أروع ما غنى أحمد عامر.. أجمل ما قيل في الحب
ينصح بالاستماع أثناء القراءة للدقائق الأولى من من موال أحمد عامر وأغنية «ناني» لمسعد رضوان
«في ليالي الكيف والسهر لا صوت يعلو فوق صوت أحمد عامر»، طلبت من صديق أن يصطحبني إلى إحدى سهراته الأثيرة لأتثبت من هذه الفرضية التي ترقى في عالم أصحاب المزاج لدرجة الحقيقة.
كنت عزمت على دراسة فن «الحظ» المهمل تمامًا في الأوساط الفنية الأكاديمية. يتم تناول حمو بيكا وحسن شاكوش بالدرس والتمحيص من المجتمع، نقاده وفنانيه وسمّيعته، لكن أحدًا لا يلتفت لأحمد عامر ومن على شاكلته. لا تدرس تنويعاته على الأغاني التي يقتبسها، لا يُلقى بالًا لملايين المحبين الحاضرين بقوة على فيديوهات وتسجيلات أغانيه على منصات الإنترنت المختلفة، الحالة بكليتها من الفنان إلى الفن إلى الجمهور تكاد تشكل طائفة متفردة أو «Cult»، رغم ذلك فإنها مهملة تمامًا وكأن أبناءها على هامش الزمن، لا يُسألون عما يفعلون.
بشق الأنفس أقنعت صديقي أنني لا أتعامل مع الحشيش وأنني سأكتفي بدور الملاحظ أو الناقد الفني، وليت شعري أي رؤية نقدية كنت سأخرج بها لو شاركتهم حالة انعدام الرؤية التي كانوا عليها. لدى وصولنا، حيّا صديقي الجلوس بقوله «احنا جايين من آخر الدنيا عشان نفرح والله»، لأفهم منه فيما بعد أنها مقولة لأحمد عامر علقت بألسنتهم فصارت بطاقة تعريف يستخدمها من أتى متأخرًا ليبرهن على إخلاصه وتكرسه. بعد دقائق كانت الراح دارت، ودار معها صوت الفنان، يطرب الرؤوس، ويطبطب عليها، تعلو نغماته بها، وتهبط في تناغم ظريف.
«بحر الدموع فين أغسل منه أحزاني؟»، يبدو استهلال الفنان في «أروع ما غني أحمد عامر» صادمًا وسودوايًا أكثر من اللازم، من ذا يبحث عن بحر الدموع؟ أيشفي غُلة محزون أن يرد بحر الدموع؟ تَكَشّف لي الجو المحيط عن حالة مزاجية تستدعي البحث عن بحر الدموع فعلًا. السهرة دومًا على سطوح المنازل تحت النجوم، الضوء الخافت المناسب لأيادي تعرف كيف تلف السجائر في العتمة، الأصوات الهادئة والنقاشات الودودة التي تشي بخمول واسترخاء وإقبال على النوم، والدائرة المغلقة للصحبة، التي يلزم الغرباء من أمثالي وساطة وتوصية للنفاذ إليها.

«في عز الليل وشارع الحياة ساكن»، حيث الليل والذكريات والسكون، لا مكان للفرح، خذني إلى بحر الدموع أو هاته ها هنا. لكن مهلًا! يشعر الفنان أنك لست جاهزًا بعد فيقرر أخذك في رحلة قصيرة يكشف لك فيها عبثية الحياة إن لم تكن قد خبرت ذلك وحدك، ويتحرى عبثيتها تلك في أحوال الحب؛ أفراحه وأتراحه. حين تفهم هذا وحينها فقط، يمكنك أن تشاركه البحث عن بحر الدموع المفقود.
أخبرني صديقي أن مقطع «ناني» من موال «أروع ما غنى أحمد عامر» الشهير؛ هو أجمل ما قيل في الحب.
لم أجد في رأيه غضاضة على ما فيه من مبالغة، فقد كنت أعرف أنه يحب فتاة اسمها نورهان. «اسم جميل وحبه لساني، دايمًا يقول وينادي ناني»، معذور هو صديقي المسطول؛ ذاب قلبه من فرط الحب كحال الشاعر القديم الذي يتأجج في فؤاده لهيب الشوق ما أن يُذكر اسم الحبيب على سمعه. لا بد أننا فقدنا انتباه صديقنا ليلة ذاك مع استطراد أحمد عامر في وصف جمالها الفاتن؛ «وعينيها السود مالهاش مثيل، ورموشها سلاح وسلاحي جميل».

«ناني» الأصلية هي أغنية للفنان «مسعد رضوان» مطرب الجامعات الذي ذاع صيته في الثمانينيات حتى لحن له بليغ وغنى للموجي والسنباطي، وحلّقت أغنيته «يالا بينا يالا» إلى العالمية لكنه لم يحلق معها وظل في مسقط رأسه «بلبيس» طوال حياته. وما يعنيني هنا أغنية «ناني»؛ التي أطارت عقل صديقي.
تتبعت الأغنية على الإنترنت لأعرف قصتها فلم أجد غناء، وقبل أن يراودني التفكير في السفر إلى بلبيس لملاقاة الفنان كانت يد القدر سبقتني، فعرفت أنه تُوفي مطلع العام الماضي. أما ما أثار فضولي حول الأغنية لهذه الدرجة فهو أنني عرفت أن كاتب الكلمات ومؤلف اللحن هو مسعد رضوان نفسه، لا بد إذن أنه عاش قصة حب «ناني» بنفسه، ترى من هي «ناني»؟ لعلها كانت زميلته في كلية الحقوق بجامعة الزقازيق حيث درس. وبالنظر لطبيعة الفترة التي كُتبت فيها الأغنية فمن المرجح أنه كان حبًا عذريًا لم يعلن عن نفسه أبدًا. بصراحة، ليس أي من ذلك مرجحًا على كل حال، لكنني أحببت السردية -وإن تبين لي بطلانها لاحقًا- وقررت اختبارها مع صديقي العاشق.
في جلسة لاحقة أخبرته أنني أبحث عن «ناني»، بدأت في مشاركته حيرتي، كنت أعلم أنني سأجد منه -وهو من هو في هيامه بـ«ناني» خاصته- آذانًا صاغية. قلت له أن مسعد «كاتب الكلمات» أحب زميلته «حنان» في الجامعة من أول نظرة، لكن البون الشاسع -بينه وهو شاب ريفي فقير وبينها وهي ابنة مستشار كبير وعميد الكلية حينها- حال دون أن يعترف لها بحبه. أخبرته أنني بنيت ظنوني على المعلومات التي أتيحت أمامي عن المطرب الأصلي. فوجئ صديقي بأن للأغنية مطرب أصلي غير أحمد عامر، وطلب مني الاستماع لنسختها الأصلية.
مع رفرفة صوت مسعد رضوان بالحكاية، ردني صديقي عن نظريتي وقال لي إنني في بحثي عن «ناني» تخيلت عاشقها بصورة مسعد رضوان وصوت أحمد عامر، وأن صوت مسعد لا يتناسب مع حبكة صراع الطبقات المقحمة على القصة. لا بد لكي تستقيم الحكاية أن نتصورها بصوت وصورة مسعد «الشاعر».
على عكس صوت أحمد عامر المنكسر الذي يتماشى فعلًا مع وجهة نظري بأن عاشق «ناني» أحبها دون أن يدنو منها، يشي صوت مسعد «الثمانينياتي» بحيوية وزخم من عاش قصة حب حقيقية، من اقترب وذاق وتلذذ، من هنا يُسمع الصوت كأنه خيال، وتتردد النغمات كأنها أصداء حُلم، ويحلّق الإيقاع بأجنحة كيوبيدية بريئة. إذن فالعاشق هو الشاب المحبط الضائع، والمعشوقة هي أجمل فتاة في الجامعة وآية الجاذبية والدلال. كان من الطبيعي أن يكون يائسًا حين صارحها، لكنها فاجئته بأنها تحمل له نفس المشاعر. كان عالمه رماديًا باهتًا، ما أن دخلته «ناني» حتى لونته بروحها المتألقة وبسمتها اللامعة. أمضيا معًا سنوات الجامعة في حب شاب وسعادة خالصة. في كل عام يغنى لها على مسرح الجامعة أجمل ألحان الحب حتى حصل على لقب «مطرب الجامعات»، والحق أنه نسب كل شيء لها وسمى نفسه «مطرب ناني».
استقامت قصتنا على هذا النحو مع الكوبليه الأول من الأغنية، ورغم الجهد الذي أثقلنا في نسج قصة حب مسعد وناني، إلا أن الكوبليه الثاني الذي يصور -بشكل مفاجئ- انهيار هذا الحب وضياعه، قد أجهد قرائحنا وأضناها وألح عليها بالمزيد والمزيد من الخيال؛ «قولي لي أعمل إيه لما تسيبيني لوحدي، قولي لي أعمل إيه في ناري ويا سهدي، دا أنتِ عمري يا ناني». تخيلنا أن ناني فاجئت مسعد مرة أخرى في السنة الأخيرة من الجامعة، لكن هذه المرة بتخليها عنه دون سابق إنذار، حيث أُعلنت خطبتها على ضابط بحرية. هال الخبر مسعد الممزق بين الحب والغدر وراح يكتب هذه الكلمات لا يدري أيتغزل في اسمها أم يلومها على هجرانها الصاعق.
لم ترضني النتيجة التي توصلنا إليها كثيرًا، لذا فكر صديقي في تحليل نوعية وترتيب الأغاني التي مزجها أحمد عامر في مواله والتي تسبق وتلي الحالة المحيرة لـ«ناني». اعترضتُ طبعًا بحجة أن عامر لا يمكن أن يكون بيزنطيًا إلى هذه الدرجة، لكنني حين ماشيت فكرته وجدت أن المعنى الضمني في تتابع الأغاني أقوى مما تصورت، وأن هناك حكمة باطنة أعمق من مجرد استسلام المطرب لمستوى«حظ الغمراوي» الظاهر.
لاحظنا أن عامر قبل أن يحدثنا عن «ناني»، استقبلنا بأغنية أخرى من كلمات مسعد رضوان؛
«مهرجان .. الحياة دي مهرجان»، هذا التقرير الوجودي الذي يستدعي الآمال المجهضة ويدفع لتجاهلها في آن. ففي حين تلتفت الآذان لحكاية الوردة البيضاء والبلبل، يعود الفنان ليذكر بأن الوردة التي أنارت البستان يومًا ستُهجر وتُخان، وأن المأساة طبع من طباع الزمان.

تحيلنا حكاية مسعد مع البلبل -خاصةً أنه لم يكملها وقفز بسرعة لحكاية ناني- لتلك الحكاية المبتورة التي توسلت سعاد حسني للصياد لسماعها في أوبريت «صغيرة على الحب» الشهير، قبل أن يجهز عم حزمبل على توسلاتها وأحلامنا ويمضي بها بعيدًا. وكذا يتقمص نبطشي أحمد عامر دور حزمبل ويشرد به بعيدًا قبل أن يكمل حكاية البلبل خاصته. وبربط الحكايتين معًا فإن مزيدًا من الخيال قد لا يضر.
وبالإمعان في البحث عرفنا أن عامر قد أكمل حكاية البلبل في موال آخر شهير في دنيا «الحظيظة» اسمه «موال البحر». هناك نكتشف أن للحكاية، التي ظهر البلبل فيها شيطانًا، زاوية أخرى. «طير وطاير فوق في العلالي، سايب ولاده في العش يا ناس صاده الصياد من فوق من العالي، مين اللي هيراعي ولاده يا ناس». لم يغدر البلبل بوردته بدعوى أنها ذبلت وفقدت جمالها وعطرها إذًا، وإنما أجهزت خرطوشة الصياد على أمانيه، فذبلت الوردة وهي تظن أن بلبلها خائن. أتذكر الآن صديقي الذي كان يغني أغنية «صياد الطيور» بقوله «يا صياد الطيور يا خاين» بدلًا من «يا خالي». ما من خائن في الحكاية غير الصياد، فالبلبل كان سيعود حتمًا، وناني لم تكن لتهجر مسعد طواعيةً، والكل مغدور في الصورة الأوسع للحكاية، وحتى الصياد الخائن حين خان لم يكن يتسلى وإنما كان يبحث عن قوت عياله، وعامر يصرخ فينا في يأس أن توقفوا عن تقريع بعضكم البعض، ما من جانِ؛ «قالوا الزمان طبعه إنه خان .. قلت الحياة دي مهرجان».
الآن يعود الفنان لبحثه عن بحر الدموع، والآن أنت تعرف ما يبحث عنه؛ «بحر الدموع فين أغسل منه أحزاني، وأطهر الجرح من اللي تعبني وأذاني، وأعصر همومي وأخفف تقل ميزاني»، يوقفه «النبطشي» مطالبًا إياه بشيء آخر، شيء خاص يعرفه كلاهما ولا ندري كنهه؛ «أنا عايز بحر الدموع اللي بتخليني أعيط، بيني وبينك، بتاعة 63، أنت فهمان بقى»، إنه لا يريد الاستماع للفنان في مجرد بحث عادي عن بحر الدموع، إنه يريد أن يسمع نواحه، أن يجد لأحزانه الباطنة ترجيعًا فتحتال في عينيه دموعًا. ترى ما «بحر الدموع بتاعة 63»؟
أرهقني البحث والفكر في الأمر، أغناها بطريقة لا تنسى في عام 1963؟ محال، لم يكن أي من الفنان والنبطشي قد وُلِد حينها. ألحنها عازف الأورج شريف الغمراوي ليلتئذ بطريقة مميزة استخدم فيها المفتاح رقم 63 من آلته فآلت إلى شيء ساحر لا يتكرر؟ أيكون 63 هو رقم غرفة، شاليه، شقة أو عوامة قال فيها الفنان بحر الدموع حتى أطرب وسلطن؟ ربما، وربما لن أعرف أبدًا. المهم أنهما تضاحكا على ذكر الرقم الغامض، وانبرى الفنان ينوح بـ«بحر الدموع» كما لم يفعل من قبل، لعله تفوق على «بحر الدموع بتاعة 63» نفسها.
الأغنية الأصلية هي للمطرب الشعبي العظيم «عبده الإسكندراني» عميد الموال، وصوت العميد غني عن التعريف بإيقاعه السريع في إلقاء الحكم وعصارة التجارب بشكل يخلب الأسماع والألباب معًا. أما أحمد عامر الذي يشتهر بـ«ابن الأكابر» فإنه يبرع في مساحة أخرى، مساحة خاصة يصول فيها ويجول وحده بلهجته الريفية التي لا تخطئها أذن. يضغط عامر على كلمات وحروف بعينها كأنه يتحسس فيها الجوى والوجد فتخرج -وإن لم يخالف اللحن- متمايزة عن كيف يغنيها غيره، يأتي صوته شجيًا ملتاعًا ليخاطب النفوس التعسة الكاسفة فتجد فيه العزاء والسلوان. يشدو عامر بكربته وكأنه كلما أثقل على مواطن الألم فيها فترت وتخدرت؛ «أنا كنت فاعل خير يا صاحبي ويا الناس، وفوق كتافي بشيل همي وأغني لناس، لقيت جميلي ومعروفي اتنسى واتداس، حتى أعز الحبايب في الشر جافاني».
كانت رحلتي مع أغاني الحظ ملهمة حقًا. عرفت مسعد والإسكندراني وعرفت عامر طبعًا. فهمت لماذا يلتف حوله ملايين المحبين، ولم أعد أتعجب من كونهم جميعًا -وهو معهم- على الهامش. عرفت من هي «ناني» ولماذا كُتِب فيها غزلًا بهذا الجمال وهذه الشاعرية. أدركت أن الحب قد يدفع الإنسان يومًا للبحث عن بحر الدموع. رأيت المأساة الإنسانية كما لم أرها من قبل، فهمت كل شيء تقريبًا.. رأيت الحياة كمهرجان.
ولأنها مهرجان فقد أجلت مفاجأتها الكبرى لي حتى النهاية. أثناء بحثي قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال، عرفت أن فيلمًا تسجيليًا عن مسعد رضوان على وشك الصدور، بحثت عن صناعه على فيسبوك لأستسقي منهم أي معلومة مفيدة عن «ناني»، لكن أحدًا منهم لم يرد على رسائلي. نسيت الموضوع تمامًا ونسجت القصة من خيالي، حتى إذا أنهيت المقال جائتني رسالة من مخرج الفيلم يخبرني فيها أن «ناني» التي أضنتني لم تكن إلا ابنة مسعد الصغرى، والحكاية الرومانسية الأسطورية لم تكن إلا تهويدة غناها لها مسعد في مهدها لتنام.
بنيتُ قصرًا من الرمال وظننت بنفسي الدهاء والحنكة. الآن من بعيد أفهم الكوبليه التالي من موال عامر وهو يسخر مني؛ «ياللي أنت غاوي الكلام وعامل لي متعلم، هتعيش وناقصك علام لو كنت 100 عالم».
تقارير ذات صلة
ريما خشيش: «يا من إذا» تحدٍ ومقاومة ورحلة شخصية
تجربة جديدة لريما خشيش في عالم الموشحات
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين
قراءة في ألبوم «بنسى وبتذكر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن