهمه كإعادة إدخال الذات في الاشتباك مع النظم المهيمنة. 

تعمل الرأسمالية المالية بسرعة فائقة، مما يخلق شعورًا بالإلحاح والتسارع. في المقابل، يبطئ الشعر الزمن، مما يتيح التأمل والعمق واستعادة التجربة الإنسانية. يرى بيفو أن الشعر هو شكل من أشكال الخيال القادر على تصور بدائل للنظام الاقتصادي الحالي: من خلال كسر منطق المال وإعادة الاتصال بالرغبات الجماعية، يمكن للشعر أن يلهم تحولًا اجتماعيًا وثقافيًا.

أثناء الحفل، استحضرت كتاب «لماذا العرب ليسوا أحرارًا؟» لعالم النفس المصري، مصطفى صفوان، حيث ينتقد نخبوية اللغة الفصحى وارتباطها بالسلطة، مما يؤدي إلى إقصاء العامة عن المشاركة بلغتهم الدارجة. للشعر العامي تاريخ طويل، لست ملمة به، كجزء مؤسس من تاريخ المقاومة الشعبية، النضال، والثقافة المعاصرة. 

في قاعة الحفل، بدأت نوارة نجم تقديم الجائزة بتعليقٍ عن تفرد العامية المصرية. قد يبدو هذا تعميمًا، وبما أنني لم أفهم تحديدًا ما تعنيه ولا يمكنني التحقق من دقته. مع ذلك، يعكس هذا التعليق موقفًا تجاه اللغة. التفت إليّ أحد أصدقائي الجدد قائلًا: «أنا مكنتش أعرف إن ليكي في الشعر؟». ارتبكتُ قليلًا، وفكرتُ في أنني ألجأ أحيانًا إلى الشعر، لكن نادرًا ما أقرأه بالعامية، أو بالعربية إن كنت أكثر صراحة.

بدأت نوارة في إلقاء أبيات من القصيدة الأشهر لوالدها «بحبك يا مصر» إلّا أنها تعذرت. قالت: «معرفش أقولها إلا لمّا أغنيها». تتذكرها مع اللحن (للغة معرفة إيقاعية) شجّعها الجمهور على الغناء، وبتلقائية أخذ يغني معها لحن الشيخ إمام. 

الكلمات الأولى ألقاها ممثلي لجنة التحكيم يكمن فيها ذات الشعور الثوري: انتقاد غير مباشر لسوء أوضاع البلاد، والتعبير عن التضامن مع فلسطين، والغضب. تساءلت إن كانت هذه إحدى الفعاليات العامة الفريدة التي تُمارس حقها في التعبير، في ذكرى ثورة تاريخها بلا زمن محدد، وكأنها تنتمي للماضي والمستقبل في آنٍ واحد.

بدأ النداء على الفائزين بالترتيب الأبجدي، بدءًا بالشاعر والناشط أحمد دومة. افتتح دومة كلمته بإهداء قصيدة «اضطرار»، أولى قصائد ديوانه «كيرلي»، إلى صديقنا المعتقل علاء عبد الفتاح:

الأرصفة المسافات، السجانين والسور
القاتل المحشور في ذاته المنتفخ
القاتل المعمي بغرور الانفراد
المقتولين المفعمين بالعناد
المقتولين المندورين للنور (فراشات
تطارد حلمها، ولو كانت الأحلام قبور)

يواجه الديوان صعوبات في التوزيع، إذ صادرت السلطات الأمنية نُسَخَهُ وأمرت دار النشر بمنع بيعه وسحبه من المكتبات، كما أمر النائب العام بفتح تحقيق مع الشاعر بتهمة ازدراء الأديان والاعتداء على الذات الإلهية. يدرك أي قارئ للديوان عبثية هذه الاتهامات. ويعكس اختياره ضمن قائمة الفائزين العشرة التزام لجنة التحكيم بمبدأ حرية النشر والإبداع، ودعمها لصوت مقاوم يبرز قوة الكلمة في مواجهة القمع.

يلي دومة الشاعر حازم عمر بالقراءة، وهو الفائز بالجائزة الأولى. غرقت في إلقاء حازم. بدأ يُلاعب الغضب الكامن، ونظرتُ حولي محاوِلةً الاشتباك مع مشاعر الحاضرين. الجميع جالسٌ في مقعده، يركز بهدوء. لم أعثر على القصيدة، لكنني تأملت ملاحظاتي التي اقتصرَت على أربع كلمات: «أنا… ربنا… هتلر… إبليس…».

تلت حازم ريم أحمد بإلقاء قصيدتها الأولى «السوق» من ديوانها «روايح زين»…استغربتُ من رد فعلي، و«خربشتُ» في ملاحظاتي فقط نداء لله: «يا رب».

في المنزل، انتزعتُ الأغلفة البلاستيكية عن كل ديوان، محاولة الوصل بين ما دوّنته في كراستي وما استوعبته ذاكرتي. أعدتُ قراءة «سيمفونية جورج إسكندر» من ديوان «ريش» لعبد الله محمد ألمظ، التي يبدأ فيها قائلًا:

بيقول لو الفراشات تقف وتحط ميكب
هتحط ليه؟
بيقول إذا واحد قتل تلاتين مواطن
لو يتعدم، إعدامه هيكون راحة له
تلاتين قصاد واحد يا ناس! بتساوي إيه؟

تصفحتُ ديوان «لمبة وساعة رمل» لناصر عبد السلام، فوقع انتباهي على هذه الأبيات:

شكرًا لـ«البنك المصري»
عشان معملش حساب
وعطاني الماستر كارد، ولأرض مهياش ملكي
تنفعني في وقت القرض
ولبيت في التجمع الخامس
واسع حواليه سيكيوريتي…

لمستني هذه الأبيات، وعكست شعوري منذ العودة، ومحاولتي فهم بيئتي الجديدة. في أحد الكومباوندات التي تحظى بالأمان المزعوم، تُوظّف الشركات الخاصة لمراقبة السكان، وتُسجَّل حركتهم، مما يعمّق الاغتراب عن فضاء عام حقيقي، ويكرس تلاشي فكرة الوطن. أبيات عبد السلام هي التي دفعتني للعودة إلى قراءة «الانتفاضة: عن الشعر والمالية».

ختم الحفل يحيى خليفة، بينما أهله بجانبي يظهرون حماسهم. شاركنا أساه وحسرته وأعاد «صياغة للأحمر: النوة، العشق، والثورة». أنصتُ إليه، ويغمرني شعور بالفقدان يعكس أبياته.. افتقاد صلة، وصال، حبيب، أمل، وثورة.

بدأ قصيدته:


البحر قرر ينتحر… هينط فين؟!
مع إنه كان آخر الملاذ… (مستشفى للمجانين)
قلب السما خايف يساعه…
بعد ما طاله الختان
آخر عصير ملح، مطر شربوه سوا
بيثور على الأرض وبيغضب…
وبانتفاضة الهوى… بيرجع العهد القديم
ينطق لهم: إن وعد الحب دين…

أنظر إلى كراستي وأسترجع صدى الحب والحرية.


هتاف… حب حرية.


البلطجة بتحارب الحب على الكورنيش.

(وبيت الشاعر: «البلطجة بتطارد الحبّيبة ع الكورنيش»)

متأثرة بأبياته، شعرتُ أنه قد يبكي محبوبته، لكنني تلقيت كلماته وأدركت أن الأمسية بأكملها كانت أشبه بحاوية زمنية لذكرى يحاول النظام محوها. للحظات، شعرتُ وكأنني أستعيد جزءًا من خيالي وإنسانيتي، كأن الشعر كان مَنفَذًا سريًا نحو أفق لا يقيّده القمع أو النسيان.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

إلى حسني سليمان

بضع كتب، على قدر اتساع الرسالة، لا تغطّي طبعًا ما نشرته «شرقيات» من 1991 إلى 2017.

محمد درغام 11 دقيقة قراءة
#شعر

….زُهير

عن شعر ميدو الباقي بعد 5 سنوات من رحيله

مدى مصر 2 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن