تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين

ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين

قراءة في ألبوم «بنسى وبتذكر» 

كتابة: أحمد رحال 8 دقيقة قراءة

في أحد أيام عام 2007 كنت أجلس في غرفة صديقي محمود فرج في المندرة بالإسكندرية، وهو يستعد لمفاجأة واكتشاف جديد. بدأ بفتح الكمبيوتر من الكيسة، وبعدها الشاشة ثم السماعات، وتحرك بالماوس المتصل بسلك، وبدأ تشغيل أغنية على برنامج وينامب. أعددنا إعدادات اكولايزر الوينامب لتناسب سماعات الصب ووفر الكريتف التي كانت تشعرك بطبقات الموسيقى بشكل أعمق من السماعات المعتادة صاحبة الصوت الفلات، التي عادة تأتي مع الكمبيوتر بنفس لون الشاشة بدرجة لون بيچ مقبضة، على عكس الصب ووفر الكريتف باللون الأسود.

«عرانيس.. عرانيس» خرجت أولى الكلمات من السماعة، ووقعتُ تحت الإغواء الفوري للصوت والموسيقى والكلمات «قرب ع الطيب قرب لمسة شفافي جرب». قلت لحوده بحماس وبشكل متكرر: «إيه الفشاخة دي!» كان محمود أكثر حكمة وقال يجب أن نسمع ألبوم «شفتك» لفريق «الصابون يقتل» بصوت ياسمين حمدان مرة أخرى للتأكد من حكمنا عليه، لأنه على حد قوله: «أكيد مفيش حاجة كدة».

بعد 18 عامًا أجلس في غرفتي بالدقي محبطًا بعد استلام إيميل رفض لمشروع فني كنت أعمل عليه من سنتين، ثم تأتيني رسالة واتساب على تليفوني من صديقي تاح، تحتوي على رابط من تطبيق يوتيوب ميوزك، الذي نشترك عليه اشتراكًا عائليًا للتوفير، ومرفق بعدها جملة «ياسمين حمدان الجديد».

وضعتُ سماعات المارشال السوداء في أذني -والتي انتقلت من قارة إلى قارة وعبر أربعة أشخاص حتى تصل لي لتفادي سعرها المبالغ في مصر- وضغطت على اللينك وبدأ ألبوم «بنسي وبتذكر» ينساب داخلي من خلال أذني، ووقعت تحت الإغواء مرة أخرى.

caption

رأيت ياسمين لأول مرة في أغسطس 2012، في حفلة جنينة الأزهر عندما كان تحت إدارة المورد الثقافي، ورقصت معها لمدة ثواني. وكنت محظوظًا لأراها مرتين في أبريل 2014، إحداهما عند مشاهدة فيلم «العشاق فقط يبقون أحياء» للمخرج جيم جارموش في قاعة سينما زاوية القديمة في سينما أوديون، عندما ظهرت في مشهد، وكانت المفاجأة ندوة بعد الفيلم مع ياسمين، أدارها المخرج يسري نصرالله. المرة الثانية كانت في حفلة «دي كاف» على مسرح قصر النيل، مع جمهورها المغرم، الواقع تحت إغوائها، ما أضفى أجواء أسطورية على هذا المسرح الكبير، الذي كان الجميع بداخله في حالة نشوى مفرطة، انتزعت منه ياسمين الآهات بمجرد ظهورها، على خشبة المسرح ذاته الذي كانت تسمع فيه آهات جمهور أم كلثوم، بمجرد ظهورها قبل نصف قرن. كانت ياسمين تشبه موسيقاها. 

مشروع ياسمين

لم تعش ياسمين طفولة مستقرة، فهي مواليد برج الجوزاء عام 1976، وقضت طفولتها بين اليونان والكويت والإمارات ولبنان حتى عام 2005، ثم انتقلت إلى فرنسا حتى الآن.

ينقسم مشروع ياسمين الغنائي لمرحلتين؛ الأولى التعاونيات الفنية، والثانية المرحلة المستقلة. بدأت المرحلة الأولى بمشروع «الصابون يقتل» مع زيد حمدان عام 1998، وكانت الحصيلة ثلاثة ألبومات: «باتر» 1999، و«شفتك» 2002، و«إنت فين» 2005. بعدها تعاونت مع مرويس أحمدزاي، والذي سبق تعاونه مع مادونا في أغاني مميزة مثل «ميوزك» و«داي انزر داي»، وكان مشروعه مع ياسمين تحت اسم «ياس»، وأنتجا ألبومًا واحدًا فقط: «أربولوچي» 2009.

بدأت ياسمين المرحلة المستقلة، وهي أكثر تحررًا وتنوعًا من مشاركتها الفنية، وغنت بلهجات مصرية ولبنانية وكويتية وفلسطينية. كان أول ألبوم «ياناس» 2013، ثم ألبوم «الجميلات» 2017، و«الجميلات ريبيرز» 2018، وهو نفس الألبوم ولكن بتوزيعات وشراكات موسيقية مختلفة. ثم بعد غياب سبع سنوات، مر فيهم العالم والشرق الأوسط بكثير من الأحداث، تعود ياسمين بألبوم «بنسي وبتذكر».

نضوج مشروع ياسمين لا يُذهب بالروح الطازجة التي ميزته، وستظل تصحبني حالة الإحساس بالـ«فشاخة» عند سماع جديدها، كما المرة الأولى. حتى عندما تغني ياسمين من كلمات آخرين أو من التراث اللبناني أو المصري، ينصهر ذلك في بوتقة بصمتها الموسيقية، لا يصير اجترارًا لمعنى قديم، أو استنساخًا لمزاج موسيقي معين، فكأنها تبحث عن نفسها في كل ما حولها ليغدو مادة لموسيقاها. حضور شخصيتها يهيمن على أعمالها. وفي «بنسى وبتذكر»، تعزي نفسها، مع جيلها، «إحنا الحلوين الخسرانين»، بأننا رغم حمولة الذكريات والهزائم التي عشناها، والمرارة التي تجرعناها.. صامدين.

الوش الأول

caption

لم أسمع صوت ياسمين من خلال شريط كاسيت من قبل، لذلك قررت التعامل مع ألبومها الجديد كشريط جديد، ولو على سبيل التخيّل لتحقيق حلم أصبح صعبًا. ولذلك قسمته لمجموعتين: وش أول وثاني، وكل وش يضم خمس أغنيات.

 «هون»: أغنية عن غزة «أرض صغير وجرح كبير» من كلمات الشاعر الفلسطيني أنس العيلي وياسمين، وموسيقى مارك كولين وياسمين. الخط الأساسي للأغنية كيبورد مطعم بجيتار وعود. أغنية هادئة حزينة تترجم مشاعر الحزن تجاه غزة أو بيروت أو أي مكان منكوب بعيد، ولكن هناك دلالات أكثر عن بيروت في الفيديو الموسيقي للأغنية من إخراج خليل، والذي يظهر فيه نعي من جرائد لوفيات بأسماء عائلات لبنانية تحت الماء، وفي الخلفية آثار انفجار يرجح أنه حادث مرفأ بيروت عام 2020.

«قتيل بغرفة النوم.. كل يوم بروفة قتل هون» بداية هادئة للشريط، ترسخ فيها الموسيقى مع الكلمات شعور التقييد وقلة الحيلة الشديدة: «غيمة وسط الصالون.. غيمة حزن معي هون.. هزة بدن وعالتلفزيون.. خلص خلص الحكي هون».

«شمالي» أغنية من التراث الفلسطيني، مشتقة من الترويدة، وترجع إلى نهاية العصر العثماني وبداية الانتداب البريطاني، وتحمل نوعًا من الشفرة لنقل المشاعر للتحايل على المحتل. الكلمات والموسيقى من التراث الفلسطيني، مع تنسيق مارك كولين وياسمين، مع غناء خلفي تينا حمدان- أخت ياسمين.

تبدأ الأغنية على إيقاعات إلكترونية تجريبية ببصمة ياسمين المميزة، ثم من منتصف الأغنية الثانية يظهر سولو كيبورد يضفي روحًا شعبية فلسطينية على الأغنية ليزيدها تميزًا، وتبرز لعبة ياسمين فى مزج المعاصر بالتراثي الشعبي. أما فيديو الأغنية عبارة عن عرس شعبي فلسطيني قديم تمت معالجته ومونتاجه ليناسب إيقاع الأغنية.

«شادية» أغنية عن الحب، من كلمات ياسمين حمدان وموسيقى مارك كولين وياسمين كيبورد مع جيتار وجيتار رئيسي. وصفت ياسمين الحب في ظل خراب العالم: «كل الكلام اتقال يا حبيبي كل الكلام.. العالم خربان يا سيدي والفكرة دي متعبة».

ولكن بالرغم من ذلك، تظل رومانسية ياسمين مميزة بدلعها، حيث كان السبيل الوحيد من الهروب من هذا التوهان والبؤس هو السرير: «أنا تايهة ومش بإيدي.. مش عارفة ليه.. ماتيجي ننام.. على سرير النوم دلعني». 

«الحلوين الخسرانين» من كلمات ياسمين وموسيقى عمر حرب، مكونة من جيتار وإيقاع ونحاسيات. أغنية تطغى عليها أصوات من آلات حية، مع غناء خلفي مكون من زياد، وهند، وودلال ومو حمدان، لتبدو الأغنية كرثاء ذاتي لجيلنا الذي يشعر بمرارة الهزيمة، سواء داخل أو خارج وطنه: «إحنا الحلوين الخسرانين.. ومكملين ومكملين.. كل شيء توضح.. ما في شيء تغير.. كل شيء بيخزي.. كله بيقهر».

«بنسى وبتذكر» آخر أغنية في الوش الأول، وهي أغنية الألبوم، من كلمات وموسيقى ياسمين حمدان، خلطة إلكترونية مع إضافة كمان وتصفيق. فيديو موسيقي من إخراجها بالاشتراك مع زوجها المخرج الفلسطيني «إيليا سليمان»، محاكي لألعاب التسعينيات مثل سوبر ماريو وكابتن كلاو، وفيه تجري ياسمين وراءها كرة أرضية مشتعلة، وتمر بحدائق أوروبا وحروب الشرق الأوسط، وصور مكتوب عليه: «ماتخلي عرص شبعان يقولك صبور على الجوع». وكذلك كلمات الأغنية: «القتل عادي.. الكذب عادي.. الفشل عادي.. السرقة عادي.. كله عادي».

caption

الوش الثاني

«سبع صنايع» من كلمات وموسيقى ياسمين، مع جيتار وإيقاع وفلوت وسولو كيبورد. أغنية متأثرة بالثقافة المصرية، وهذه المرة من مثل مصري شهير يعبر عن ميلة البخت: «سبع صنايع والبخت ضايع»، كما فعلتها من قبل بشكل مبهر في أغنية «عزة» من ألبوم «أربولوچي»، والتي استلهمتها من الأغنية المصرية «وأنا ماشية في شارع شريف»، والتي كانت ترددها طالبات المرحلة الثانوية: «وأنا ماشية في شارع شريف.. أحيه.. قابلني شاب لطيف.. أحيه.. وجاب عربية وقالي ما تركبي.. لا لا ماركبش.. يابت ماتركبي.. لا لا ماركبش.. القصد ركبت معاه خدته على قد هواه، وجيه ع الشقة وقالي ما تدخلي.. لا لا ما أدخلشي»، وهكذا تستمر لما يسمح به خيال ما يغنيها.

والمبهر هو معرفة ياسمين لهذه الأغنية من العمق المصري بالرغم من عدم معرفة كثير من المصريات بهذه الأغنية. كما اقتبست في نفس الألبوم أغنية «دا» من أغنيتين شعبيتين مصريتين: الأولى لحمدي بتشان «إيه الحكاية»، والثانية «السح الدح أمبو» لأحمد عدوية. وفي أغنية «قولوله» تقتبس جملة عادل إمام الشهيرة من مسرحية «شاهد ما شفش حاجة»: «متعودة دايمًا».

وعودة لميلة البخت في أغنية «سبع صنايع»، تؤكد ياسمين -كما في «الحلوين الخسرانين»- أننا متمسكون بالحياة والأمل، بالرغم من كل شيء: «قاعدين.. ومعاندين.. بنحب الحياة.. بنجرب نمشيها».

«حويك وزويك» من كلمات ياسمين وموسيقى مارك كولين. تبدأها ياسمين بـ«حبوا بعضن.. تركوا بعضن.. سرقوا بعضن.. كرهوا بعضن»، ومن هم هؤلاء! أنهم حويك وزويك، أي أهلك وناسك أو من حولك ودوائرك القريبة. يمكن تأويل الكلمات لأكثر من بعد، منها السياسي ومنها الاجتماعي والإنساني، ولكن في كل الأحوال تؤكد ياسمين أن هؤلاء ليسوا منا: «إحنا إحنا.. إحنا بوادي وهم بوادي».

«مر التجني» من كلمات وموسيقى تراثية، مع بعض التدخلات من ياسمين ومارك كولين وعمر حرب على مستوى الموسيقى. جاءت الأغنية التراثية بروح ياسمين، بما فيها من تغنج، من أول «آه» لحد وصف الكلمات التي تعبر عن ظلم الحبيب رغم جمال ملامح وجهه وثنايا جسده، وحتى نهاية الأغنية، وهي تطلب الخمر للتغلب على هذه الحالة المرتبكة: «مر التجني.. بديع المحيا.. حلو التثني.. ادر لي الحميا».

«ضياع» من كلمات تراثية وياسمين، وموسيقى مارك كولين وياسمين، مع عود وجيتار وصفارات وبرمجة إيقاعية. أغنية عن حالة فقد للحبيب المسافر، وهذا النوع من الدراما العاطفية عن حب المسافات البعيدة كان منتشرًا قبل ظهور الإنترنت، واختفى تدريجيًا بعد ما كان يعد تصنيفًا في حد ذاته.

ولكن ياسمين تحييها من جديد، حتى بنفس المفردات اللغوية: «حبيبي غاب وبقاله زمان.. مبعتش جواب»، ثم تستجدي الحبيب: «ابعتلي جواب»، ثم تؤكد على حالة الضياع -اسم الأغنية-: «ما حدا من العشق سالم».

«غروب» آخر أغنية في الشريط، من كلمات وموسيقى ياسمين. تستخدم فيها إيقاع وهارب وتشيلو مع باص درونس، لتنهي الشريط بصوت موسيقى حية يطغى على الإلكترونية المسيطرة على معظم الأغاني، وهي نهاية هادئة مثل البداية. وكلمات الأغنية ترسخ لحالة البؤس والخذلان والتوهان وقلة الحيلة، وتنهى الألبوم بكلمات: «كله مغبش.. عقلي ملخبط.. بجرب انسى.. جسمي يتذكر».   

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن