بعد عامين من الحرب.. الحكومة السودانية تعود إلى الخرطوم فيما يجتاح «الضنك» العاصمة | وزير المالية يبحث في الدوحة إنشاء مصفاة للذهب والإمارات تحتجز سفينة نفط قادمة من السودان | «الدعم السريع» يصعد من هجماته على الفاشر ويقتل 24 مدنيًا
احتضنت العاصمة السودانية الخرطوم والتي خضع معظم أجزائها لسيطرة الدعم السريع لنحو سنتين، أول اجتماع لمجلس الوزراء السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، برئاسة رئيس الحكومة، كامل إدريس، وأعضاء حكومته كافة، في خطوة تكشف عن نقلة سياسية كبيرة في موازين الصراع العسكري الدائر في البلاد، بالعودة التدريجية من مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة والواقعة في أقصى شمالي شرق السودان.
تأتي عودة الحكومة المركزية في السودان إلى مدينة الخرطوم التي دمرتها حرب طاحنة كمحاولة لاستعادة الحياة وإعادة الإعمار وجذب ملايين آخرين للعودة. كما تتزامن مع عودة مئات الآلاف من سكانها بعد إكمال الجيش سيطرته عليها في مايو الماضي، وسط انتشار الأمراض الوبائية التي تفتك بسكانها خاصة حمى الضنك، حيث أفاد مصدر طبي من الخرطوم لـ«مدى مصر» بتسجيل نحو 500 إصابة بحمى الضنك خلال أسبوع واحد. فيما عزا وزير الصحة بولاية الخرطوم، انتشار المرض إلى موجة الأمطار الغزيرة التي هطلت في العاصمة خلال أغسطس الحالي.
ولاستعادة اقتصاد حطمته الحرب، سافر وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، إلى العاصمة القطرية الدوحة، للبحث مع المسؤولين هناك إنشاء بورصة لتصدير الذهب السوداني الذي يمثل مورد البلاد الاقتصادي الرئيسي، حيث تجئ الخطوة في أعقاب حرب اقتصادية شرسة شنتها الإمارات على السودان، تسببت في توقف حركة التجارة بين البلدين.
وضمن تداعيات الحرب الاقتصادية الإماراتية، احتجزت أبوظبي، سفن شحن تحمل نفط جنوب سوداني، كانت تحركت من ميناء بشائر في السودان.
وقال مصدر في وزارة النقل السودانية لـ«مدى مصر» إنه ربما تؤدي هذه السياسات الإماراتية، إلى وضع الحكومة السودانية في موقف حرج خصوصًا مع جنوب السودان حيث يعول على إعادة صادراته النفطية إلى السوق بعد توقف نحو عام بسبب الحرب في السودان.
أما في دارفور، فقد تجاوزت تأثيرات حصار قوات الدعم السريع على الفاشر كل حد، حيث رسمت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» صورة كارثية للأوضاع الإنسانية في المدينة، حيث تستمر العمليات العسكرية والقصف المدفعي بشكل شبه يومي.
وأكدت «يونسيف» أن نحو ستة آلاف طفل في الفاشر يعانون من سوء التغذية الحاد دون علاج، فيما توفي ما لا يقل عن 63 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال بسبب سوء التغذية في أسبوع واحد. وادى حصار «الدعم السريع» القائم منذ أكثر من عام واشتد بالمدة الأخيرة إلى نفاد الإمدادات، ما أجبر الجهات العاملة على تعليق الخدمات اللازمة لإنقاذ حياة ساكني الفاشر.
ميدانيًا، استمرت المواجهات البرية العنيفة في الفاشر للأسبوع الثاني على التوالي، حيث أعلن الجيش وحلفاؤه في القوة المشتركة والمتطوعين التصدي لهجمات «الدعم السريع».
بالتزامن مع ذلك، واصلت قوات الدعم السريع قصف الأحياء السكنية والأسواق في الفاشر ومخيمات النازحين، والذي تسبب في قتل 24 مدنيًا في السوق المركزي وحي الرديف، كما اختطفت ثماني نساء من معسكر أبوشوك بعد اجتياح أجزاء منه يوم الأحد الماضي.
حمى الضنك تجتاح الخرطوم بالتزامن مع انتقال الحكومة المركزية إليها
في الوقت الذي تدفع فيه الحكومة السودانية بتسريع خطوات إعادة الحياة إلى العاصمة، تفشت موجة جديدة من الوبائيات بالتزامن مع عودة أكثر من نصف مليون مواطن إليها.
وخلال أسبوع واحد فقط، سُجلت ولاية الخرطوم حوالي 500 إصابة جديدة بحمى الضنك، حسبما قالت عضوة شبكة أطباء السودان، تسنيم الأمين، لـ«مدى مصر».
وبينما يستمر انتشار الأمراض، تفتقد العاصمة السودانية الخرطوم للخدمات الضرورية البيئية والصحية في ظل انعدام شبه كلي لمعدات النظافة وفتح المصارف، خصوصًا في المناطق الحدودية، حيث لا تصل جهود إعادة الإعمار الرسمية بنفس كثافتها بالمناطق المحيطة بالمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.
وتوقعت الأمين أن تتزايد هذه الإصابات مع بلوغ موسم الأمطار ذروته خلال الأيام المقبلة، مشيرة إلى أن ولاية الخرطوم تعاني من انتشار كثيف لنواقل الأمراض بسبب النفايات وعدم فتح المجاري، بالإضافة إلى انهيار الشبكة الصحية بالعاصمة حيث تغيب المراكز الصحية ومكافحة نواقل الأمراض بالمحليات.
بدوره قال وزير الصحة بولاية الخرطوم، فتح الرحمن الأمين، لـ«مدى مصر» إن انتشار حمى الضنك يعود إلى موجة الأمطار الأخيرة التي اجتاحت الخرطوم خلال الأسبوع، لافتًا إلى أن الوزارة تعمل حاليًا على محاولة تفادي الأزمة بالتعاون مع حكومة الولاية ووزارة الصحة الاتحادية.
وأضاف الأمين أن هناك ثلاثة قطاعات طبية في الولاية مقسمة على مدنها الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري، موضحًا أن قطاع أم درمان الذي لم يشهد دخول كبير لقوات الدعم السريع خلال عامين من احتلالها أجزاءً من العاصمة، لذا تم تأهيل القطاع الصحي والمستشفيات وإدخال خدمات نوعية كانت غير موجودة قبل الحرب. أما قطاعا بحري والخرطوم، فوضعهما أكثر صعوبة، إذ لم تتجاوز الطاقة التشغيلية للمستشفيات فيهما نحو 60%، و45% في المدينتين على الترتيب.
وقال إن التأخير في الخرطوم سببه تأخر دخول المياه والكهرباء للمحلية، مشيرًا إلى أنه سيجري تغطيتها خلال شهر بالتنسيق مع المنظمات الأممية والمحلية. كما أكد الوزير احتواء أمراض الكوليرا والإسهال المائي والملاريا بالولاية.
وكانت الكوليرا اجتاحت العاصمة في بدايات العام الماضي ووصلت أوجها في مايو مع عودة المواطنين، ما شكل ضغطًا كبيرًا على القطاع الصحي وكشف عن نواقص الخدمات الأساسية إذ عانى السكان للوصول إلى مياه نظيفة، فيما عانت المؤسسات الصحية من انقطاعات الكهرباء التي لا تزال تضرب أنحاء الخرطوم.
وأوضح الوزير أن كل الجثامين الموجودة على الأرض تم دفنها، أما في ما يخص الجثامين المدفونة دفنًا سطحيًا فقد تم الانتهاء من 65% منها.
مجلس الوزراء يجتمع في الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.. و«الخارجية» لا تزال تنتظر تعيين وزيرها

بينما لا تزال السلطات في الخرطوم تكافح لعودة الخدمات العامة، عقدت الحكومة السودانية، الثلاثاء الماضي، أول اجتماع لها في العاصمة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وترأس الجلسة رئيس الوزراء، كامل إدريس، بعد إعلانه عن خطة انتقال الحكومة إلى الخرطوم اعتبارًا من سبتمبر المقبل، عقب فترة طويلة من إدارة شؤون البلاد من العاصمة الإدارية بورتسودان طوال فترة الحرب.
وكان إدريس حسم تشكيل حكومته أواخر يوليو الماضي، منهيًا بذلك أشهرًا من التأخير، الذي لم يُكسر إلا تحت ضغوط من مجلس السيادة الانتقالي التي أجهضت فعليًا مساعي إدريس لتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية بالكامل. ومع أداء آخر وزيرين القسم الدستوري في 23 أغسطس الجاري، فتح الباب لعقد الاجتماع الرسمي الأول، حسبما قال مصدر بوزارة شؤون مجلس الوزراء لـ«مدى مصر».
إلا أن منصب وزير الخارجية ظل شاغرًا، إذ أثار الخلافات داخل أروقة مجلس السيادة، بشأن الموافقة على الترشيحات التي قدمت إليه. وتعاقب على وزارة الخارجية منذ اندلاع الحرب ثلاثة وزراء هم: علي الصادق، وحسين عوض، وعلي يوسف، الذي أمضى ستة أشهر على كرسي الوزارة قبل أن يتم تعيين سفير السودان السابق لدى الصين، عمر صديق، وزيرًا للدولة بالخارجية.
وأوضح المصدر أنه من المنتظر أن يعلن كامل إدريس تسمية وزير الدولة بالخارجية، عمر صديق وزيرًا للخارجية.
وقال مصدر بلجنة إعداد قوائم الترشيحات إن إدريس اعتمد في اختيار الوزراء على آلية تبدأ بترشيح الأشخاص عبر لجنة من شخصيات وزارية سابقة، بالإضافة إلى سفراء وبعض الشخصيات المقربة منه، ومن ثم يبحث في الملفات التي ترفع له ليتم اختيار شخصية أو اثنتين تطرح على مجلس السيادة للمصادقة عليها.
وأضاف المصدر أن التعقيد لا يكمن في الأسماء التي تطرح ولكن في تقاطعات الكتلة المشكلة للتحالف الحالي، حيث تدخل الحركات والجيش في تحديد الأسماء وأيضا البرهان كشخص يمتلك توازنات التحالف الحاكم حاليًا.
ويُنظر إلى اجتماع مجلس الوزراء باعتباره خطوة رمزية نحو إعادة تموضع مؤسسات الدولة في العاصمة، فيما لا تزال العاصمة تعاني تحت وطأة الدمار. أما العائدون إليها بدفع من الحكومة للمساهمة في جهود إعادة الإعمار، فيكافحون لتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط موجات متتالية من الأوبئة التي دفعت بالنظام الصحي المتهالك إلى حافة الانهيار.
واقتصاديًا، تواجه الحكومة صعوبات في مساعيها لتوفير تمويل برامجها خصوصًا مع الانهيار المستمر للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية حيث بلغ سعر الجنيه أمام الدولار الأمريكي حوالي 3.500 جنيه في السوق الموازي في حين يتوقع استمرار صعود الدولار، بحسب مصدر بوزارة المالية.
ويسعى البرهان وإدريس إلى عودة الحكومة الاتحادية للخرطوم من أجل ضمان عودة البعثات الدبلوماسية خصوصًا الاتحاد الإفريقي الذي من المتوقع أن يعيد تنشيط عضوية السودان مجددًا، بحسب مصدر في مجلس السيادة، وأيضًا جميع مؤسسات الأمم المتحدة التي تعود تدريجيًا للعمل من الخرطوم.
وزير المالية يزور قطر لبحث إنشاء مصفاة الذهب
غادر وزير المالية، جبريل إبراهيم، إلى العاصمة القطرية الدوحة في أول رحلة خارجية له منذ توليه المنصب بحكومة إدريس، حسبما قال مصدر بوزارة المالية لـ«مدى مصر».
وتوقع مصدر بوزارة شؤون مجلس الوزراء أن يناقش إبراهيم مع نظيره القطري عددًا من الملفات المهمة والعاجلة، وفي مقدمتها إنشاء مصفاة للذهب في الدوحة، وذلك في إطار اتفاق كانت السودان وقطر توصلتا إليه في مايو 2024.
ورغم أن الاتفاق أبرم العام الماضي، إلا أن الدفع بالمشروع أصبح ملحًا بعد أن علّقت الإمارات -أكبر مشتر للذهب السوداني- تعاملاتها التجارية مع السودان منتصف أغسطس الجاري. ومن شأن المصفاة، التي ستنشأ بشراكة مع رجال أعمال قطريين، استيعاب صادرات الذهب من السودان عبر الدوحة.
وجاء الاتفاق خلال لقاء جمع وزير التجارة والتموين السوداني السابق، الفاتح عبد الله يوسف، بوزير التجارة والصناعة القطري، محمد حمد بن قاسم آل ثاني، في العاصمة القطرية.
ولم ينفِ المصدر أن يتلقى السودان دعمًا ماليًا من دولة قطر، حيث أكد أن العلاقات السودانية القطرية ستشهد تطورًا في ملفات دعم إعادة الإعمار بمستوياتها المختلفة سواء في البنية التحتية أو الدعم المالي للحكومة.
وقال مصدر في مجلس السيادة إن الحكومة السودانية تعول على مجهودات الدول العربية وعلى رأسهم مصر والمملكة العربية السعودية وقطر، بالإضافة إلى تركيا في تقديم مساهمات سواء في الخبرات الحكومية أو تمويل المشاريع المتعلقة بإعادة الإعمار في العاصمة الخرطوم والسودان ككل.
سفينة نفط قادمة من السودان تعلق في الفجيرة بسبب سياسات الإمارات الجديدة
تسبب عدم فصل السلطات الإماراتية في طلب رسو سفينة نفط من جنوب السودان كانت قادمة من ميناء بشائر في السودان إلى بقائها عالقة لمدة أسبوعين في ميناء الفجيرة في الإمارات.
وأشار مصدر في وزارة النقل السودانية إلى أن السفينة كانت أبحرت من ميناء بشائر في السودان محملة بنحو 80 ألف طن من خام (دار بلند) المنتج في جنوب السودان، وطلبت الرسو في ميناء الفجيرة إلا أن السلطات الإماراتية لم تفصل في الطلب، ومن ثم توجهت إلى ماليزيا.
وأضاف المصدر أن السياسات الإماراتية الجديدة -التي تشمل حظر الشحنات السودانية- تهدد بتعطيل إجراءات الدفع وغيرها من الترتيبات المالية، مما يضع الحكومة السودانية في موقف حرج خصوصًا مع جنوب السودان الذي يعول على إعادة صادراته النفطية إلى السوق بعد توقف قارب العام.
وكان تصدير نفط جنوب السودان توقف لنحو العام بعد تعرضه لسلسلة من الضربات منذ اندلاع الحرب، إذ عمدت قوات الدعم السريع إلى تخريب الحقول وخطوط الأنابيب، وسيطرت على مصفاة الخرطوم للبترول (الجيلي) في اليوم الأول من الحرب، ثم استولت في الشهر التالي على محطة العيلفون التي تضخ النفط من جنوب السودان. وفي مارس 2024، أعلنت الحكومة السودانية عن عدم قدرتها على نقل نفط جنوب السودان بسبب القوة القاهرة، قبل أن يتم إصلاح خطوط الأنابيب وتًستأنف تدفقات البترول.
ويحاول جنوب السودان الاستفادة من صادرته في تعديل أوضاعه الاقتصادية والسياسية حيث دخلت البلاد في أزمة دستورية بتمديد الفترة الانتقالية لثلاث سنوات وتوتر الأوضاع على إثر انهيار اتفاق السلام بين الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار.
وكان البرهان ناقش مع كير في سبتمبر الماضي مسألة النفط، ووعد كير بتصدير النفط دون أي عوائق عسكرية ولوجستية، حيث عمل الجيش على صيانة الخط الناقل، حسبما قال مصدر عسكري، بالرغم من العمليات العسكرية من أجل فك ضائقة حكومة جنوب السودان.
إلا أن الإمارات وبحسب المصدر تسعى عبر سياسات الحصار إلى الضغط على السودان من أجل إفشال أي محاولة لاستعادة عمل الدولة بشكل طبيعي.
مع تشديد حصار الفاشر.. «يونيسيف»: أطفال المدينة يتضورون جوعًا.. ووصول أول قافلة مساعدات إلى جنوب كردفان منذ أشهر

رسمت الأمم المتحدة صورة كارثية للأوضاع الإنسانية في مدينة الفاشر شمالي دارفور، حيث تستمر العمليات العسكرية والقصف شبه اليومي وسط حصار مشدد تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة.
وقال المديرة التنفيذية لوكالة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، كاثرين راسل، في بيان الأربعاء الماضي: «أطفال الفاشر يتضورون جوعًا، فيما تُمنع خدمات التغذية المنقذة للحياة التي تقدمها يونيسف».
وبحسب المنظمة الأممية، لا يزال 260 ألف مدني، بمن فيهم 130 ألف طفل، محاصرين في ظروف بائسة، وقد انقطعت عنهم المساعدات لأكثر من 16 شهرا.
وأكدت «يونسيف» أن ما يقدر بستة آلاف طفل في الفاشر يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم دون علاج، فيما توفي ما لا يقل عن 63 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال، بسبب سوء التغذية في أسبوع واحد.
ولفتت إلى أنه أكثر من عشرة آلاف طفل في الفاشر عولجوا من سوء التغذية الحاد الوخيم منذ يناير، وهو ما يقرب من ضعف الرقم المسجل في العام الماضي، ولكن نفاد الإمدادات أجبر الآن على تعليق الخدمات.
وحذرت راسل من أن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية هو «انتهاك جسيم لحقوق الأطفال»، مضيفة أن «حياة الأطفال على المحك». وجددت «يونيسف» دعوتها إلى وصول فوري وكامل للمساعدات، بما في ذلك توسيع فترات توقف القتال للسماح بوصولها.
ونبهت «يونيسف» إلى أن الخسائر التي لحقت بالأطفال كارثية، فمنذ بدء الحصار في أبريل 2024 تم التحقق من أكثر من 1100 انتهاك جسيم في الفاشر وحدها، بما في ذلك قتل وتشويه أكثر من ألف طفل، وقد قُتل العديد منهم في منازلهم أو داخل مخيمات النزوح أو في الأسواق.
وفي الوقت الذي يشتد فيه الجوع داخل الفاشر ومخيمات النزوح المحيطة بها، تتعرض قوافل المساعدات للاستهداف، فيما يواصل «الدعم السريع» رفض أي وقف إنساني لإطلاق النار.
ومنذ مايو 2024، قطع الحصار كل خطوط الإمداد، ما أجبر المرافق الصحية وفرق التغذية المتنقلة إلى تعليق خدماتها بسبب نفاد الإمدادات، بحسب «يونسيف»، كما تعرضت المستشفيات للاعتداءات المستمرة، حيث تم قصف 35 مستشفى، بما في ذلك مستشفى الفاشر التعليمي السعودي للأمومة، الذي قُصف أكثر من عشر مرات. وفي يناير، دمر القصف المركز الصحي العلاجي في مخيم أبو شوك، مما حرم آلاف الأطفال من العلاج.
ما يزيد الأمر سوءًا أن الأزمة تزامنت مع أسوأ تفشٍ للكوليرا في السودان منذ عقود. ففي المخيمات المكتظة بالسكان حول الطويلة وزمزم والفاشر، أصبح الأطفال الذين أضعفهم الجوع معرضين بشدة للأمراض القاتلة التي تنتقل عن طريق المياه، وفق لـ«يونسيف».
بالتزامن مع ذلك، شهدت شرق الفاشر، في منطقة كردفان التي أصبحت في الأشهر الأخيرة ساحة القتال الأهم في الحرب، إذ يحاول الجيش الدفع نحو دارفور، معقل «الدعم السريع» الأكبر، وصلت أول قافلة إغاثة منذ أشهر إلى مدينتي الدلنج وكادوقلي في جنوبي كردفان. وتخضع المدينتان لحصار مشترك من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال منذ تسعة أشهر. وتقدر «يونسيف» أن أكثر من 63 ألف طفل في المدينتين يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم عشرة آلاف على الأقل في حالة حرجة.
ويتوقع أن يستفيد من القافلة التي حملت أغذية علاجية أكثر من 120 ألف شخص، لكن ممثل «يونيسف» في السودان، شيلدون ييت، حذر من أن «قافلة واحدة لا تكفي. فبدون وصول إنساني مستدام، لن يتمكن العديد من الأطفال ببساطة من النجاة».
استمرار المواجهات في الفاشر ومدفعية «الدعم السريع» تقتل 24 مدنيًا
ما زالت الفاشر تشهد معارك برية عنيفة للأسبوع الثاني على التوالي في ظل تصعيد قوات الدعم السريع هجماتها على آخر معاقل الجيش الكبرى في إقليم دارفور، ما أسفر هذا الأسبوع عن مقتل ما لا يقل عن 24 مدنيًا.
وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر»، إن الجيش صد هجومًا عنيفًا يوم الخميس على الدفاعات الجنوبية والشمالية لمدينة الفاشر، وكبد «الدعم السريع» خسائر فادحة في الأرواح والمعدات العسكرية، وذلك بعد أيام من القصف المتواصل منذ الاثنين الماضي، مشيرًا إلى أن مئات القذائف تطلق كل يوم على الأسواق والمناطق السكنية مخلفة عشرات القتلى والجرحى من المدنيين.
وأوضح أن «الدعم السريع» ركزت هجماتها على المحور الجنوبي بهدف التقدم نحو سلاح المدرعات التابع للجيش في المدينة تحت غطاء واسع من المدفعية والمسيرات الاستراتيجية، وفي المقابل، استخدم الجيش في الأيام الأخيرة خططًا جديدة للدفاع عن المدينة وذلك عبر إخلاء بعض المناطق المكشوفة والتحصن داخل الأحياء الطرفية والاستعداد لحرب الشوارع.
غير أن مصدر في «الدعم السريع» قال لـ«مدى مصر» إنهم تقدموا في عدة محاور في الفاشر، واستطاعوا الوصول إلى حي أولاد الريف وسوق المواشي القريب من وسط المدينة، وهي مناطق تعرضت لقصف مدفعي كثيف الأربعاء الماضي، بحسب شبكة أطباء السودان، ما أسفر عن مقتل 24 مدنيًا وإصابة 55 آخرين.
وأضاف المصدر أن سقوط قيادة الفرقة السادسة مشاة وكامل المدينة أصبح متوقعًا أكثر من أي وقت مضى. لكن رئيس حركة جيش تحرير السودان في دارفور والقيادي بالقوة المشتركة، محمد آدم أحمد قال لـ«مدى مصر» إن الفاشر تحت السيطرة وقواتهم في أتم الاستعداد.
وأشار إلى تصديهم يوم الخميس للهجوم رقم 235، موضحًا أن «الدعم السريع» حشدت له قبل فترة مع حلفائها في تأسيس مثل حركة جيش تحرير السودان -المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس وتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر.
وتتهم القوة المشتركة الحركات المسلحة الدارفورية المتحالفة مع «الدعم السريع» بالمشاركة في الهجوم على الفاشر.
واتهم آدم «الدعم السريع» بنشر دعاية مكثفة تشير إلى اقترابهم من قيادة الفرقة، قائلًا إنها أكاذيب ظلت ترددها منذ الهجمات التي قادها القائد السابق في «الدعم السريع»، علي يعقوب، قبل أكثر من عام، وقتل في الفاشر على إثرها، موضحًا أن هدف ذلك استدراج وتجنيد من أسماهم البسطاء بأن هناك أموال في الفرقة والمدينة على وشك السقوط «ومن ثم يتم قتلهم كما جرت العادة».
ولكن تقرير نشره «مختبر الأبحاث الإنسانية» التابع لجامعة ييل، الخميس الماضي، قال إن قوات الدعم السريع تسيطر على حركة السكان من وإلى مدينة الفاشر من جميع الاتجاهات، مشيرًا إلى أن «الدعم السريع» قد «هيأت الظروف التكتيكية اللازمة لهزيمة الفرقة السادسة مشاة».
وبينما حافظت «الدعم السريع» على سيطرتها على الجهة الشمالية الشرقية للمدينة منذ بداية الحصار، فإنها أحكمت قبضتها عمليًا على جنوب الفاشر عقب سيطرتها على معسكر زمزم للنازحين في أبريل الماضي. ومنذ ذلك الحين، شرعت في إنشاء سواتر ترابية بطول 31 كيلومترًا حول المدينة، بينها تسعة كيلومترات شُيّدت بين 19 و27 أغسطس الجاري فقط، لتطويق الجهة الشرقية والطريق الرئيسي المؤدي إلى خارجها، بحسب التقرير، وذلك بالتزامن مع تصعيد الهجمات على الفاشر.
ووفق صور الأقمار الصناعية التي استند إليها التقرير، فإن المناطق الوحيدة غير المطوقة بعد حتى الأربعاء الماضي، تقع إلى الجنوب والجنوب الغربي، إضافة إلى الجهة الشمالية الشرقية قرب معسكر السلام للنازحين، فيما لا تزال أعمال البناء مستمرة.
وحذّر التقرير من أن «قوات الدعم السريع تُنشئ حرفيًا صندوق قتل حول الفاشر. فهذه السواتر ستشكّل حواجز مادية لمنع تهريب السلع مثل الغذاء والدواء إلى داخل المدينة أو خروج المدنيين منها». وإذا بلغ اليأس بالمدنيين حدّ النزوح الجماعي ومحاولة تخطي هذه السواتر، فإن قوات الدعم السريع «يمكنها بسهولة قتلهم».
وأضاف التقرير أن قوات الدعم السريع تواصل تقييد حركة الفارين عبر أساليب تشمل المضايقات والسرقة والخطف، وفي بعض الحالات الإعدام خارج القانون.
وفي شمال الفاشر، يتعرض مخيم أبو شوك للنازحين كذلك لهجمات متصاعدة من قبل «الدعم السريع» منذ أسبوعين. وقالت غرف طوارئ المخيم إن قوات الدعم السريع اقتحمت المخيم الأحد الماضي، واختطفت ست نساء وطفلين، ونقلتهم إلى مكان مجهول، ليرتفع عدد المفقودين المسجلين في المخيم إلى 20.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن