تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

جيش جنوب السودان ينتشر في «هجليج» بعد سيطرة «الدعم السريع» على أكبر حقول النفط السودانية.. كامل إدريس يستعد لإجراء تعديلات كبيرة في الحكومة ومقتل عشرات الأطفال في هجمات بجنوب كردفان وانهيار الوضع الإنساني في «بابنوسة»

جيش جنوب السودان ينتشر في «هجليج» بعد سيطرة «الدعم السريع» على أكبر حقول النفط السودانية.. كامل إدريس يستعد لإجراء تعديلات كبيرة في الحكومة ومقتل عشرات الأطفال في هجمات بجنوب كردفان وانهيار الوضع الإنساني في «بابنوسة»

في تطور يمنح قوات الدعم السريع ورقة ضغط اقتصادية بالغة القوة، بسطت القوات سيطرتها هذا الأسبوع على حقل هجليج النفطي في غرب كردفان، الذي يعد أكبر حقول النفط في السودان، ومركز رئيسي لمعالجة وتصدير نفط جنوب السودان.

ومع خوف جوبا من تلقي ضربة جديدة لإيراداتها النفطية بعدما أعلنت الخرطوم حالة القوة القاهرة على الخام الجنوبي في 2024، دفعت حكومة جنوب السودان بقوات لتأمين منشآت «هجليج» بموجب تفاهم أُبرم مع كل من الخرطوم و«الدعم السريع»، بحسب ما أفادت به مصادر من جنوب السودان ومن «الدعم السريع» لـ«مدى مصر».

وبعيدًا عن التداعيات الاقتصادية المباشرة على البلدين، تزيد سيطرة «الدعم السريع» من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية للحرب الدائرة في السودان، وفق مصدر أمني جنوبي، أشار إلى أن الجيش بات مطالبًا بالاعتراف بكيان موازٍ يمتلك قوة عسكرية واقتصادية في آن واحد.

ويعد سقوط حقل هجليج ثاني أكبر خسارة يتكبدها الجيش في غرب كردفان، بعد سقوط بابنوسة مطلع الشهر الجاري. ومع إحكام «الدعم السريع» قبضتها على الحقل النفطي، تصبح الولاية بأكملها فعليًا تحت سيطرتها، في وقت تتسارع فيه وتيرة الأزمة الإنسانية بمناطقها منذ سقوط بابنوسة.

ويواجه سكان بابنوسة والمناطق المحيطة بها نقصًا حادًا في الغذاء، وارتفاعًا غير مسبوق في الأسعار، ونظامًا صحيًا على حافة الانهيار. أما المجتمعات التي تستقبل النازحين فتتقاسم الطعام وتلجأ إلى مقايضة القليل الذي تملكه من المؤن. يقول أحد سكان البلدات المجاورة إن الجميع يحاول المساعدة، لكن حجم الأزمة يفوق قدرة هذه المجتمعات على الاستجابة، في ظل غياب شبه كامل لإدارة الولاية.

ولا يُتوقع أن تتراجع وتيرة الدمار والقتل والنزوح في كردفان قريبًا، إذ أفاد مصدر في مجلس السيادة الانتقالي لـ«مدى مصر» بأن اجتماعات مطولة عُقدت في نوفمبر الماضي، وافق خلالها رئيس المجلس والقائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، إلى جانب قيادات الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، على نشر قوات هذه الحركات في مختلف جبهات الإقليم. ووفقًا لبروتوكول جرى التوصل إليه، سيزوّد الجيش الحركات بالسلاح، بينما تتولى هي التعبئة الشعبية وفتح معسكرات تدريب للمجندين الجدد.

وفي تصريحات أدلى بها هذا الأسبوع في أم درمان، شدد البرهان على أن حل الحرب سيكون عسكريًا «بالدرجة الأولى»، مكررًا شروط وقف إطلاق النار، المستندة إلى اتفاق جدة في 2023، والتي أعلنها الشهر الماضي. وبحسب مصدر مجلس السيادة، تعكس هذه اللهجة المتشددة نتائج اجتماعاته الأخيرة مع قادة الحركات المسلحة.

كما تضمنت هذه الاجتماعات موافقة الحركات على تقليص حصصها الوزارية الممنوحة لها بموجب اتفاق جوبا، بحسب المصدر ذاته، في خطوة تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي وتوجيه الموارد نحو تسريع العمليات العسكرية.

يأتي ذلك في وقت يقود فيه رئيس الوزراء، كامل إدريس، حملة متصاعدة -وإن كانت غير معلنة رسميًا- ضد وزاراته، إذ تحدث موظفون حكوميون لـ«مدى مصر» عن خلافات حادة، وقرارات مجمدة، وتدخل مباشر من مكتب إدريس في شؤون الوزارات. ووفق ثلاثة مصادر من مكتبه، من المتوقع إقالة ما لا يقل عن ستة وزراء من الحكومة التي استُكمل تشكيلها مؤخرًا، مع ترجيحات بزيادة العدد.

ويرى مسؤولون سابقون أن إدريس يسعى إلى فرض بصمته قبل أن يتمكن وزراء، معظمهم لم يكن من اختياره، من بناء مراكز قوة داخل وزاراتهم، إلا أن أحد هؤلاء المسؤولين حذّر من أن هذه التحركات غير الرسمية قد تأتي بنتائج عكسية، وتؤدي إلى حالة من «شلل الخوف» داخل الجهاز التنفيذي الذي يواجه أساسًا سخطًا شعبيًا بسبب ضعف أدائه، ما قد يدفع الموظفين إلى التردد في اتخاذ أي خطوة.

«الدعم السريع» تسيطر على أكبر حقول النفط في السودان وجيش جنوب السودان ينتشر 

قوات جنوب السودان تتوغل في هجليج لتأمين مناطق حقل النفط، 9 ديسمبر. المصدر: Bilpham RADIO على فيسبوك

فرضت قوات الدعم السريع، الاثنين الماضي، سيطرتها الكاملة على حقل هجليج النفطي بولاية غرب كردفان، الواقع على الحدود مع جنوب السودان، عقب انسحاب الجيش السوداني إلى الجارة الجنوبية.

وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر» إن انسحاب الجيش من الحقل تم دون قتال، بهدف تجنيب المنشآت أي دمار محتمل. وأوضح مصدر عسكري رفيع لـ«مدى مصر»، أن الانسحاب سبقه إجلاء المهندسين والعاملين في الحقل، مشيرًا إلى أن العملية تمت بتنسيق عالٍ بين السودان وجنوب السودان. فيما لم يعلق الجيش أو الحكومة السودانية رسميًا حتى هذه اللحظة. 

ويعد حقل هجليج أكبر حقل نفطي في السودان، كما يشكل نقطة استراتيجية أساسية لمعالجة وتصدير نفط جنوب السودان، إذ تمر كميات كبيرة من إنتاجه عبر منشآت الحقل قبل تصديرها عبر أنبوب إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وتأتي سيطرة الدعم السريع على الحقل بعد سلسلة من الخسائر العسكرية للجيش السوداني في مناطق استراتيجية، من بينها الفاشر وبابونُسَة، ما جعل «هجليج» آخر مركز نفوذ مهم للجيش في تلك المنطقة.

حقل هجليج النفطي بولاية غرب كردفان، 2012. المصدر: محمد نورالدين عبدالله / رويترز

مصدر هندسي يعمل في «هجليج» قال لـ«مدى مصر» إنه عقب استيلاء قوات الدعم السريع على الحقل، أُغلق الإنتاج فعليًا، وتم إجلاء العاملين إلى مناطق أكثر أمانًا داخل جنوب السودان. في المقابل، قال مصدر عسكري بـ«الدعم السريع» إن قواتها تعمل على نشر قوة لحماية المنشآت النفطية ومنع دخول أي عناصر مسلحة أخرى، في محاولة لإدارة السيطرة دون تعريض المنشآت للخطر. 

ويعكس هذا التحوّل على الأرض تغيّرًا كبيرًا في موازين القوى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إذ تمنح السيطرة على «هجليج» رافعة تفاوضية قوية وقدرة على فرض نفوذ دائم في المنطقة.

وقال مصدر عسكري في جنوب السودان إن الجيش والفرقة العسكرية المنسحبة من بابنوسة بقيادة قائد ثاني الفرقة، حسن درموت، عبرت الحدود إلى جنوب السودان، وتم استقبالهم في منطقة أويل الجنوبية، مضيفًا أن توجيهات رئاسية صدرت عن رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، للجيش الشعبي باستقبال الجنود السودانيين، إلى حين التوصل إلى ترتيبات أخرى بالتنسيق مع قيادة الجيش السوداني.

من جانبه، قال مصدر في وزارة النفط السودانية إن التداعيات الاقتصادية لهذا الحدث فورية وواضحة، إذ يعني خسارة السودان لجزء مهم من إنتاجه النفطي، الذي كان يمثل مصدرًا أساسيًا لتمويل الجيش والخدمات الحكومية. 

أما في جنوب السودان، فأفاد مصدر حكومي رفيع لـ«مدى مصر» بأن تعطل أنابيب تصدير النفط عبر السودان يؤدي إلى خسارة إيرادات حيوية، ويضع جوبا أمام أزمة مالية محتملة تشمل الميزانية والخدمات والمشروعات التنموية، وربما تضطر إلى البحث عن بدائل تصدير أقل كفاءة أو خفض الإنتاج النفطي. وأضاف المصدر أن السيطرة على الحقل تمنح «الدعم السريع» تأثيرًا مباشرًا على اقتصاد جنوب السودان، ما يجعلها قادرة على استخدام النفط كورقة ضغط أو مصدر دخل مستقل.

وعلى الصعيدين العسكري والسياسي، قال مصدر أمني بجنوب السودان إن سيطرة قوات الدعم السريع على الحقل تشير إلى إمكانية توسيع نفوذها في المناطق المحيطة، بما فيها مناطق جنوب كردفان، مشيرًا إلى أن الحقل يمثل قاعدة استراتيجية تمكنها من السيطرة على طرق النقل والتصدير، وتتيح لها استغلال الموارد الأخرى في المنطقة.

وأوضح المصدر الأمني أن سيطرة «الدعم السريع» تضع الجيش السوداني في موقف ضعف، وتعقد أي جهود لإعادة استقرار مناطق النزاع أو استعادة الحقول النفطية. كما رأى أن المشهد السياسي أصبح أكثر تعقيدًا، فأي تسوية مستقبلية يجب أن تعترف بوجود «كيان موازٍ» يمتلك الموارد الاقتصادية والعسكرية، ما يحد من قدرة الدولة على فرض سلطة مركزية كاملة، وهو ما يثير قلق دولة جنوب السودان إزاء قدرتها على التحكم في مورد النفط، واضطرارها إلى التدخل بشكل مباشر في الحد من عمليات التخريب التي قد تطال البنية التحتية.

وأضاف المصدر الأمني أن قوات جنوب السودان بدأت حاليًا تتوغل باتفاق مع الحكومة السودانية من أجل تأمين مناطق حقل هجليج، وبالتنسيق أيضًا مع «الدعم السريع»، قائلًا: «لا نريد أي خسائر تصيب هذه الحقول أو تعطل عمليات تصدير النفط، هذا الأمر مزعج بالنسبة لنا في حكومة جنوب السودان، لكن واقع الحال في السودان يجبرنا على تفعيل الاتفاق الأمني المشترك مع السودان»، لافتًا إلى أنهم وجدوا ترحيبًا من «الدعم السريع» باستلام الحقل. 

وفي السياق نفسه، قال مصدر في «الدعم السريع» إنهم يعملون مع حكومة جنوب السودان على تأمين مواقع النفط، مؤكدًا وصول قوات من الجيش الشعبي إلى منطقة هجليج من أجل المساعدة في تأمين المنشآت. وأضاف أنهم رحبوا بمبادرة حكومة جنوب السودان وأنهم لا يرفضون وجود ما وصفها بـ«قوات صديقة»، مشيرًا إلى أن «الدعم السريع» ستُبقي جزءًا من قواتها في الحقل، ولن تسحبها بالكامل. 

مصدر مسؤول في دولة جنوب السودان، قال لـ«مدى مصر» إن رئيس أركان الجيش الجنوب سوداني، بول نانق، وصل، أمس، إلى «هجليج» للإشراف على تأمينه. 

وبحسب خطاب نشرته وسائل إعلام، طالبت شركة البترول الوطنية الصينية المملوكة للدولة (CNPC)، التي كانت تتولى إدارة الحقل، بعقد اجتماع عاجل مع الحكومة السودانية في جوبا خلال الشهر الجاري، لمناقشة الإنهاء المبكر لعملها. 

وأرجعت الشركة طلبها إلى التدهور المستمر في بيئة أمن الحقل، وتكرار أعمال التخريب والسرقة، وانهيار سلاسل التوريد، ما أدى إلى نقص حاد في قطع الغيار والمعدات الأساسية.

لحظات قبل استهداف مسيرة استراتيجية استهدفت تجمعًا لـ«الدعم السريع» في بلدة كتيلة بجنوب دارفور، 9 ديسمبر. المصدر: أحداث الشرق الأوسط على اكس

وفي تطور ميداني لاحق، أفاد مصدر ميداني يتبع للجيش السوداني لـ«مدى مصر» بأن مسيرة استراتيجية استهدفت، أمس، تجمعات لـ«الدعم السريع» في منطقة فاما بهجليج.

وقال المصدر إلى أن الغارة أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر «الدعم السريع»، إضافة إلى سقوط آخرين موالين لها، بينهم أحد أبرز قيادات الإدارة الأهلية بغرب كردفان، العمدة حمدان جار النبي، مشيرًا إلى نقل عدد من الجرحى إلى مدينة المجلد لتلقي العلاج، في وقت فرضت «الدعم السريع» إجراءات مشددة على تحركات قواتها وتجمعاتها.

جلسة مغلقة في مجلس الأمن حول السودان... والبرهان يجدد شروطه للتوصل إلى هدنة إنسانية

رئيس المجلس والقائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، في جولة بمدينة أم درمان، 4 ديسمبر. المصدر: القوات المسلحة السودانية على فيسبوك

مع استمرار المذابح التي أودت بحياة أكثر من 114 شخصًا في جنوب كردفان، غالبيتهم من الأطفال، خلال الأسبوع الجاري، وسط تحذيرات أممية من تكرار سيناريو الفاشر في كردفان، واستمرار التصعيد العسكري، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة مغلقة، الاثنين الماضي، بشأن الوضع في السودان، بطلب من المملكة المتحدة والدنمارك.

وقال مصدر دبلوماسي في بعثة السودان لدى الأمم المتحدة لـ«مدى مصر» إن الجلسة ناقشت الوضع في كردفان والانتهاكات المستمرة من قوات الدعم السريع. 

وخلال الفترة الماضية، لم ينجح الضغط الدولي في جلب الأطراف إلى طاولة التفاوض للتوصل إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، وفق ما طرحته الرباعية الدولية التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة. ففي الوقت الذي تواصل فيه «الدعم السريع» عملياتها العسكرية في غربي البلاد وتوسع سيطرتها على مناطق جديدة، يتمسك الجيش السوداني بشروط تتضمن إعادة انتشار «الدعم السريع» في أماكن تجمع خارج مدن دارفور الرئيسية. 

هذه الشروط أعاد البرهان تأكيدها أمام حشود غفيرة استقبلته في مدينة أم درمان غربي العاصمة السودانية الخرطوم، الخميس الماضي، مشددًا على أنه لا سلام دون انسحاب «الدعم السريع» من المدن وتسليم أسلحتها، نافيًا في الوقت نفسه وجود عناصر إسلامية داخل الجيش.

وتأتي تصريحات البرهان في أعقاب ما يعتقد أنها نافذة فتحت له في واشنطن، على خلفية مناقشة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الشهر الماضي، في المكتب البيضاوي، الأزمة في السودان.

في المقابل، قال مصدر رفيع في قوات الدعم السريع لـ«مدى مصر» إن تصريحات البرهان الأخيرة في أم درمان تُظهر عدم جديته في التفاوض باعتباره مخرجًا للأزمة، متوعدًا بشن المزيد من العمليات العسكرية لإجبار الجيش على السلام، على حد قوله.

كانت قوات الدعم السريع استولت، في الأول من ديسمبر الجاري، على مدينة بابنوسة، ومع بسط سيطرتها على حقل هجليج النفطي، أصبحت تسيطر فعليًا على كامل ولاية غرب كردفان. 

وتعد مدينة بابنوسة مركزًا لوجستيًا، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من الإمدادات والمعدات المرتبطة بعمليات استخراج النفط ونقله، ما يجعل السيطرة عليها أولوية قصوى لأي طرف يسعى إلى تثبيت نفوذه في الولاية.

كما يمثل سقوط المدينة تهديدًا مباشرًا لمدن أخرى لا تزال تحت الحصار، على رأسها كادقلي والدلنج اللتان تخضعان لحصار مزدوج من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي طالبت الاثنين الماضي، الجيش بالانسحاب من المدينتين وتسليمهما. 

مصدر في مجلس السيادة وصف لـ«مدى مصر» تصريحات البرهان الأخيرة في أم درمان بأنها بمثابة قاعدة ينطلق منها موقف الحكومة الرسمي وغير الرسمي في التفاوض، حيث يسعى الجانبان المصري والأمريكي إلى إحياء ملف الهدنة قبل نهاية العام. 

وقال المصدر إن الاتصالات غير الرسمية بين البرهان وكل من القاهرة وواشنطن مستمرة، مشيرًا إلى أن البرهان لم ينف خلال تصريحاته الأخيرة في أم درمان رغبته في الوصول إلى سلام، مؤكدًا أن تصريحاته مبنية على اتفاق داخلي بين الجيش والحركات المسلحة في التوصل إلى هدنة وفق شروط محددة. 

وخلال نقاشات مطولة جرت الشهر الماضي في العاصمة السودانية الخرطوم اتفق البرهان وقادة الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش على نقاط رئيسية فيما يخص ملف الهدنة والعمليات العسكرية الحالية، وفقًا للمصدر، الذي أوضح أن الأطراف اتفقت على عدم توقيع أي هدنة مع قوات الدعم السريع طالما أنها تسيطر الفاشر، مشيرًا إلى أن الحركات المسلحة ستعمل على خوض العمليات العسكرية في جميع مناطق كردفان، بالإضافة إلى تعديل وضعها داخل الحكومة، بما في ذلك تقليل حصصها الوزارية وفق تعديلات سيجريها رئيس الوزراء، كامل إدريس، على حكومته.

وأشار المصدر إلى أن الجيش سيتولى تسليح الحركات المسلحة وفقًا لبروتوكول عسكري وترتيبات بين الطرفين، على أن تعمل الحركات على الحشد الشعبي وفتح معسكرات للتدريب.

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي رفيع بالخارجية السودانية قال لـ«مدى مصر» إن الولايات المتحدة أجرت، نهاية الأسبوع الماضي، مشاورات مطولة مع لجنة الاتصال التي قدمت رد الحكومة السودانية على مقترح الهدنة الذي قدمته واشنطن، في ورقة دفع بها، الشهر الماضي، المستشار الأول بوزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، مسعد بولس.

كان البرهان رفض المقترح في نهاية نوفمبر الماضي خلال اجتماع مع قادته العسكريين، وشكل مجلس الأمن والدفاع لجنة لدراسته ورد الحكومة السودانية عليه. 

وانخرطت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مكثف، منذ أغسطس الماضي، في الملف السوداني، إذ التقى وفد سوداني بمسعد بولس في زيورخ، قبل أن تتجدد اللقاءات الحكومية في واشنطن، نهاية أكتوبر، حيث أوضحت الحكومة السودانية موقفها من الانتهاكات التي ارتكبتها «الدعم السريع»، بالإضافة إلى عدد من النقاط المتعلقة بإيصال المساعدات الإنسانية. 

وتجددت اللقاء السودانية-الأمريكية في العاصمة المصرية القاهرة، مطلع نوفمبر الماضي، حين ناقش الجانبان، بتسهيل من الطرف المصري، مشروع الهدنة الأمريكي الذي قوبل بالرفض، ورغم تصريحات البرهان، نهاية نوفمبر الماضي، التي اعتبر فيها مسعد بولس «عائقًا أمام السلام»، فإن المصدر الدبلوماسي أكد استمرار الاتصال بين الخرطوم وواشنطن.

وكان وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أشار في لقاء صحفي، الأسبوع الماضي، إلى أن الرئيس ترامب لم يرسل مندوبًا عنه، الأمر الذي أكده الدبلوماسي السوداني، إلا أن الاتصالات الدبلوماسية لم تنقطع سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الجانب المصري. 

مصدر دبلوماسي سابق بوزارة الخارجية السودانية اعتبر أن البرهان استفاد من تعدد القنوات الدبلوماسية وتضارب الرؤية الأمريكية، التي توضح أن الولايات المتحدة لا تريد الانخراط المباشر بما يعقد موقفها مع حلفائها في المنطقة، لافتًا إلى أن البرهان فتح جميع المسارات أمام الولايات المتحدة الأمريكية حتى يتجنب الصدام المباشر، الأمر الذي سمح له بخلق مسارات متضاربة ستؤول جميعها للفشل. 

وقال المصدر إنه إذا لم يحدث اتفاق بين الإمارات والسعودية حول كيفية التعاطي مع الأزمة، فمن المستحيل أن تنجح الرؤية الأمريكية تجاه وقف الحرب والتوصل إلى هدنة إنسانية، موضحًا أن التجاهل الخليجي لدور مصر يعيق أيضًا بناء مسار جاد، حيث تنخرط مصر بعيدًا عن أي حسابات خليجية في الملف السوداني، مؤكدًا أن تضارب هذه الجهود هو ما يسمح لبرهان بالحديث في الداخل لحلفائه بأن الحل عسكري، الأمر الذي يشعل طموح «الدعم السريع» في العودة إلى الخرطوم مرة أخرى بعد الدعم المتوافر والمتدفق من الإمارات. 

وختم المصدر بالقول إن الصورة تبدو قاتمة، في ظل أزمة اقتصادية بلغت مستويات غير مسبوقة، وتحوّلت إلى عنصر ضغط خانق على المجتمع والأطراف المتحاربة على حدّ سواء، بما في ذلك انهيار قيمة العملة الوطنية، وشلل المؤسسات، واتساع رقعة النزوح، وتدهور الأسواق، لافتًا إلى أنها عوامل تدفع نحو تفكك الدولة وتحويل اقتصاد البلاد إلى اقتصاد حرب قائم على شبكات تهريب وابتزاز وسيطرة محلية على الموارد. 

كامل إدريس يستعد لإجراء أكبر تعديلات في حكومته منذ تعيينه قبل ستة أشهر

رئيس الوزراء، كامل إدريس، في اجتماع لمجلس الوزراء، 12 أكتوبر. المصدر: وكالة السودان للأنباء على يوتيوب

بعد ستة أشهر من تعيينه رئيسًا للوزراء، لم يتمكن كامل إدريس وحكومته من تنفيذ أي وعود، أو إقناع العالم بوجود حكومة مدنية فاعلة، في وقت يدفع فيه إدريس نحو إجراء تعديلات كبيرة، حسبما أفادت مصادر حكومية تحدثت إلى «مدى مصر»، وسط مخاوف من صراع نفوذ قد يتطور إلى صراعات أكبر داخل التحالف العسكري الحاكم في السودان. 

ومنذ الأيام الأولى لتولي إدريس منصبه، بدا واضحًا أن تشكيل الحكومة ليس مجرد إجراء سياسي، بل ساحة صراع بين مراكز النفوذ القديمة وتصور جديد يحاول إدريس فرضه على جهاز تنفيذي هش، متشظٍ، ومثقل بإرث سنوات الحرب. ففي العلن، يطرح إدريس خطابًا عن إعادة بناء مؤسسات الدولة، بينما تتوالى في الكواليس روايات عن خلافات حادة مع عدد من الوزراء، وملفات جُمِدت فجأة، وتدخلات مباشرة من مكتبه داخل وزارات ما زالت تحاول التكيف مع التغيير، وصولًا إلى أحاديث تتكرر داخل المكاتب عن اتجاه فعلي لإقالة نحو ستة وزراء، وربما أكثر.

موظف يعمل في وزارة خدمية قال لـ«مدى مصر»، إن هناك توترًا متزايدًا داخل الوزارات، وأوضح أن تحولًا مفاجئًا طرأ على سير العمل، منذ الأسبوع الأول من نوفمبر، مشيرًا إلى إنهم يستقبلون وفودًا «غير مُعرَّفة» من رئاسة الوزراء تدخل إلى الأرشيف وتطلب نسخًا من مراسلات داخلية، دون إخطار الوزير أو مكتبه. وأضاف أن الوزير اكتشف الزيارة بعد انتهائها، وبدأ الموظفون الحديث عن أن هذه المراجعات تمهّد لإزاحته، مؤكدًا أن الوزير أوقف ثلاثة قرارات وقّع عليها تحت ضغط اتصالات «غير مباشرة» تطلب منه التريث.

وفي وزارة اقتصادية، روى موظف واقعة أخرى تعكس تصاعد الاحتكاك، إذ دخل ممثلون عن مكتب رئيس الوزراء إلى اجتماع داخلي بنبرة أقرب إلى التحقيق بشأن خطة التسعين يومًا.

وبحسب الموظف فإن الوزير انفجر غاضبًا وقال لهم: «هذه وزارة وليست غرفة عمليات»، مشيرًا إلى أنه في أعقاب الاجتماع، أغلق الوزير المكتب على نفسه ولم يقابل أحدًا، قبل أن يصله اتصال من مكتب إدريس يطلب تفسير «نبرة حديثه». ووفق الموظف، شعر الوزير بأن التعامل معه مصمَّم لإظهار ضعفه قبل اتخاذ قرار أكبر.

أما في وزارة معنية بالإغاثة، قال موظف في الإدارة المالية لـ«مدى مصر» إن وزارته استلمت خطابًا موجزًا يأمر بوقف تنفيذ منحتين حيويتين -إحداهما لشراء أدوية- دون أي تفسير، ولا تحديد لمدة التجميد، ووصف الوزير القرار بأنه «تدخل غير مسبوق»، بينما قرأه الموظفون باعتباره محاولة لدفع الوزير إلى زاوية سياسية وإدارية خانقة. 

وفي وزارة أخرى، قال موظف إن مديره العام اجتمع بهم وطلب منهم ترتيب كل الملفات «على أساس أن الوزير يمكن أن يذهب»، وهي جملة أثارت إحساسًا عامًا بأن التغيير محسوم، والأمر مسألة وقت.

وفي وزارة سيادية، قال مستشار قانوني إن الوزير صار يسأل بقلق غير معهود عما إذا كانت «الملفات الأساسية جاهزة في حال تمت إقالته»، وهي إشارة كافية لتوضيح حجم الاضطراب داخل المستويات العليا.

هذه الشهادات المتناثرة تتقاطع مع تقديرات مسؤولين سابقين مختصين في الإدارة الحكومية، حيث قال أحد الوزراء السابقين الذين عملوا في مرحلة انتقالية سابقة لـ«مدى مصر» إن ما يفعله إدريس يمكن قراءته باعتباره «جزءًا طبيعيًا من محاولة تثبيت السيطرة قبل أن تتكرس مراكز قوى داخل الوزارات»، وأوضح أن الوزراء الحاليين «ليسوا من اختياره، بل هناك جهات تدخلت في تعيينهم -لم يسمها- وبالتالي مجرد بقائهم يحد من خياراته السياسية والإدارية»، مضيفًا أن التدخلات المبكرة غير الرسمية «أسلوب مألوف في لحظات انتقال السلطة بالسودان، إذ تسبق الإقالات عادةً بزيارات مفاجئة أو تجميد لقرارات بعينها».

وقال مستشار إداري سابق في مجلس الوزراء لـ«مدى مصر» إن الحكومة الحالية ورثت جهازًا إداريًا مكسورًا بالفعل، لكن طريقة المعالجة «قد تكون أخطر من المشكلة نفسها»، لأن التفتيش غير المعلن وتجميد القرارات بلا مذكرات رسمية يخلقان ما يسمّيه «شلل الخوف»، حيث يتوقف الموظفون عن اتخاذ أي خطوة خشية محاسبتهم لاحقًا.

وأضاف المستشار أن هذه الطريقة تعيد إنتاج نفس الأزمة التي حاولت الحكومات الانتقالية السابقة التخلص منها: إدارة الوزارات عبر الإشارات غير المباشرة والقنوات الموازية بدلًا من آليات القرار الرسمية، وتابع «أيضًا مع تداخل هذه الروايات، يظهر أن إدريس يتحرك انطلاقًا من ثلاثة دوافع رئيسية: الحاجة إلى فريق متجانس تمامًا يعمل تحت رؤيته المباشرة، والرغبة في تفكيك الشبكات غير الرسمية التي ترسّخت داخل الوزارات منذ سنوات، والتي تُعرف داخل بعض الأوساط بالإدارات الموازية، ثم محاولة خلق معادلة جديدة مع المؤسسة العسكرية عبر تغيير الوجوه التي يُنظر إليها باعتبارها امتدادًا لمراكز نفوذ قديمة، لكن هذه الدوافع نفسها تدفع إلى صدام مبكر بين رئاسة الوزراء والوزراء الذين يشعرون بأنهم يُدارون الآن عبر أساليب ضغط لا عبر قنوات رسمية».

وأصدر مجلس الوزراء الانتقالي في السودان تعميمًا رسميًا، الاثنين الماضي، بالرقم (18) لسنة 2025 وفقًا لما قاله مصدر وزاري لـ«مدى مصر»، لافتًا إلى أن القرار وجّه فيه إدريس عددًا من الوزارات ببدء ترتيبات انتقالها من العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان إلى العاصمة الخرطوم.

وبحسب الخطاب الذي أحالته الأمانة العامة لمجلس الوزراء، فقد شمل التوجيه وزارات: العدل، الزراعة والري، المعادن، الثروة الحيوانية والسمكية، البنى التحتية والنقل، التحول الرقمي والاتصالات، التربية والتعليم، التعليم العالي والبحث العلمي، الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الشؤون الدينية والأوقاف، الثقافة والإعلام، والآثار والسياحة.

وبينما تستعد بعض الوزارات لسيناريو الإقالات باعتباره أمرًا شبه محسوم، تبدو الصورة في محيط إدريس أكثر ضبابية. ثلاثة مصادر في رئاسة الوزراء قالت لـ«مدى مصر» إن التسريبات تتحدث عن إقالة ستة وزراء دفعة واحدة، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى تعديل أوسع قد يشمل ما يصل إلى تسع حقائب، فيما قال أحد المصادر الثلاثة، إنه في كل الأحوال، يقرأ كثيرون هذه الخطوة المبكرة كمحاولة لوضع بصمة قوية قبل أن تستقر الكراسي، فيما يخشى آخرون أن يفتح التعديل المرتقب الباب لمواجهة داخلية أكبر، خاصة إذا شعرت أطراف نافذة أن التغيير يهدد مصالحها داخل جهاز الدولة.

عقوبات أمريكية على شبكة تجنّد عسكريين كولومبيين لصالح «الدعم السريع»

أعلنت الولايات المتحدة، أمس، فرض عقوبات جديدة على شبكة تعمل على تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين وإرسالهم إلى السودان للقتال ضمن صفوف قوات الدعم السريع، إلى جانب تدريب مقاتلين بينهم أطفال، وفق بيان لوزارة الخزانة الأمريكية.

وأوضح البيان أن العقوبات شملت أربعة أفراد وأربعة كيانات في كولومبيا وبنما، متهمًا إياهم بتسيير شبكة «عابرة للحدود» سهّلت وصول مئات العسكريين الكولومبيين السابقين إلى السودان منذ سبتمبر 2024، لأداء مهام قتالية تشمل المشاة والمدفعية وتشغيل الطائرات المسيّرة وقيادة المركبات، إضافة إلى التدريب العسكري.

وأضاف البيان أن العقوبات تأتي في إطار الجهود الأمريكية لوقف ما وصفته بـ«الدور المتزايد للشبكات الخارجية» في تغذية الحرب السودانية، وذكر أن مقاتلين أجانب شاركوا في عمليات «الدعم السريع» الأخيرة في مدينة الفاشر بشمال دارفور.

واتهمت وزارة الخزانة قوات الدعم السريع بمواصلة استهداف المدنيين «بشكل منهجي» منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، قائلةً إن الانتهاكات شملت قتل رجال وصبية، بينهم رُضّع، بخلاف الاعتداء على النساء والفتيات باستخدام العنف الجنسي، ومنع المدنيين من الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

وأكدت الوزارة أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى تعطيل قنوات التجنيد والدعم العسكري الذي تحصل عليه «الدعم السريع» من خارج السودان، مشيرةً إلى أنها ستواصل متابعة الأطراف المتورطة في تمويل أو تسليح أي طرف يفاقم الصراع في البلاد.

كانت القوى المشتركة تحدثت في وقت سابق عن مشاركة مرتزقة كولومبيين في معارك «الدعم السريع» في دارفور والفاشر، حيث أوضحت القوى المشتركة أن المرتزقة الكولومبيين يشاركون في معارك «الدعم السريع» منذ أكثر من عام، بجانب مرتزقة آخرين يتم استجلابهم من دول الجوار.

تدهور الوضع الإنساني والصحي في بابنوسة.. وفقدان الاتصال بعشرات الأسر

قال مصدر محلي مطّلع على أوضاع الخدمات في ولاية غرب كردفان إن كل شيء في بابنوسة يتراجع بسرعة أكبر مما تستطيع المدينة احتماله.

وتعيش ولاية غرب كردفان فترة هي الأكثر قسوة منذ بداية المواجهات الأخيرة، مع اتساع رقعة العنف وعزل عدد من المدن عن الطرق الحيوية، فيما أصبحت مدينة بابنوسة تحديدًا مركز الانهيار الإنساني بعد أن تحولت خلال أيام قليلة إلى منطقة تحت سيطرة الدعم السريع. 

كانت بابنوسة خضعت لعامين من الحصار والمواجهات العسكرية بين الجيش و«الدعم السريع»، ما اضطر سكانها إلى النزوح وإفراغ مركزها، فيما عانت الأحياء والأطراف المحيطة بها من سقوط المدينة في يد الدعم السريع وما تلاه من انهيار إنساني.

سكان من داخل بابنوسة تحدثوا إلى «مدى مصر» عبر فترات قصيرة من الاتصال قالوا إن الغذاء يقترب من النفاد، وأكد أحد الأهالي من حي المقاطع أن مخزون الأسر من الدقيق والزيت «نفد بالكامل تقريبًا»، مضيفًا: «نحن الآن نقسّم وجبة واحدة على اليوم كله. الأطفال أصبحوا يبكون من الجوع ليلًا»، فيما أكدت سيدة من حي الصحافة أنها لم تعد تجد أي مكان يبيع الخبز منذ ثلاثة أيام، مشيرة إلى أن بعض العائلات بدأت تعتمد على تبادل ما تبقى لديها من مؤن «نحن نعيش على المشاركة، لو لم نفعل ذلك سيجوع الكثير من الناس». 

صحيًا، قال مصدر طبي لـ«مدى مصر» إن الوضع تدهور بشكل حاد بعد توقف المستشفى الرئيسي عن استقبال الحالات الحرجة، وأشار المصدر الذي يعمل حاليًا في عيادة ميدانية، إلى أن المستشفى أصبح خارج الخدمة تمامًا بعد نفاد الوقود وانسحاب جزء من الكادر الطبي. 

وأضاف المصدر: «نستقبل إصابات خطيرة ونعتذر للناس. نعمل بأدوات قليلة جدًا، والإسعافات نقوم بها بطريقة غير آمنة. أي جرح اليوم ممكن يتحول لمشكلة أكبر بسبب عدم التعقيم»، فيما قال مصدر آخر يشارك في نقل المصابين على الدراجات النارية إن كثيرًا من الحالات يمكن إنقاذها إذا كان هناك مستشفى يعمل. 

وقال أحد سكان الحي الجنوبي لـ«مدى مصر» إن القلق الأكبر يدور حول عشرات الأطفال والنساء الذين انقطع الاتصال بهم منذ اشتداد المواجهات حول الأحياء الشرقية، مضيفًا «توجد مناطق لم يستطع أحد الدخول إليها. لا ندري عن السكان هناك أي شيء.. تعمل الشبكة حوالي عشر دقائق في اليوم نحاول أن نرسل رسائل سريعة، لكن لا رد يأتينا». فيما قال مواطن آخر إن بعض الأسر فقدت التواصل مع أقاربها منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة، مضيفًا: «الخوف ليس من القتال وحده، نخاف من الجوع والعطش داخل البيوت».

وأصبحت المناطق المحيطة بالمدينة، مثل الفولة والمجلد وأبو زبد، مراكز نزوح داخلي غير منظّم. مصدر من الفولة قال إن عدد الوافدين أكبر من أي قدرة على الاستيعاب، مشيرًا إلى أن المدارس امتلأت بالكامل، وأن بعض النازحين بدأوا يفترشون الساحات العامة، لافتًا إلى أن السكان يحاولون تقديم المساعدة، لكن أعداد النازحين أكبر من طاقة أي جهة، بينما قال أحد المتطوعين في المجلد «نقسّم المساعدات لحد ما صارت الحصة أقل من وجبة».

في الأثناء ارتفعت أسعار السلع الأساسية في لقاوة والدبب إلى مستويات غير مسبوقة، إذ قفز سعر الوقود خلال أسبوع واحد إلى أكثر من ضعفين، ما أدى إلى تعطل آبار المياه وانقطاع النقل الداخلي. وقال مزارع من أطراف لقاوة لـ«مدى مصر» إن الخروج إلى الحقول أصبح مخاطرة كبيرة، ما يهدد الموسم الزراعي الشتوي ويزيد من احتمالات الجوع خلال الأشهر القادمة.

يأتي ذلك وسط انعدام الأمن في الطرقات بين القرى، ولمرور المساعدات يتطلب الأمر اتفاقات محلية مؤقتة أو عبر مسارات التفافية تستغرق ساعات طويلة. مصدر إداري محلي قال لـ«مدى مصر» إن ولاية غرب كردفان الآن بلا إدارة فعلية، مشيرًا إلى أن البلاغات التي تُرفع يوميًا لا تجد أي استجابة على الأرض «الناس تُركت تعتمد على نفسها. لا توجد جهة قادرة على التدخل».

مقتل عشرات الأطفال في هجمات لـ«الدعم السريع» على كلوقي بجنوب كردفان 

متطوع من فريق سابا مع مصاب نتيجة هجمة شنتها مسيرات «الدعم السريع» على منطقة كلوقي بولاية جنوب كردفان، 8 ديسمبر. المصدر: تجمع الأطباء السودانيين بأمريكا - سابا على فيسبوك

قتلت هجمات شنتها مسيرات «الدعم السريع»، الجمعة الماضي، على منطقة كلوقي بولاية جنوب كردفان، 114 شخصًا، بينهم عشرات الأطفال، في هجوم دموي استهدف روضة أطفال ومستشفى المدينة الريفي وأحياء مأهولة بالسكان.

وأفاد مصدر في حكومة ولاية جنوب كردفان لـ«مدى مصر» إن حصيلة الضحايا الأولية وصلت إلى 114 قتيلًا، و71 مصابًا، فيما قال مصدر طبي بالمدينة إن الحصيلة الأولية للهجوم كانت 79 قتيلًا، بينهم 43 طفلًا، بالإضافة إلى 38 جريحًا، في حين توقع ثلاثة مسعفين محليين ارتفاع أعداد الضحايا مع وصول مزيد من الإحصاءات بسبب صعوبة الحصر في الوقت الحالي.

خمسة مصادر من سكان كلوقي قالوا لـ«مدى مصر» إن الهجمات بدأت بقصف من الطائرات الصغيرة على روضة أطفال في حي سكني، ثم امتد الهجوم إلى المستشفى وأماكن تجمع المدنيين، ما دفع الأهالي للفرار نحو المناطق المحيطة، بينما بقي البعض محاصرًا.

وقال أحد الناجين: «سمعنا انفجارًا قويًا وبعدها أصوات صراخ وبكاء، الأطفال ركضوا في كل الاتجاهات، أما الأقارب فحاولوا حماية أنفسهم لكن لم يكن هناك مأمن».

وتعرض مستشفى المدينة الريفي الذي استقبل الجرحى للقصف في أثناء محاولات إسعاف المصابين، حسبما قال مصدر محلي من السكان، أشار إلى أن هذا أدى إلى توقف خدمات الإسعاف، واضطر الأهالي إلى نقل المصابين للمنازل أو مناطق أخرى عبر الدراجات النارية والحمير، وسط خوف من تكرار الهجمات.

مصدر من فرق الطوارئ قال إن الأطفال والنساء كانوا الأكثر تأثرًا، وإن العديد من الإصابات لم تلق أي علاج فوري، بينما فقد بعض المصابين حياتهم في الطريق إلى أماكن آمنة.

وأجبرت الهجمات الدموية المئات من سكان أحياء شرق ومركز كلوقي على الفرار إلى المناطق المجاورة بحثًا عن مأوى مؤقت، كما تسببت في إحراق بعض المنازل، وتدمير بعض المخازن الغذائية ومصادر المياه الصالحة للشرب، ما أدى إلى خلق أزمة إنسانية بالغة.

وتعليقًا على الهجمات، وصفتها وزارة الخارجية السودانية بأنها «جريمة بشعة ارتكبها تنظيم إرهابي»، أي قوات الدعم السريع، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف الهجمات على المدنيين، فيما طالب الاتحاد الإفريقي بإجراء تحقيق مستقل ونقل نتائجه إلى آليات العدالة الدولية، كما حذرت منظمات إنسانية دولية، بينها يونيسيف، من أن أي تأخير في الإغاثة قد يؤدي إلى تفشي أوبئة وسوء تغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء وكبار السن. 

وحتى الآن لم تصدر أي بيانات من قوات الدعم السريع تنفي الهجوم أو تعترف بمسؤوليتها، بينما تتواصل الاتهامات من جهات حقوقية وإغاثية بأن ما حدث يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان.

جاء الهجوم على كلوقي في سياق تصاعد الصراع في جنوب ووسط كردفان، بعد توسّع سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من دارفور المجاورة، ما دفع لفتح جبهات جديدة في كردفان. 

مصدر في حكومة جنوب كردفان قال لـ«مدى مصر» إن استهداف مدينة مأهولة بالمدنيين يرسل رسالة تحذير لسكان المناطق المحيطة، ويمثل تهديدًا لمناطق مدنية، ويهدف إلى تفريغها من سكانها وتحويلها إلى مناطق نزوح أو سيطرة عسكرية، مضيفًا أن المخاطر القادمة تشمل احتمال ارتفاع عدد الضحايا مع وصول مزيد من الإحصاءات، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، وتزايد النزوح الداخلي، وانتشار الأمراض وسوء التغذية، بالإضافة إلى تعميق الانقسامات والتوترات بين المكونات المحلية، ما قد يغذي دورة انتقام وتأزيم أكبر في المستقبل.

عن الكتّاب

أخبار ذات صلة

#السودان

إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق

في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…

14 دقيقة قراءة
#نشرة السودان

«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان

بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…

13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن