تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

مذبحة في سوق بأم درمان.. شهادات يرويها مواطنون وأطقم طبية

مذبحة في سوق بأم درمان.. شهادات يرويها مواطنون وأطقم طبية

استهدف قصف عنيف نفذته قوات الدعم السريع، صباح السبت، سوق صابرين، بمحلية كرري شمال أم درمان، ما أسفر عن مقتل 54 شخصًا، وإصابة 136، حسبما أكد مدير عام وزارة الصحة بولاية الخرطوم، فتح الرحمن محمد الأمين، لـ«مدى مصر».

في المقابل، نفت قوات الدعم السريع، في بيان أمس، صلتها بالهجوم، زاعمة أن جميع المقذوفات المدفعية على منطقة الثورات تنطلق من منصات عسكرية للجيش بهدف التغطية على جرائمه.

وجددت قوات الدعم السريع، مساء اليوم، قصفها للمناطق المدنية بأم درمان، فاستهدفت مناطق مكتظة بالمدنيين في حي الرياض بشارع الوادي، حيث توجد مجموعة من المطاعم والمقاهي في الأجزاء الشرقية لمنطقة الثورات، على بعد بضعة كيلومترات من سوق صابرين.

وفي مقطع فيديو نشرته تنسيقية لجان مقاومة كرري، اليوم، ظهر عنصر من «الدعم السريع» وهو يحتفل قائلًا: «تم حرق سوق صابرين بنجاح»، وأشار إلى زميله الواقف بجانبه بأنه منفذ القصف، قائلًا له: «كل الحب والاحترام»، ليضيف زميله مهددًا السكان «انتظروا سنحرق سوقين أو ثلاثة آخرين وتجمعات بشرية أخرى.. أنا أعرف وأنتم تعرفون». 

يفتح سوق صابرين أبوابه منذ الساعة السادسة صباحًا تقريبًا، ويتوافد إليه المواطنون من أحياء الثورات وشمال أم درمان، إما لبيع بضائعهم أو لشراء احتياجاتهم اليومية. ويكون مزدحمًا عادة ما بين التاسعة صباحًا والثالثة ظهرًا، وتقصده النساء بشكل أكبر، بسبب اغتراب الآباء خارج البلاد، أو نزوحهم إلى مناطق أخرى بحثًا عن العمل، حسبما أكد مصدر بمحلية كرري. 

وشهدت الأشهر الأخيرة عودة كبيرة للمواطنين إلى مدينة أم درمان من مختلف ولايات البلاد، ما أدى إلى زيادة الضغط على السوق، خاصة في ظل انقطاع التيار الكهربائي، الأمر الذي يجعل الأسر بحاجة إلى شراء المواد الغذائية والطبخ بشكل يومي، حسبما قالت، عائشة الهادي، التي فقدت زوجها في حادث أمس.

وبينما كان سوق صابرين موقعًا لهجمات متكررة من قوات الدعم السريع على مدار الفترة الزمنية الماضية، كان هجوم السبت الأكثر دموية على الإطلاق.

مصدر طبي بحكومة ولاية الخرطوم قال لـ«مدى مصر» إن قرابة ألفي مواطن قتلوا في أم درمان منذ بدء الحرب، نتيجة قصف قوات الدعم السريع للأسواق والمستشفيات، ويتزايد عدد الضحايا في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة مثل أحياء الفتيحاب والثورات. 

بداية وتفاصيل المذبحة 

بينما كانت الحياة تسير بصورة طبيعية في سوق صابرين، الذي لا تجاوره أي منشأة عسكرية، صباح أمس، تساقطت فجأة القذائف القادمة من غرب أم درمان الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، وتناثرت الجثث هنا وهناك، حسبما قال لـ«مدى مصر»، محمد عوض، التاجر بالسوق والذي كان موجودًا وقت الحادث.

عوض أوضح أن السوق يعد أكبر مركز تجاري في العاصمة، بعد إغلاق ونهب الأسواق الأخرى منذ اندلاع الحرب، حيث يفترش البسطاء والأطفال بضائعهم المحدودة مثل الليمون، والطماطم، والصابون، مضيفًا «وما إن بدأت القذائف تتساقط، حتى اختلطت الطماطم والصابون وغيرهما من البضائع بالدماء»، لافتًا إلى أن القتلى والمصابين كانوا من جميع الفئات، وبعضهم كانوا من أسرة واحدة.

«تم قصف السوق في أكثر أوقاته ازدحامًا»، تقول الصحفية شذى الرشيد، التي تسكن بالقرب من السوق، لـ«مدى مصر»، واصفة الحادث بالمروع. 

وأضافت الرشيد أن السوق كان مزدحمًا بالمواطنين، بخلاف العاملين به، وعندها قصفته «الدعم السريع» بثلاث قذائف: اثنتان سقطتا في سوق الخضار، أما الثالثة فسقطت بالقرب من محطة الوقود، مشيرة إلى أن القذائف أُطلقت من غرب أم درمان، تحديدًا من غرب سوق ليبيا، وهي المنطقة التي تعد أكبر معاقل الدعم السريع المتبقية في غرب أم درمان. 

الرشيد أوضحت لـ«مدى مصر» أن أهالي أم درمان اعتادوا التعامل مع القصف، لكن هذا الهجوم كان أكبر من طاقتهم. فقد اعتاد المواطنون اتخاذ بعض الإجراءات في لحظات القصف الأولى، حيث يقومون بإخلاء الشوارع والأسواق وإغلاق المحال التجارية، وبعدها بفترة وجيزة تعود الحياة إلى طبيعتها، وتمتلئ الطرقات بالمارة والأطفال.

جرحى فوق طاقة مستشفيات تعمل بالكاد 

أدى الهجوم على سوق صابرين، أمس، إلى حالة من الصدمة، ولم ينجح المستشفى الرئيس الوحيد بالمنطقة، والذي ينقصه الكثير من المعدات الطبية اللازمة، في استيعاب العدد الكبير من الجرحى، رغم وجود عدد من المتطوعين به.

وقالت ممرضة، كانت تعمل أمس بمستشفى النو، إن عدد الضحايا القصف بلغ 59 قتيلًا، بينهم 4 أطفال و12 امرأة، بالإضافة إلى نحو 200 مصاب تم نقلهم إلى مستشفى النو ومستشفى سواعد.

وأكدت الممرضة خضوع أكثر من 50 مصابًا لعمليات جراحية معقدة وتم احتجازهم بالمستشفى، فيما غادر البقية بعد أن قدمت لهم الإسعافات والرعاية الطبية. وأوضحت أن عدد المصابين الكبير دفع الممرضين والأطباء إلى المساعدة في قسم الطوارئ، ولفتت إلى أنه «كانت هناك حاجة ماسة لبعض الأدوية ومعدات الجراحة وعبوات الدم، وتزاحم سكان أم درمان على المستشفى للتبرع بالدماء والمساعدة». 

الممرضة أشارت إلى أن «المنظر الأكثر بشاعة كان في الغرفة المخصصة للجثامين والباحة أمامها، فقد كان ذوو القتلى يأتون للتعرف على أبنائهم الذين غابوا عنهم لساعات فقط بغرض التسوق أو العمل، بينما كان المتطوعون يقومون بكشف وجوه الجثامين واحدًا تلو الآخر وكانت الصدمة والوجوم والخوف يخيمون على الجميع». وأردفت قائلة: «كان هناك أطفال يبحثون عن آبائهم وإخوانهم، وأمهات عن أبنائهن، وآخرين عن ذويهم وأصدقائهم.. بعض الجثامين كانت أشلاءً تم التعرف عليها بصعوبة». 

مصدر طبي آخر في المستشفى قال لـ«مدى مصر» إن المستشفى استقبل أكثر من 100 مصاب، بعضهم حالات خطيرة للغاية، وأضاف أن المستشفى استدعى الكوادر الطبية لإنقاذ حياة المصابين بجانب إجراء عمليات جراحية عاجلة للحالات الحرجة، مشيرًا إلى أن وزارة الصحة وفرت أدوية الطوارئ والمستلزمات الطبية للمستشفى.

ويعد مستشفى النو من أكبر المؤسسات الطبية التي ظلت تعمل في العاصمة السودانية بعد اندلاع الحرب، وقامت منظمة أطباء بلا حدود وبعض المتطوعين بتوسيع طاقته الاستيعابية عبر بناء «كرفانات» ضخمة من المشمعات، لتكون بمثابة عنابر للمرضى مع تدعيم المستشفى بالمعدات والأدوات والأدوية الطبية. 

من جهته، قال المدير العام لمنظمة أطباء بلا حدود، كريستوفر لوكيير، الذي كان متواجدًا بمستشفى النو ضمن المسعفين: «إن ما أراه أمامي مذبحة بكل ما تعنيها الكلمة، مثال مأساوي آخر لفظائع هذه الحرب المستمرة»، وأضاف في تغريدة له على منصة إكس: «أستطيع أن أرى حياة الرجال والنساء والأطفال ممزقة، مع وجود المصابين في كل مساحة ممكنة في غرفة الطوارئ». وتابع: «يقوم المسعفون بكل ما في وسعهم، لكن هناك العشرات والعشرات من الأشخاص الذين يعانون من إصابات مدمرة، والمشرحة مليئة بالجثث».

وسبق أن تعرض سوق صابرين، لعدة هجمات من مدفعية الدعم السريع، كان آخرها في 10 من شهر ديسمبر الماضي، وكذلك في يوم 18 سبتمبر 2024 والذي أعلنت فيه السلطات الصحية مقتل شخصين وإصابة 10 مدنيين آخرين بسبب القصف. 

بالتزامن، ظلت أحياء أم درمان الأخرى الخاضعة لسيطرة الجيش تقصف بصورة شبه مستمرة من مناطق سيطرة الدعم السريع في أمبدة غربي المدينة والخرطوم بحري سابقًا، ما أدى إلى سقوط المئات من القتلى وجرحى، حسبما رصدت جهات رسمية ومنظمات طبية وحقوقية. 

وتوقع مصدر طبي ارتفاع عدد القتلى والمصابين خلال الساعات القادمة، خاصة أن إدارة الدفاع المدني عثرت على جثث ضحايا داخل متاجر في السوق. فيما كشف طبيب يعمل بمستشفى سواعد في أم درمان، الذي استقبل عددًا من المصابين بجانب مستشفى النو، في تصريح لـ«مدى مصر» عن إجراء 31 عملية جراحية لإزالة الشظايا من المصابين.

عن الكتّاب

أخبار ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن