مصادر: اتفاق وشيك بهدنة إنسانية في السودان برعاية أمريكية مصرية
قالت مصادر مصرية وسودانية مطلعة إن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يقتربان من الاتفاق على هدنة إنسانية بعد جولة مباحثات مكثفة استضافتها القاهرة خلال اليومين الماضيين، بمقترح أمريكي ورعاية مصرية.
وبحسب مصدرين حكوميين مصريين تحدثا لـ«مدى مصر»، يبدأ المقترح الأمريكي بإعلان هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يجري خلالها التفاوض على اتفاق شامل لوقف العمليات الحربية وإطلاق حوار سياسي بين مجلس السيادة السوداني وقوات الدعم السريع وممثلي القوى السودانية كافة، وذلك للتوصل إلى اتفاق على تشكيل سلطة تنفيذية مشتركة تسمح باستئناف العملية السياسية خلال فترة انتقالية تمتد لثلاث سنوات.
وسبق أن فشلت المفاوضات التي استضافتها واشنطن منذ أسابيع قبل أن تستأنف خلال الأيام الماضية مع تصاعد الضغوط الدولية لإيقاف الحرب بعد المجازر المروعة الذي شهدتها الفاشر الأسبوع الماضي.
ونجحت جهود أمريكية مكثفة جرت في القاهرة على مدار الأيام الماضية في إقناع الجيش السوداني بالمشاركة في المفاوضات.
وبحسب دبلوماسي مصري سابق مطلع على العلاقات المصرية-السودانية، تواصلت الاجتماعات بين ممثلي رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» طوال 48 ساعة.
وألمح مسؤول مصري مطلع على اجتماعات مجموعة الرباعية التي تقودها أمريكا حول السودان، وتشارك فيها كذلك كل من السعودية والإمارات ومصر، إلى قرب التوصل إلى اتفاق الهدنة، لكنه قال: «لا أستطيع أن أؤكد أنه سيحدث 100%»، مشيرًا إلى أن هناك ضغطًا أمريكيًا كبيرًا في هذا الشأن خوفًا من اتساع الحرب.
بينما قال مصدر في مجلس السيادة السوداني لـ«مدى مصر» إن واشنطن قدمت مقترحًا بهدنة إنسانية بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» خلال المناقشات. وترأس الوفد الأمريكي المشارك فيها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس.
ومن الناحية الأخرى، يستمر الجيش السوداني في مشاورات مع شركائه في السلطة ممثلي القوة المشتركة للحركات المسلحة المساندة للجيش لقبول الهدنة، إذ يعتبر قادة الحركات المسلحة قبول الهدنة بمثابة تسليم وشرعية بسيطرة «الدعم السريع» على دارفور، حسبما أكد مصدر مجلس السيادة.
تأتي التطورات السريعة في المحادثات بعد سقوط عاصمة دارفور التاريخية الفاشر الأسبوع الماضي، والذي اعتبرته مصادر تحدثت لـ«مدى مصر» في وقت سابق إنه قد يؤدي إلى التقسيم الفعلي للسودان.
في أعقاب سقوط المدينة، بُذلت ضغوط إقليمية كبيرة لدفع الطرفين نحو المحادثات.
وقال المصدر المقرب من «الرباعية» إن الولايات المتحدة تحدثت مع المملكة العربية السعودية، والتي بدورها مارست ضغطًا على البرهان، مشيرًا إلى أن الأمريكيين غير راضين عن تمدد النفوذ الإيراني في شرق إفريقيا، والتي لجأ إليها الجيش السوداني سابقًا للحصول على إمدادات عسكرية ولوجستية.
وأضاف المسؤول المصري أن التجمع الإفريقي لمحافظي صندوق النقد والبنك الدوليين المؤيد لـ«الدعم السريع» ضغط بشدة لوقف الحرب بعد الفظائع التي ارتكبت في الفاشر.
أما مصر، بحسب المسؤول، تسعى لوقف ولو حتى مؤقت للحرب بعدما أبلغت الإمارات الجانب الأمريكي أن حميدتي يستعد لشن هجوم جديد على الخرطوم، حيث تخشى مصر من تصعيد الحرب وتراجع المكاسب العسكرية للجيش السوداني.
وبحسب الدبلوماسي السابق، فإن القاهرة حاولت في الأسابيع الأخيرة الدفع نحو التوصل إلى اتفاق ما، فأوفدت مبعوثين إلى تشاد وكينيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، كما سعت إلى التواصل مع أطراف سودانية مختلفة، من بينهم أعضاء من القوة المشتركة المساندة للجيش.
وتعتبر ورقة الهدنة الأمريكية بمثابة مبادرة حسن نوايا، حيث تضغط الولايات المتحدة الأمريكية لسريان الهدنة، وتتعهد الأطراف بعدم تحريك أي قوات عسكرية أو مهاجمة مواقع عسكرية، وفقًا لما قاله مصدر مجلس السيادة.
وقال المصدر بمجلس السيادة إن الحكومة السودانية تصر على إيقاف أي إمداد عسكري، معتبرًا أنها نفس شروط هدنة اتفاق جدة، والذي جاء بعد مباحثات غير مباشرة برعاية أمريكية-سعودية في مايو 2023، ووضعت الجيش في موقف سيء عسكريًا بعد أن استغل «الدعم السريع» الهدنة في نقل الأسلحة والمعدات وإعادة تموضع قواته.
وأضاف المصدر أن الجانب الأمريكي يصر على أن تكون مدة الهدنة الإنسانية ثلاثة أشهر بإشراف لجنة تنسيق مشترك، موضحًا أن واشنطن تستعين بالقاهرة من أجل إقناع وفد الحكومة السودانية بقبول مقترحها.
وفي وصفه للعملية المتوقعة، يقول المسؤول المصري المقرب من «الرباعية» إنها ستكون «مشابهة لما حدث في غزة، عبر مقاربة متعددة المراحل»، مضيفًا أن «ترامب يريد إنهاء الحرب في السودان».
وعن الوضع الذي يترتب عن الهدنة، يقول المسؤول المصري المقرب من «الرباعية»: «سيبقى الجميع في مواقعهم الحالية، وسيُسمح بدخول المساعدات الإنسانية، ثم سنرى ماذا سيحدث بعد ذلك. سنبدأ عملية تفاوضية».
وذكر مصدر مجلس السيادة أن مصر تضغط في اتجاه أن يعقد الطرفان اتفاق توقيع الهدنة الإنسانية في القاهرة بحضور البرهان وحميدتي أيضًا، لكنه استبعد مشاركة البرهان في مراسم التوقيع بسبب الرفض العام داخل معسكره للقاء حميدتي.
الدبلوماسي المصري السابق يقول لـ«مدى مصر» إن الصفقة المعروضة حاليًا تشبه ما ناقشه الطرفان في واشنطن قبل سقوط الفاشر، ويبقى شيئًا لا يمكن لأي من الطرفين الموافقة عليه وهو مشاركة السلطة والثروة.
«لن يوافق البرهان أن يكون حميدتي شريكًا له في حكم السودان، بينما لن يسمح حميدتي بأن تخضع مناجم الذهب وغيرها من مصادر التجارة لرقابة الدولة. لم يتغير ذلك كثيرًا بعد سقوط الفاشر. لا يزال الأمر لعبة صفرية، لكن عليك أن تدرك أن قادة العالم في العموم -بمن فيهم السعوديون والإماراتيون وبرهان وحميدتي، وبالطبع، مصر- لا يرغبون في معارضة ترامب».
ويتابع الدبلوماسي: «إذا قال ترامب إنه يريد صفقة، فهو سيجعل الناس تقبل بصفقة ما. ولكن إن كانت هذه صفقة يمكنها أن تصمد ويكون لها تأثير على الأرض، فهذه قصة أخرى. إذن لو كان السؤال هو إن كان البرهان وحميدتي سيلتقيا، فيمكنهم أن يلتقيا في القاهرة أو جدة. لا يهم. اللقاء نفسه ليس مهم. المسألة هي: هل سيتفقان على أي شيء؟ هذه قصة مختلفة».
وقال مصدر بـ«الدعم السريع» لـ«مدى مصر» إن وفد «الدعم السريع» لا مانع لديه من عقد اتفاق هدنة، إلا أنهم يشددون على منع الجيش من إحداث أي خروقات خاصة أنهم يتوقعون من الجيش استخدام غطاء اجتماعي، بما يعرف بالمقاومة الشعبية، للاستفادة من الهدنة، أي أنهم يتخوفون من أن يسلح الجيش المجتمعات المساندة له في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع دون أن يحتاج إلى تحريك قواته وسط الهدنة.
وكان مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أكد اليوم أن بلاده تعمل على التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار إنساني في السودان لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد إلى تسعة أشهر، مشيرًا إلى أن المحادثات مع طرفي الصراع تسير بتقدّم ملحوظ رغم التعقيدات الميدانية.
ومع تقدم محادثات وقف إطلاق النار، عمل الجيش على تحصين خط المواجهة الحالي في إقليم كردفان، والذي قد يتحول فعليًا إلى خط هدنة بحكم الأمر الواقع.
وقال مصدر عسكري سوداني لـ«مدى مصر» إن الجيش أجرى عمليات إسقاط جوي واسعة في الفرقة 22 بمدينة بابنوسة مطلع هذا الأسبوع، كما حرك قواته أيضًا نحو مدينة بارا وسيطر على القرى المحيطة بها، ويحاصر حاليًا المدينة مما يعزز موقفه في عدم تمكين «الدعم السريع» من إيصال أي مساعدات عسكرية لقواتها. وبذلك يعمل الجيش على تحسين موقفه العسكري ليكون له وضع جيد على الأرض حتى إن جرى توقيع هدنة.
ودفعت سيطرة «الدعم السريع» الدموية على الفاشر بشمال دارفور إلى تغيير الموازين العسكرية التي كانت قد مالت لصالح الجيش قبلها، وزادت من كثافة الضغط العالمي لإيقاف مذابح «الدعم السريع». كما أثارت سيطرتها على الفاشر مخاوف من فرضها سيناريو لتقسيم البلاد.
ولم تشهد المحادثات بين طرفي الحرب في السودان أي تقدم منذ فترة طويلة، في ظل تمسك الجيش بموقفه المتشدد الرافض للاعتراف بـ«الدعم السريع»، وإصراره على تنفيذ اتفاق جدة الموقع في مايو 2023. وقوبل تقديم مقترح جديد تقوده أمريكا وتدعمه مصر والإمارات والسعودية برفض قاطع من جانب الجيش، فيما واصلت «الدعم السريع» في تلقي الإمدادات العسكرية من الإمارات وشددت حصارها على الفاشر، وخاضت معارك ضارية في ولايات كردفان.
مصادر مصرية تحدثت لـ«مدى مصر» خلال الأسابيع الأخيرة وصفت المسار نحو وقف إطلاق النار بأنه نتاج لتحولات في الموقف الأمريكي وتغير في حسابات القاهرة.
يقول مسؤول مصري له اتصالات في واشنطن لـ«مدى مصر»، إن السبب وراء التحرك الأمريكي الحاسم لإيجاد حل في السودان جاء من بولس نفسه. وأشار المصدر إلى أن بولس حين التقى بأشخاص في التجمع الإفريقي، كانوا يشددون على أن البرهان إسلامي، ولكن عندما بدأ بولس بالحديث مع الأطراف في المنطقة، لم يتكوّن لديه الانطباع بأن السودان على وشك أن يتحول إلى نظام إسلامي أو أن البرهان سيقود البلاد في هذا الاتجاه. ومن ثم، بحسب المصدر، أدرك بولس أن بقاء السودان على حافة حرب أهلية دائمة سيشكل تهديدًا لاستقرار المنطقة، سواءً لتشاد أو جنوب السودان أو الصومال وكذلك منطقة البحر الأحمر.
وأوضح مصدر مقرب من وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، والذي تحدث لـ«مدى مصر» قبل سقوط الفاشر، إن عبدالعاطي انخرط في هذا الملف بشكل مكثف، وأجرى عشرات الاتصالات مع شخصيات سياسية في واشنطن لإقناعهم بأهمية استقرار السودان. وأضاف المصدر أن مصر كانت تسعى إلى أن تكون الطرف الحاسم في الملف السوداني، عبر ترتيب لمحادثات مباشرة بين مساعدي الطرفين، يتبعها لقائهم مع بولس في القاهرة.
وقال مسؤول مصري سادس لـ«مدى مصر» إن تغيير الموقف المصري لم يكن وليد اللحظة وإنما جاء نتيجة طول فترة الحرب وعدم قدرة الجيش السوداني على إحراز تقدم ملموس في غرب السودان رغم نجاحه في استعادة الخرطوم، واستمرار الخلافات داخل القوات المسلحة ومجلس القيادة الانتقالي، مقابل تنامي قوة «الدعم السريع» بفضل الإمدادات العسكرية المستمرة وقدرة قيادته على تطوير تحالفات محلية وإقليمية.
وأوضح المصدر أنه على الرغم من دعم القاهرة، إلا أنها مضطرة لمواجهة ضغوط من أبو ظبي التي تتهم الجيش السوداني بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، وهي ضغوط تخشى القاهرة أن تتصاعد إلى حد التأثير على الدعم الإماراتي العام لمصر.
وسبق أن طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه الخطة على البرهان في 15 أكتوبر الماضي في القاهرة، قبل أيام من سقوط الفاشر، بحسب مصدر سياسي سوداني ومسؤولين مصريين.
ولكن في ذلك الوقت، لم يكن البرهان مهتمًا بالمقترح، بل أبدى امتعاضه تجاه العرض الذي قٌدم له في القاهرة، واعتبر الانحياز المصري لهذا المقترح تراجعًا عن دعم القاهرة للجيش السوداني ومجلس السيادة في مواجهة قوات الدعم السريع، بحسب المسؤولين المصريين.
وفي وقت اللقاء، عبر المصدر السياسي السوداني آنذاك عن قدر من الثقة بأن الجيش السوداني، حتى من دون هدنة، يمكنه تحقيق اختراق كبير في دارفور بمدة تتراوح بين ستة وثمانية أشهر. غير أن تلك الآمال تلاشت بسقوط الفاشر.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
«الدعم السريع» تسيطر على بارا مجددًا | اشتعال القتال في بلدات شمال دارفور الحدودية، وأعداد القتلى المدنيين تتصاعد | مصادر: البرهان يلتقي قوى ثورية متحالفة مع الجيش سعيًا لغطاء سياسي | إدريس يقيل مسؤولين في الحكومة ويحل مجالس مؤسسات الدولة
تصاعد الاشتباكات في المناطق الحدودية بدار زغاوة شمال دارفور وسقوط ضحايا مدنيين
الجيش يستعيد بارا في شمال كردفان و«الدعم السريع» تهاجم القرى المجاورة وتقصف كوستي في النيل الأبيض والدلنج في جنوب كردفان | الجيش يعلن الشروع في دمج المقاتلين في المؤسسة العسكرية، ومصادر في الحركات المسلحة تشير إلى مخاوف قادتها من الخطوة
واشنطن تصنف جماعة الإخوان المسلمين في السودان ولواء البراء منظمة إرهابية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن