تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لماذا اشترى «المركزي» أطنانًا من الذهب وقت ارتفاع سعره؟

لماذا اشترى «المركزي» أطنانًا من الذهب وقت ارتفاع سعره؟

كتابة: بيسان كساب 10 دقيقة قراءة

تواصل أسعار الذهب في السوق العالمي على نحو يومي تقريبًا -مع القليل من التذبذبات- رحلة هبوطها المتواصلة منذ منتصف أبريل الماضي. 

قد يبدو هذا التوجه متوقعًا في ظل القوة التي يكتسبها سعر الدولار أمام العملات الرئيسية، وصولًا إلى مستويات هي الأعلى خلال 20 عامًا، بحسب مؤشر سعر الدولار، في ظل العلاقة العكسية بين سعر الدولار وسعر الذهب. كما يرتبط تراجع الذهب بشكل مباشر بهبوط الطلب عليه في السوق العالمي في ظل ارتفاع الفائدة على أدوات الدين الأمريكية، التي أصبحت تمثل بالتالي بديلًا أكثر جاذبية أمام المستثمرين. 

لكن، بعيدًا عن قرارات المستثمرين، تثير متابعة أسعار الذهب المتراجعة في السوق العالمي التساؤلات حول الحكمة من قرار البنك المركزي المصري شراء عشرات الأطنان من الذهب خلال الربع الأول من العام الحالي، لأن كل انخفاض في سعر الذهب يعني -ولو نظريًا على الأقل- انخفاض قيمة ممتلكات البنك المركزي من الذهب، التي راكمها في فترة ارتفاع سعره قبل أن يبدأ في رحلة طويلة من التراجع. لماذا إذًا يُقدم البنك المركزي على شراء كل هذا الذهب وقت ارتفاع سعره؟

يختلف شراء البنك المركزي للذهب عن عمليات شرائه المعتادة في السوق. «صفقات شراء الذهب الكبيرة عمومًا ينبغي أن تتجاوز تمامًا صورة الوجود الحقيقي للذهب»، يشرح شريف عثمان، النائب السابق لرئيس بنك المؤسسة العربية المصرفية والنائب الأسبق لرئيس البنك العربي. ما يحدث هو أن «صفقات البنك المركزي على الذهب تتم على أساس زيادة في حسابه من الذهب، ولا يشترط أن يعني ذلك نقل الذهب نفسه من مكان لآخر بناءً على الصفقة، وما يجري في هذه الحالة هو أن يطلب البنك المركزي من بنك آخر يتعامل معاه بإتمام صفقة شراء ذهب بتحويل النقد المكافئ له من بنك آخر، وليكن مثلًا -في حالة كان النقد بالدولار الأمريكي- بنك جي بي مورجان في نيويورك، ولا يعني هذا أن البائع قد نقل الذهب نفسه إلى مكان آخر، وإنما تقوم الصفقة على اعتبار الذهب الجديد جزء من رصيد البنك المركزي المصري في بنك آخر».

بالرغم من أن البنك المركزي المصري هو أكبر مشترٍ للذهب من بين كل البنوك المركزية في العالم في الربع الأول من عام 2022، بحسب تقرير مجلس الذهب العالمي عن الطلب العالمي على الذهب في تلك الفترة، إلا أن إجمالي ممتلكات البنك المركزي من الذهب بعد مشترياته الجديدة لا تخرج عن المألوف على الإطلاق. ويوضح الشكل التالي أن البنك المركزي المصري قد حل في المركز الرابع بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -وفقًا لتصنيف مجلس الذهب العالمي الذي لم يضم إسرائيل ولا تركيا- من حيث ممتلكاته من الذهب.

caption
تصوير: مجلس الذهب العالمي

وبالرغم مما سبق، يرجح أن يكون ما أقدم عليه البنك المركزي من شراء كثيف للذهب بلغ 44 طنًا خلال تلك الفترة -الربع الأول من العام الحالي- وبالتحديد في فبراير، تحولًا هامًا في توجهاته، كما يتضح من تحليل بيانات الذهب إلى إجمالي الاحتياطي بشكل تقريبي في أكثر من عشر سنوات. 

الشكل التالي يوضح حجم الذهب لدى البنك المركزي كنسبة من احتياطي النقد الأجنبي. ويظهر من الشكل نفسه ارتفاع نسبة الذهب إلى إجمالي الاحتياطي على نحو يشكل «قفزة» واضحة في تلك النسبة في فبراير الماضي، الذي يمثل آخر نقطة زمنية نشر «المركزي» بيانات الاحتياطي النقدي الأجنبي فيها، قبل أن يتضح من بيانات مجلس الذهب العالمي لاحقًا أن تلك النسبة قد جاوزت 20% بنهاية مارس. 

النسب تقريبية استندت إلى مفهوم الاحتياطيات الرسمية الذي يشمل صافي الاحتياطات الدولية بالإضافة إلى مخصصات -بسيطة- موجهة لسداد التزامات قصيرة الأجل
تصوير: بيانات التقارير الشهرية للبنك المركزي وحسابات مدى مصر 

لأول وهلة، لا يبدو من الشكل السابق أن الزيادة الأخيرة في نسبة ما يشكله الذهب من إجمالي الاحتياطي النقدي وصلت إلى مستوى قياسي، لأن استعراض تطورها خلال فترة تمتد لأكثر من عشر سنوات يُظهر مثلًا أن نسبة الذهب من إجمالي الاحتياطي النقدي الأجنبي تجاوزت تلك النسبة لتصل إلى 21% في يونيو 2012. ومع ذلك، فمراجعة متأنية للبيانات عن الاحتياطي النقدي تكشف أن كل المراحل التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الذهب إلى إجمالي الاحتياطي -وعلى رأسها طبعًا يونيو من عام 2012- كان السبب في ذلك يرجع إلى انخفاض الاحتياطي النقدي نفسه لا ارتفاع حجم الذهب المملوك للبنك المركزي. ولهذا السبب، فالزيادة الأخيرة التي تظهرها بيانات فبراير -كما يكشف الشكل السابق- تبدو استثنائية لأنها تأتي بينما الاحتياطي النقدي الأجنبي في وضع جيد نسبيًا (41 مليار دولار). أي أن القفزة في نسبة الذهب إلى إجمالي الاحتياطي تأتي بسبب قفزة كبيرة واستثنائية في كمية الذهب نفسها التي اشتراها البنك المركزي.

هذا الاستنتاج تثبته بيانات مجلس الذهب العالمي بالفعل، والذي أشار في تقريره عن الطلب على الذهب في الربع الأول من العام أن البنك المركزي المصري رفع من احتياطاته من الذهب بواقع 54% دفعة واحدة في فبراير خلال تلك الفترة ليصل إجمالي احتياطاته إلى 125 طنًا.

في هذا السياق «لا يمكن تذكر أي مرة أقدمت مصر على مشتريات بهذا القدر أو احتلت هذه المرتبة بين دول العالم في شراء الذهب في أي وقت سابق على الإطلاق وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي على الأقل»، حسبما أوضحت سلوى العنتري، الرئيسة السابقة لقطاع البحوث في البنك الأهلي والخبيرة البارزة في الشأن النقدي. 

الشكل التالي يُظهر حجم مشتريات البنك المركزي المصري في الربع الأول من العام -من بداية يناير وحتى نهاية مارس- مقابل صافي مشتريات البنوك المركزية في العالم كله في نفس الفترة- أي إجمالي الزيادة في ممتلكات البنوك المركزية من الذهب بعد خصم مبيعاتها منه. ويتضح من الشكل نفسه أن مشتريات البنك المركزي المصري مثلت 52.5% من إجمالي صافي مشتريات البنوك المركزية من الذهب في أول ثلاثة أشهر من العام.

caption
تصوير: تقرير الطلب العالمي على الذهب في الربع الأول من عام 2022 الصادر عن مجلس الذهب العالمي وحسابات مدى مصر

حجم التحول الذي تعنيه تلك المشتريات الكثيفة في سياسة البنك المركزي المصري حيال الذهب قد يبدو أوضح إذا تذكرنا أن أكثر الفترة الممتدة من العام 2000 وحتى نهاية 2021 لم تشهد أبدًا زيادة رصيد البنك المركزي من الذهب عن 80.91 طن، ولم يقل رصيده أيضًا عن 75.85 طن تبعًا لبيانات موقع ترادينج إيكونوميكس المختص بإحصاءات التجارة العالمية. ما يعني أن البنك حافظ طوال تلك الفترة على حركة ضعيفة لمشترياته ومبيعاته من الذهب، قبل أن يقرر فجأة أن يجمع هذا الرصيد الضخم الإضافي من الذهب.

هاني جنينة، المساعد السابق لوكيل محافظ البنك المركزي والمحاضر الحالي في الجامعة الأمريكية، رجح أن يكون السبب الرئيسي في توجه البنك المركزي هذا هو زيادة قدرة مصر على التحوط من حرب عملات على خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا، لأن الذهب يمثل عملة مدفوعات دولية محايدة (أي أن كل الأطراف تقبل بتلقي مستحقاتها بالذهب خاصة في الأوقات الاستثنائية بما في ذلك روسيا نفسها). «الدليل على ذلك هو سعي البنك المركزي الروسي لمراكمة الذهب عبر الشراء من البنوك التجارية الروسية بما يسمح له باستخدامه في بعض الأحيان لتسديد بعض المستحقات عليه بعدما جمدت أرصدته من الدولار واليورو والين الياباني»، يقول.

ووفقًا لنفس التصور، يرى عثمان أن البنك المركزي أبرم صفقات شراء الذهب تلك، على الأرجح، بعيدًا عن المراكز التقليدية لإتمام صفقات الذهب الكبرى، التي تتركز في العاصمة البريطانية لندن، وغالبًا ما سيكون قد أودع مشترياته الجديدة من الذهب في أنظمة مصرفية تسمح له باستخدام الذهب في سداد التزاماته في روسيا نفسها أو الصين أو الإمارات على سبيل المثال بمعزل عن العقوبات الغربية على روسيا.

«ينبغي هنا أن نتذكر أن القاعدة التي يقوم عليها نظام المدفوعات العالمي هو إيداع العملة في الدولة المصدرة لتلك العملة، ومن هذا المنطلق فالدولارات المملوكة للبنك المركزي المصري هي دولارات مودعة في الجهاز المصرفي الأمريكي مثلًا وهو نفس الوضع بالنسبة لليورو مثلًا»، تبعًا لعثمان، «ومن هذا المنطلق أمكن تطبيق العقوبات على روسيا بتجميد حساباتها بالدولار واليورو، لكن الذهب استثناء من هذه القاعدة ويمكن إيداعه في أي نظام مصرفي».

يرى عثمان أن البنك المركزي حقق خسائر بطبيعة الحال بسبب تراجع قيمة الذهب، الذي كان قد اشتراه في وقت سابق بطبيعة الحال، موضحًا «الخسائر والمكاسب تظهر في نهاية كل شهر بتقييم كامل للأصول مقابل الدولار بما في ذلك الذهب، أي [...] انخفاضًا في قيمة الاحتياطي النقدي الأجنبي».

وكان البنك المركزي قد أعلن تراجع الاحتياطي الأجنبي النقدي بنهاية مارس الماضي ليصل إلى 37 مليار دولار، مقابل حوالي 41 مليار بنهاية فبراير السابق عليه، قبل أن يستقر عند مستوى 37 مليار دولار في أبريل، ثم يتراجع بحدة إلى 35.5 مليار دولار في مايو، وهو تراجع برره «المركزي» بسداد مديونيات خارجية. ويرجح شريف عثمان أن يكون جانب من هذا الانخفاض راجعًا إلى تراجع قيمة أصول البنك المركزي من الذهب خاصة بعدما ارتفعت نسبته إلى إجمالي الاحتياطي.

ومع تصاعد نذر الحرب، ارتفع سعر الذهب على نحو متواصل تقريبًا -مع بعض التذبذب من 1805.8 دولار للأوقية في 30 ديسمبر الماضي، وصولًا إلى 1884 دولار في 25 فبراير (أول أيام الحرب الأوكرانية) قبل أن تزداد وتيرة الزيادات بعدها بشدة ليتجاوز سعر الأوقية 2039 دولار في 8 مارس الماضي. وبعدها انقلبت الآية وأخذ السعر في التراجع وصولًا إلى 1811 دولار للأوقية في منتصف مايو. ويعني هذا أن البنك المركزي المصري قد اشترى الذهب بأسعار مرتفعة -لكون مشترياته قد تركزت في فبراير، وبعدها انخفضت قيمة رصيده من الذهب مع تراجع الأسعار.

لكن على الأرجح، لم يكن «المركزي» راغبًا أصلًا في الاستثمار في الذهب بالمنطق الذي يسمح له بتحقيق أرباح من شرائه على المدى القصير، كما توضح سلوى العنتري. «البنك المركزي المصري كغيره من البنوك المركزية لا يستند في قراراته المتعلقة بالاحتياطي النقدي الأجنبي إلى النزعة إلى تحقيق الأرباح قصيرة المدى أو المضاربة»، تقول العنتري، مضيفة: «ومن هذا المنطلق فالخسائر المتحققة من تراجع أسعار الذهب في السوق العالمي لا تمس البنك المركزي مباشرة إلا لو قرر بيع الذهب في الأجل القصير».

وبحسب العنتري وعمرو عادلى، الأستاذ المساعد للاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية، فالذهب قادر على توفير الحماية من التذبذبات في أسعار العملات، لا لأي سبب متعلق بالارتفاعات في أسعاره على المدى القصير، وإنما لأنه أثبت قدرته على تحقيق مسار صعودي غير عنيف في أسعاره على المدى الأطول دون خسائر. ويرجع عادلي هذا الاستقرار النسبي في سعر الذهب إلى أن التكنولوجيا المستخدمة في استخراجه لا تسمح بزيادة كمية الذهب عن حد معين، بما يعني أن العرض منه لن يزيد عن حد معين ينخفض معه السعر.

ولهذا رجح مجلس الذهب العالمي في تقريره ألا يكون البنك المركزي قد اعتمد على مشترياته من منجم السكري لزيادة ممتلكاته من الذهب في تلك الفترة. «كانت [مصر] تضيف الذهب من منجم محلي [السكري] لكن عادة بزيادات صغيرة، كما اتخذت الحكومة المصرية خطوات نحو زيادة الإنتاج المحلي على المدى الطويل»، لكن «الهبوط في احتياطي العملات الأجنبية في فبراير قد يعني أن [شراء] 44 طنًا لم يمول من مصادر محلية»، بحسب التقرير.

وتشير بيانات الاحتياطي النقدي في فبراير إلى انخفاض قدره 2.5 مليار دولار في رصيد العملات الأجنبية (أي سلة العملات المعترف بها في التجارة الدولية) وهو أكبر مكونات الاحتياطي النقدي الأجنبي، ليصل إلى 31.585 مليار دولار، مقابل 34.141 مليار دولار في يناير، في مقابل ارتفاع قيمة الذهب في الاحتياطي النقدي -مقومًا بالدولار- بنفس القدر تقريبًا، ليصل إلى 6.907 مليار دولار مقابل 4.204 مليار دولار.

ويرجح عثمان أن يكون البنك المركزي قد استخدم رصيده من الدولار أكثر من غيره من العملات في شراء الذهب، «للاستفادة من ارتفاع سعره السابق على تلك الخطوة، فيما يعد عملية جني أرباح، وهي الاستفادة من بيع عملة ما [أو غيرها] في وقت ترتفع أسعارها، لأن سعر الدولار مقابل سلة من العملات واصل الارتفاع بشكل مستمر تقريبًا العام الماضي منذ أصبح من شبه الأكيد توجه الفيدرالي الأمريكي [الذي تحقق لاحقًا] برفع سعر الفائدة».

وهو نفس ما يذهب إليه هاني جنينة، موضحًا أن رصيد البنك المركزي من العملات الأجنبية هو في حقيقته، «في معظمه استثمارات في أذون وسندات معظمها أذون وسندات أمريكية مودعة في الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال، لكن الكثير من تلك الأذون والسندات تواجه خطر فقدان جاذبيتها في حال أراد البنك المركزي تسييل بعضها لأي سبب، وبالتالي بيعها في السوق الثانوي، لأن كل زيادة في أسعار الفائدة على الأذون والسندات الأمريكية يعني أن الطروحات الجديدة من تلك الأوراق المالية هو أكثر جاذبية من الرصيد القديم منها الذي أصدرته الولايات المتحدة بأسعار فائدة أقل»، مضيفًا «في هذه الحالة يصبح من المرجح أن يلجأ البنك المركزي لشراء الذهب عبر تسييل بعض تلك الأوراق التي ستقل جاذبيتها مع كل زيادة جديدة في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، على أن يعود لشراء سندات وأذون خزانة أمريكية جديدة حين يصبح من المؤكد أن الفائدة في الولايات المتحدة قد وصلت لأعلى مستوياتها».

ويضيف عمرو عادلي سببًا آخر، في هذا السياق، هو «التركز الشديد لرصيد مصر من العملات الأجنبية في صورة دولارات أمريكية [أو بالأحرى أوراق مالية أمريكية] وهو ما يرجح في ظل مخاطر عدم اليقين في وقت الحرب أن يسعى البنك المركزي والحكومة إلى تقليل هذا التركز، لأن كل تنوع في الاحتياطي النقدي الأجنبي يشكل في حد ذاته حماية من التقلبات الشديدة في سوق العملات المرتبط بأجواء الحرب، وهو ما يتبدى أيضًا في سعي مصر لجمع الين الياباني على سبيل المثال عبر الطرح الأخير لسندات الساموراي في اليابان والطرح المنتظر لسندات الباندا لجمع اليوان الصيني».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن