توابع استقالة «عامر» المفاجئة: ترجيحات بسياسة نقدية «أكثر مرونة» وتعليمات بضوابط إعلامية لتناول الأسباب.. وتكهنات حول المرشحين لخلافته
عممت إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على المواقع الإلكترونية والصحف والقنوات الفضائية التابعة لها، مجموعة من التعليمات للتعامل الإعلامي مع استقالة محافظ البنك المركزي، طارق عامر، مفادها التركيز على أن عامر قرر الاعتذار من منصبه لضخ دماء جديدة في السوق المصرفي.
التعليمات الصادرة من إدارة الشركة التابعة للمخابرات العامة، والتي اطلع «مدى مصر» على نسخة منها عبر مصدر مُطلع بالشركة، تضمنت تركيز المُذيعين والقصص الإخبارية على أن تغيير «محافظ المركزي» أتى لإحداث تغيير في السياسات النقدية لتطوير الأداء الاقتصادي والتعامل مع المتغيرات العالمية في ظل الأزمة الحالية، مع استضافة خبراء اقتصاديين لتحليل الحدث دون أي تجاوز في حق طارق عامر.
في المقابل، ربط محلل اقتصاد كلي في أحد أبرز المجموعات المالية، فضل عدم ذكر اسمه، بين قرار «إبعاد» عامر عن البنك المركزي، وبين الانتقادات التي وجهها صندوق النقد الدولي للسياسات النقدية في مصر علنًا في بيان صدر في يوليو الماضي.
وقال المصدر بالمجموعة المالية: «يبدو واضحًا أن تنحي عامر عن السياسات النقدية في هذا التوقيت قد يخدم سير مفاوضات الحكومة المصرية مع الصندوق»، مضيفًا: «سيعني ذلك أن مصر منفتحة على خيارات جديدة ومستعدة لتبني سياسات أكثر مرونة على صعيد سعر الصرف بالذات».
كانت مصادر مطلعة على سير المفاوضات بين الصندوق ومصر، كشفت لـ«مدى مصر» سابقًا عن خلاف في صفوف البيروقراطية المصرية حول إمكانية التراجع أمام ضغوط الصندوق بتحرير إضافي لسعر الصرف، خاصة في ظل تقديرات ترى أن السماح ببعض المرونة في سعر الصرف قد يصل بسعر الدولار إلى 25 جنيهًا، وهو الرأي الذي كان عامر يتبناه، في حين انحاز وزير المالية، محمد معيط، للمنطق المقابل بالسماح بمرونة كاملة متوقعًا ألا يزيد سعر الدولار في تلك الحالة عن 20 جنيهًا. كان البنك المركزي أعلن، في مارس الماضي، عن تحرير جديد لسعر الجنيه ساهم في انخفاض سعره مجددًا، بعد فترة ثبات نسبي في سعره.
وقبل أيام من الإعلان عن استقالة عامر، بدا أن احتفاظ وزير المالية بمنصبه في ظل التعديل الوزاري الواسع، مؤشر على انتصار وجهة النظر الثانية، خاصة وأن التعديل الوزاري تزامن مع شائعة استقالة عامر وقتها والتي سرعان ما نفاها نائب محافظ المركزي، جمال نجم، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط.
لكن «نفي الشائعة وقتها قبل أن تتضح صحتها عبر الإعلان الرسمي اليوم، ليس مفاجئًا لأن تسرب الخبر قبل إعلانه رسميا كان سيعني بلبلة واسعة النطاق في السوق لهذا من المعتاد تمامًا أن تتم مواجهتها بنفي من هذا النوع»، بحسب المصدر السابق.
وأوضح المصدر: «الصندوق يرى أن استمرار سياسة تثبيت سعر الصرف أو تحركه البطيء بما لا يعكس قيمته الحقيقية، عبر مساندة الجنيه باستخدام جانب من الاحتياطي النقدي الأجنبي في ضخ السيولة الأجنبية في السوق، يعني عمليًا تعريض الاحتياطي النقدي نفسه لهزات متكررة تجعله أقل قابلية للصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، كصدمة تفشي فيروس كورونا». وأضاف: «بناء على ذلك، من المرجح أن يكون على رأس أولويات أي محافظ جديد للبنك المركزي إعادة بناء الاحتياطي النقدي الأجنبي، وهو أمر سيساهم في تحقيقه الحصول على قرض من صندوق النقد من ناحية، بالإضافة إلى بعض التحسن على المدى الأبعد في تدفق الأموال الساخنة مجددًا، والذي سيدعمه تراجع سعر الجنيه الذي يدعم طبعًا جاذبية أوراق الدين المصرية».
وقبل تهاويه إلى مستوى 36 مليار دولار تقريبًا بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا، كان الاحتياطي النقدي الأجنبي بلغ مستويات قياسية في 2020، وصلت إلى 45 مليار دولار، والتي «نجح» عامر في الوصول إليها عبر ارتفاعات متواصلة دون انقطاعات تذكر منذ نهاية 2016، الذي كان قد شهد أحد أسوأ مستويات الاحتياطي النقدي الأجنبي في عشر سنوات على الأقل حين بلغ وقتها 15 مليار دولار تقريبا، وذلك لأسباب تتعلق بالأساس بتدفقات الأموال الساخنة -استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، بسبب التراجع الكبير في سعر الجنيه من ناحية والرفع الكبير للغاية في سعر الفائدة، وهي السياسة التي صاحبت تحرير سعر الصرف، وكان مبررها المعلن هو مواجهة التضخم.
كان عامر دافع، في مايو الماضي، عن سياسة استخدام احتياطات النقد الأجنبي قائلًا إن استخدام وتدخل البنك المركزي في السوق باحتياطيات النقد الأجنبي أمر طبيعي، وأن هذه الاحتياطيات يتم بناؤها لمواجهة التقلبات الاقتصادية.
من جانبه، رأى المصدر أن سياسة البنك المركزي في ظل قيادة طارق عامر له استهدفت خفض التضخم بشكل حثيث، وكانت المرة الأولى التي نشهد فيها وضع مستهدفات رقمية بمعدل التضخم.
وتزامنت رئاسة طارق عامر للمركزي مع واحدة من أسوأ أزمات التضخم في تاريخ مصر وهي الأزمة اللاحقة على قرار «تحرير» سعر الجنيه في نوفمبر 2016، بالإضافة لعدد من القرارات على مستوى السياسة المالية من قبيل رفع أسعار المواد البترولية، وصولًا لمعدلات تعدت 33% في عام 2017.
وخلال فترة شغله لمنصبه، دخل عامر في عدد من المعارك، كان من أبرزها معركته مع قيادات البنوك حين أصدر قرارًا بألا تزيد مدة شغل منصب الرئيس التنفيذي في البنوك على تسع سنوات، ثم معركته مع هشام عز العرب، الرئيس السابق لبنك سي آي بي، والذي أقاله عامر العام الماضي، والتي تم الربط بينها وبين تأزم مزعوم لعلاقة عز العرب مع وزيرة الاستثمار السابقة، داليا خورشيد، زوجة عامر الثانية، على خلفية مذكرة تقدم بها النائب السابق محمد فؤاد للرقابة الإدارية، طالبت بالتحقيق في «تورط» خورشيد في استغلال منصب زوجها في تسهيل أعمالها وشركائها.
.. ومصادر: عبد الله والإتربي أبرز المرشحين لخلافة عامر
كشفت مصادر حكومية ومصرفية منفصلة لـ«مدى مصر» أن رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة للإعلام التابعة لجهاز المخابرات العامة، والرئيس السابق لمجلس إدارة البنك العربي الإفريقي، حسن عبد الله، يعد أبرز المرشحين لمنصب محافظ البنك المركزي، خلفًا لطارق عامر، وفيما أكد مصدر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يجتمع بعبد الله حاليًا، أشارت باقي المصادر إلى أن رئيس مجلس إدارة بنك مصر، محمد الإتربي، كان من بين الأسماء المرشحة بقوة للمنصب.
المصادر التي لم ترد ذكر اسمها، قالت إن هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية، ومديرة المعهد المصرفي التابع للبنك المركزي، كانت من بين الأسماء التي طرحتها بعض الجهات الحكومية كمحافظة للبنك المركزي، إلا أن هذا الترشيح قُوبل بالرفض نظرًا لعدم قدوم السعيد من القطاع المصرفي. فيما أشار مصدر إلى أن نائب رئيس مجلس إدارة بنك مصر، عاكف المغربي، كان من بين المرشحين ولكن بدرجة أقل.
وتنص المادة 216 من الدستور على آلية تعيين رؤساء الهيئات المستقلة، مثل محافظ البنك المركزي، وتتطلب قرارًا من رئيس الجمهورية بالتعيين لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة بعد موافقة البرلمان بأغلبية أعضائه.
رئيس لجنة الخطة والموازنة في البرلمان، فخري الفقي، قال لـ «مدى مصر» إنه ليس من الضروري أن يقطع البرلمان إجازته الجارية لعقد جلسة طارئة للموافقة على من سيتولى منصب محافظ البنك المركزي خلفًا لعامر، نظرًا لاستقالة اﻷخير قبل نهاية مدته، ما يعني أن يصدر رئيس الجمهورية قرارًا بتكليف المحافظ الجديد وليس تعيينه، وهو القرار الذي لا يستلزم موافقة البرلمان، ويسري إلى حين عودة البرلمان من إجازته، ليصدر حينها قرار التعيين ويوافق عليه البرلمان.
وأضاف الفقي أنه من المنتظر من محافظ البنك المركزي الجديد العمل على ملف قيود الاستيراد، وهي ضمن أهم النقاط الخلافية بين مصر وصندوق النقد الدولي حول القرض الجديد، مشيرًا إلى أن على المحافظ الجديد خلق «علاقة سلسة ومتناغمة» مع المدير التنفيذي الممثل عن الدول العربية داخل مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، محمود محي الدين، بجانب تجنب الظهور الإعلامي المكثف والاكتفاء بالبيانات الصحفية الرسمية، خلافًا لما اعتاد عامر عليه.
أخبار ذات صلة
لليوم الثاني.. القبض على 23 من أهالي الوراق المعترضين على نزع ملكية منازلهم | من أين جاءت حصيلة الشهادات الادخارية في مارس ومايو؟
السائح الفرنسي المختفي منذ عام في القاهرة يظهر في قنصلية بلاده ويغادر إلى باريس
لعبة الديون: ما فشلت فيه سيريلانكا وحققته مصر.. حتى الآن
الفارق الأكبر بين مصر وسيريلانكا في «لعبة الديون» وكيفية تأجيل أزماتها قدر الإمكان
لماذا اشترى «المركزي» أطنانًا من الذهب وقت ارتفاع سعره؟
تواصل أسعار الذهب في السوق العالمي على نحو يومي تقريبًا
ما تحتاج معرفته عن تراجع الاحتياطي الأجنبي
أكثر من ثمانية مليارات دولار فقدها الاحتياطي النقدي الأجنبي في شهرين، مارس وأبريل.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن